1
المقــــدمــة
كربلاء قضية بدأت قبل عاشوراء ، ولن تنتهي الى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، إنه الصراع الابدي بين الحق والباطل ،وكربلاء أبرز ملحمة تــُجسّد هذا الصراع ، وتترجم كيفية انتصار الدم على السيف بأقوى تعبير وأبلغ لغة
وفعلاً كان الامام بدمه أخطر على الظالمين من شخصه ، فأحياناً نرى أونسمع بموقف لشخص ما يقتحم الصعاب ويركب المخاطر فنصفه بالشجاعة ، لكن مارأيكم بشجاع من طراز آخر شجاع ، جسده تحت التراب مقتول قبل أكثر من ألف سنة لكن اسمه مازال يرهب الاعداء ويقض مضاجعهم ، ياله من أمر يدعو للدهشة!
عجباً لكي ياكربلاء جمعتي كل الظلامات قتل الاصحاب قتل الاخوة قتل الاولاد شبابا ورضع سبي النساء حرق الخيام خذلان المسلمين وأما قتل الامام فلم يكن بآلة من آلات الحرب بل ماتركوا آلة الااستعملوها السهام والسيوف والرماح وحوافر الخيل وقطع الرأس وترك الجسد الشريف ثلاثا بلادفن ومضت أكثر من ألف سنة ومازالت حرارتها في قلوب المؤمنين ومازال الاعداء يتوجسون منها خوفاً
لقد نقش الامام (عليه السلام ) اسمه في قلوب المؤمنين ، وسجل بدمه الطاهر اسمه ومبدأه في صفحات تاريخ لايعتريه النسيان جيلا بعد جيل بلغة يفهمها الناس كلهم على اختلاف أوطانهم ولغاتهم
نحاول في هذه الوريقات تناول جانب من جوانب ملحمة كربلاء ـ وماأكثر جوانبها وأسرارها ـ وهذا الجانب لانتناول فيه كربلاء من جهة غيــبــية ولامن الجانب القصصي بل هو دفاع عنها بأجوبة على تساؤلات تدور في أذهان كثيرين تشكل لهم نوعاً من الضبابية بخصوص كربلاء ، قد أجاب الامام الحسين(ع) بنفسه عن كثير منها كما ستقرأ، وقد أجاد العلماء أيدهم الله في الاجابة عنها أيضاً ، الامر الذي دعاني الى الاكتفاء بأجوبتهم غالباً ، فقمت بتلخيص وصياغة تلكم الاجوبة والإضافة إليها في بعض الاحيان بما أراه أقرب للحال ، فتجدني أدخل الى الجواب مباشرة دون سرد القصة وتقديم المقدمات معتمداً في ذلك على فهم القارئ الكريم لأحداث كربلاء
قــيس المسعودي
المحرم 1436
11/2014
2
جاء في كتاب نهضة الحسين لهبة الدين الشهرستانيٍ
((كربلاء اسم قديم مأثور في حديث الحسين وأبيه وجدّه (عليهم السلام) ومفسّر بالكرب والبلاء، وأنّ كربلاء منحوتة من كلمة: كُوَر بابل العربية، بمعنى مجموعة قرى بابلية منها نينوى القريبة من أراضي سدّة الهندية، ثم الغاضرية ـ وتسمى اليوم أراضي الحسينية ـ، ثم كربله ـ بتفخيم اللام بعدها هاء ـ وتقرب اليوم من مدينة كربلاء جنوباً وشرقاً ثم كربلاء أو عقر بابل وهي قريبة من الشمال الغربي من الغاضريات وبأطلالها آثار باقية، ثم النواويس وكانت مقبرة عامة قبل الفتح الإسلامي، ثم الحير ويسمى الحائر وهو اليوم موضع قبر الحسين (عليه السلام) )) ووفق هذا تكون كربلاء قديما تابعة لبابل وبعد تأسيس الكوفة دخل قسماً منها ضمن الكوفة
والنواويس جمع ناووس، وهو ظرف من خزف او من خشب. كان البابليون يضعون موتاهم فيها، ويدفنوهم، والنواويس مقبرة المسيحيين قبل الاسلام ، وهي المنطقة التي دفن فيها الحر الرياحي (1)
الطف: سمّي بهذا لأنه المكان المرتفع من أطفّ على الشي بمعنى أطلّ(2) وقال في لسان العرب(( سمي به لأَنه طرَفُ البرّ مما يلي الفُرات))
