بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
تكملة البحث وبعد أن وصلنا للباب الثالث نقول :
الباب الثالث : اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
تكملة البحث وبعد أن وصلنا للباب الثالث نقول :
الفصل الأول : ما هي حدود الخروج عن المذهب والدين .
البحث عن الإيمان والكفر من المسائل المهمة في حياتنا الحاضرة ، لأن الرابطة الوحيدة بين المسلمين هي الإيمان الوثيقة من غير فرق بين أجناسهم .
ولم يزل المسلمون ومنذ قرون ، عرضاً لأهداف المستعمرين ، وهم يبذلون جهدهم في تفريقهم وتشتيتهم إلى فرق وأمم متباعدة ، ينهش بعضهم بعضا ، وكأنّهم ليسوا من أمة واحدة ، كل ذلك ليكونوا فريسة سائغة لهم ينهبون ثرواتهم ويقضون على عقيدتهم وثقافتهم الإسلامية بشتى الوسائل .
الكفر : لغة هو الستر والتغطية ، وسمي الزارع كافراً لأنه يستر الحبة بالتراب ، قال سبحانه
كمثل غيث أعجب الكفار نباته )[1] . وأما اصطلاحاً ، فهو عدم الإيمان بما من شأنه الإيمان به ، فيدخل ما من شأنه الإيمان به تفصيلاً كتوحيده سبحانه ورسالة نبيه ويوم قيامته أو من شأنه الإيمان به إجمالاً ، كالإيمان بالضروريات أي ما لا يجتمع الإنكار بها مع التسليم للرسالة ، ويعد الفصل بينهما أمراً محالاً في مقام التصديق ، فلو كفر بوجوب الصلاة والزكاة فقد كفر بما من شأنه الإيمان به ، فالإيمان بالرسالة إيمان بهما ويعد إنكارهما إنكاراً لها ، بل الإيمان بكل ما جاء به ضرورياً كان أو غير ضروري . لكن على وجه الإجمال لأنه لازم الإيمان برسالته .
قال الإيجي : الكفر وهو خلاف الإيمان فهو عندنا عدم تصديق الرسول في بعض ما علم مجيئه به ضرورة[2].
وقال ابن ميثم البحراني : ( الكفر هو إنكار صدق الرسول (ص) وإنكار شيء مما علم مجيئه به بالضرورة )[3] .
وقال الفاضل المقداد : ( الكفر اصطلاحاً هو إنكار ما علم ضرورة مجيء الرسول به )[4] .
والميزان عند هؤلاء الأقطاب الثلاثة هو إنكار ما علم مجيء الرسول به من دون أن يشيروا إلى ما هو المعلوم مجيئه به ، ولكن السيد الطباطبائي اليزدي أشار إلى رؤوس ما جاء به وقال : ( الكافر من كان منكراً للإلوهية أو التوحيد أو الرسالة أو ضرورياً من ضروريات الدين مع الالتفات إلى كونه ضرورياً بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة )[5] . والأولى بل المتعين ذكر المعاد كما مر.
2ـ أسباب الكفر :
قد تعرفت على مفهوم الكفر وحده ، فيقع الكلام في أسبابه ، أعني : موجبات الكفر ، ابتداءً أو بقاءً ( مقابل الارتداد ) فنقول : إن أسبابه ثلاثة :
الأول : إنكار ما وجب الإيمان به تفصيلاً ، على ما مر في الفصل ، كإنكار الصانع ، أو توحيده ذاتاً وفعلاً وعبادة . وإنكار رسالة النبي الأكرم بالمباشرة ، أو يوم المعاد والجزاء وقد علمت أن الإيمان بها على وجه التفصيل قد أخذ موضوعاً للحكم بالإسلام فلو أنكرها أو جهلها يكون محكوماً بالكفر وربما يكون معذوراً في بعض الصور كما إذا كان جاهلاً قاصراً أو إنساناً مستضعفاً .
الثاني : جحد ما علم الجاحد أنه من الإسلام ، سواء كان ضرورياً أم غير ضروري سواء كان أصلاً عقيدياً أو حكماً شرعياً، لأن مرجعه إلى إنكار رسالته في بعض النواحي .
وربما يستغرب الإنسان من الجمع بين العالم بكونه مما جاء به النبي (ص) ومع ذلك يجحد به ولكنه سرعان ما يزول تعجبه إذا تلى قوله سبحانه : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم )[6].
وقوله سبحانه : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم )[7] فنرى أنهم أنكروا ما أيقنوه ، ونفوا ما عرفوه . هذا إذا لا يتجاوز الجحد حد اللسان ، وإما إذا سرى إلى الباطن فمرجع الجحد عندئذ مع العلم بأنه مما جاء به النبي إلى نسبة الخطأ والاشتباه إلى صاحب الرسالة وتصوير علمه قاصراً في مجال المجحود .
