بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
الامام السجاد زين العابدين وسيد الساجدين: هو علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام، رابع الائمة الهداة الميامين، ولد على الرأي المشهور في الخامس من الهجرة سنة 38 هجرية،
من القابه :البكاء، الزاهد، العدل، الخاشع، أبو الأئمة، الخالص، الرهباني، وصي الوصيين، العابد، وارث علم النبيين، إمام الأئمة، خازن وصايا المرسلين، سيد الساجدين، منار القانتين، إمام المؤمنين.
امه:
وعرفت السيدة أم الإمام (عليه السلام) بشاه زنان، وهذا ليس اسماً لها، وإنما هو لقب لها، ومعناه في اللغة العربية ملكة النساء أو سيدة النساء
وهي السيدة الجليلة (شاه زنان) سليلة الملوك، وأم الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وتحتل هذه السيدة الجليلة المكانة المرموقة في عالم المرأة المسلمة، فقد كانت من سيدات نساء عصرها بل وفي الطليعة من سيدات نساء المسلمين، وقد تحلت بأوسمة شريفة كان من بينها:
أ - نسبها الوضاح فهي حفيدة كسرى الملك العادل، ومفخرة ملوك الشرق الذي يقول فيه النبي (صلى الله عليه وآله) - باعتزاز - ولدت في زمن الملك العادل كسرى.
ب - إنها زوجة أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).
ج - إنها أم الإمام زين العابدين وسيد الساجدين (عليه السلام)
د - إنها جدة الأئمة الطاهرين من نسل الإمام زين العابدين (عليه السلام).
هـ - إنها الرابطة المقدسة بين العرب والفرس.
حياته :
وكانت حياته مليئة بالمصائب والاحزان حيث شهد جريمة الكون ومصيبة التاريخ واقعة الطف الأليمة وشاهد الفواجع والمصائب الجلال وشهد سبي نساء الرسول المصطفى صلى الله عليه واله وكان التدخل الإلهي الذي امرضه حتى قعد عن القتال لكي لا تفقد الأرض وتخلوا من الحجة وكان ضمن ذلك الركب وقد انيطت به الامامة في اصعب الظرف وقد انطلق ليدافع عن دين جده المصطفى صلى الله عليه واله وسلم ووقف بوجه الطغاة ومعروفة خطبته في الشام التي كادت ان تقلب النظام تلك الكلمات البليغة التي تخاطب الروح والضمير والعقل والعاطفة والوجدان
في ذلك الموقف وقف الإمام علي ابن الحسين (ع) متحدياً و قال يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات للَّه فيهن رضا و لهؤلاء الجلساء فيهن أجر و ثواب قال فأبى يزيد عليه ذلك فقال الناس يا أمير ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمعمنه شيئاً فقال إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي و بفضيحة آل أبي سفيان فقيل له يا أمير و ما قدر ما يحسن هذا فقال إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً. فلم يزالوا به حتى أذن له.
فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون و أوجل منهاالقلوب ثم قال (-بعدها -)أيها الناس أعطينا ستاً و فضلنا بسبع أعطينا العلم والحلم و السماحة و الفصاحة و الشجاعة و المحبة في قلوب المؤمنين و فضلنا بأن منا النبي المختار محمداً و منا الصديق و منا الطيار و منا أسد اللَّه و أسد رسوله و منا سبطا هذه الأمة من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي و نسبي.
أيها الناس أنا ابن مكة و منى أنا ابن زمزم و الصفا أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا أنا ابن خير من ائتزر و ارتدى أنا ابن خير من انتعل و احتفى أنا ابن خير من طاف وسعى أنا ابن خير من حج و لبى أنا ابن من حمل على البراق في الهواء أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قاب َقَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى أنا ابن من صلى بملائكة السماء أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى أنا ابن محمد المصطفى.
أنا ابن علي المرتضى أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا اللَّه أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللَّه سيفين و طعن برمحين و هاجر الهجرتين و بايع البيعتين و قاتل ببدر و حنين و لم يكفر باللَّه طرفة عين أنا ابن صالح المؤمنين و وارث النبيين و قامع الملحدين و يعسوب المسلمين ونور المجاهدين و زين العابدين و تاج البكاءين و أصبر الصابرين وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين أنا ابن المؤيد بجبرئيل المنصور بميكائيل أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين و الناكثين و القاسطين و المجاهد أعداءه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين و أول من أجاب و استجاب للَّه ولرسوله من المؤمنين و أول السابقين و قاصم المعتدين و مبيد المشركين و سهم من مرامي اللَّه على المنافقين و لسان حكمة العابدين و ناصر دين اللَّه و ولي أمر اللَّه و بستان حكمة اللَّه و عيبة علمه سمح سخي بهي بهلول زكي أبطحي رضي مقدام همام صابر صوام مهذب قوام قاطع الأصلاب و مفرق الأحزاب أربطهم عنانا و أثبتهم جنانا و أمضاهم عزيمة و أشدهم شكيمة أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة و قربت الأعنة طحن الرحى و يذروهم فيها ذرو الريح الهشيم ليث الحجاز و كبش العراق مكي مدني خيفي عقبي بدري أحدي شجري مهاجري من العرب سيدها و من الوغى ليثها وارث المشعرين و أبو السبطين الحسن و الحسين ذاك جدي علي بن أبي طالب.
ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن خديجة الكبرى
أنا ابن المقتول ظلماً
أنا ابن محزوز الرأس من القفا
أنا ابن العطشان حتى قضى
أنا ابن طريح كربلاء
أنا ابن مسلوب العمامة والرداء
أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء
أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء
أنا ابن من رأسه على السنان يهدى
أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تسبى
فلم يزل يقول: أنا، أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر يزيد المؤذن مع أنه لم يكن وقت الصلاة فقطع عليه الكلام.