وقيل (( الطف اسم عام لأراضي تنحسر عنها مياه النهر وسميت حوالي نهر العلقمي البارزة من شواطئه طفاً لذلك..))(3) وهي منطقة من كربلاء فيها مقتل الامام (ع)
الغاضرية :منسوبة إلى غاضِرة قبيلة من بني أَسد، قرب كربلاء ، وهي قرية من نواحي الكوفة سابقاً لأن الكوفة كانت تمتد الى كربلاء أنشئت الغاضرية بعد انتقال قبيلة بني أسد إلى العراق(4) في صدر الإسلام
نينوى: هو اسم منطقة في الكوفة الواسعة إلى الشرق من دجلة وكربلاء، وهي من قرى الطف تعرف نينوى اليوم بـباب طويريج وتقع شرق كربلاء(5)
الحائر: موضع قبر الحسين (ع) ومساحة الحائر مختلف فيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)موسوعة عاشوراء جواد محدثي (2) المصدر السابق
(3)نهضة الحسين لهبة الدين الشهرستاني (4) معجم البلدان ولسان العرب وموسوعة عاشوراء
(5)موسوعة عاشوراء
3
العوامل التي تدخلت في نهضة الحسين (عليه السلام)(1)
وهي حسب التسلسل التاريخي للأحداث ثلاثة
1ـ العامل الدفاعي : وذلك بعد محاولتهم إجباره على البيعة ليزيد
2ـ العامل التعاوني : بعد أن تمت عليه الحجة بإرسال أهل الكوفة آلاف الرسائل اليه ، وهو العامل الاصغر للنهضة
3ـ العامل الهجومي : المتمثل بوجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر
كل عامل لوحده كاف في قيام الثورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1)حقيقة النهضة الحسينية مطهري
4
هناك عدة أسئلة مهمة عن ثورة الامام
س1/ لماذا اختار الامام (عليه السلام) طريق الشهادة أليس ثمة حلول سلمية أخرى؟
ج/ في مقام الجواب لابد من بيان أن الرسول الذي جاء الى المدينة المنورة ليخبرهم بموت معاوية وذلك في رجب 60 هـ كان يحمل معه كتاباً من يزيد لأخذ البيعة من عدة شخصيات ولو بالقوة ومنهم الحسين (ع) ، وهنا كان لابد للامام(ع) من اتخاذ خيار معين ، ويمكن لنا أن نفترض ونتصور عدة وجوه وخيارات كانت مطروحة أمام الإمام(ع) وهي
1ـ البيعة ليزيد واتقاء شره
2ـ الاكتفاء بالحرب الاعلامية بإلقاء الخطب والندوات التي تكشف زيف السلطة
3 ـ الهرب بعياله الى مكان آمن بعيد عن السلطة والاختباء هناك بحسب مااقتُـــرِح عليه
4ـ الخروج للثورة فإما اسقاط النظام وإما الشهادة
ـ أما الخيار الاول
فالامام قدوة للمجتمع وحين يبايع يزيدا فهذا يعني إقراره بشرعية يزيد والامام يعلم يقيناً بما ستئول اليه أمور الدين والدنيا لو حكم يزيد ، وهذا ماصرح به لمروان في المدينة حين نصحه بمبايعة يزيد حيث فأجابه الامام (.. وعلى الاسلام السلام إذا ابتليت الامة براعٍ كيزيد) فيزيد حكم ثلاث سنوات في الاولى قتل الامام وأهل بيته وفي الثانية هجم على المدينة وقتل أكثر من سبعين صحابياً وسبعمئة تابعي وانتهكوا حرمة النساء في الواقعة المعروفة بواقعة الحرة حتى قيل (لم تسلم حُــرّة من واقعة الحَـــرّة) وفي الثالثة حاصر الكعبة ورماها بالمنجنيق (المدفعية ) فأحرقها وهدمها
إذن الامام لايشرع للناس الباطل ولايسكت عن الظالم فلئن يقتل خير له من ايهام الناس وخداعهم ،فمصلحة الدين مقدمة على المصالح الشخصية وإن سكوت الامام حكم شرعي فكيف اذا بايع وان السكوت او المبايعة تعني الذل وقد قال عليه السلام ((..هيهات منا الذلة..))
