بسم الله الرحمن الرحيم
بحثنا في العصمة وهذا البحث من اهم المباحث الكلامية والتفسيرية والحديثية ولهذا نجد اهتمام العلماء به قديم ولانه صار محلا للكثير من الشبهات حاولنا بيان هذه العقيدة بشئ من التفصيل وعلى شكل حلقات :
تعريف العصمة لغة واصطلاحا:
فهي لغة بمعنى المنع والامساك قال ابن فارس :عصم له اصل واحد يدل على امساك ومنع من ذلك ان يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع فيه وبهذا المعنى ورد في لسان العرب لابن منظور ج12 ص403 وتاج العروس ج8 ص398 والصحاح ج5 ص1986 مادة عصم وقد استعملت في القران الكريم على لسان ابن نوح[قال ساوي الى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من امر الله]وايضا في قوله تعالى [ واعتصموا بحبل الله جميعا [
فان قيل بحسب ما سبق وهو ان العصمه هي بمعنى المسك والمنع فاذا ليس لها معنى واحد؟
اجبناه:بان التمسك اخص من المنع وهذا ما اشار اليه الراغب في مفرداته ص569 والامر بينهما دقيق تلاحظون لو ان احدا اراد ان يقع من مكان عال ومنعه شخص فيقال منعه لكن ان مد يده وامسكه كان هذا المنع اخص من ذلك المنع الذي ليس فيه مسك.
واما العصمة في الاصطلاح:
فقدة عرفها الشيخ المفيد رحمه الله في النكت الاعتقادية ص37 ضمن مصنفات الشيخ المفيد
ج10[العصمة لطف يفعله الله بالمكلف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما .]
وعرفها العلامةالحلي رحمه الله في الباب الحادي عشر ص37 [العصمة لطف بالمكلف بحيث لا يكون له داع الى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك .]
وكذا عرفها د.عبد الرحمن عميرة في تعليقته على شرح المقاصد ج5 ص50 قال :[العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها.]
وبالامعان في التعاريف المذكورة يتضح دفع شبهة ان العصمة تسلب الاختيار عن صاحبها فلا يقدر معها على ارتكاب المعصية ومعه لا تصبح فضيلة ومكرمة ؟
والجواب: ان العصمة لا تسلب الاختيار عن الانسان باي معنى فسرت وعلى كل تقدير فالانسان المعصوم مختار في فعله قادر على الفعل والترك وتوضيح ذلك بالمثال :ان الانسان العاقل الواقف على وجود الطاقة الكهربائية في الاسلاك المنزوعة من سلكها لا يمسها كما ان الطبيب لا ياكل من سؤر المجذومين لعلمهما بعواقب فعلهما وفي الوقت نفسه يرى كل منهما نفسه قادرا على ذلك الفعل بحيث لو اغمض عينه عن حياته وهيئ نفسه للمخاطرة لفعل ما يتجنبه لكنهما لا يقومان به لحبهما لحياتهما .
فالمعصوم لا يعصي لا لعدم قدرته على ارتكاب المعصية بل لعلمه بعاقبة الامور كالوالد العطوف لا يقدم على قتل ولده مع قدرته على ذلك.
تاريخ ظهور فكرة العصمة عند المسلمين:
قال تعالى واصفا الملائكة [عليها ملائكة غلاض. شداد لايعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يامرون[
وقال عز من قائل واصفا القران الكريم[لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد[
ان الامعان في الايات السابقة يدلنا بوضوح ان فكرة العصمة بمفهومها البسيط قد طرحها القران الكريم والفت نظر المسلمين اليها من دون حاجة الى اخذ هذه الفكرة من الاحبار والرهبان وبذلك يظهر ان مبدا ظهور فكرة العصمة في الامة الاسلامية هو القران الكريم لا غير نعم ان الموصوف بها في هذه الايات هو الملائكة والقران الكريم والمطروح عند علماء الكلام هو عصمة الانبياء والائمة لكن الاختلاف في الموصوف لا يضر بكون القران هو مبدا هذه الفكرة لان المطلوب هو الوقوف على منشا تكون هذه الفكرة ثم تطورها عند المتكلمين على ان القران طرح فكره عصمة النبي في غير واحدة من اياته كما سيوافيك ويكفيك في المقام قوله تعالى [ما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى ]فترى ان الايتين تشيران بوضوح الى ان النبي صلى الله عليه واله وسلم لا ينطق عن ميول نفسانية وان ما نطق به وحي القي في روعه ومن لا يتكلم عن الميول النفسانية ويعتمد في منطقه على الوحي يكون مصونا من الزلل في المرحلتين مرحلة الاخذ والتبليغ وقد نرى جذور عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في كلام الامام علي عليه السلام حيث يصف النبي صلى الله عليه واله وسلم في الخطبة القاصعة بقوله[ولقد قرن الله به من لدن ان كان فطيما اعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن اخلاق العالم ليله ونهاره]
فما ذهب اليه المستشرق رونالدسن من نسبة فكرة العصمة الى تطور علم الكلام عند الشيعة في القرن الرابع الهجري ليس بسديد.
ومما يدل عليه بوضوح ورود فكره العصمة بمعناها المصطلح عند المتكلمين في روايات شيعية من القرن الاول والثاني الهجري كالرواية عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام وهي رواية الفضل بن شاذان الطويلة [وكان الصانع متعاليا عن ان يرى وكان ضعفهم وعجزهم عن ادراكه ضاهرا لم يكن بد من رسول بينه وبينهم معصوم يودي اليهم امره ونهيه ]البحار ج11 ص40
وكذلك رواية عمارة عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام قال:[ان ايوب ابتلي سبع سنين من غير ذنب وان الانبياء لا يذنبون لانهم معصومون مطهرون لا يذنبون ولا يزنون ولا يرتكبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا ]البحار ج12 ص348 .
