بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على حبيب اله العالمين محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين .
نظرة موجزة الى معاملة الاسير عبر التاريخ يكشف حقيقة الفرق بين الاسلام ورحمانية احكامه وسواه المتجذر في القسوة والجريمة :
كانت الحروب في الجاهلية ناشئة عن الأغراض المادية و التغلّب و إرضاء الميول و الأهواء وكان الأسرى يذبحون أو يقدّمون قرابين للآلهة و كانت القبائل قبل ذلك إذا غلبت في حروبها و مقاتلتها و أخذت سبايا قتلتهم عن آخرهم ثم رأوا أن يتركوهم أحياء و يتملكونهم كسائر الغنائم الحربية
و العرب تأثروا في جاهليتهم بعادات مجاوريهم، فلم تكن معاملة الأسير عندهم تتصف بصفات الرحمة و الإنسانية.
و لم تكن المثلة بقتيل الحرب أو بالأسير محرّمة في قوانين ذلك اليوم، فقد كانوا يمثلون بقتلى الحرب و بالأسرى بتقطيع أجزاء جسمهم و تشويه الجسم، يفعلون ذلك بالأسير حتى يموت و هو يشاهد أعضاءه تقطع قطعا من جسمه .
و كانوا يكبّلون أيدي الأسرى و السبي بالكبل- القيد من أي شيء كان- و قد عمد المحاربون الى إحراق المغلوبين في بعض
الأحيان، فقد جمع المنذر بن امرئ القيس أسرى في الحظائر ليحرقهم، فسمّى أبا حوط الحظائر.
و قد عرف بعض ملوك الحيرة بحرق من وقع في أيديهم من المغلوبين أو بحرق مواضعهم و هم فيها لذلك عرفوا بمحرق، و عقوبات الحرق من العقوبات المعروفة عند الأمم القديمة مثل الرومان و العبرانيين ينزلونها في المحاربين جزاء لهم و إخافة لغيرهم و دعائه لهم، حتى لا يتجاسر أحد فيعلن الثورة على المحرقين فيحلّ عندئذ بهم عذاب التحريق».و يحملونهم على الأعمال الشاقّة، كما فعل الفراعنة بالنسبة إلى بني إسرائيل طيلة حياتهم، يذبّحون و يستحيون نساءهم حتى استعملوهم في بناء الأهرام، و إذا عجز واحد أو كفّ عن العمل ضربوه أو قتلوه و لا يعبأ بالأسرى و لا بإتعابهم و انزعاجهم و موتهم تحت التعذيب و المشاقّ.
فكان الأسير جديرا بكل أنواع التعذيب و الافراطات الانتقامية فيضرب و يصبّ على جسمه القطران، و يوخز بالسياخ المحماة، و يمثّل بجسمه و هو حي أو يصلب و يحرق و لا كرامة. و من الأمم الوحشية من يستحلّ أكل لحم الأسير، و كان الأسير عند اليونانيين يعتبر إنسانا مجرّدا عن حقوق الإنسانية يضرب و يهان
و يستخدم كالبهائم، و يقتل و لا يطالب بدمه حتى و لا الحكومة. ثم صدرت في الأزمنة الأخيرة من عهد الرومانيين شرائع خففت قليلا من وطأه الأسر على الأسير و لكنها لم تبلغ بها درجة الإنسانية. و قد كان هذا شأن الاوربيين، فكان الأسير لديهم مهدور الدم حين الخطر اللّهم إذا صلح أن يبادل به أسير آخر و كانت العادة يجبرون الأسير على اعتناق دينهم، كما فعلت اسبانيا بأسراها عند طردها العرب من الأندلس.
كما كانوا في قديم الأيام يتعاملون مع الأسير، كالذي حكمه العدل الهلاك مثلا يمشون على أعناقهم و يعذبونهم تعذيبا شديدا و يسملون أعينهم و يقطعون أناملهم و لتشجيع الظافر يجعلونهم صفوقا كلهم عراة يمشون أمامه و يربطونهم بجثث الأموات حتى يموتوا بنتنها.
والان يمكن ان نرى حكم الاسلام حول الجهاد والاسر :
و لا بأس بذكر الآداب و الأحكام المقررة للقتال إجمالا حتى يتبين ما هو القتال في الإسلام و ما هو المندوب اليه:
1- جعل الجهاد في الإسلام و القتال عبادة بل من أسنى العبادات و أغلاها و أعلاها. و اشترط فيها النية و قصد التقرب و الإخلاص و البعد عن الهوى و شوائب الرياء و العجب و الفخر و المن و الدواعي النفسانية من الغضب و الانتقام و ابتغاء عرض الحياة الدنيا و كذلك يشترط فيها الابتعاد عن موانع القبول و النسعي في كونه محدودا بالحدود الإلهية.
