كيف فسر الإمام الحسين عليه السلام الموت وهو ربيب الوحي والنافذ البصيرة
والواعي لحقائق الحياة ومغازي التنزيل وحقائق التأويل للكتاب العزيز،
وهو ابن القرآن وترجمانه، فقد تكررت كلمة الموت في خطبه عليه السلام أكثر من مرة؟؟
وقبل أن نقرأ كلماته نراجع القرآن الكريم لنرى كيف يصف الموت والحياة، ويشير إلى أن الموت لا يعني الفناء،
بل هو والحياة قدران خلقهما الله جل وعلا للبلاء، فالأزلي هو الله جل وعلا الذي خلق كل شئ، يقول تعالى:
((تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور))الملك/1-2
فنرى هنا أن الموت مقدم على الحياة، والتقدم اللفظي يرمز إلى نوع من التقدم الواقعي،
فالموت أسبق من الحياة، وأن التمتع بالحياة أمر محدود ليست الغاية منه الخلود؛ فالخلود في الحياة الأخرى.
وهذه النظرة القرآنية بخلاف ما رأته الديالكتيكية والفلسفات المادية التي لم تجعل للإنسان قدراً وغرست فيه اليأس والشعور بالتفاهة، فهم بلسان حالهم يقولون:
((وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون))الجاثية/24
والآن نقرأ فلسفة الإمام الحسين عليه السلام للموت؛ ونتعرف على نظرته التي تعكس نظرة المعصوم للغيبيات والوقائع والأحداث وقراءته للنتائج، كما نتعرف على نظرته للنصر في المعركة، نقرأ ذلك في بعض خطبته وهو لا يزال في مكة قبل أن يتوجه إلى العراق:
(الحمد لله وماشاء ولاقوة إلا بالله وصلى الله على رسوله خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف.......فمن كان باذلاَ فينا مهجته وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فاني راحل مصبحاً إن شاء الله)اللهوف لابن طاووس/ 53
فالإمام عليه السلام لم يطلب الإنتصار العسكري الذي يطمح له الغزاة والمدافعون؛ إنما كان يطلب الفتح
والغلبة المعنوية على امتداد أفق الحياة، وما نعيشه اليوم من حياة الإسلام هو نتيجة تضحيات يوم عاشوراء،
يشير الإمام زين العابدين عليه السلام في جواب السائل الشامي: من الغالب ياعلي بن الحسين؟
فقال له:( إذا دخل وقت الصلاة وأذن المؤذن عرفت مَن الغالب).
يتضح لنا من خطبته عليه السلام أنه لم يعدهم النصر الذي نعرفه بحدود فهمنا في عبارته(خط الموت على ولد آدم..)
بل كان يعدهم بملحمة يعجز التاريخ عن وصفها وإعطائها حقها في النقد والتحليل، لأنها لم تنفصل عن أسرار الوحي
وجوهر الإسلام الذي لم يزل إشعاعه مرتكزاً في نفوس الطليعة المؤمنة، كان يخبرهم عن مستقبل نهضته دون أن يشير إلى انتصار عسكري مؤكد، وآمن أن الإنسان في الحياة عبارة عن موقف يملأ صفحات وجوده بالعطاء بغض النظر عن أنه قد ضمن النصر واستبعد الخسارة والهزيمة، فأقدم على الشهادة والتضحية وكان يعرف أن بقاء الإسلام مرهون بتضحياته وكان يهدف من حركته إلى تحرير إرادة الأمة التي سلبت من خلال القمع والإرهاب والدعايات المضلة، حتى هزت ثورته ضمير الأمة وأعادت لها وعيها وإرادتها، وسلبت الشرعية من النظام الذي كان يرى في دولته الخلافة الإسلامية، فثار على الواقع الاجتماعي والسياسي السيئ الذي أدى إلى مصادرة الطاقات التي فجرها الإسلام بوجه الشرك والظلم.
كما نلحظ ذلك في خطبته الثانية عندما دخل العراق فقال:
(ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لايتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً فاني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما)
حيث أدرك عليه السلام أن الموت لا مفر منه في يوم عاشوراء وأن الخلود في هذه الدنيا خلود ذكرى
وتسجيل موقف في صفحات مشرقة يتحول الإنسان المضحي فيها إلى بطل ورمز وحقيقة دائمة التفاعل
مع طلاب الحق والعدل، فالدنيا مسيرة قصيرة ودار ابتلاء تكون فيها آجال الكائنات محدودة، والموت مصير مؤكد
لا بد منه لاستمرار الحياة، رغم أن الإنسان من طبيعته؛ أنه يأخذ من الحياة أكثر مما يعطي ويستبعد الموت،
ولا يعي تماماً أن وظيفة الحياة تربية الكائن الحي للسير به نحو التكامل، وأن كل هذا السعي للتكامل هو استعداد للموت،
أما الموت فهو موجود في داخل كل كائن حي شاء أم أبى وهو عبارة عن انتقال من مرحلة دانية إلى مرحلة عالية هي أفضل - بلا مقارنة - عن حياته الدنيا التي كان يعيشها ويتصارع من أجلها، حياة تنقذه من قلق الفقد والزوال إلى حياة دائمة مستقرة.
ونجد في تعبيره - عليه السلام - الرائع للموت كيف يشبهه بالزينة:
(..خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة..)
فالموت هو انتهاء طبيعي لدورة الحياة والكل يموت ولا يمكن الفرار من الموت لأنه من سنن الله في خلقه،
فقد يموت الإنسان إما بشكل طبيعي عندما يتعطل جزء من أجزاء جسمه أو بشكل شبه طبيعي عندما يتعرض للكوارث الطبيعية أو يتعرض للآفات والأمراض، وقد يقتل عمداً أو خطأً أو ينتحر، ولكن عندما يقتل شهيداً متحدياً الظالمين ومقدماً حياته من أجل تحقيق العدل ولتحرير العباد من ظلم الجلادين، حاملاً هموم أمتة وآمالها ومتجاوزاً حدوده المادية ويستشهد في مجتمع يتمزق ويتعذب بيد الجهلة والمردة، فالموت له أجمل زينة يرتفع معها إلى عليين..

تعليق