بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
(أويس القَرْنيّ)
أويس القَرْنيّ!... مِن خير الزّهّاد!...ُولد في مدينة (قَرْن) إحدى مدن اليمن ، ولذلكک لقَّب بالقرنيّ. وقيل : إن سبب لقبه بالقرنيّ ، عائد إلى قومه القُدامى (بني قَرَن). ومهما يكن من أمرٍ ، فأويس أحد النّسّاكک والعبّاد المقدَّمين ، ومن سادات التابعين. دخل الإسلام مع غيره من النّاس الذين دخلوا دين الله أفواجاً. وکكانت رعاية الإبل مهنَته ... وهكذا کكان يُمضي أيّامه في القفار ، خلف الإبل ، ينتجع الكلأ و المرعى. و کكان يعيش مع والدته التي كان يكرمها غاية الإکكرام ، ويحترمها احتراماً عجيباً، فلم يفارقها في آخر أيّامها ، إلا للضّرورة القصوى.
ولعلّ انصرافه إلى القيام بواجبه تجاهها ، کكان الحائلَ بينه و بين لقاء النبيّ صلّى (الله عليه وآله وسلّم ). وعندما استأذنها في السّفر للقاء النبيّ (صلي الله عليه و آله وسلّم) والسّلام عليه، أذنت له ، ولكن بشرطٍ هو العودة المباشرة، سواءً وجد الرسولَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أم لم يجده. وهكذا کكان!.
فقد تجهّز أويَس للسّفر لِلُقْيا الرّسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والسّلامِ عليه ، وقصَدَه في منزله، ولمّا لم يجده عاد أدراجه ، دون التَّمَكن من مشاهدته. و عندما عاد النبىّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى منزله ، قال لأهل بيته بأنه يجد في البيت نوراً غريباً لا عهد له به، فمَن قَدِم في غيابه؟!
ويُقال له : أوُيس القَرنيّ!.. فيعرفون أنّه نور أُويسٍ بقيَ في المنزل بعد انصرافه منه.
كانت حياة أويسٍ (رضي الله عنه) مثالاً للبساطة، والزّهد في الدنيا ، والانصراف عن متاعها. وكان ذلكک في زمنٍ انهال فيه النّعيم على العرب و المسلمين انهيالاً.. فخضعت لهم الدّنيا، ودانت لهم الأقطار، فتنعّموا بأطايب العيش وملذّات النّعيم!..إنّه الزّهد و البساطة و التقشّف ، مقابلَ التّنعّم والجاه العريض والسّلطان!.
وأقسم مرّةً بأنّه لا يملك من حطام الدّنيا غير هذا الثّوب المرقّع الرّثّ الخشن ، الذي يرتديه..وعندما کكان يأخذ بالكلام واعظاً ، كان ينبعث کكلامه کكالنّهر الرَّقراق الصَّافي، بعفويَّةٍ وإيمان، فيدخُلُ قلوبَ سامعيه بلا استئذان، فتخشع قلوبهم وجوارحهم ، و تفيض عيونهم بالدّمع، وقد أخذ منهم التّأثّر بما يسمعون، فسيطر عليهم الخشوع، فيسمو بهم أُويس إلى عالمٍ روحانّيٍ تغمره الشفّافيّة و الصّفاء!.
لم يكن أويس صحابياً؛ لأنّه لم يلتقِ ـ كما علمنا ـ بالرّسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم )ولم يصاحبه، ولكنّه كان تابعياً، بل على رأس التّابعين..والتّابعيّ، يلي الصحابيّ ، إنّه الذي أدركک الصّحابة الكرام وأخذ عنهم..وأويس القرني كان من أفضل الزّهاد التابعين، بشهادة الجميع..كيف لا،.. وقد قال النبىّ (صلّى الله عليه وآله و سلّم) :« خيرُ التّابعين أُوَيس ».. كما قال في کكرامته عند الله :« أبشِروا برجلٍ من أمتي يقال له أُويس القرني .. فإنّه يشفع لمِثْل ربيعةَ ومُضر!».
