شافاك... فكان ملاذك
حيدر عاشور العبيدي
كيف أنساك وأطوي صفحات ذكرياتي، وأنتِ أول من نظرت عيني اليها، وصدرك أول صدر أتحسس حنانه، جاهدتي ان أكون حبيبك الأوحد، وغذيتني من بحر حبك سنين طوال... لم تملّي أو تتذمري يوماً وأنت تودين أن أشبهك في كل شيء، وتحاولين أن تصيّريني كما تحلمين تعويضاً لما فقدت من سني عمرك، وكنت تغرزين حب الله ورسوله وآل محمد بالصدق والأمانة والحرص والتواضع والاخاء والكرم .. فكان كرمك الغض ظاهرا في تحزمك بشدّ عباءتك وأنت تتعايشين مع مصيبة ومظلومية قل نظيرها في الكون، بل لا تشبه مظلوميات إنس ولا جان ... وهي مظلومية سيدي ومولاي الحسين (عليه السلام).. كان كرمك يوصل الليل بالنهار وأنت توقدين المشاعل وتفرشين الأرض للزائرين وتطعمين كل من يطرق بابك من زوار الحسين .. صباحك الكربلائي كمسائك يتشابهان في العشر الأولى من محرم، وأنا فوق كتفك وبين يديك وحولك أتغذى من حبك الحسيني، حبا أحيى فيَّ الإنسان منذ نعومة أظفاري.. وكيف كنت تروين حكايتك لمن يجلس عندك ليشرب قدحا من الشاي بثواب الإمام الحسين عليه السلام فتقولين: (ان الحسين صرخ صرخته الأولى في دعوتي أن أكون من خدمة زواره رغم معاناتي من مرض عضال). وكيف كانت رحلتك الطويلة إليه لتتربعي تحت شباك أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام لينقذك، ويعيد اليك الحياة بإذن الله.. وتتباهين بحب قمر بني هاشم، وتوصفين جماله وطوله وطلبه منك أن تكوني مع الحسين في ارض الحسين. ويوم رُفعت (قامات) وسيوف النزاع بين محلات الفسحة في باب الخان، والعباسية و(القاضيات الثلاثة) تنافسا لأسبقية مرور مواكب عزاء عاشوراء باتجاه ابي الفضل العباس عليه السلام ... كانت رايتك البيضاء من صنع يديك وقد كتبتها بالدم (السلام عليك يا قمر بني هاشم) حاجزاً بين المتنازعين، وهي ترفرف وسطهم، وأنت تصرخين يا حسين... يا حسين... ياحسين .. يا أبا الفضل العباس ... وتجمعت مع صرختك صرخات أمهات المعزين مع جموع الزائرات، وارتفعت لرايتك العيون شاخصة وبكت بوجع، وحُقنت الدماء ورجعت السيوف الى إغمادها ... فتعانق المتنازعين من أبناء محلات كربلاء. ثم أصبحتِ أماً وملاذا للمتخاصمين، وبقي ذكرك مرتبطا بيوم عاشوراء.

تعليق