سعادة الولد البار
جاء في منشورات حمدي عبيد تحت عنوان: [قصة واقعية]:
بعد ان كان قوي العضلات في شرخ شبابه, ينسج الاقمشة ويأكل من عرق جبينه تأبى عليه عزته ان يكون عالة على ولد له او قريب, وتسمو به كرامته ان يطلب بعد هذا كله, ادركه الضعف الذي هو نتيجة طبيعية لكل من بلغ من الكبر عتيا, و
ويردفه اليأس والاباء, وقف في منتصف الطريق يسأل نفسه: هل يفي لي يا ترى ويقوم بما يجب عليه نحوي, فأقضي البقية الباقية من أيام حياتي براحة وهناء, ام يكون عاقا لا يعرف للوفاء معنى, ولا يقيم للحقوق الأبوية وزنا؟ وقف حائرا بين هذين العاملين, واخيرا تغلب عليه عامل الرجاء فتقدم مسرعا, ودخل على ولده وقال له بلسان متلجلج, وصوت متهدج: ان السنين يا بني قد هدت جسمي, وأضعفت قوتي, فأصبحت عاجزا عن الكسب, فهل لنفسك الطيبة ان تسمح لأبيك ولو بجزء ضئيل من المال يستعين به في شيخوخته, أذهلت الولد هذه المفاجأة التي لم يكن يتوقعها, فجمد في مكانه مشدوها ثم انتبه من ذهوله وترك أباه وذهب كأن الامر لا يعنيه, وكأن المخاطب سواه. تألم الوالد وندم على ما فرط منه, وشعر كأن صاعقة انقضت عليه, وخاطب نفسه وقال: هذا ما كنت أخشاه ها هو قد تركني ومضى لشأنه كأنه لا يعرفني, وكأنني لست أباه, وطفرت من عيونه دموع الألم, وهمّ بالنهوض فخانته قواه, ولم تستطع ان تحمله قدماه فسقط في مكانه, ثم استعاد قواه, وبينما هو يحاول النهوض ثانية اذ أقبل ولده والعرق يتصبب من جبينه فارتمى على يدي والده يقبلهما ويقول: انني يا أبت لم أنس حنوك وعطفك علي زمن طفولتي, ولن أنسى ما حييت جهودك العظيمة التي بذلتها في سبيل تربيتي وتوفير راحتي, لا أزال اذكر سهرك الليالي الطوال بجانب سريري أيام مرضي, انني لا أزال أشعر بأنك كنت تتمنى أن تسكب روحك النقية في جسمي لتعود اليّ العافية والحياة, انني يا أبت لا أستطيع مهما حاولت أن أفي ببعض ما لك في عنقي من منة, ولا أقدر أن أقابل هذا الشعور بمثله, انك تطلب مني ان اخصك بشيء من المال, هذا لا يكون أبدا, ان الولد البار يعلم يقينا أنه هو وماله لأبيه يتصرف بهما كما يجب, هاك يا والدي مفتاح الخزانة, افتحها متى أردت, وخذ منها ما شئت والفضل لك ,لأنني اعتقد أنه لم يكن لينالني شيء من التوفيق لولا دعواتك الصالحة وتربيتك الحسنة وانني لو بذلت جميع ما ملكت يدي في سبيل راحتك ورضاك لكان ضئيلا فاغرورقت عينا الوالد بدموع الفرح وامتزجت بدموع ولده وقال بصوت تخنقه العبرات: بارك الله لك يا ولدي بمالك وجعلك سعيدا في دنياك واخرتك. مضت سنوات عدة والولد لا يألو جهدا في خدمة أبيه ويبالغ في اكرامه والاحسان اليه ثم أخذه الى مكة وسعد بخدمته وأديا فريضة الحج معا ثم عادا براحة وسرور عظيمين ولم يزل الولد يحنو على والده ويحوطه برعايته ويشمله بعنايته ويتسقط مواضع مرضاته حتى وافاه أجله فأسلم الروح الى خالقها ولسانه رطب بالدعاء لولده مكررا قوله:{اللهم بارك له في ماله وسره في أولاده واجعله سعيدا في دنياه وآخرته}.
استجيبت دعوة الوالد وها هو الولد يتقلب بنعيمها حتى يومنا هذا.
بالرغم من ان هذا الولد قد ختم علاقته بوالده بالبر والاحسان الا أنه وكما يبدو كان مقصرا في البداية فليته لم يلجأ والده الى سؤاله مسبقا واستشعر حاجة والده بلا أي سؤال او اشعار بالمذلة وقضاء حاجة الوالدين قبل السؤال فيه سرور لهما أكثر منه بعده.
المصدر: من كتاب بر الوالدين .