وقد صرح الامام بذلك وهو في المدينة حيث قال لوالي المدينة الوليد بن عتبة حين أراد منه البيعة قال له وللتاريخ: (..مثلي لايبايع مثله..)
5
واما الخيار الثاني الاكتفاء بالحرب الإعلامية
1ـ المتتبع للتاريخ والاحداث يجد أن هذا الخيار دون جدوى ذلك لأن الإعلام آنذاك لم يكن كماهو عليه اليوم من سرعة الانتشار خصوصاً (وأن بني أمية واتباعهم كانوا قادرين على التعتيم على الحقائق والتدليس على الناس لأن مقدرات الامة بأيديهم فالحواضر الاسلامية كانت تحت قبضتهم فهم الذين يختارون أئمة الجمعة والجماعة والقضاة وكانوا يبذلون لهم الاموال الطائلة ، إذن لاتوجد وسيلة قادرة على الوصول الى مسامع الناس وقلوبهم وقادرة على الوقوف والتصدي للتعتيم الاعلامي سوى ثورة مدوية رائدها رجل ألصق الناس برسول الله (ص) وأعلمهم بما جاء عنه)(1)
2ـ ان الامام يعلم جيدا عدم تمكنه من هذا الخيار لأنهم سيلاحقونه ويمنعونه من إلقاء الخطب بل يقتلونه كما صرح بذلك حين قال : ((..لو كنت في حجر هامة من هوام الارض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني.))
وأما الخيار الثالث الهرب بعياله الى اليمن مثلا كما اقترح عليه أخوه محمدبن الحنفية
فجوابه : لم يكن هدف الامام التخلص من البيعة فقط اي العامل الدفاعي آنف الذكر بل كان هدفه الاصلاح بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد كتب الامام لاخيه محمد وللتاريخ وهو في المدينة ((..وإني لم أخرج أشرا ولابطراً ولامفسداً ولاظالما ، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي أريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن ابي طالب عليه السلام..))