2- استحب قبل الشروع في القتال الدعاء و التضرع الى اللّه
تعالى و قد روي عن الرسول صلى اللّه عليه و آله و عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه الدعوات المأثورة.
كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في غزوة بدر واحد و الأحزاب يدعو و يتضرع الى اللّه تعالى ساجدا و راكعا و قائماً.
دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في بدر بهذا الدعاء: اللهم أنت ثقتي في كل كرب و رجائي في كل شدة.
و كان صلى اللّه عليه و آله يدعو و يستغيث حتى نزل قوله تعالى:
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ )
و كذلك أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه لا يزال الليل كله قائماً
و منها: لما سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين قال: اني اكره لكم ان تكونوا سبابين و لكنكم لو وصفتم أعمالهم و ذكرتم حالهم كان أصوب في القول و أبلغ في العذر و قلتم مكان سبكم إياهم:
اللهم احقن دماءنا و دماءهم و أصلح ذات بيننا و بينهم و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به.
فعلى المحقق الدقة في مضامين هذه الدعوات كي يقف على حقيقة القتال و اهدافه و نتائجه في الإسلام.
- كان صلى اللّه عليه و آله إذا بعث سرية دعا لها.
و كان علي عليه السلام يدعو لهم و يقول: اللهم ألهمهم الصبر و انزل عليهم النصر و أعظم لهم الأجر
كما كان عليه السلام يدعو على أعدائه: «اللهم فان ردوا الحق فافضض جمعهم و شتت كلمتهم و أبسلهم بخطاياهم».
5- أوصى أمير الجيش بتقوى اللّه في خاصة نفسه و بمن معه من المسلمين.
6- ثم قال: سيروا بسم اللّه و باللّه و في سبيل اللّه و على ملة رسول اللّه.
7- لا تغلوا، يعني من المغانم قبل القسمة أو لا تخونوا.
8- لا تمثلوا، و المثلة قطع الأعضاء و ذلك كما انه نهى عن القتل صبرا أيضا و هو ان يجعل المقتول غرضا يرمى حتى يموت أو يحبس حتى يقتل.
9- لا تغدروا، يعني في عهودهم و مواثيقهم و في الأمان الذي يعطون العدو.
10- لا تقتلوا شيخا فانيا لا تدخل له في الحرب.
11- لا تقتلوا صبيا (وليدا).
12- لا تقتلوا متبتلا في شاهق أي المنقطع عن الدنيا الفارغ للعبادة.
13- لا تقتلوا النساء إلا ان يقاتلن فان قاتلن فأمسكوا عنهن ما امكنكم.
14 -لا تقطعوا شجرا إلا مع الاضطرار أو يكون فيه صلاح المسلمين كما قال تعالى( مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اللّٰهِ.)
15- لا تحرقوا نخلا إلا مع الاضطرار أو يكون فيه صلاح المسلمين.
16- لا تغرقوا النخل بالماء.
17- أيما رجل من ادنى المسلمين أو أفضلهم نظر الى أحد من المشركين فهو جار له حتى يسمع كلام اللّه فاذا سمع كلام اللّه فان تبعكم فأخوكم في دينكم و ان أبى فاستعينوا باللّه و أبلغوه مأمنه.
18- لا تحرقوا زرعا.
19- لا يلقى السم في بلادهم.
20- لا تعقر البهائم مما يؤكل لحمه إلا ما لا بد لكم من لحمه.
21- أمير الجيش أضعفهم دابة.
22- إذا لقيتم عدوا للمسلمين فادعوهم الى الإسلام فإن
دخلوا فيه فاقبلوه منهم و كفوا عنهم و ادعوا إلى الهجرة بعد الإسلام فإن فعلوا فاقبلوه منهم و كفوا عنهم.
23- و ان أبوا أن يهاجروا و اختاروا ديارهم و أبوا أن يدخلوا دار الهجرة كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين و لا يجري لهم في الفيء و لا في القسمة شيء إلا أن يهاجروا في سبيل اللّه.
24- فإن أبوا هاتين فادعوهم الى إعطاء الجزية عن يد و هم صاغرون فإن أعطوا الجزية فاقبلوا منهم و كفوا عنهم.
25- و ان أبوا فاستعينوا باللّه عليهم و جاهدوهم في اللّه حق جهاده.
26- و لا تدفعن صلحا دعاكم اليه عدوكم للّه فيه رضا.
27- لا تهدمن بناء.
- انه صلى اللّه عليه و آله امتنع من قطع الماء في خيبر (كما في البحار ج 21/ 30 )
كما ان أمير المؤمنين بعد أن أخذ الماء من معاوية و قيل له أن يمنع الماء قال: «خلوا بينهم و بين الماء فان اللّه نصركم ببغيهم و ظلمهم»
والحمد لله منتهى رضاه
تعليق