
بقلم : المحقق
يتسائل البعض لماذا قبل الإمام الحسن عليه السلام بالصلح ولم يقاتل الطاغية معاوية كما فعل ذلك ابيه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ؟
فالبعض يسأل بذلك السؤال تفقها يريد معرفة الحكمة من ذلك وانه لاينكر احقية هذا القبول بالصلح ، ولكن البعض الآخر قد عشعش الشطان في صدره حتى كبرت وترعرت أفراخُه في ذلك العش الخاوي ، فهو يتسائل لغرض التعنت والتشكيك في احقانية ذلك العمل الذي صدر من الامام عليه السلام.
ومن هنا فقد أكدت المصادر التأريخية ومصادر السير والروايات الكريمة أن لبّ الحكمة كان في القبول بالصلح دون الحرب ، ولكن كيف ؟ ولماذا ؟ فهذا ماسنذكره فيما يلي .
فبتحليلي المتواضع أقول :
إن ظاهر الأمر ان إمامنا الحسن عليه السلام كان أمامه خياران لاثالث لهما ، وهما :
أ- قتال الطاغية معاوية .
ب- القبول بالصلح معه .
وهنا لكي يتخذ امامنا الحسن عليه السلام القرار بقتال الطاغية معاوية فيحتاج الى الظروف المساعدة على القتال ، بمعنى يجب توفر مستلزمات الحرب والقتال ، ولكن مع الأسف اصبح القرار بقتال الطاغية معاوية يخالف العقل والحكمة ، وذلك يتلخص بالنقطتين التاليتين :
أ- الخيانات المتواصلة من قبل قادة جيش الإمام الحسن عليه السلام.
ب- شل القوة القتالية لجيش الإمام الحسن عليه السلام من قبل الطاغية معاوية بأساليب الخداع ومنها الإغراء بالأموال الكثيرة الطائلة .
تصور- ايها القارىء الكريم- ان الامام عليه السلام تعرض لمحاولة اختيال كبيرة ومبدبرة ولكن الله سبحانه وتعالى انقذ وليه منها فهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين .
فإذن تصور بهذا الحال وبهذه الظروف السياسية والعسكرية الإستثنائية العصيبة كيف يمكن لإمامنا الحسن عليه السلام قتال معاوية ؟! ، فإن أدنى قائد عسكري يمتلك أدنى إلمام بالعمليات العسكرية يرى ان من غير الصحيح الخوض في هكذا حرب يكون مصيرها هلاك جميع المؤمنين على حساب الخائنين والمنافقين ، كما أن كل الحكمة في الحفاظ على بيضة الإسلام وتجرع مرارة الصبرى على القذى .
فإذن لم يبق أمام إمامنا الحسن عليه السلام خيار غير خيار القبول بالصلح ، وذلك لما تقدم من الأسباب ولأجل الحفاظ على بقاء الضمائر الحية المعدودة ، وللحفاظ على دمه ودماء اهل بيته والحفاظ على بيضة الإسلام لاسيما وأن الطاغية معاوية كان يظهر الدين والتقوى ويخفي الفسوق والكفر والإلحاد مما ينطوي على الأوباش والسذج والبسطاء .
ومن هنا فقد قرر إمامنا الحسن عليه السلام القبول بالصلح لأنه اضطر إليه إقتداءً بما فعله جده النبي الأعظم صلى الله عليه وآله حينما اضطر الى الصلح مع المشركين بما يعرف بصلح الحديبية .
وإليك-عزيزي القارىء- أنقل هذه النصوص التي جاءت عن الامام الحسن عليه السلام ليحدثنا هو عن علّة قبول الصلح :
أ- ذكر المؤرّخون : أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) بعد أن رأى خيانات جيشه والمحيطين به ونفاقهم ، مع أنّه لم يبق له ثمّة أمل في ثباتهم وصمودهم في مواجهة العدو ، ومع انكشاف ما تنطوي عليه تلك الضمائر من رغبات ، لكنّه (عليه السلام) ولكي يتمّ الحجة ألقى فيهم الخطاب الآتي :
« ويلكم ! والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي ، وإنّي أظنّ إن وضعتُ يدي في يده فأسلمه لم يتركني أدين بدين جَدّي ، وإنّي اَقدِرُ أن أعبدَ الله عزوجلّ وحدي ، ولكن كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم ويطعمونهم بما جعل الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون ، فبُعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ».