وكيف يتسنى لإمام وقائد كالحسين أن يسلم بعياله ويترك الامة تقبع تحت سطوة الظالمين فهو القائد الرسالي الذي يقف في الصف الاول مع الثائرين وليس هو من القادة النفعيين الذين يختبئون منتظرين ماتئول اليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
(1)تساؤلات حول النهضة الحسينية
6
امور الثورة فإن انتصرت ركِب الموجة كما يعبرون وتسلم الحكم ، وإن فشلت بقي على مخبئه ونجا هو وعياله وهذا النوع يسمى بالقادة النفعيين وما أكثرهم اليوم وعبر التاريخ
أضف ان خيار الهرب لاينفع وذلك ماصرح به الامام في قوله لاخيه ابن الحنفية، وقد أشار اليه بأن يذهب الى اليمن او الى البوادي وكهوف الجبال

لاستخرجوني حتى يقتلوني )وحين رد (ع) جواباً لعبد الله بن جعفر الطيار في مكة قال (( لو كنت في حِـــجر(1) هامّة من هوام الارض لاستخرجوني حتى يقتلوني )) وأن يزيد بعث اليه من يغتاله ولو كان معلقاً بأستار الكعبة
بعد أن عرفنا سقوط الخيارات السابقة نعرج على الخيار الرابع
وأما الخيار الرابع : الثورة بمعونة أهل الكوفة وهو العامل التعاوني العامل الاصغر للثورة(2) ذلك لأن الامام تحرك من المدينة صوب مكة قبل أن تصله كتب الكوفيين كما هو ثابت تاريخيا وتحركه لمكة كان من أجل استغلال موسم الحج للقاء بأكبر عدد ممكن من الشخصيات لتعبئتهم واتباعهم ضد يزيد
و إنما كان خيار الامام الى الكوفة دون غيرها لأنهم هم الذين أرسلوا اليه الرسائل معلنين البيعة والنصرة له (ع) دون غيرهم الاأن هذه الزوبعة لم تخدع الامام حتى بعث مسلم بن عقيل(ع) ليتعرف حالهم ويبلوَ أخبارهم وبعد ورود ابن عقيل (ع) الكوفة والتفاف الناس من حوله أرسل الى الإمام أنْ اقدم ، حينها قرر الامام الإنطلاق الى الكوفة ، لكن هذا لايعني أن الامام لم يخطط لخيار آخر ، فالعقلاء يضعون لكل ظرف محتمل خياراً مناسباً حتى لاتفاجئهم الظروف فتلتبس عليهم الحلول ، وهذا مافعل الامام حين جعل لنفسه خيارات مترتبة أي رفْضُ البيعة ثم الاستجابة للجماهير ثم عرضَ على الاعداء أن يرجع من حيث أتى ثم الشهادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
(1)يروى مرة جُــحر ومرة حِــــجر وكلاهما قابل للصحة هذا لأن النقط لم تكن قد وضعت على الحروف بعد
(2) حقيقة النهضة الحسينية
7
إذن هذا الخيار قد عمل به الامام وألقى الحجة باستجابته لأهل الكوفة إلا أنهم هم الذين خذلوه وليس هو وهذا ما لاغبار عليه وبذلك يكون معذورا أمام الله والتاريخ وهذا ماصرح به في عاشوراء قائلا((..إنها معذرة الى الله وإليكم..)) إذ أنه لو لم يستجب لهم لأدانه التاريخ ولقيل أنه فرط في المسئولية بعد أن راسله الآلاف من من أهل الكوفة وجمع كبير من رؤساء العشائر والوجهاء أكدوا فيها بأنهم على أتم الاستعداد لمناصرته
س 2/ لكن لماذا لم يرجع (عليه سلام الله) عن قصد الكوفة بعد أن وصله خبر مقتل مسلم وخذلان الكوفيين ؟
وهو خيار عقلائي بعد أن تبين فشل تلك الخيارات وبعد أن تبين للعالم وللتاريخ أن أهل الكوفة غير مؤهلين لاحتضان الثورة ، وبنو أمية كانوا مدركين لخطر رجوع الامام دونما استسلام أوبيعة بلا كلام ، فهم يخافون أن يعبئ الجماهير لاحقاً ويهدد ملكهم ، وهذا الهاجس كان يختلج في نفوسهم منذ البداية ،ففي المدينة حينما طلب الوليد البيعة من الامام رفض الامام قائلاً((.. فإن مثلي لا يُعطي بيعته سراً ... فإذا خرجت الى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس ))، فقال الوليد فانصرِف على اسم الله
فقال مروان الذي كان حاضراً : والله لئن فارقك الساعة ولم يُبايع لاقدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يُبايع أو تضرب عنقه ...)