فلما قال المؤذن: اللَّه أكبر
قال علي بن الحسين: لا شيء أكبر من اللَّه، كبرت كبيراً لا يقاس
فلما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه
قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري وعظمي ولحمي ودمي
فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله
إلتفت من فوق المنبر إلى يزيد وقال: محمداً هذا جدي أم جدك يا يزيد؟
فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن قلت: إنه جدي فلم قتلت عترته؟
فنزل زين العابدين من المنبر، هذا وقد تفرق من كان في المسجد، والتفوا حول الإمام زين العابدين.
ولما خشي يزيد الفتنة وانقلاب الأمر، عجل بإخراج الإمام زين العابدين والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرهم.
من اثاره
فلا تجد في عبائره الا الذي لا يحسن وصفه من عذوبته وشموليته وعمقه وتوجيهه وايضاحه للحق فأستعمل أسلوب الكلمة وخاصتا في كلمات دعائه الذي يشهد له العدو قبل الصديق في ادعية الصحيفة السجادية المباركة ذلك الأثر العظيم الذي لن تجد له مثيل‘ تلك الصحيفة التي استعملت كأسلوب اعلامي بعد ان شدد طوق الحصار على الامام عليه السلام وقد اشتملت الصحيفة السجادية على موسوعات من المعارف والعلوم الإصلاحية والتهذيبية بأسلوب ولا أروع مثل الابعاد والجوانب العقدية والجوانب الأخلاقية والجوانب العبادية وغيرها الكثير كما ان من اثاره العظيمة رسالة الحقوق المعروفة التي اقتبست من بنودها منظمة الامم المتحدة لعلو مضامينها وشموليتها وسعة افق فقراتها فقد ترك الامام السجاد عليه السلام من الاثار اثرين عظيمين هما الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق ..التي يصعب الكلام عنهما بكلمات
ان الامام السجاد قل عمل على تأسيس مدرسة علمية ورصينة فكرية بالرغم من المحن والمصاعب التي كان يعانيها لكن استطاع ذلك وان يجذب الناس حوله كي يرشدهم لمافيه الصلاح والاصلاح وان قصيدة الفرزدق في مدحه اشهر من ان توصف وقضيته مع هشام...التي توضح كيف كان الناس حوله:
يَا سَـائِلِي: أَيْنَ حَـلَّ الجُـودُ وَالكَـرَمُ - عِنْـدِي بَـيَـانٌ إذَا طُـلاَّبُـهُ قَـدِمُـوا
هَذَا الذي تَعْـرِفُ البَطْـحَاءُ وَطْـأَتَـهُ - وَالبَـيْـتُ يَعْـرِفُـهُ وَالحِـلُّ وَالحَـرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَهِ كُلِّهِمُ - هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
هَذَا الذي أحْمَدُ المُخْتَارُ وَالِدُهُ - صَلَّي عَلَيهِ إلَهِي مَا جَرَي القَلَمُ
لَوْ يَعْلَمُ الرُّكْنُ مَنْ قَدْ جَاءَ يَلْثِمُهُ - لَخَرَّ يَلْثِمُ مِنْهُ مَا وَطَي القَدَمُ
هَذَا علي رَسُولُ اللَهِ وَالِدُهُ - أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تَهْتَدِي الاُمَمُ
هَذَا الَّذِي عَمُّهُ الطَّيَّارُ جَعْفَرٌ - وَالمَقْتُولُ حَمْزَةُ لَيْثٌ حُبُّهُ قَسَمُ
هَذَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسْوَانِ فَاطِمَةٍ - وَابْنُ الوَصِيِّ الَّذِي في سَيْفِهِ نِقَمُ
إذَا رَأتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا - إلَي مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الكَرَمُ
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ راحته -رُكْنُ الحَطِيمِ إذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
وَلَيْسَ قُولُكَ: مَنْ هَذَا؟ بِضَائِرِهِ - العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أنْكَرْتَ وَالعَجَمُ
يُنْمَي إلَي ذَرْوَةِ العِزِّ الَّتِي قَصُرَتْ - عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الإسْلاَمِ وَالعَجَمُ
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَي مِنْ مَهَابَتِهِ - فَمَا يُكَلَّمُ إلاَّ حِينَ يَبْتَسِمُ
يَنْجَابُ نُورُ الدُّجَي عَنْ نُورِ غُرِّتِهِ - كَالشَّمْسِ يَنْجَابُ عَنْ إشْرَاقِهَا الظُّلَمُ
بِكَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ - مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ
مَا قَالَ: لاَ، قَطُّ إلاَّ فِي تَشَهُّدِهِ - لَوْلاَ التَّشَهُّدُ كَانَتْ لاَؤهُ نَعَمُ
مُشتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَهِ نَبْعَتُهُ - طَابَتْ عَنَاصِرُهُ وَالخِيمُ وَالشِّيَمُ
حَمَّالُ أثْقَالِ أَقْوَامٍ إذَا فُدِحُوا - حُلْوُ الشَّمَائِلِ تَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ
إنْ قَالَ قَالَ بمِا يَهْوَي جَمِيعُهُمُ - وَإنْ تَكَلَّمَ يَوْماً زَانَهُ الكَلِمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ - بِجَدِّهِ أنبِيَاءُ اللَهِ قَدْ خُتِمُوا
—اللهُ فَضَّلَهُ قِدْماً وَشَرَّفَهُ - جَرَي بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ القَلَمُ
مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الآنْبِيَاءِ لَهُ - وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهَا الاُمَمُ
عَمَّ البَرِيَّةَ بِالإحْسَانِ وَانْقَشَعَتْ - عَنْهَا العِمَأيَةُ وَالإمْلاَقُ وَالظُّلَمُ
كِلْتَا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا - يُسْتَوْكَفَانِ وَلاَ يَعْرُوهُمَا عَدَمُ
سَهْلُ الخَلِيقَةِ لاَ تُخْشَي بَوَادِرُهُ - يَزِينُهُ خَصْلَتَانِ: الحِلْمُ وَالكَرَمُ
