
الطبيعة التربوية لرجل الدين..
.. ان علاقة الناس برجل الدين وحاجة المجتمع اليه تختلفان تمام الاختلاف بغيره من ذوي الاختصاصات الاخرى
وعن حاجتهم إليهم كذلك . فعلاقة الناس بالطبيب -من حيث إنه طبيب- إنما تتجلى في حدود ماتعنيه استفادتهم بطبه ، ومعالجته للأمراض التي يتناولها اختصاصه ، أما ما دون ذلك ، فلا تعني علاقتهم به أكثر ماتعنيه علاقتهم بغيره من شرائح المجتمع . ومثل ذلك علاقة الناس بالمهندس أو التاجر أو غيرهم من ذوي الاختصاصات العلمية والفنية والعملية والاصناف الأخرى . أما علاقة المجتمع برجل الدين فهي لا تقتصر على جانب دون الجوانب ، ولا على أفق دون آخر ، وإنما هي تستوعب جميع جوانب الحياة وكل صور السلوك . والسبب في هذا العموم يعود -في الأساس- إلى طبيعة الغاية التي أخذها الإسلام من بين الأديان القائمة على نفسه ، إذ التزمت رسالته عموم البشرية ، كما تعهد هداه وبيانه جوانب حياتها في التنظيم والأحكام ، فالله قد جعل في كل واقعة حكما يصيبه من أصابه ، ويخطئه من أخطأء .
روي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) انه قال : ( إنّ اللّه تبارك وتعالي أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء حتي ـ واللّه ـ ما ترك اللّه شيئا يحتاج إليه العباد ، حتي لا يستطيع عبد يقول : لو كان هذا اُنزل في القرآن ، إلاّ وقد أنزل اللّه فيه » ) .
وهذه السعة كما تَفْرضْ على رجل الدين أن يستوعب كل ما يدخل في اختصاصه من العلوم والمعارف ، تفرض عليه أيضاً أن ينفتح في ثقافته على مختلف التوجيهات الثقافة والعلمية الشائعة في المجتمع ، ليستطيع -من خلال هذا الإنفتاح- أن يحدد دوره ، ويستوضح مهمّاته في تلك التوجهات ، بدقة كافية تجعله على بصيرة من أمره ، ليستطيع تأدية رسالته مع كل توجه من خلال حاجاته الخاصة ، سواء في بناء عقيدة أبناءه ، أم في تربيتهم العبادية والأخلاقية ، أم في تقويم سلوكهم وتنظيم مسيرة حياتهم ، وليستطيع أيضا التأثير حتى في توجيه تلك الاختصاصات ذاتها ، ومايجد فيها من ابتكارات ونظريات -قدر إمكانه- لخدمة الإنسانية ، وليسمها الطابع الإسلامي الرشيد ، ويجنب البشرية مايحاوله الآخرون من بث عوامل الإنحراف والشذوذ والدمار .
نعم هذا لا يعني أن يكون رجل الدين بمستوى ذوي الإختصاص في التعمق بتلك العلوم أو الرسوخ فيها جميعاً ، فهذا من غير المطلوب منه ، بل من غير الممكن له ولا لغيره من الناس ، بل المقصود أن يصبح من الثقافة والانفتاح على تلك العلوم بدرجة يدرك معها الخطوط العامة لها ، ومايتأتى منها في رسالته الدينية الهادية ، ومايمكن للدين أن يوجهه منها نحو إصلاح المجتمع ، وكفاية حاجاته بشكل قويم ورشيد ، من أجل أن تصبح بعض أسس التكامل في الحياة الإنسانية ، وأُفُقاََ من آفاق النور الإلهي في توجيهها وسموها .
دمتــــــــم بخيــــــــر


تعليق