والامام يعلم بأنهم غير تاركيه الا أن يبايع أو يـُـقتل لذلك عرض عليهم الرجوع حين التقى بجيش الحر قائلاً((..وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم..)) كذلك قال عليه السلام بعد صلاة ظهر عاشوراء في خطبته ((..وإن أبيتم الا الكراهية لنا والجهل بحقنا وكان رأيكم على غير ماأتتني به كتبكم انصرفت عنكم)) وهو لايعني الانصراف النهائي عن القضية كما تلاحظ في عبارته عليه السلام (انصرفت عنكم) وليس عن قضيتي ومبدئي
إذن نستطيع القول انهم هم الذين منعوه من الرجوع ويعرف ايضاً بمراجعة جواب الخيار الثالث
2ـ ان الامام قد اتخذ خيار الشهادة ليكشف للأمة وللتاريخ أن المسلمين آنذاك لم يكونوا مؤهلين للجهاد
8
ومقارعة النظام الاموي ، فعزم على الشهادة ليفضح الحكم الاموي وكيف انه لايرعى حرمة الا وينتهكها من أجل بقاء سلطانه وكي تستفيق الامة من سباتها ، وإذا استفاقت الامة على وقع فاجعة بحجم استشهاد سبط رسول الله وأهل بيته وأصحابه وسبي نسائه ، فانها ستنبعث فيها روح جديدة قادرة ـ ولو بعد حين ـ على قلب الطاولة على حكم الفاسقين والثورة ضدهم ، وهذا ماحصل بعد مدة وجيزة كثورة التوابين وماقام به المختار من الاخذ بالثار وثورة زيد وغير ذلك
أراد الامام باستشهاده أن يكسر حاجز الخوف المحيط بالأمة وأنْ يقضي على حالة اليأس والخنوع المطبقان على الامة
وأراد بشهادته أن يؤسس للفهم الاسلامي الأصيل القائل بشرعية الخروج عن طاعة السلطان الجائر وشرعية السعي لتقويض سلطانه ، ذلك لأن النظام الاموي في زمن معاوية عمل قرابة الاربعين سنة على ترويج دعوى حرمة الخروج على السلطان حتى لو كان فاسداً، وسخر لذلك رواة مأجورين يروون أحاديث ينسبونها كذباً وزورا الى رسول الله (ص) تحرم الخروج على السلطان أو الحاكم الجائر، وهذه الثقافة الخطيرة انتشرت وتجذرت بعناية سياسية أموية حتى كبِــر عليها الصغير بحيث لايمكن اقتلاعها من أذهان الناس الا إذا تصدى لها رجل بحجم الامام الحسين وبدمه الطاهر،
فخروج رجل بمنزلة الامام الحسين على الحاكم هو بحد ذاته تكذيب لما روّجوا له ولو كانت دعواهم بأن رسول الله (ص) نهى عن الخروج على الحاكم الظالم حقاً ؛ لكان الامام أولى الناس بتطبيق ماجاء عن النبي (ص) ، وقد بين لهم الامام شرعية خروجه وبطلان ماتقدم من أكاذيبهم على رسول الله (ص) بقوله لهم حين قدم العراق ((.. أيها الناس إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : « من رأى سلطاناً جائراً مستحلا لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يُــغيِّر عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله ان يُدخله مدخله » ألا وانَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا ال حدود واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله وحرَّموا حلاله ، وأنا أحق من غيَّر .. ))(1) يلاحظ هنا انه عليه السلام نسب الحديث الى رسول الله لكي يكون أبلغ في الحجة عليهم وتصحيح لما ورد عن رسول الله من أحاديث بهذا الشأن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1)أجوبة هذا السؤال موجودة في كتاب تساؤلات حول النهضة الحسينية إلا اني اختصرتها مع شيء من التصرف
9
س3 ـ لماذا لم يقم مسلم (ع) بقتل ابن زياد في دار هاني في القصة المعروفة ؟
ج1ـ قد أجاب مسلم (ع) بنفسه حين سئل : ما منعك من قتله ؟
فقال : ((خصلتان أما أحدهما فكراهة هاني ان يقتل في داره ، واما
الاخرى فحديث حدثنيه الناس عن النبي صلى الله عليه وآله ان الايمان قيـّــد الفتك)) أي أن الإيمان يمنع من الغدر ،وليس من شيمتك ياسيدي الغدرُ
ج2ـ لو كان قد قتله لما استطاع الامام أن يحتج عليهم في عاشوراء حين قال : ((..ويحكم أتطالبوني بقتيل منكم قتلته أو مال استملكته أوبقصاص من جراح..)) ولقالوا له نعم قتلتم ابن زياد غدرا .