ومرّةً اُخرى ، وقبل أن يقبل باقتراح معاوية للصلح قام الإمام (عليه السلام) بإتمام الحجّة ، من خلال خطاب يتضمّن استطلاعاً لآراء أصحابه ، واستخباراً لنيّاتهم ، فقد قال (عليه السلام) بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه :
« أما والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة ، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر ، فَشيب السلام بالعداوة ، والصبر بالجزع ، وكنتم تتوجَّهون معنا ودينُكم أمام دنياكم ، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم ، وكنّا لكم وكنتم لنا ، وقد صرتم اليوم علينا ، ثمّ أصبحتم تصدّون قتيلَين : قتيلاً بصفّين تبكون عليهم ، وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم ، فأمّا الباكي فخاذل ، وأمّا الطالب فثائر ».
وبعد ذلك عرض عليهم اقتراح معاوية الصلح ، فقال (عليه السلام) :
« وإنّ معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفَةٌ ، فإن أردتم الحياة قبلناه منه ، وأغضضنا على القذى ، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله ، وحاكمناه إلى الله ؟ ».
وأضاف الراوي : « فنادى القوم بأجمعهم : بل البقيةُ والحياة ».
ب-روى الشيخ الصدوق في « علل الشرايع » بسنده عن أبي سعيد عقيصا الذي سأل الإمام الحسن (عليه السلام) عن السبب الذي دفعه إلى الصلح مع معاوية من أنّه (عليه السلام) يعلم أنّه على الحقّ وأنّ معاوية ضالّ وظالم ، فأجابه الإمام (عليه السلام)
: « يا أبا سعيد ، ألستُ حجّة الله تعالى ذكره على خلقه ، وإماماً عليهم بعد أبي (عليه السلام) ؟ قلتُ : بلى ، قال : ألستُ الذي قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قلتُ : بلى ، قال : فأنا إذن إمام لو قمتُ ، وأنا إمام إذا قعدتُ ، يا أبا سعيد عِلّةُ مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبني ضُمْرة وبني أشجع ، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية ، اُولئك كفّار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفّار بالتأويل ، يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قبل الله تعالى ذكره لم يجب أن يُسَفَّه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة ، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته مُلتبساً ، ألا ترى الخضر (عليه السلام) لمَّا خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط موسى (عليه السلام) فعله؟ لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي. هكذا أنا، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ، ولو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلاّ قُتِل » (2)
جــ-كر زيد بن وهب الجهني أنّه بعد أن جُرح الإمام (عليه السلام) في المدائن ، سألته عن موقفه الذي سيتّخذه في هذه الظروف ، فأجاب (عليه السلام) : « أرى والله معاوية خيراً لي من هؤلاء ، يزعمون أنّهم لي شيعة ، ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي ، وأخذوا مالي ، والله لأن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وآمَن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي ، والله لو قاتلتُ معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني اليه سِلْماً ، فو الله لإن اُسالمه وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسيره أو يَمُنّ عليّ فتكون سُبّةً على بني هاشم إلى آخر الدّهر ، ومعاوية لا يزال يَمُنُّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت ... »(3).
د- وذكر سليم بن قيس الهلالي أنه عندما جاء معاوية إلى الكوفة; صعد الإمام الحسن (عليه السلام) المنبر بحضوره ، وبعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه ، قال : « أيّها الناس إنّ معاوية زعم أنّي رأيته للخلافة أهلاً ، ولم أر نفسي لها أهلاً ، وكذب معاوية ، أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان نبيّ الله، فاُقسم بالله لو أنّ الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قَطْرَها ، والأرضُ بركتها ، ولما طمعتَ فيها يا معاوية ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ما ولّت اُ مّة أمرها رجلاً قطّ وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل أمرُهم يذهب سِفالاً ، حتى يرجعوا إلى ملّة عبدةِ العجل ... » (4).
