بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
من الأحاديث المهمة التي يستدل بها الشيعة الإمامية على إمامة أمير المؤمنين وخلافته بعد الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) هو حديث المنزلة الموجود في كثير من كتب العامة وكتب الشيعة ففي كتاب السنة لابن أبي عاصم عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنك لست نبياً ، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي »[1] . ولكن المخالف يقول بأن حديث المنزلة لا يدل على خلافة وإمامة علي ( عليه السلام ) لأن النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) استخلف علياً ( عليه السلام ) على المدينة وقال له ما قال تسليةً له عندما عاب عليه المنافقون البقاء مع النساء والصبيان .
فإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استقله (كذا في الأصل المحقق من الفصل، ولعلها استثقله) فخلفه، فلحق علي برسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى ذلك إليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، يريد عليه السلام أنه استخلفه على المدينة مختارًا لاستخلافه، ثم قد استخلف عليه السلام قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالاً سوى علي رضي الله عنه، فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين"[2] .
الجواب :
1- لو كان استخلاف النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) لعلي ( عليه السلام ) على المدينة تسليةً لما ذكر الحديث في غير هذه الواقعة ، والتالي باطل فالمقدم مثله بالبطلان .
بيان الملازمة : يقول المستشكل بأن الحديث ذُكِرَ لأجل تسلية الإمام علي عندما تركه مع النساء والصبيان عند خروج النبي الكريم لمعركة تبوك حتى لا يتأذى عليّ فلو كان ما قالوه صحيح لما ذكره النبي في غير واقعة تبوك ولكن النبي ذكره في عدة مواضع وسنبينه ببطلان اللازم .
بيان بطلان التالي : لقد ذكره النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) في غير واقعة تبوك ومنها :
في بيت أم سلمة : ( أخرج الحافظ ابن عساكر بسنده عن ابن عباس عن النبي ( صلى الله عليه و سلم ) قال لأم سلمة يا أم سلمة إن علياً لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي )[3] .
في قضية المؤاخاة : ( أن رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) لما اخى بين المسلمين أخذ بيد علي فوضعها على صدره ثم قال يا علي أنت أخي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )[4] .
بعد فتح خيبر : ( عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتحت خيبر : لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر على ملأ من المسلمين إلا أخذوا من تراب رجليك ، وفضل طهورك ، يستشفون به ، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ، ترثني وأرثك ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لابني بعدي )[5] .
في قضية سد الأبواب : ( قال جاء رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) ونحن مضطجعون في المسجد فضربنا بعسيب في يده فقال أترقدون في المسجد إنه لا يرقد فيه فاجفلنا وأجفل علي فقال رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) نعال يا علي إنه يحل لك في المسجد ما يحل لي ألا ترضى أن تكون مني منزلة هارون من موسى إلا النبوة )[6] .
فلو كان ذكر الحديث تسلية لعلي ( عليه السلام ) لما ذكره في هذه المواضع المتعددة إذن لا بد أن في الحديث أمراً خطيراً ومهما يريد أن يرسخه النبي الكريم في أذهان المسلمين ألا وهو الاستخلاف والإمامة والخلافة بعد النبي .
وكذلك ذكره عدة من الصحابة بدون التقييد بواقعة تبوك :
عن ابن عباس : ( عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنك لست نبياً ، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي )[7] .
عن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة : عن عامر بن سعد ، عن أبيه ، وعن أم سلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ غير أنه لا نبي بعدي )[8] .
عن سعد بن أبي وقاص : ( عن عامر بن سعد قال إني لمع أبي إذ تبعنا رجل في نفسه على علي بعض الشيء فقال يا أبا إسحاق ما حديث يذكر الناس عن علي قال وما هو قال أنت مني بمنزلة هارون من موسى قال نعم سمعت رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) يقول لعلي أنت مني كهارون من موسى ما تنكر أن يقول لعلي هذا وأفضل من هذا )[9] .
عن أبي سعيد الخدري : ( عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي )[10] .
فلو لم يكن الحديث بتلك الأهمية لما نقله هؤلاء الصحابة وبظروف استثنائية .
2- لو كان الحديث لم يثبت فضيلة لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) لما خاف بعض الصحابة من نشر الحديث ، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان .
بيان الملازمة : لو كان الحديث لا يثبت أكثر من التسلية وليس فيه ما يدل على الأمر الخطير والمهم فلماذا يخاف الصحابة من تداول هذا الحديث في زمن الأمويين وما الذي كان ممنوعاً من تداوله أليست فضائل أهل البيت ( سلام الله عليهم ) إذن لا بد للحديث من فضيلة وخصوصية لأمير المؤمنين .
بيان بطلان التالي :
( عن سعيد بن المسيب قال قلت لسعد بن مالك إني أريد أن أسألك عن حديث وأنا أهابك أن أسألك عنه فقال لا تفعل يا بن أخي إذا علمت أن عندي علما فسلني عنه ولا تهبني قال فقلت قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي رضي الله عنه حين خلفه بالمدينة في غزوة تبوك فقال سعد رضي الله عنه : خلف النبي صلى الله عليه و سلم عليا رضي الله عنه بالمدينة في غزوة تبوك فقال يا رسول الله أتخلفني في الخالفة في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى قال بلى يا رسول الله ... )[11] .
فلو لم يفد الحديث لا فضيلة ولا خصوصية لما خاف سعيد بن المسيب من السؤال عن الحديث .
إذن ثبت أن حديث المنزلة يدل على فضيلة وخصوصية لأمير المؤمنين ألا وهي الخلافة لعلي عليه السلام والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين ...
[1] . قال الألباني في تعليقه على الحديث : " إسناده حسن " .
[2] . أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية ، عرض ونقد ، الدكتور السلفي ناصر القفاري ، ص 437 .
[3] . تاريخ دمشق ، ابن عساكر ، ج 42 ، ص 42 . وذكره الطبراني في المعجم الكبير بسند آخر .
[4] . تاريخ دمشق ، ابن عساكر ، ج 42 ، ص 53 .
[5] . المناقب ، الخوارزمي ، ج 1 ، ص 111 .
[6] . تاريخ دمشق ، ابن عساكر ، ج 42 ، ص 140 .
[7] . كتاب السنة ، ابن أبي عاصم ، ج 3 ، ص 189 .
[8] . مسند أبي يعلى الموصلي ، ج 14 ، ص 168 .
[9] . تاريخ دمشق ، ابن عساكر ، ج 42 ، ص 157 .
[10] . مسند أحمد بن حنبل ، ج 3 ، 32 .
[11] . مسند أحمد بن حنبل ، ج 1 ، ص 173 .
تعليق