لاَ يُخْلِفُ الوَعْدَ مَيْمُوناً نَقِيبَتُهُ - رَحْبُ الفِنَاءِ أَرِيبٌ حِينَ يُعْتَرَمُ
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ - كُفْرٌ وَقُرْبُهُمُ مَنْجيً وَمُعْتَصَمُ
يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ وَالبَلْوَي بِحُبِّهِمُ - وَيُسْتَزَادُ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ
مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللَهِ ذِكْرُهُمْ - فِي كُلِّ فَرْضٍ وَمَخْتُومٌ بِهِ الكَلِمُ
إنْ عُدَّ أهْلُ التُّقَي كَانُوا أئمَّتَهُمْ - أوْ قِيلَ: مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الارْضِ قِيلَ: هُمُ
لاَ يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَأيَتِهِمْ - وَلاَ يُدَانِيهِمُ قَوْمٌ وَإنْ كَرُمُوا
هُمُ الغُيُوثُ إذَا مَا أزْمَةٌ أزَمَتْ - وَالاُسْدُ أُسْدُ الشَّرَي وَالبَأْسُ مُحْتَدِمُ
يَأبَي لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ الذَّمُّ سَاحَتَهُمْ - خِيمٌ كَرِيمٌ وَأيْدٍ بِالنَّدَي هُضُمُ
لاَ يَقْبِضُ العُسْرُ بَسْطاً مِنْ أكُفِّهِمُ - سِيَّانِ ذَلِكَ إنْ أثْرَوْا وَإنْ عَدِمُوا
أيٌّ القَبَائِلِ لَيْسَتْ فِي رَقَابِهِمُ - لاِوَّلِيَّةِ هَذَا أوْ لَهُ نِعَمُ
مَنْ يَعْرِفِ اللَهَ يَعْرِفْ أوَّلِيَّةَ ذَا - فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الاُمَمُ
بُيُوتُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ يُسْتَضَاءُ بِهَا - فِي النَّائِبَاتِ وَعِنْدَ الحُكْمِ إنْ حَكَمُوا
فَجَدُّهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أُرُومَتِهَا - مُحَمَّدٌ وَعليّبَعْدَهُ عَلَمُ
بَدرٌ له شَاهِدٌ وَالشِّعْبُ مِنْ أُحُدٍ - والخَنْدَقَانِ وَيَومُ الفَتْحِ قَدْ عَلِمُوا
وَخَيْبَرٌ وَحُنَيْنٌ يَشْهَدَانِ لَهُ - وَفِي قُرَيْضَةَ يَوْمٌ صَيْلَمٌ قَتَمُ
مَوَاطِنٌ قَدْ عَلَتْ فِي كُلِّ نائِبَةٍ - علي الصَّحَابَةِ لَمْ أَكْتُمْ كَمَا كَتَمُ
مواقف من حياته ...واقوال
كان له مملوك فدعاه مرتين فلم يجبه، وفي الثلاثة قال له الإمام برفق و لطف:
-((يا بني أما سمعت صوتي؟...)).
-((بلى..)).
-((لم لم تجبني؟...)).
-((أمنت منك...)).
فخرج الإمام و راح يحمد الله و يقول:
((الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني...)) لقد فرح الإمام لأنه لم يكن قاسياً، و لا جباراً حتى يخاف منه الناس أو يحذرون.
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي بن الحسين عليهم السلام............. وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين (عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة (الخصال ج1 ص129).
(((أنت أبر الناس، وأوصلهم رحماً فلماذا لا تؤاكل أمك؟...).
فأجابهم جواب من لم تشهد الدنيا مثل أدبه وكماله قائلاً:
(أخشى أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليها فأكون قد عققتها...)))
قال أبو شهاب الزهري:
شهدت علي بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام فأثقله حديداً، ووكل به حفاظاً في عدة وجمع فاستأذنهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي فدخلت عليه وهو في قبة، والأقياد في رجليه، والغل في يديه (وفي رواية: والغل في عنقه) فبكيت وقلت له: وددت أني مكانك وأنت سالم، فقال: يا زهري أتظن أن هذا مما ترى علي وفي عنقي يكربني؟ أما لو شئت ما كان فإنه وإن بلغ بك وبأمثالك ليذكر عذاب الله، ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد، ثم قال: يا زهري لا جزت معهم على ذا منزلتين من المدينة، قال: فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنا لنراه متبوعاً إنه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده بعد ذلك إذا أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده، قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي بن الحسين فأخبرته فقال لي: إنه قد جاءني يوم فقده الأعوان فدخل علي، فقال: ما أنا وأنت؟ فقلت: أقم عندي، فقال: لا أحب، ثم خرج فوالله فقد امتلأ ثوبي منه خيفة، قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن إنه مشغول بنفسه، فقال: حبذا شغل مثله فنعم ما شغل به، قال: وكان الزهري إذا ذكر علي بن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين
• قال حمران بن أعين:
كنت عند علي بن الحسين (عليه السلام) ومعي جماعة من أصحابه فجاءت ظبية، فبصبصت وضربت بذنبها، فقال: هل تدرون ما تقول هذه الظبية؟ فقلنا لا، فقال: تزعم أن رجلاً اصطاد خشفاً لها وتسألني أن أكلمه ليرده عليها، ثم قام وقمنا معه حتى جاء إلى باب الرجل فخرج إليه والظبية معنا، فقال له: إن هذه الظبية زعمت كذا وكذا وأنا أسألك أن ترده عليها، فدخل الرجل مسرعاً وأخرج إليه الخشف وسيبه، فمضت الظبية ومعها خشفها وهي تحرك ذنبها، فقال: أتدرون ما تقول: قلنا لا، قال: رد الله عليكم كل حق غصبتم عليه، وكل غائب وكل سبب ترجونه وغفر لعلي بن الحسين كما رد علي ولدي
قال ابن شهر آشوب: وقيل: أنه بكى حتى خيف على عينيه وكان إذا أخذ إناء ليشرب الماء بكى حتى يملأها دمعاً، فقيل له في ذلك، فقال: وكيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش، وقيل له: إنك لتبكي دهرك فلو قتلت نفسك لما زدت على هذا، فقال: نفسي قتلتها وعليها أبكي.