هـ- وعن سبب الصلح روى العلاّمة القندوزي في « ينابيع المودة » أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) ألقى في الناس خطاباً جاء فيه : « أيّها الناس قد علمتم أنّ الله ـ جلّ ذكره وعزّ اسمه ـ هداكم بجدَّي وأنقذكم من الضلالة ، وخلّصكم من الجهالة ، وأعزّكم به بعد الذلّة ، وكثّركم به بعد القلّة ، وأنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي دونه ، فنظرت لصلاح الاُ مّة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تُسالموا من سالمني وتحاربوا مَن حاربني ، فرأيتُ أن اُسالم معاوية وأضعَ الحرب بيني وبينه ، وقد صالحته ورأيتُ أنّ حقن الدماء خيرٌ من سفكها ، ولم أرد بذلك إلاّ صلاحكم وبقاءكم (وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين)»(5).
و- ي رواية نقلها السيد المرتضى ـ رحمة الله عليه ـ أنّ حجر بن عدي اعترض على الإمام (عليه السلام) بعد موافقته على الصلح وقال له : « سوّدت وجوه المؤمنين »!! فأجابه الإمام (عليه السلام) : « ما كلُّ أحد يحبُّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك ، وإنّما فعلتُ ما فعلتُ إبقاءً عليكم » .
وبعد ذلك أشار إلى أنّ شيعة الإمام (عليه السلام) اعترضوا على الصلح وأعربوا عن تأسّفهم لقرار الإمام (عليه السلام) ، ومن بينهم سليمان بن صرد الخزاعي الذي قال للإمام : « ما ينقضي تعجّبنا من بيعتك معاوية ، ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة ، كلّهم يأخذ العطاء ، وهم على أبواب منازلهم ، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم ، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز ، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ، ولا حظّـاً من العطيّة ، فلو كنت إذ فعلتَ ما فعلتَ أشهدت على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب ، وكتبت عليه كتاباً بأنّ الأمر لك بعده ، كان الأمر علينا أيسر ، ولكنّه أعطاك شيئاً بينك وبينه لم يفِ به ، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الأشهاد : « إنّي كنتُ شرطتُ شروطاً ووعدتُ عداة إرادة لإطفاء نار الحرب ، ومداراةً لقطع الفتنة ، فلمّا أن جمع الله لنا الكَلِم والألفة فإنّ ذلك تحت قدمي » والله ما عنى بذلك غيرك ، وما أراد إلاّ ما كان بينك وبينه ، وقد نقض، فإذا شئت فأعِد ، الحرب خدعة ، وائذن لي في تقدّمك الى الكوفة ، فاُخرج عنها عاملَه واُظهر خلعه وتنبذ اليه على سواء ، إنّ الله لا يحبّ الخائنين، وتكلّم الباقون بمثل كلام سليمان.
فأجابه الإمام (عليه السلام) : « أنتم شيعتنا وأهل مودّتنا، فلو كنتُ بالحزم في أمر الدنيا أعمل ، ولسلطانها أركض وأنصب ، ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً ، ولا أشدّ شكيمة ولا أمضى عزيمةً، ولكنّي أرى غير ما رأيتم ، وما أردت بما فعلتُ إلاّ حقن الدماء فارضوا بقضاء الله ، وسلّموا لأمره والزموا بيوتكم وأمسكوا » (6).
ولنكتفِ بهذا القدر
والحمد لله أولا وآخرا
*****************
(1) أعلام الهداية .
(2) علل الشرايع : 200 .
(3) الاحتجاج للطبرسي : 148 .
(4) بحار الأنوار : 44 / 22 .
(5) ينابيع المودة : 293 .
(6) بحار الأنوار : 44 / 21 ـ 28 .
تعليق