وهذا يكشف عن ترابط وتناسق في قضية كربلاء
ج3ـ إن الاسلام وضع لكل عمل آداباً وضوابطَ ، والحرب عمل من الاعمال ولها آداب أيضا ، ومن آداب الحرب عدم البدء بقتال حتى يبدأ الطرف الثاني ، وهذا ماكان يفعله النبي (ص) وأمير المؤمنين (ع) كذلك فعل الامام حينما أراد ابن عوسجة أنْ يرميهم رداً على بذاءتهم، فمنعه الامام قائلاً

س4 ـ هل صح ماقيل من أن شيعته هي التي قتلته وتبكي عليه؟
ج1 ـ هذه الاكاذيب والتـرّهات يحاول أعداؤنا التـرويج اليها ليضللوا بها الرأي العام وليخدعوا بها الناس
وهم يعلمون أن هذه الشبهة أُجيب عنها قبل أكثر من ألف سنة والمجيب عنها هو الامام الحسين (ع) نفسه فهو عالم بأن قوماً سيأتون في آخر الزمان يوهمون على الناس حقيقة وعظمة كربلاء والتشيع ، أجابهم حين قال (ياشيعة آل أبي سفيان) عيّنهم وعرّفهم للناس بأنهم شيعة آل بني سفيان وليس شيعة علي (ع) ، لأن كلمة شيعة في اللغة تعني الاتباع ، فشيعة الرجل اتباعه(1) ومنه تشييع الجنازة اي اتباعها بالسير خلفها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــ
(1)العين والمقاييس ومختار الصحاح
10
فلم تكن هذه الكلمة قد اتخذت هذه الخصوصية التي هي عليها اليوم ، نعم لاحقاً وبمرور الزمن اتخذت طابعاً اصطلاحياً يخص أتباع أهل البيت صلوات الله عليهم
ج2ـ أن أهل الكوفة لم يكونوا آنذاك شيعة لأهل البيت الا القليل منهم ويدل على ذلك
إن معاوية أيام تقمصه السلطة أرسل زيادا ابن أبيه ليتتبع شيعة أهل البيت(ع) ويقتلهم حتى( نادى منادي معاوية: أن قد برئت الذمة ممن يروي حديثاً من مناقب علي وفضل أهل بيته.
