بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف النبياء والمرسلين محمد واله الطاهرين .
ان العذاب الإلهي في القيامة، و الذنوب التي ترتكب تتناسب مع العقاب بدقّة.
و إحتراق الوجوه الشديد بلهيب النّار المحرقة، حتّى تكون الوجوه معبّسة والثغور مفتّحة.
كلّ ذلك عقاب للذين خفّت موازينهم وإنعدم إيمانهم. ومع التوجّه لهذا المعنى، وهو أنّ هؤلاء كانوا يعبّسون
حين سماع الآيات الإلهيّة وأحياناً يسخرون بها.
ويجلسون يتحدّثون باستهزاء وتهكّم، فإنّ هذا العذاب يناسب أعمالهم هذه.
((أَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ(105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ(106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا منْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ(107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ(108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّحِمِينَ(109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُم ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110) إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ))(111) سورة طه ...
حتّى مَن ينتسبون إلى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاضعون لهذا الحكم، ولهذا نلاحظ أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الأطهار طردوا عنهم من كان من المقرّبين في النسب الهاشمي، إمّا لعدم إيمانه، أو لإنحرافه عن الإسلام الأصيل، وأظهروا تنفّرهم وبراءتهم منه. رغم أنّه روي عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «كل حسب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ حسبي ونسبي».
وكذلك تشيرعن إنقطاع جميع الأنساب يوم القيامة، وهذا ما تؤازره المبادىء القرآنية وسيرة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في معاملة المنحرفين التي تفيد أنّه لا فرق بين الناس في هذا المجال. لهذا نقرأ في حديث رواه ابن شهر آشوب في كتابه المناقب عن طاووس اليماني عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «خلق الله الجنّة لمن أطاع وأحسن ولو كان عبداً حبشيّاً، وخلق النّار لمن عصاه ولو كان سيّداً قرشياً ، .
ومن المناسب هنا ذكر حكاية نقلها «الغزالي» في كتابه «بحر المحبّة» عن الأصمعي، تؤيّد ما ذهبنا إليه وذات مسائل جديرة بالإهتمام.
يقول الأصمعي «كنت أطوف حول الكعبة في ليلة مقمرة، فسمعت صوتاً حنوناً لرجل يناجي ربّه. بحثت عن صاحبه وإذا به شاب جميل رشيق القامة يبدو عليه الطيب. وقد تعلّق بأستار الكعبة، وكان يقول في مناجاته:
ياسيّدي ومولاي، نامت العيون وغابت النجوم، وأنت ملك حيّ قيّوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، غلقت الملوك أبوابها، وأقامت عليها حرّاسها وحجّابها، وقد خلا كلّ حبيب بحبيبه، وبابك مفتوح للسائلين، فها أنا سائلك ببابك مذنب فقير، خاطيء مسكين، جئتك أرجو رحمتك يارحيم، وأن تنظر إليّ بلطفك ياكريم!
ثمّ أنشد:
يامن يجيب دعا المضطر في الظلم ---- ياكاشف الكرب والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا ----- وعين جودك ياقيّوم لم تنم
إن كان جودك لا يرجوه ذو سرف ----- فمن يجود على العاصين بالنعم
هب لي بجودك فضل العفو عن سرف ----- يامن أشار إليه الخلق في الحرم
ثمّ رفع رأسه إلى السّماء وناجى:
إلهي سيّدي ومولاي! إن أطعتك بعلمي ومعرفتي فلك الحمد والمنّة عليّ، وإن عصيتك بجهلي فلك الحجّة عليّ.
ورفع رأسه ثانيةً إلى السّماء مناجياً بأعلى صوته: ياإلهي وسيّدي ومولاي، ما طابت الدنيا إلاّ بذكرك، وما طابت العقبى إلاّ بعفوك، وما طابت الأيّام إلاّ بطاعتك، وما طابت القلوب إلاّ بمحبّتك، وما طاب النعيم إلاّ بمغفرتك.
يضيف الأصمعي أنّ هذا الشاب واصل مناجاة ربّه حتّى اُغمي عليه، فدنوت منه وتأمّلت في محيّاه فإذا هو علي بن الحسين زين العابدين، فأخذت رأسه في حجري وبكيت له كثيراً، فأعادته إلى وعيه قطرات دمع سكبت على وجنتيه، فتح عينيه وقال: من الذي شغلني عن ذكر مولاي؟ قلت: إنّك من بيت النبوّة ومعدن الرسالة. ألم تنزل فيكم آية التطهير؟ ألم يقل الله فيكم: (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجسل أهل البيت ويطهّركم تطهيراً).
نهض الإمام السجّاد وقال: ياأصمعي! هيهات هيهات! خلق الله الجنّة لمن أطاع وأحسن ولو كان عبداً حبشيّاً، وخلق النّار لمن عصاه ولو كان سيّداً قرشياً. ألم تقرأ القرآن؟ ألم تسمع كلام الله: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولايتساءلون).
يقول الأصمعي: عندما وجدته على هذا الحال، تركته ومضيت لسبيلي ))[1]
فحسبنا الله هو ربنا واليه المصير ربنا إرحمنا برحمتك يا ارحم الراحمين ....
[1]- بحر المحبّة ـ للغزالي، صفحة 41 إلى 44