جاء في منشورات حمدي عبيد تحت عنوان: [قصة واقعية]:
بعد ان كان قوي العضلات في شرخ شبابه, ينسج الاقمشة ويأكل من عرق جبينه تأبى عليه عزته ان يكون عالة على ولد له او قريب, وتسمو به كرامته ان يطلب بعد هذا كله, ادركه الضعف الذي هو نتيجة طبيعية لكل من بلغ من الكبر عتيا, و
ويردفه اليأس والاباء, وقف في منتصف الطريق يسأل نفسه: هل يفي لي يا ترى ويقوم بما يجب عليه نحوي, فأقضي البقية الباقية من أيام حياتي براحة وهناء, ام يكون عاقا لا يعرف للوفاء معنى, ولا يقيم للحقوق الأبوية وزنا؟ وقف حائرا بين هذين العاملين, واخيرا تغلب عليه عامل الرجاء فتقدم مسرعا, ودخل على ولده وقال له بلسان متلجلج, وصوت متهدج: ان السنين يا بني قد هدت جسمي, وأضعفت قوتي, فأصبحت عاجزا عن الكسب, فهل لنفسك الطيبة ان تسمح لأبيك ولو بجزء ضئيل من المال يستعين به في شيخوخته, أذهلت الولد هذه المفاجأة التي لم يكن يتوقعها, فجمد في مكانه مشدوها ثم انتبه من ذهوله وترك أباه وذهب كأن الامر لا يعنيه, وكأن المخاطب سواه. تألم الوالد وندم على ما فرط منه, وشعر كأن صاعقة انقضت عليه, وخاطب نفسه وقال: هذا ما كنت أخشاه ها هو قد تركني ومضى لشأنه كأنه لا يعرفني, وكأنني لست أباه, وطفرت من عيونه دموع الألم, وهمّ بالنهوض فخانته قواه, ولم تستطع ان تحمله قدماه فسقط في مكانه, ثم استعاد قواه, وبينما هو يحاول النهوض ثانية اذ أقبل ولده والعرق يتصبب من جبينه فارتمى على يدي والده يقبلهما ويقول: انني يا أبت لم أنس حنوك وعطفك علي زمن طفولتي, ولن أنسى ما حييت جهودك العظيمة التي بذلتها في سبيل تربيتي وتوفير راحتي, لا أزال اذكر سهرك الليالي الطوال بجانب سريري أيام مرضي, انني لا أزال أشعر بأنك كنت تتمنى أن تسكب روحك النقية في جسمي لتعود اليّ العافية والحياة, انني يا أبت لا أستطيع مهما حاولت أن أفي ببعض ما لك في عنقي من منة, ولا أقدر أن أقابل هذا الشعور بمثله, انك تطلب مني ان اخصك بشيء من المال, هذا لا يكون أبدا, ان الولد البار يعلم يقينا أنه هو وماله لأبيه يتصرف بهما كما يجب, هاك يا والدي مفتاح الخزانة, افتحها متى أردت, وخذ منها ما شئت والفضل لك ,لأنني اعتقد أنه لم يكن لينالني شيء من التوفيق لولا دعواتك الصالحة وتربيتك الحسنة وانني لو بذلت جميع ما ملكت يدي في سبيل راحتك ورضاك لكان ضئيلا فاغرورقت عينا الوالد بدموع الفرح وامتزجت بدموع ولده وقال بصوت تخنقه العبرات: بارك الله لك يا ولدي بمالك وجعلك سعيدا في دنياك واخرتك. مضت سنوات عدة والولد لا يألو جهدا في خدمة أبيه ويبالغ في اكرامه والاحسان اليه ثم أخذه الى مكة وسعد بخدمته وأديا فريضة الحج معا ثم عادا براحة وسرور عظيمين ولم يزل الولد يحنو على والده ويحوطه برعايته ويشمله بعنايته ويتسقط مواضع مرضاته حتى وافاه أجله فأسلم الروح الى خالقها ولسانه رطب بالدعاء لولده مكررا قوله:{اللهم بارك له في ماله وسره في أولاده واجعله سعيدا في دنياه وآخرته}.
استجيبت دعوة الوالد وها هو الولد يتقلب بنعيمها حتى يومنا هذا.
بالرغم من ان هذا الولد قد ختم علاقته بوالده بالبر والاحسان الا أنه وكما يبدو كان مقصرا في البداية فليته لم يلجأ والده الى سؤاله مسبقا واستشعر حاجة والده بلا أي سؤال او اشعار بالمذلة وقضاء حاجة الوالدين قبل السؤال فيه سرور لهما أكثر منه بعده.
المصدر: من كتاب بر الوالدين .
تعليق