بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
الدعاء حاجة فطرية عند الإنسان ، ومن الطبيعي أن يتعرض الإنسان خلال حياته الاجتماعية المعقدة إلى مشاكل يصعب عليه حلها أحياناً ، ويتعرض أحياناً أخرى إلى حالات حرجة يشعر بأنه هالك لا محالة ، فنراه يلجأ ويتوسل بقوة غَيبيَّة يعتقد أنها قادرة على إنقاذه .وقد يلجأ إليها حتى الذين لا يؤمنون بها ، فقال الله عزَّ وجل : ( فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَاهُ نِعمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلمٍ بَل هِيَ فِتنَةٌ وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ ) الزمر : 49 .أما في حياة المؤمن ، فالدعاء يشكل أساساً متيناً لشخصيته ، لأنه يؤمن بالله تعالى القادر على كل شيء ، والذي بيده ملكوت السماوات والأرض ، فالله هو الرحمن الرحيم ، الذي وسعت رحمته كل شيء ، وهو اللطيف بعباده ، الرؤوف بمخلوقاته ، وهو القادر على ما يريد ، الكريم الذي لم يجعل بينه وبين عبده ما يحجبه عنه سبحانه وتعالى .فقد جعل أبوابه مفتَّحة لدعاء الداعين ، وقال لعباده : ( ادعُونِي أَستَجِب لَكُم ) غافر : 60 .والمؤمن يتحبب إلى ربه وخالقه سبحانه بالتحدث إليه ، وطلب المزيد من رضاه ورحمته ، ويسأنس بالدعاء والمناجاة إذا استوحش من الدنيا ، ويتلذذ بالقرب منه تعالى ، والدعاء مناجاة تزول به الهموم والكروب ، وتطمئن النفس باللجوء إلى مَن بيده مقاليد الأمور .والمؤمن يلجأ إلى الله ويثق بقدراته ، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وعلماً ازداد إيماناً وتضرعاً وطاعةً ، وأكثر الناس معرفة وعلماً بالله سبحانه وتعالى أكثرهم له مسألة وطلباً .هكذا يقف العارفون بربهم ، أذلاء خاشعين لم تنسهم دنياهم ذكر الله ، ولم تلههم تجارتهم عن المناجاة مع الله ، وهم يعلمون أن الإنسان قد يتعرض للخطأ في معاملاته ، وقد يقترف السيئة فيؤوب إلى ربه منيباً مذعناً معترفاً يطلب التوبة والمغفرة .فليس أمام العبد الذي أوبقته الذنوب إلا التوبة والإنابة إلى الله والدعاء إليه لأنه لا مفرَّ من الله إلا إليه ، فلنجتهد في مرضاته ، ونعدُّ العدَّة لملاقاته ، عسى أن نحظى بلقائه بوجوه بيضاء مشرقة بالإيمان الصادق والعمل الصالح ، فحاشا لله أن يناجيه العبد ويمدُّ إليه يدَ الاستكانة والمذلة ويرده وهو الكريم الجواد ، فالله تعالى لا يرد السائلين ، وإن أخَّر ذلك إلى حين فلحكمة هو يراها .فهو الذي أخذ على نفسه أن لا يخيب من دعاه ، وهو بعباده رؤوف رحيم ، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، فَمَن غير الله ندعوه ونتوسل إليه ، وهو أرحم بنا من أبوينا ؟ وقد جربنا ظلم العباد للعباد .آداب الدعاء :
لقد حدَّدت النصوص الإسلامية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وآل البيت ( عليهم السلام ) آداباً للدعاء ، وقررت شروطاً لابد للداعي أن يراعيها كي يتقرب إلى خزائن رحمة الله تعالى وذخائر لطفه ، ويتحقّق مطلوبه من الدعاء ، وإذا أهملها الداعي فلا تتحقق له الاستجابة المرجوة من الدعاء ، ولا تحصل له نورانية القلب ، وتهذيب النفس ، وسُمُوُّ الروح المطلوبة في الدعاء ، وفيما يلي أهم هذه الشروط والآداب :الأول :الطهارة :
من آداب الدعاء أن يكون الداعي على وضوء ، سيَّما إذا أراد الدعاء عقيب الصلاة ، فقد رَوَى مسمع عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( يا مسمع ، ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غَمٌّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده ، فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما ؟ ) .الثاني : الصدقة ، وشمُّ الطيب ، والذهاب إلى المسجد :
روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( كان أبي إذا طلب الحاجة .. قدَّم شيئاً فتصدق به ، وشمَّ شيئاً من طيب ، وراح إلى المسجد ) .الثالث : الصلاة :
ويستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل أن يشرع بالدعاء ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى ركعتين ، فأتمَّ ركوعهما وسجودهما ، ثم سلَّم وأثنى على الله عزَّ وجل وعلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم سأل حاجته فقد طلب الخير في مظانِّه ، ومن طلب الخير في مظانِّه لم يخب ) .الرابع : البسملة :
ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يُرَدُّ دعاءٌ أوَّله بسم الله الرحمن الرحيم ) .الخامس : الثناء على الله تعالى :
ينبغي للداعي إذا أراد أن يسأل ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة أن يحمد الله ويثني عليه ، ويشكر ألطافه ونعمه قبل أن يشرع في الدعاء .يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ، وسبباً للمزيد من فضله ) ، وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إذا طلب أحدكم الحاجة فَليُثنِ على ربه وليمدحه ) .وقد أعدَّ الله تعالى لمن يمدحه ويُمَجِّده على حسن آلائه جزيل الثواب بما يفوق رغبة السائلين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( من تشاغل بالثناء على الله ، أعطاه الله فوق رغبة السائلين ) .أمّا ما يجزي من الثناء على الله سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه سُئل عن ذلك فقال : ( تقول اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم ) .السادس : الدعاء بالأسماء الحسنى :
على الداعي أن يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى لقوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) الأعراف : 180 ، وقوله تعالى : ( أيا ما تدعو قل ادعو الله أول ادعوا الرحمن فله الأسماء الحسنى )الأسراء : 110 .وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لله عزوجل تسعة وتسعون اسماً ، من دعا الله بها استجيب له ) .يقول بعض أهل العلم : ينبغي للداعي إذا مجَّد الله سبحانه وأثنى عليه أن يذكر من أسماء الله الحسنى ما يناسب مطلوبه ، فإذا كان مطلوبه ( الرزق ) يقول : يا رزاق ، يا وهاب ، يا جواد ، يا مغني ، يا منعم ، يا مفضل ، يا معطي ، يا كريم ، يا واسع ، يا مسبب الأسباب ، يا منان ، يا رزاق من يشاء بغير حساب .وإن كان مطلوبه ( المغفرة والتوبة ) ، يقول : يا تواب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا رؤوف ، يا عطوف ، يا صبور ، يا شكور ، يا عفو ، يا غفور ، يا فتاح ، يا ذا المجد والسماح ، يا محسن ، يا مجمل ، يا منعم .وإن كان مطلوبه ( الانتقام ) من العدو يقول : يا عزيز ، يا جبار ، يا قهار ، يا منتقم ، ياذا البطش الشديد ، يا فعال لما يريد ، يا قاصم المردة ، يا طالب ، يا غالب ، يا مهلك ، يا مدرك ، يا من لا يعجزه شيء .ولو كان مطلوبه ( العلم ) يقول : يا عالم ، يا فتاح ، يا هادي ، يا مرشد ، يا معز ، يا رافع ، وما أشبه ذلك .وقد ورد في الروايات عن أهل البيت ( عليهم السلام ) تأكيدٌ كثير على الدعاء بالأسماء الحسنى ، وأنَّ الله تعالى يستجيب لعبده المؤمن إذا دعاه بأسمائه الحسنى ، خصوصاً في حال السجود .السابع : الصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) :
لابد للداعي أن يصلي على محمد وآله ( عليهم السلام ) بعد الحمد والثناء على الله سبحانه ، وهي تؤكد الولاء لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) الذي هو في امتداد الولاء لله تعالى ، لذا فهي من أهم الوسائل في صعود الأعمال واستجابة الدعاء .قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يزال الدعاء محجوباً حتى يصلى عليَّ وعلى أهل بيتي ) ، وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد ) .وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من دعا ولم يذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رفرف الدعاء على رأسه ، فإذا ذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رُفع الدعاء ) .أما في كيفية الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد روي بالإسناد عن بريدة ، قال : قلنا : يا رسول الله ، قد عُلِّمنا كيف نسلِّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قولوا : اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد ) .ومن نماذج الصلاة على النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) في الدعاء ما روي بالإسناد عن حريز ، قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، كيف الصلاة على النبي ( صلى الله وآله ) ؟