استشهاده
اغتياله بالسم:
كان الإمام يتمتع بشعبية هائلة، فقد تحدث الناس - بإعجاب - عن علمه وفقهه وعبادته، وعجبت الأندية بالتحدث عن صبره، وسائر ملكاته، وقد احتل قلوب الناس وعواطفهم، فكان السعيد من يحظى برؤيته، والسعيد من يتشرف بمقابلته والاستماع إلى حديثه، وقد شق ذلك على الأمويين، وأقضّ مضاجعهم وكان من أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبد الملك، فقد روى الزهري أنه قال: (لا راحة لي، وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا)وأجمع رأي هذا الخبيث الدنس على اغتيال الإمام حينما آل إليه الملك والسلطان، فبعث سماً قاتلاً إلى عامله على يثرب، وأمره أن يدسه للإمام ونفذ عامله ذلك، وقد تفاعل السم في بدن الإمام، فأخذ يعاني أشد الآلام وأقساها، وبقي حفنة من الأيام على فراش المرض يبث شكواه إلى الله تعالى، ويدعو لنفسه بالمغفرة والرضوان، وقد تزاحم الناس على عيادته، وهو (عليه السلام) يحمد الله، ويثني عليه أحسن الثناء على ما رزقه من الشهادة على يد شر البرية.
وصاياه لولده الباقر:
وعهد الإمام زين العابدين إلى ولده الإمام محمد الباقر (عليهما السلام) بوصاياه، وكان مما أوصاه به ما يلي:
1- أنه أوصاه بناقته، فقال له: إني حججت على ناقتي هذه عشرين حجة لم أقرعها بسوط، فإذا نفقت فادفنها، لا تأكل لحمها السباع، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما من بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلا جعله الله من نعم الجنة، وبارك في نسله ونفذ الإمام الباقر ذلك.
2- أنه أوصاه بهذه الوصية القيمة التي تكشف عن الجوانب المشرقة من نزعات أهل البيت (عليهم السلام) فقد قال له: (يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، فقد قال لي: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله).
3- أنه أوصاه أن يتولى بنفسه غسله وتكفينه وسائر شؤونه حتى يواريه في مقره الأخير.
إلى جنة المأوى:
وثقل حال الإمام، واشتد به المرض، وأخذ يعاني آلاماً مرهقة، فقد تفاعل السم مع جميع أجزاء بدنه، وأخبر الإمام أهله أنه في غلس الليل البهيم سوف ينتقل إلى الفردوس الأعلى، وأغمي عليه ثلاث مرات، فلما أفاق قرأ سورة الفاتحة وسورة (إنا فتحنا) ثم قال (عليه السلام): (الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الجنة نتبوأ منها حيث نشاء فنعم أجر العاملين).
وارتفعت روحه العظيمة إلى خالقها كما ترتفع أرواح الأنبياء والمرسلين، تحفها بإجلال وإكبار ملائكة الله، وألطاف الله وتحياته.
لقد سمت تلك الروح العظيمة إلى خالقها بعد أن أضاءت آفاق هذه الدنيا بعلومها وعبادتها وتجردها من كل نزعة من نزعات الهوى.
تجهيزه:
وقام الإمام أبو جعفر الباقر بتجهيز جثمان أبيه، فغسل جسده الطاهر، وقد رأى الناس مواضع سجوده كأنها مبارك الإبل من كثرة سجوده لله تعالى، ونظروا إلى عاتقه كأنه مبارك الإبل، فسألوا الباقر عن ذلك، فقال أنه من أثر الجراب الذي كان يحمله على عاتقه، ويضع فيه الطعام، ويوزعه على الفقراء والمحرومين وبعد الفراغ من غسله أدرجه في أكفانه، وصلى عليه الصلاة المكتوبة.
تشييعه:
وجرى للإمام تشييع حافل لم تشهد يثرب له نظيراً فقد شيعه البر والفاجر، والتفت الجماهير حول النعش العظيم والهين جازعين في بكاء وخشوع، وإحساس عميق بالخسارة الكبرى، فقد فقدوا بموته الخير الكثير، وفقدوا تلك الروحانية التي لم يخلق لها مثيل لقد عقلت الألسنة، وطاشت العقول بموت الإمام، فازدحم أهالي يثرب على الجثمان المقدس فالسعيد من يحظى بحمله، ومن الغريب أن سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة في المدينة لم يفز بتشييع الإمام والصلاة عليه، وقد أنكر عليه ذلك حشرم مولى أشجع، فأجابه سعيد: أصلي ركعتين في المسجد أحب إلي من أن أصلي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح. وهو اعتذار مهلهل فإن حضور تشييع جنازة الإمام (عليه السلام) الذي يحمل هدي الأنبياء من أفضل الطاعات وأحبها عند الله تعالى.
في مقره الأخير:
وجيء بالجثمان الطاهر وسط هالة من التكبير والتحميد إلى بقيع الغرقد، فحفروا له قبراً بجوار قبر عمه الزكي الإمام الحسن سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنزل الإمام الباقر (عليه السلام) جثمان أبيه فواراه في مقره الأخير، وقد وارى معه العلم والبر والتقوى، ووارى معه روحانية الأنبياء والمتقين.
وبعد الفراغ من دفنه هرع الناس نحو الإمام الباقر، وهم يرفعون إليه تعازيهم الحارة، ويشاركونه في لوعته وأساه، والإمام مع أخوته وسائر بني هاشم يشكرونهم على مشاركتهم في الخطب الفادح الجلل، والمصاب العظيم!!.
(مجمع)
اللهم صل على محمد وال محمد
الامام السجاد زين العابدين وسيد الساجدين: هو علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام، رابع الائمة الهداة الميامين، ولد على الرأي المشهور في الخامس من الهجرة سنة 38 هجرية،
من القابه :البكاء، الزاهد، العدل، الخاشع، أبو الأئمة، الخالص، الرهباني، وصي الوصيين، العابد، وارث علم النبيين، إمام الأئمة، خازن وصايا المرسلين، سيد الساجدين، منار القانتين، إمام المؤمنين.