والتفت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) إلى عمر بن الخطّاب الذي کكان حاضراً يِستمع ، وقال له: « إن أدركتَه فأقرِئْه مني السّلام! ».وعملاً بهذه الوصيّة الشّريفة، طلب عمر بن الخطّاب أويساً القرنّي في الكوفة فما وجده.. ثم عاد وطلبه في موسم الحج ، إذ وقف عمر بين جموع الحجيج صارخاً بأعلى صوته:ـ يا آل نجدٍ ، قوموا !..فنهضوا.. فسألهم: هل بينكم أحد من قَرْن ؟
فأجابوا: نعم.فأرسل إليهم عمر وسأَلهم عن أويس ، فقالوا له:ـ إنه إنسان مجنون ، يهوى العيش في القفر و الأماكن الموحشة ، يبكي عندما يضحك النّاس و يضحكک عندما يبكون..فقال لهم : وَدَدتُ لو رأيته..فأجابوه قائلين: إنه في الصحراء با لقرب من مرعى إبلِنا..فينهش عمر بن الخطّاب بصُحبة الإمام علّيٍ (عليه السلام )، يطلبان أويساً.. فوجدا بعد حين رجلاً يصلّي وقد لفَحَت وجهه أشعة الشّمس فصار شديد السُّمرة ، ليس بالطّويل ولا القصير، کكثّ الشّعر..وقيل لهما: إنه أُويس..وانتظراه حتّى انتهى من صلاته..فأقبلا عليه مسلّمين عليه..وعرّفهما بنفسه ، وأراهما علامةً في جنبه الأيسر ، بقعةً بيضاء كالدرهم ، وثانيةً في راحة يده ، بقعةً تُشبه البرص..أقرآه سلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وعاد حجيج (قَرْن) إلى بلدهم في اليمن ، وقد عرفوا من أمر أويسٍ الكثير الذي کكانوا يجتهلون!..لقد کكان أويس بينهم شخصاً مغموراً ، بل موضوعاً للسّخرية منه..إنه مجنون!.. أمّا الآن ، فلا .. إنّه من أولياء الله الصّالحين. فيُقدّرونه ، ويحترمونه ويرى أويسٌ منهم ذلكک، فيهرب إلى الكوفة.
ونعود أدراجنا بضع سطورٍ خلت ، لِنُمعِن النّظر و التأمّل في شخصيّة أويس، كما يراه أهل بلدته ، وانطلاقاً من وصفهم له فَتَراه:إنساناً منسلخاً عن النّاس ، لا يشارکكهم حياتَهمُ الدّنيا ، وقد جُنّ في الله حبّاً ، وذاب إليه شوقاً.. فهام على وجهه في الآفاق ، وفي الأرض القَفْر ، حيث لا بَشَرٌ ولا عمران ، وبالتّالي ، فلا حرص ولا أطماع!..ويَعجب أويس من هؤلاء النّاس ، قِصارِ النّظر، ضعيفي الإيمان: فهولاء جماعةٌ منهم يبكون ، وقد فقدوا عزيزاً لهم وحبيباً ، ويقول أويس في نفسه : تُرى ، ألَمْ يَسمع هؤلاء بقوله تعالى:
إنّ إلى ربَّكَ الرّجُعى
. 
بِسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ . وَمَا خَلَقنَا السَّماواتِ والأرضَ وَمَا بينَهُمَا لاَعِبين * مَا خَلَقنَاهُمَا إلاَّ بِالحَقِّ ولكِنَّ أكثَرَهُم لاَ ََيَعلَمُون * إنَّ يَومَ الفَصلِ مِيقَاتُهُم أجمَعِين َ* يَومَ لاَ يُغنِي مَولىً عَن مولىً شيئاً وَلاَ هُم يُنصَرونَ * إلاَّ مَن رَحِمَ اللهُ إنّهُ هُوَ العزيزُ الرّحيم ).
تعليق