بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
صحيح البخاري من أهمِّ الكتب بعد كتاب الله عند المخالفين ويعتبرون كلِّ ما جاء في البخاري صحيحاً ، قال ابن الصلاح : ( أول من صنف صحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي ، مولاهم. وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري ، من أنفسهم . ومسلم - مع أنه أخذ عن البخاري واستفاد منه - يشاركه في أكثر شيوخه.وكتابهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز. وأما ما رويناه عن الشافعي رضي الله عنه من أنه قال: ما أعلم في الأرض كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك - ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ - فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم . ثم أن كتاب البخاري أصح الكتابين صحيحا، وأكثرهما فوائد )[1] .
ولكن هذا الكتاب فيه ما فيه من المؤاخذات ومن هذه المؤاخذات هي الألغاز بعبارات غير مفهومة مثل كذا وكذا أو فلان ، ومن الألغاز التي ذكرها البخاري في صحيحه هو هذا الحديث :
( حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ قَالَ سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ أُبَيٌّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لِي قِيلَ لِي . فَقُلْتُ ، قَالَ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - )[2] .
· فما الذي قاله ابن مسعود ؟
· وماذا سأل أُبيّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
· وماذا أجابهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
· وماذا قيل لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟
· وما الذي فهموه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حتى يقولون بقوله ؟
ولكن يمكن حل هذا اللغز الذي ذكره البخاري بما ذكره شيخه في مسنده :
( حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِى لُبَابَةَ وَعَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ : سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقُلْتُ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَحُكُّهُمَا مِنَ الْمُصْحَفِ. قَالَ : إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« قِيلَ لِي : قُلْ. فَقُلْتُ ». فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- )[3] .
والحميدي هو أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي . وهو من شيوخ البخاري ، ولد في قرطبة ، درس اللغة العربية والدين على علماء عصره خلال القرن الخامس الهجري، وكان شديد الحفظ بارعًا في الاستنتاج، محبًا للعلم ونشره. تنقّل في بلاد الأندلس، حيث كان ببلنسية حوالي 440هـ وبشاطبة وبالمريَّة وقرطبة.
خرج الحميدي من الأندلس وعمره ثلاثون عامًا، وتوفي ببغداد. وله العديد من المؤلفات في التفسير والفقه والحديث، واللغة العربية، إلا أن أبرز مؤلفاته في مجال العلوم السياسية هو كتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك.
ولكن ما الداعي لذكر البخاري الحديث بهذا الشكل وجعله لغزاً ؟
·يمكن أن يكون الداعي الذي جعل البخاري يضمره هو التحريف
ويؤيد ما ذكرناه هو ما ورد في مسند أحمد بن حنبل :
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدَةَ وَعَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ قُلْتُ لأُبَيٍّ إِنَّ أَخَاكَ يَحُكُّهُمَا مِنَ الْمُصْحَفِ فَلَمْ يُنْكِرْ. قِيل لِسُفْيَانِ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ نَعَمْ وَلَيْسَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ يَقْرَؤُهُمَا فِي شَيءٍ مِنْ صَلاَتِهِ فَظَنَّ أَنَّهُمَا عُوذَتَانِ وَأَصَرَّ عَلَى ظَنِّهِ وَتَحَقَّقَ الْبَاقُونَ كَوْنَهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَأَوْدَعُوهُمَا إِيَّاهُ.[4] )[5] .
فهل بعد ذلك نستطيع أن نسمي صحيح البخاري صحيحاً ؟
والحمد للهِ ربِّ العالمين ....
[1] . مقدمة ابن الصلاح ، ص 1 .
[2] . صحيح البخاري ، ص 454 .
[3] . مسند الحميدي ، أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله القرشي الأسدي الحميدي المكي ، ج 1 ، ص 499 .
[4] . تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين .
[5] . مسند أحمد بن حنبل ، ج 5 ، ص 130 .

تعليق