امه:
وعرفت السيدة أم الإمام (عليه السلام) بشاه زنان، وهذا ليس اسماً لها، وإنما هو لقب لها، ومعناه في اللغة العربية ملكة النساء أو سيدة النساء
وهي السيدة الجليلة (شاه زنان) سليلة الملوك، وأم الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وتحتل هذه السيدة الجليلة المكانة المرموقة في عالم المرأة المسلمة، فقد كانت من سيدات نساء عصرها بل وفي الطليعة من سيدات نساء المسلمين، وقد تحلت بأوسمة شريفة كان من بينها:
أ - نسبها الوضاح فهي حفيدة كسرى الملك العادل، ومفخرة ملوك الشرق الذي يقول فيه النبي (صلى الله عليه وآله) - باعتزاز - ولدت في زمن الملك العادل كسرى.
ب - إنها زوجة أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).
ج - إنها أم الإمام زين العابدين وسيد الساجدين (عليه السلام)
د - إنها جدة الأئمة الطاهرين من نسل الإمام زين العابدين (عليه السلام).
هـ - إنها الرابطة المقدسة بين العرب والفرس.
حياته :
وكانت حياته مليئة بالمصائب والاحزان حيث شهد جريمة الكون ومصيبة التاريخ واقعة الطف الأليمة وشاهد الفواجع والمصائب الجلال وشهد سبي نساء الرسول المصطفى صلى الله عليه واله وكان التدخل الإلهي الذي امرضه حتى قعد عن القتال لكي لا تفقد الأرض وتخلوا من الحجة وكان ضمن ذلك الركب وقد انيطت به الامامة في اصعب الظرف وقد انطلق ليدافع عن دين جده المصطفى صلى الله عليه واله وسلم ووقف بوجه الطغاة ومعروفة خطبته في الشام التي كادت ان تقلب النظام تلك الكلمات البليغة التي تخاطب الروح والضمير والعقل والعاطفة والوجدان
في ذلك الموقف وقف الإمام علي ابن الحسين (ع) متحدياً و قال يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات للَّه فيهن رضا و لهؤلاء الجلساء فيهن أجر و ثواب قال فأبى يزيد عليه ذلك فقال الناس يا أمير ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمعمنه شيئاً فقال إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي و بفضيحة آل أبي سفيان فقيل له يا أمير و ما قدر ما يحسن هذا فقال إنه من أهل بيت قد زقوا العلم زقاً. فلم يزالوا به حتى أذن له.
فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم خطب خطبة أبكى منها العيون و أوجل منهاالقلوب ثم قال (-بعدها -)أيها الناس أعطينا ستاً و فضلنا بسبع أعطينا العلم والحلم و السماحة و الفصاحة و الشجاعة و المحبة في قلوب المؤمنين و فضلنا بأن منا النبي المختار محمداً و منا الصديق و منا الطيار و منا أسد اللَّه و أسد رسوله و منا سبطا هذه الأمة من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي و نسبي.
أيها الناس أنا ابن مكة و منى أنا ابن زمزم و الصفا أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا أنا ابن خير من ائتزر و ارتدى أنا ابن خير من انتعل و احتفى أنا ابن خير من طاف وسعى أنا ابن خير من حج و لبى أنا ابن من حمل على البراق في الهواء أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى أنا ابن من دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قاب َقَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى أنا ابن من صلى بملائكة السماء أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى أنا ابن محمد المصطفى.
أنا ابن علي المرتضى أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا اللَّه أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللَّه سيفين و طعن برمحين و هاجر الهجرتين و بايع البيعتين و قاتل ببدر و حنين و لم يكفر باللَّه طرفة عين أنا ابن صالح المؤمنين و وارث النبيين و قامع الملحدين و يعسوب المسلمين ونور المجاهدين و زين العابدين و تاج البكاءين و أصبر الصابرين وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين أنا ابن المؤيد بجبرئيل المنصور بميكائيل أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين و الناكثين و القاسطين و المجاهد أعداءه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين و أول من أجاب و استجاب للَّه ولرسوله من المؤمنين و أول السابقين و قاصم المعتدين و مبيد المشركين و سهم من مرامي اللَّه على المنافقين و لسان حكمة العابدين و ناصر دين اللَّه و ولي أمر اللَّه و بستان حكمة اللَّه و عيبة علمه سمح سخي بهي بهلول زكي أبطحي رضي مقدام همام صابر صوام مهذب قوام قاطع الأصلاب و مفرق الأحزاب أربطهم عنانا و أثبتهم جنانا و أمضاهم عزيمة و أشدهم شكيمة أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة و قربت الأعنة طحن الرحى و يذروهم فيها ذرو الريح الهشيم ليث الحجاز و كبش العراق مكي مدني خيفي عقبي بدري أحدي شجري مهاجري من العرب سيدها و من الوغى ليثها وارث المشعرين و أبو السبطين الحسن و الحسين ذاك جدي علي بن أبي طالب.
ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن خديجة الكبرى
أنا ابن المقتول ظلماً
أنا ابن محزوز الرأس من القفا
أنا ابن العطشان حتى قضى
أنا ابن طريح كربلاء
أنا ابن مسلوب العمامة والرداء
أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء
أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء
أنا ابن من رأسه على السنان يهدى
أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تسبى
فلم يزل يقول: أنا، أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر يزيد المؤذن مع أنه لم يكن وقت الصلاة فقطع عليه الكلام.
فلما قال المؤذن: اللَّه أكبر
قال علي بن الحسين: لا شيء أكبر من اللَّه، كبرت كبيراً لا يقاس
فلما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه
قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري وعظمي ولحمي ودمي
فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله
إلتفت من فوق المنبر إلى يزيد وقال: محمداً هذا جدي أم جدك يا يزيد؟
فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن قلت: إنه جدي فلم قتلت عترته؟
فنزل زين العابدين من المنبر، هذا وقد تفرق من كان في المسجد، والتفوا حول الإمام زين العابدين.