فاستعمل عليهم زياد ابن أبيه فجعل يتتبع الشيعة، وهو بهم عارف، يقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم، وقطع أيديهم والأرجل، وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشردهم، حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو مصلوب، أو محبوس، أو طريد، أو شريد)(1)
وأما آلاف الرسائل التي أرسلوها الى الإمام فهي ( لا تعبِّر عن إيمانهم بإمامة الحسين (ع) بالنحو الذي يؤمن به الشيعة، وإنَّما لأنَّهم وجدوا في سياسة معاوية معهم قسوة وضيقاً ولم يكن بنظرهم أحد قادر على تخليصهم مِن سطوة بني أميَّة سوى الحسين (ع)، ذلك لأنَّهم قد عرفوا أنَّ الحسين (ع) قد رفض أشدَّ الرفض دعوة معاوية لمبايعة يزيد على ولاية العهد ثمَّ رفض البيعة ليزيد بعد هلاك معاوية وخرج مِن المدينة إلى مكَّة الشريفة معلناً رفضه للبيعة، كما أنَّهم يدركون التقدير الذي يحظى به الحسين (ع) في قلوب الناس نظراً لقرابته مِن رسول الله (ص) ونظرًا لسجاياه المتميِّزة، فهذا هو ما بــرَّر اختياره دون غيره مِن الصحابة، فالحسين بنظرهم أليق الناس بمنصب الخلافة مِن بني أميَّة وأنَّه لو تسلم الحكم لسار فيهم بالعدل والإحسان.)(2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1)عاشوراء بين الصلح الحسني والكيد السفياني
(2)تساؤلات حول النهضة الحسينية
11
ج3ـ خطاب المعسكر المعادي للحسين (ع) حين قال لهم :
ويلكم على مَ تقاتلونني؟ على حقٍّ تركته؟ أم على شريعة بدّلتها؟ أم على سنّة غيّرتها؟ فقالوا: (نقاتلك بغضاً منّا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين) فلو كانوا شيعة لما خاطبوه بهذا الخطاب لأنه لاأحد من أتباع أهل البيت يبغض أمير المؤمنين (ع)
ج4 ـ ان قادة المعارك دائما يستعملون خطابات وشعارات من شأنها تحريض المقاتلين على الخصم ، والمتتبع لخطابات جيش ابن زياد يجدها من هذا النوع فلو كان الجنود شيعة لأهل البيت لما استعملوا معهم خطابات من قبيل ( احرقوا بيوت الظالمين ) وقول عمرو بن الحجَّاج -وهو مِن قادة المعسكر الأموي الذي قاتل الحسين (ع) قال لأصحابه يوم العاشر "قاتلوا مَن مرق عن الدين وفارق الجماعة
وعبد الله بن حوزة التميمي قال: يا حسين أبشر بالنار، فلا أحد من المسلمين يعتقد بأن الحسين من أهل النار والعياذ بالله سوى الخوارج ، ثمَّ أنَّ عمر بن سعد نهض ونادى: يا خيل الله اركبي وأبشري...)
وهذا النصُّ مِن أبلغ النصوص ، فعمر بن سعد وإنْ لم يكن يعتقد بما يقول إلاَّ أنَّه استخدم هذا الشعار لتعبئة جيشه واستنهاض عزائمهم لمعرفته بما انطوت عليه ضمائرهم مِن اعتقاد بأنَّ حرب الحسين (ع) يقع في سياق الطاعات والقربات، وليس مَنْ يعتقد ذلك إلاَّ الخوارج أو مَنْ ينحو نحوهم(1).
س5 ـ من أهم الاسئلة التي تدور في أذهان كثيرين أنه لماذا أخذ معه النساء والاطفال الى كربلاء؟
ج1ـ لكي يلقي الحجة على أولئك الذين دعاهم الامام الى الثورة ضد يزيد فاحتجوا بأن في رقبتهم عيال فكان الامام يقول لهم بلسان الحال اني أيضا عندي عيال لكنهم لم يقفوا حائلاً دون نصرة الدين بدليل اني أخرجتهم معي
ج2ـ لو كان الامام قد أبقاهم وخرج لوحده لَتتبعهم جلاوزة الأمويين أين ماكانوا ولَألقوا القبض عليهم، نعم فمن يجرؤ على قتل الامام وسبي عياله وضرب الكعبة بالمنجنيق؛ لايردعه شيء عن اقتحام بيت الامام واختطاف أهل بيته من النساء والاطفال ثم يستعملونهم كورقة ضغط لإخضاع الامام للبيعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)تساؤلات حول النهضة الحسينية بتصرف