فقال : ( قل : اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين ألهمتهم علمك ، واستحفظتهم كتابك ، واسترعيتهم عبادك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أمرت بطاعتهم وأوجبت حبهم ومودتهم ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته ، الذين جعلتهم ولاة أمرك بعد نبيك صلى الله عليه وعلى أهل بيته ) .ومن أدب الدعاء عند سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين ( عليهما السلام ) أنه يجعل الثناء والصلاة على النبي وآله مفتاحاً لأغلب فقرات الدعاء ، وهذا واضح لمن تأَمَّل الصحيفة السجادية ، وهو المراد بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا تجعلوني كقدح الراكب ، إن الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء ، اجعلوني في أول الدعاء وآخره ووسطه ) .الثامن : التوسل بمحمد وأهل بيته ( عليهم السلام ) :
وينبغي للداعي أن يلج من الأبواب التي أمر الله تعالى بها ، وأهل البيت ( عليهم السلام ) هم سفن النجاة لهذه الأمَّة ، فحريٌّ بمن دعا الله تعالى أن يتوسل إلى الله بهم ( عليهم السلام ) ، ويسأله بحقهم ، ويقدمهم بين يدي حوائجه .قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( الأوصياء مني بهم تُنصر أُمتي ، وبهم يمطرون ، وبهم يدفع الله عنهم ، وبهم استجاب دعاءهم ) ، وقال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( من دعا الله بنا أفلح ، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك ) .وعن داود الرقي ، قال : إني كنت أسمع أبا عبد الله ( عليه السلام ) أكثر ما يلحُّ به في الدعاء على الله بحق الخمسة ، يعني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) .ومن نماذج التوسل المروي عنهم ( عليهم السلام ) هو أن تقول : ( اللهم أني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد ، وأتقرب بهم إليك ، وأقدمهم بين يدي حوائجي ) .التاسع : الإقرار بالذنوب :
وعلى الداعي أن يعترف بذنوبه مقراً ، مذعناً ، تائباً عمَّا اقترفه من خطايا ، وما ارتكبه من ذنوب ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إنما هي مدحة ، ثم الثناء ، ثم الإقرار بالذنب ، ثم المسألة ، إنه والله ما خرج عبد من ذنب إلا بالإقرار ) .وكان من دعاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المروي عن كميل بن زياد : ( وقد أتيتك يا الهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي ، معتذراً نادماً ، منكسراً مستقيلاً ، مستغفراً منيباً ، مقراً مذعناً معترفاً ، لا أجد مفراً مما كان مني ، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري ، غير قبولك عذري وإدخالك إياي في سعة من رحمتك ، اللهمَّ فاقبل عذري ، وارحم شدة ضري ، وفُكَّني من شدِّ وثاقي ) .العاشر : المسألة :
وينبغي للداعي أن يذكر - بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) والإقرار بالذنب - ما يريد من خير الدنيا والآخرة ، وأن لا يستكثر مطلوبه ، لأنه يطلب من ربِّ السموات والأرض الذي لا يعجزه شيء ، ولا تنفد خزائن رحمته التي وسعت كل شيء .وعليه أيضاً أن لا يستصغر صغيرة لصغرها ، لما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( ولا تتركوا صغيرة لصِغَرها أن تدعوا بها ، إن صاحب الصغار هو صاحب الكبار ) ، وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها ، حتّى يسأله شسع نعله إذا انقطع ) .ويستحب للداعي إذا كان دعاؤه عبادة خالصة يتقرب بها إلى مولاه أن يسأل ما يبقى جماله من خير القضاء في الآجلة والعاجلة ، وأن تعكس مسألته حالة الافتقار إلى الله تعالى التي يتساوى فيها جميع البشر .جاء في الحديث القدسي : ( ياعبادي كُلُّكُم ضالٌّ إلا من هَدَيتُه ، فاسألوني الهدى أَهدِكم ، وكُلُّكُم فقير إلا من أغنيتُه ، فاسألوني الغِنى أرزقكم ، وكُلُّكُم مذنب إلا من عافيتُه ، فاسألوني المغفرةَ أغفر لكم ).ومن دعاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( ياذا الجلال والإكرام ، أسألك عملاً تحب به من عمل به ، ويقيناً تنفع به من استيقن به حقَّ اليقين في نفاذ أمرك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ، واقبض على الصدق نفسي ، واقطع من الدنيا حاجتي ، واجعل فيما عندك رغبتي شوقاً إلى لقائك ، وهب لي صدق التوكل عليك ) .