ولما خشي يزيد الفتنة وانقلاب الأمر، عجل بإخراج الإمام زين العابدين والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرهم.
من اثاره
فلا تجد في عبائره الا الذي لا يحسن وصفه من عذوبته وشموليته وعمقه وتوجيهه وايضاحه للحق فأستعمل أسلوب الكلمة وخاصتا في كلمات دعائه الذي يشهد له العدو قبل الصديق في ادعية الصحيفة السجادية المباركة ذلك الأثر العظيم الذي لن تجد له مثيل‘ تلك الصحيفة التي استعملت كأسلوب اعلامي بعد ان شدد طوق الحصار على الامام عليه السلام وقد اشتملت الصحيفة السجادية على موسوعات من المعارف والعلوم الإصلاحية والتهذيبية بأسلوب ولا أروع مثل الابعاد والجوانب العقدية والجوانب الأخلاقية والجوانب العبادية وغيرها الكثير كما ان من اثاره العظيمة رسالة الحقوق المعروفة التي اقتبست من بنودها منظمة الامم المتحدة لعلو مضامينها وشموليتها وسعة افق فقراتها فقد ترك الامام السجاد عليه السلام من الاثار اثرين عظيمين هما الصحيفة السجادية ورسالة الحقوق ..التي يصعب الكلام عنهما بكلمات
ان الامام السجاد قل عمل على تأسيس مدرسة علمية ورصينة فكرية بالرغم من المحن والمصاعب التي كان يعانيها لكن استطاع ذلك وان يجذب الناس حوله كي يرشدهم لمافيه الصلاح والاصلاح وان قصيدة الفرزدق في مدحه اشهر من ان توصف وقضيته مع هشام...التي توضح كيف كان الناس حوله:
يَا سَـائِلِي: أَيْنَ حَـلَّ الجُـودُ وَالكَـرَمُ - عِنْـدِي بَـيَـانٌ إذَا طُـلاَّبُـهُ قَـدِمُـوا
هَذَا الذي تَعْـرِفُ البَطْـحَاءُ وَطْـأَتَـهُ - وَالبَـيْـتُ يَعْـرِفُـهُ وَالحِـلُّ وَالحَـرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَهِ كُلِّهِمُ - هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
هَذَا الذي أحْمَدُ المُخْتَارُ وَالِدُهُ - صَلَّي عَلَيهِ إلَهِي مَا جَرَي القَلَمُ
لَوْ يَعْلَمُ الرُّكْنُ مَنْ قَدْ جَاءَ يَلْثِمُهُ - لَخَرَّ يَلْثِمُ مِنْهُ مَا وَطَي القَدَمُ
هَذَا علي رَسُولُ اللَهِ وَالِدُهُ - أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تَهْتَدِي الاُمَمُ
هَذَا الَّذِي عَمُّهُ الطَّيَّارُ جَعْفَرٌ - وَالمَقْتُولُ حَمْزَةُ لَيْثٌ حُبُّهُ قَسَمُ
هَذَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسْوَانِ فَاطِمَةٍ - وَابْنُ الوَصِيِّ الَّذِي في سَيْفِهِ نِقَمُ
إذَا رَأتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا - إلَي مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الكَرَمُ
يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ راحته -رُكْنُ الحَطِيمِ إذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
وَلَيْسَ قُولُكَ: مَنْ هَذَا؟ بِضَائِرِهِ - العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أنْكَرْتَ وَالعَجَمُ
يُنْمَي إلَي ذَرْوَةِ العِزِّ الَّتِي قَصُرَتْ - عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الإسْلاَمِ وَالعَجَمُ
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَي مِنْ مَهَابَتِهِ - فَمَا يُكَلَّمُ إلاَّ حِينَ يَبْتَسِمُ
يَنْجَابُ نُورُ الدُّجَي عَنْ نُورِ غُرِّتِهِ - كَالشَّمْسِ يَنْجَابُ عَنْ إشْرَاقِهَا الظُّلَمُ
بِكَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ - مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ
مَا قَالَ: لاَ، قَطُّ إلاَّ فِي تَشَهُّدِهِ - لَوْلاَ التَّشَهُّدُ كَانَتْ لاَؤهُ نَعَمُ
مُشتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَهِ نَبْعَتُهُ - طَابَتْ عَنَاصِرُهُ وَالخِيمُ وَالشِّيَمُ
حَمَّالُ أثْقَالِ أَقْوَامٍ إذَا فُدِحُوا - حُلْوُ الشَّمَائِلِ تَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ
إنْ قَالَ قَالَ بمِا يَهْوَي جَمِيعُهُمُ - وَإنْ تَكَلَّمَ يَوْماً زَانَهُ الكَلِمُ
هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ - بِجَدِّهِ أنبِيَاءُ اللَهِ قَدْ خُتِمُوا
—اللهُ فَضَّلَهُ قِدْماً وَشَرَّفَهُ - جَرَي بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ القَلَمُ
مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الآنْبِيَاءِ لَهُ - وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهَا الاُمَمُ
عَمَّ البَرِيَّةَ بِالإحْسَانِ وَانْقَشَعَتْ - عَنْهَا العِمَأيَةُ وَالإمْلاَقُ وَالظُّلَمُ
كِلْتَا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا - يُسْتَوْكَفَانِ وَلاَ يَعْرُوهُمَا عَدَمُ
سَهْلُ الخَلِيقَةِ لاَ تُخْشَي بَوَادِرُهُ - يَزِينُهُ خَصْلَتَانِ: الحِلْمُ وَالكَرَمُ
لاَ يُخْلِفُ الوَعْدَ مَيْمُوناً نَقِيبَتُهُ - رَحْبُ الفِنَاءِ أَرِيبٌ حِينَ يُعْتَرَمُ
مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ - كُفْرٌ وَقُرْبُهُمُ مَنْجيً وَمُعْتَصَمُ
يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ وَالبَلْوَي بِحُبِّهِمُ - وَيُسْتَزَادُ بِهِ الإحْسَانُ وَالنِّعَمُ
مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللَهِ ذِكْرُهُمْ - فِي كُلِّ فَرْضٍ وَمَخْتُومٌ بِهِ الكَلِمُ