12
ج3ـ كان لابد من أخذ النساء معه ليكونوا واجهة إعلامية للثورة ولكي يكملوا الثورة التي خطط لها الامام وهذا مالايستطيع الرجال فعله لأنهم لم يسلموا من القتل حتى يكملوا المسيرة الاعلامية ، وفعلاً تحقق هذا الاعلام الواسع على أتم وجه ، حيث بدأه الامام الحسين (ع) بماقرأنا من مقتطفات من كلامه آنفاً ، وأكملته العقيلة عليها السلام ومن معها ، ولولا التخطيط لهذا الجانب الاعلامي ببراعة لكانت ثورة الامام طي النسيان
س6ـ لماذا أخرج الامام عبد الله الرضيع يطلب له الماء ؟
ج ـ إن الامام يعلم بأن الطفل سيموت إما بالقتل وإما بسبب العطش ولو لم يخرجه لهم ليطلب له الماء فإنه سيموت من العطش وسيقول العالم والتاريخ (أن الامام هو السبب ، فلو كان قد أخرجه لهم لما امتنعوا من أن يسقوه الماء) ، فأراد الامام ـ بإخراجه ـ أن يكشف للعالم وللتاريخ مدى قسوة عدوه وكيف أنهم لايرعون حرمة صغير ولاكبير
س7 ـ من المنتصر؟
ج ـ للإجابة عن هذا لابد من مقدمة وهي :
ان الصراع أوالمعركة نوعين
الاول: معركة لنفسها أي من أجل المعركة نفسها كما في ميادين المصارعة الرومانية ، والملاكمة ونحو ذلك من منافسات القوى البدنية ، والغالب والمنتصر فيها هو من يصرع صاحبه أرضاً أو يستسلم الخصم وما الى ذلك
الثاني : معركة لغيرها مثل المعارك التي تحتدم بين جيشين أوبين عشيرتين أو بين شخصين تدور رحاها من أجل أرض أوعرض أو قضية أومبدإ ، وماشاكل ذلك وليس من أجل العراك ، والمنتصر
فيها هو من يكسب القضية التي بسببها دارت رحى تلك الحرب حتى لو أُدمي بالجراح وسقط أرضاً أوداست صدره الخيل أو غير ذلك المهم أن يكسب القضية أو يحقق الهدف الذي من أجله ضحى وجاهد وليس المدار على اسقاط الخصم أوقتله ، ففي 2006وبعد نهاية الحرب بين حزب الله والصهاينة المدعومة دوليا وعربياً اعترف الصهاينة والمختصون الغربيون بانتصار حزب الله رغم ان المتضرر مادياً بشكل أكبر هو حزب الله ذلك لأنها كانت من النوع الثاني آنف الذكر ، فقد قامت من أجل إنهاء حزب الله ونزع سلاحه وهذا مالم يتحقق
ولاعاقل يشك في أن ملحمة كربلاء من النوع الثاني
بقي علينا أن نرجع الى السبب الذي من أجله دارت رحى كربلاء وهو مالايسعه هذا المختصر المهم
أن العقلاء يعلمون بجرائم يزيدَ وكيف حرّف السنة وأحيا البدعة مريدا بذلك طمس معالم الدين الأصيل فحتى لو لم يكن قد قال:
لعبت هاشــــــــــــــم بالمـــــــــــــلك فـــلا خبــــر جــــــــــــاء ولا وحيٌ نزل
لست من خندف إن لم انتقـم من بــــــــــني أحمد ما كان فعل
بلسانه فقد قالتها أفعاله ، فلاحاجة لأن نتعب أنفسنا في نسبتها له من عدمها
أن المتتبع المنصف سيجد أن الامام خاض المعركة من أجل إيقاظ الضمائر وإعادة الإسلام المحمدي الأصيل وقد تحققت أهدافه بنجاح فائق
وهذا الامر لايشعر به كل أحد فقد قرأنا لابن تيمية قوله:
(( لم يكن في خروج الحسين لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا ...)) أقول بالتأكيد لم يكن في خروجه مصلحة لدينكم ودنياكم يامن تنتهجون نهج يزيد إنما فيه مصلحة ﴿ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ﴾
والحمد لله رب العالمين
تعليق