اللهم صل على محمد وال محمد
الدعاء حاجة فطرية عند الإنسان ، ومن الطبيعي أن يتعرض الإنسان خلال حياته الاجتماعية المعقدة إلى مشاكل يصعب عليه حلها أحياناً ، ويتعرض أحياناً أخرى إلى حالات حرجة يشعر بأنه هالك لا محالة ، فنراه يلجأ ويتوسل بقوة غَيبيَّة يعتقد أنها قادرة على إنقاذه .وقد يلجأ إليها حتى الذين لا يؤمنون بها ، فقال الله عزَّ وجل : ( فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَاهُ نِعمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلمٍ بَل هِيَ فِتنَةٌ وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ ) الزمر : 49 .أما في حياة المؤمن ، فالدعاء يشكل أساساً متيناً لشخصيته ، لأنه يؤمن بالله تعالى القادر على كل شيء ، والذي بيده ملكوت السماوات والأرض ، فالله هو الرحمن الرحيم ، الذي وسعت رحمته كل شيء ، وهو اللطيف بعباده ، الرؤوف بمخلوقاته ، وهو القادر على ما يريد ، الكريم الذي لم يجعل بينه وبين عبده ما يحجبه عنه سبحانه وتعالى .فقد جعل أبوابه مفتَّحة لدعاء الداعين ، وقال لعباده : ( ادعُونِي أَستَجِب لَكُم ) غافر : 60 .والمؤمن يتحبب إلى ربه وخالقه سبحانه بالتحدث إليه ، وطلب المزيد من رضاه ورحمته ، ويسأنس بالدعاء والمناجاة إذا استوحش من الدنيا ، ويتلذذ بالقرب منه تعالى ، والدعاء مناجاة تزول به الهموم والكروب ، وتطمئن النفس باللجوء إلى مَن بيده مقاليد الأمور .والمؤمن يلجأ إلى الله ويثق بقدراته ، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وعلماً ازداد إيماناً وتضرعاً وطاعةً ، وأكثر الناس معرفة وعلماً بالله سبحانه وتعالى أكثرهم له مسألة وطلباً .هكذا يقف العارفون بربهم ، أذلاء خاشعين لم تنسهم دنياهم ذكر الله ، ولم تلههم تجارتهم عن المناجاة مع الله ، وهم يعلمون أن الإنسان قد يتعرض للخطأ في معاملاته ، وقد يقترف السيئة فيؤوب إلى ربه منيباً مذعناً معترفاً يطلب التوبة والمغفرة .فليس أمام العبد الذي أوبقته الذنوب إلا التوبة والإنابة إلى الله والدعاء إليه لأنه لا مفرَّ من الله إلا إليه ، فلنجتهد في مرضاته ، ونعدُّ العدَّة لملاقاته ، عسى أن نحظى بلقائه بوجوه بيضاء مشرقة بالإيمان الصادق والعمل الصالح ، فحاشا لله أن يناجيه العبد ويمدُّ إليه يدَ الاستكانة والمذلة ويرده وهو الكريم الجواد ، فالله تعالى لا يرد السائلين ، وإن أخَّر ذلك إلى حين فلحكمة هو يراها .فهو الذي أخذ على نفسه أن لا يخيب من دعاه ، وهو بعباده رؤوف رحيم ، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، فَمَن غير الله ندعوه ونتوسل إليه ، وهو أرحم بنا من أبوينا ؟ وقد جربنا ظلم العباد للعباد .آداب الدعاء :
لقد حدَّدت النصوص الإسلامية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وآل البيت ( عليهم السلام ) آداباً للدعاء ، وقررت شروطاً لابد للداعي أن يراعيها كي يتقرب إلى خزائن رحمة الله تعالى وذخائر لطفه ، ويتحقّق مطلوبه من الدعاء ، وإذا أهملها الداعي فلا تتحقق له الاستجابة المرجوة من الدعاء ، ولا تحصل له نورانية القلب ، وتهذيب النفس ، وسُمُوُّ الروح المطلوبة في الدعاء ، وفيما يلي أهم هذه الشروط والآداب :الأول :الطهارة :
من آداب الدعاء أن يكون الداعي على وضوء ، سيَّما إذا أراد الدعاء عقيب الصلاة ، فقد رَوَى مسمع عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( يا مسمع ، ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غَمٌّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده ، فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما ؟ ) .الثاني : الصدقة ، وشمُّ الطيب ، والذهاب إلى المسجد :
روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( كان أبي إذا طلب الحاجة .. قدَّم شيئاً فتصدق به ، وشمَّ شيئاً من طيب ، وراح إلى المسجد ) .الثالث : الصلاة :
ويستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل أن يشرع بالدعاء ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى ركعتين ، فأتمَّ ركوعهما وسجودهما ، ثم سلَّم وأثنى على الله عزَّ وجل وعلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم سأل حاجته فقد طلب الخير في مظانِّه ، ومن طلب الخير في مظانِّه لم يخب ) .الرابع : البسملة :
ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يُرَدُّ دعاءٌ أوَّله بسم الله الرحمن الرحيم ) .الخامس : الثناء على الله تعالى :
ينبغي للداعي إذا أراد أن يسأل ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة أن يحمد الله ويثني عليه ، ويشكر ألطافه ونعمه قبل أن يشرع في الدعاء .يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ، وسبباً للمزيد من فضله ) ، وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إذا طلب أحدكم الحاجة فَليُثنِ على ربه وليمدحه ) .وقد أعدَّ الله تعالى لمن يمدحه ويُمَجِّده على حسن آلائه جزيل الثواب بما يفوق رغبة السائلين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( من تشاغل بالثناء على الله ، أعطاه الله فوق رغبة السائلين ) .أمّا ما يجزي من الثناء على الله سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه سُئل عن ذلك فقال : ( تقول اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم ) .السادس : الدعاء بالأسماء الحسنى :
على الداعي أن يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى لقوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) الأعراف : 180 ، وقوله تعالى : ( أيا ما تدعو قل ادعو الله أول ادعوا الرحمن فله الأسماء الحسنى )الأسراء : 110 .وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لله عزوجل تسعة وتسعون اسماً ، من دعا الله بها استجيب له ) .يقول بعض أهل العلم : ينبغي للداعي إذا مجَّد الله سبحانه وأثنى عليه أن يذكر من أسماء الله الحسنى ما يناسب مطلوبه ، فإذا كان مطلوبه ( الرزق ) يقول : يا رزاق ، يا وهاب ، يا جواد ، يا مغني ، يا منعم ، يا مفضل ، يا معطي ، يا كريم ، يا واسع ، يا مسبب الأسباب ، يا منان ، يا رزاق من يشاء بغير حساب .وإن كان مطلوبه ( المغفرة والتوبة ) ، يقول : يا تواب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا رؤوف ، يا عطوف ، يا صبور ، يا شكور ، يا عفو ، يا غفور ، يا فتاح ، يا ذا المجد والسماح ، يا محسن ، يا مجمل ، يا منعم .وإن كان مطلوبه ( الانتقام ) من العدو يقول : يا عزيز ، يا جبار ، يا قهار ، يا منتقم ، ياذا البطش الشديد ، يا فعال لما يريد ، يا قاصم المردة ، يا طالب ، يا غالب ، يا مهلك ، يا مدرك ، يا من لا يعجزه شيء .ولو كان مطلوبه ( العلم ) يقول : يا عالم ، يا فتاح ، يا هادي ، يا مرشد ، يا معز ، يا رافع ، وما أشبه ذلك .وقد ورد في الروايات عن أهل البيت ( عليهم السلام ) تأكيدٌ كثير على الدعاء بالأسماء الحسنى ، وأنَّ الله تعالى يستجيب لعبده المؤمن إذا دعاه بأسمائه الحسنى ، خصوصاً في حال السجود .السابع : الصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) :
لابد للداعي أن يصلي على محمد وآله ( عليهم السلام ) بعد الحمد والثناء على الله سبحانه ، وهي تؤكد الولاء لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) الذي هو في امتداد الولاء لله تعالى ، لذا فهي من أهم الوسائل في صعود الأعمال واستجابة الدعاء .قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يزال الدعاء محجوباً حتى يصلى عليَّ وعلى أهل بيتي ) ، وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد ) .وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من دعا ولم يذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رفرف الدعاء على رأسه ، فإذا ذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رُفع الدعاء ) .أما في كيفية الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد روي بالإسناد عن بريدة ، قال : قلنا : يا رسول الله ، قد عُلِّمنا كيف نسلِّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قولوا : اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد ) .ومن نماذج الصلاة على النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) في الدعاء ما روي بالإسناد عن حريز ، قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، كيف الصلاة على النبي ( صلى الله وآله ) ؟