إنْ عُدَّ أهْلُ التُّقَي كَانُوا أئمَّتَهُمْ - أوْ قِيلَ: مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الارْضِ قِيلَ: هُمُ
لاَ يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَأيَتِهِمْ - وَلاَ يُدَانِيهِمُ قَوْمٌ وَإنْ كَرُمُوا
هُمُ الغُيُوثُ إذَا مَا أزْمَةٌ أزَمَتْ - وَالاُسْدُ أُسْدُ الشَّرَي وَالبَأْسُ مُحْتَدِمُ
يَأبَي لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ الذَّمُّ سَاحَتَهُمْ - خِيمٌ كَرِيمٌ وَأيْدٍ بِالنَّدَي هُضُمُ
لاَ يَقْبِضُ العُسْرُ بَسْطاً مِنْ أكُفِّهِمُ - سِيَّانِ ذَلِكَ إنْ أثْرَوْا وَإنْ عَدِمُوا
أيٌّ القَبَائِلِ لَيْسَتْ فِي رَقَابِهِمُ - لاِوَّلِيَّةِ هَذَا أوْ لَهُ نِعَمُ
مَنْ يَعْرِفِ اللَهَ يَعْرِفْ أوَّلِيَّةَ ذَا - فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الاُمَمُ
بُيُوتُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ يُسْتَضَاءُ بِهَا - فِي النَّائِبَاتِ وَعِنْدَ الحُكْمِ إنْ حَكَمُوا
فَجَدُّهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أُرُومَتِهَا - مُحَمَّدٌ وَعليّبَعْدَهُ عَلَمُ
بَدرٌ له شَاهِدٌ وَالشِّعْبُ مِنْ أُحُدٍ - والخَنْدَقَانِ وَيَومُ الفَتْحِ قَدْ عَلِمُوا
وَخَيْبَرٌ وَحُنَيْنٌ يَشْهَدَانِ لَهُ - وَفِي قُرَيْضَةَ يَوْمٌ صَيْلَمٌ قَتَمُ
مَوَاطِنٌ قَدْ عَلَتْ فِي كُلِّ نائِبَةٍ - علي الصَّحَابَةِ لَمْ أَكْتُمْ كَمَا كَتَمُ
مواقف من حياته ...واقوال
كان له مملوك فدعاه مرتين فلم يجبه، وفي الثلاثة قال له الإمام برفق و لطف:
-((يا بني أما سمعت صوتي؟...)).
-((بلى..)).
-((لم لم تجبني؟...)).
-((أمنت منك...)).
فخرج الإمام و راح يحمد الله و يقول:
((الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني...)) لقد فرح الإمام لأنه لم يكن قاسياً، و لا جباراً حتى يخاف منه الناس أو يحذرون.
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي بن الحسين عليهم السلام............. وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين (عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني ما أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة (الخصال ج1 ص129).
(((أنت أبر الناس، وأوصلهم رحماً فلماذا لا تؤاكل أمك؟...).
فأجابهم جواب من لم تشهد الدنيا مثل أدبه وكماله قائلاً:
(أخشى أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليها فأكون قد عققتها...)))
قال أبو شهاب الزهري:
شهدت علي بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام فأثقله حديداً، ووكل به حفاظاً في عدة وجمع فاستأذنهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي فدخلت عليه وهو في قبة، والأقياد في رجليه، والغل في يديه (وفي رواية: والغل في عنقه) فبكيت وقلت له: وددت أني مكانك وأنت سالم، فقال: يا زهري أتظن أن هذا مما ترى علي وفي عنقي يكربني؟ أما لو شئت ما كان فإنه وإن بلغ بك وبأمثالك ليذكر عذاب الله، ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد، ثم قال: يا زهري لا جزت معهم على ذا منزلتين من المدينة، قال: فما لبثنا إلا أربع ليال حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة فما وجدوه فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنا لنراه متبوعاً إنه لنازل ونحن حوله لا ننام نرصده بعد ذلك إذا أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلا حديده، قال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن علي بن الحسين فأخبرته فقال لي: إنه قد جاءني يوم فقده الأعوان فدخل علي، فقال: ما أنا وأنت؟ فقلت: أقم عندي، فقال: لا أحب، ثم خرج فوالله فقد امتلأ ثوبي منه خيفة، قال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين ليس علي بن الحسين حيث تظن إنه مشغول بنفسه، فقال: حبذا شغل مثله فنعم ما شغل به، قال: وكان الزهري إذا ذكر علي بن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين
• قال حمران بن أعين:
كنت عند علي بن الحسين (عليه السلام) ومعي جماعة من أصحابه فجاءت ظبية، فبصبصت وضربت بذنبها، فقال: هل تدرون ما تقول هذه الظبية؟ فقلنا لا، فقال: تزعم أن رجلاً اصطاد خشفاً لها وتسألني أن أكلمه ليرده عليها، ثم قام وقمنا معه حتى جاء إلى باب الرجل فخرج إليه والظبية معنا، فقال له: إن هذه الظبية زعمت كذا وكذا وأنا أسألك أن ترده عليها، فدخل الرجل مسرعاً وأخرج إليه الخشف وسيبه، فمضت الظبية ومعها خشفها وهي تحرك ذنبها، فقال: أتدرون ما تقول: قلنا لا، قال: رد الله عليكم كل حق غصبتم عليه، وكل غائب وكل سبب ترجونه وغفر لعلي بن الحسين كما رد علي ولدي
قال ابن شهر آشوب: وقيل: أنه بكى حتى خيف على عينيه وكان إذا أخذ إناء ليشرب الماء بكى حتى يملأها دمعاً، فقيل له في ذلك، فقال: وكيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش، وقيل له: إنك لتبكي دهرك فلو قتلت نفسك لما زدت على هذا، فقال: نفسي قتلتها وعليها أبكي.