فقال : ( قل : اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين ألهمتهم علمك ، واستحفظتهم كتابك ، واسترعيتهم عبادك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أمرت بطاعتهم وأوجبت حبهم ومودتهم ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته ، الذين جعلتهم ولاة أمرك بعد نبيك صلى الله عليه وعلى أهل بيته ) .ومن أدب الدعاء عند سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين ( عليهما السلام ) أنه يجعل الثناء والصلاة على النبي وآله مفتاحاً لأغلب فقرات الدعاء ، وهذا واضح لمن تأَمَّل الصحيفة السجادية ، وهو المراد بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا تجعلوني كقدح الراكب ، إن الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء ، اجعلوني في أول الدعاء وآخره ووسطه ) .الثامن : التوسل بمحمد وأهل بيته ( عليهم السلام ) :
وينبغي للداعي أن يلج من الأبواب التي أمر الله تعالى بها ، وأهل البيت ( عليهم السلام ) هم سفن النجاة لهذه الأمَّة ، فحريٌّ بمن دعا الله تعالى أن يتوسل إلى الله بهم ( عليهم السلام ) ، ويسأله بحقهم ، ويقدمهم بين يدي حوائجه .قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( الأوصياء مني بهم تُنصر أُمتي ، وبهم يمطرون ، وبهم يدفع الله عنهم ، وبهم استجاب دعاءهم ) ، وقال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( من دعا الله بنا أفلح ، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك ) .وعن داود الرقي ، قال : إني كنت أسمع أبا عبد الله ( عليه السلام ) أكثر ما يلحُّ به في الدعاء على الله بحق الخمسة ، يعني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) .ومن نماذج التوسل المروي عنهم ( عليهم السلام ) هو أن تقول : ( اللهم أني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد ، وأتقرب بهم إليك ، وأقدمهم بين يدي حوائجي ) .التاسع : الإقرار بالذنوب :
وعلى الداعي أن يعترف بذنوبه مقراً ، مذعناً ، تائباً عمَّا اقترفه من خطايا ، وما ارتكبه من ذنوب ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إنما هي مدحة ، ثم الثناء ، ثم الإقرار بالذنب ، ثم المسألة ، إنه والله ما خرج عبد من ذنب إلا بالإقرار ) .وكان من دعاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المروي عن كميل بن زياد : ( وقد أتيتك يا الهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي ، معتذراً نادماً ، منكسراً مستقيلاً ، مستغفراً منيباً ، مقراً مذعناً معترفاً ، لا أجد مفراً مما كان مني ، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري ، غير قبولك عذري وإدخالك إياي في سعة من رحمتك ، اللهمَّ فاقبل عذري ، وارحم شدة ضري ، وفُكَّني من شدِّ وثاقي ) .العاشر : المسألة :
وينبغي للداعي أن يذكر - بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) والإقرار بالذنب - ما يريد من خير الدنيا والآخرة ، وأن لا يستكثر مطلوبه ، لأنه يطلب من ربِّ السموات والأرض الذي لا يعجزه شيء ، ولا تنفد خزائن رحمته التي وسعت كل شيء .وعليه أيضاً أن لا يستصغر صغيرة لصغرها ، لما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( ولا تتركوا صغيرة لصِغَرها أن تدعوا بها ، إن صاحب الصغار هو صاحب الكبار ) ، وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها ، حتّى يسأله شسع نعله إذا انقطع ) .ويستحب للداعي إذا كان دعاؤه عبادة خالصة يتقرب بها إلى مولاه أن يسأل ما يبقى جماله من خير القضاء في الآجلة والعاجلة ، وأن تعكس مسألته حالة الافتقار إلى الله تعالى التي يتساوى فيها جميع البشر .جاء في الحديث القدسي : ( ياعبادي كُلُّكُم ضالٌّ إلا من هَدَيتُه ، فاسألوني الهدى أَهدِكم ، وكُلُّكُم فقير إلا من أغنيتُه ، فاسألوني الغِنى أرزقكم ، وكُلُّكُم مذنب إلا من عافيتُه ، فاسألوني المغفرةَ أغفر لكم ).ومن دعاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( ياذا الجلال والإكرام ، أسألك عملاً تحب به من عمل به ، ويقيناً تنفع به من استيقن به حقَّ اليقين في نفاذ أمرك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ، واقبض على الصدق نفسي ، واقطع من الدنيا حاجتي ، واجعل فيما عندك رغبتي شوقاً إلى لقائك ، وهب لي صدق التوكل عليك ) .
تعليق