استشهاده
اغتياله بالسم:
كان الإمام يتمتع بشعبية هائلة، فقد تحدث الناس - بإعجاب - عن علمه وفقهه وعبادته، وعجبت الأندية بالتحدث عن صبره، وسائر ملكاته، وقد احتل قلوب الناس وعواطفهم، فكان السعيد من يحظى برؤيته، والسعيد من يتشرف بمقابلته والاستماع إلى حديثه، وقد شق ذلك على الأمويين، وأقضّ مضاجعهم وكان من أعظم الحاقدين عليه الوليد بن عبد الملك، فقد روى الزهري أنه قال: (لا راحة لي، وعلي بن الحسين موجود في دار الدنيا)وأجمع رأي هذا الخبيث الدنس على اغتيال الإمام حينما آل إليه الملك والسلطان، فبعث سماً قاتلاً إلى عامله على يثرب، وأمره أن يدسه للإمام ونفذ عامله ذلك، وقد تفاعل السم في بدن الإمام، فأخذ يعاني أشد الآلام وأقساها، وبقي حفنة من الأيام على فراش المرض يبث شكواه إلى الله تعالى، ويدعو لنفسه بالمغفرة والرضوان، وقد تزاحم الناس على عيادته، وهو (عليه السلام) يحمد الله، ويثني عليه أحسن الثناء على ما رزقه من الشهادة على يد شر البرية.
وصاياه لولده الباقر:
وعهد الإمام زين العابدين إلى ولده الإمام محمد الباقر (عليهما السلام) بوصاياه، وكان مما أوصاه به ما يلي:
1- أنه أوصاه بناقته، فقال له: إني حججت على ناقتي هذه عشرين حجة لم أقرعها بسوط، فإذا نفقت فادفنها، لا تأكل لحمها السباع، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما من بعير يوقف عليه موقف عرفة سبع حجج إلا جعله الله من نعم الجنة، وبارك في نسله ونفذ الإمام الباقر ذلك.
2- أنه أوصاه بهذه الوصية القيمة التي تكشف عن الجوانب المشرقة من نزعات أهل البيت (عليهم السلام) فقد قال له: (يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، فقد قال لي: يا بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله).
3- أنه أوصاه أن يتولى بنفسه غسله وتكفينه وسائر شؤونه حتى يواريه في مقره الأخير.
إلى جنة المأوى:
وثقل حال الإمام، واشتد به المرض، وأخذ يعاني آلاماً مرهقة، فقد تفاعل السم مع جميع أجزاء بدنه، وأخبر الإمام أهله أنه في غلس الليل البهيم سوف ينتقل إلى الفردوس الأعلى، وأغمي عليه ثلاث مرات، فلما أفاق قرأ سورة الفاتحة وسورة (إنا فتحنا) ثم قال (عليه السلام): (الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الجنة نتبوأ منها حيث نشاء فنعم أجر العاملين).
وارتفعت روحه العظيمة إلى خالقها كما ترتفع أرواح الأنبياء والمرسلين، تحفها بإجلال وإكبار ملائكة الله، وألطاف الله وتحياته.
لقد سمت تلك الروح العظيمة إلى خالقها بعد أن أضاءت آفاق هذه الدنيا بعلومها وعبادتها وتجردها من كل نزعة من نزعات الهوى.
تجهيزه:
وقام الإمام أبو جعفر الباقر بتجهيز جثمان أبيه، فغسل جسده الطاهر، وقد رأى الناس مواضع سجوده كأنها مبارك الإبل من كثرة سجوده لله تعالى، ونظروا إلى عاتقه كأنه مبارك الإبل، فسألوا الباقر عن ذلك، فقال أنه من أثر الجراب الذي كان يحمله على عاتقه، ويضع فيه الطعام، ويوزعه على الفقراء والمحرومين وبعد الفراغ من غسله أدرجه في أكفانه، وصلى عليه الصلاة المكتوبة.
تشييعه:
وجرى للإمام تشييع حافل لم تشهد يثرب له نظيراً فقد شيعه البر والفاجر، والتفت الجماهير حول النعش العظيم والهين جازعين في بكاء وخشوع، وإحساس عميق بالخسارة الكبرى، فقد فقدوا بموته الخير الكثير، وفقدوا تلك الروحانية التي لم يخلق لها مثيل لقد عقلت الألسنة، وطاشت العقول بموت الإمام، فازدحم أهالي يثرب على الجثمان المقدس فالسعيد من يحظى بحمله، ومن الغريب أن سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة في المدينة لم يفز بتشييع الإمام والصلاة عليه، وقد أنكر عليه ذلك حشرم مولى أشجع، فأجابه سعيد: أصلي ركعتين في المسجد أحب إلي من أن أصلي على هذا الرجل الصالح في البيت الصالح. وهو اعتذار مهلهل فإن حضور تشييع جنازة الإمام (عليه السلام) الذي يحمل هدي الأنبياء من أفضل الطاعات وأحبها عند الله تعالى.
في مقره الأخير:
وجيء بالجثمان الطاهر وسط هالة من التكبير والتحميد إلى بقيع الغرقد، فحفروا له قبراً بجوار قبر عمه الزكي الإمام الحسن سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنزل الإمام الباقر (عليه السلام) جثمان أبيه فواراه في مقره الأخير، وقد وارى معه العلم والبر والتقوى، ووارى معه روحانية الأنبياء والمتقين.
وبعد الفراغ من دفنه هرع الناس نحو الإمام الباقر، وهم يرفعون إليه تعازيهم الحارة، ويشاركونه في لوعته وأساه، والإمام مع أخوته وسائر بني هاشم يشكرونهم على مشاركتهم في الخطب الفادح الجلل، والمصاب العظيم!!.
(مجمع)



تعليق