وقد كان رجال من المنتمين إلى الإسلام ، يخطئون التشريع الإسلامي ، بتحريمه الفائز ، والربا في القرض الرائج في الأنظمة الاقتصادية الغربية ، قائلين بأنه مدار الاقتصاد النامي ورأسه ، ومرجع ذلك ـ مع تضافر الآيات والروايات على تحريمه ـ إلى نسبة الجهل والقصور لصاحب الشريعة وما فوقه .
وحصيلة الكلام أن جحد ما علم الجاحد أنه من الإسلام ، ويورث الكفر سواء كان المجحود ضرورياً من ضروريات الإسلام ، او كان حكماً شرعياً غير ضروري . ولكن كان ثابتاً عند الجاحد ، وسواء كان الجحد باللسان غير سائر إلى مراكز الفكر والإدراك أو سارياً إليه .
وهذا القسم من الجحد ، لا صلة له بما هو المعنون في كلامهم من أن إنكار ما علم أنه من الإسلام بالضرورة موجب للكفر ، فإن الموضوع هناك ، خصوص ما علم أنه ضروري وسيوافيك البحث فيه في السبب الثالث .
وقد وردت روايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تركز على جحد ما علم أنه من الدين ، من غير تخصيص المجحود بما علم أنه من الإسلام بالضرورة . ونأتي ببعض أثر من أئمة أهل البيت حتى تدعم بالنص :
روى عبد الله بن سنان قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يرتكب الكبيرة من الكبائر ، فيموت هل يخرجه ذلك عن الإسلام ، وإن عذب ، كان عذابه كعذاب المشركين ، أم له مدة انقطاع ؟
فقال عليه السلام : ( من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال ، أخرجه ذلك من الإسلام ، وعذب أشد العذاب ، وإن كان معترفاً أنه أذنب ، ومات عليه أخرجه من الإيمان ولم يخرجه من الإسلام ، وكان عذابه أهون من عذاب الأول )[8].
وحاصله أن ارتكاب الكبيرة مع الاعتقاد بأنها حلال يوجب الكفر ، وأما ارتكابها مع الاعتراف بكونها ذنباً فيخرج عن الإيمان دون الإسلام .
2ـ قال الصادق عليه السلام ( الكفر في كتاب الله عز وجل على خمسة أوجه ـ إلى أن قال ـ فأما كفراً الجحود فهو الجحود بالربوبية والجحود على معرفته ، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده وقال الله تعالى : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم )[9].
3ـ وقال الإمام الباقر عليه السلام ( قيل لأمير المؤمنين عليه السلام من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كان مؤمناً . ( قال أمير المؤمنين رداً له ) : فأين فرائض الله ،وما بال من جحد الفرائض كان كافراً .
وليس المقصود ، خصوص الصلوات ، بل مطلق ما أوجبه سبحانه على الناس وحاصل الرواية لو كانت الشهادتان سبباً تاماً للإيمان يلزم أمران :
أن لا يكون لفرائض الله مكان في الإيمان وأن لا يحكم بكفر من أنكرها وجحدها .
والموضوع في الروايتين وغيرهما للحكم بالكفر ، وهو جحد ما علم من غير اختصاص بالضروريات وفي هذا لا يفرق بين جديد العهد بالإسلام وقديمه . بل الميزان هو جحد ما علمه أنّه من الإسلام بأحد الوجهين على ما عرفت .
الثالث : إنكار ما علم أنّه من ضروريات الإسلام .
هذا هو السبب الثالث للحكم بالكفر والإرتداد على الإسلام وبيانه :
قد تعرّفت فيما سبق على ما يجب الإيمان به تفصيلاً ، وما يجب الإيمان به إجمالاً ، وأنّ ما سوى الأصول الثلاثة ( التوحيد بأصنافه ، ورسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويوم الجزاء ) لا يجب الإيمان به تفصيلاً ، بل يكفي الإيمان به إجمالاً وهو يعم الضروري وغيره وعلى ذلك فلم يؤخذ الإيمان بوجوب الصلاة والصوم تفصيلاً في موضوع تحقّق الإسلام بخلاف الأصول الثلاثة المتقدمة .
ومع ذلك لو التفت إلى حكم الضروري التفاتاً تفصيلياً وأنكر كونه ممّا جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبما أنّه يلازم إنكار الرسالة في نظر المخاطبين المسلمين ، بحيث لا يمكن الجمع بين الإيمان برسالة الرسول وإنكار ما علم بالبداهة أنّه ممّا جاء به النبي وقع الكلام في كونه موجباً للارتداد مطلقاً سواء كانت هناك ملازمة عند المنكر أولا . أو فيه تفصيل وهو الحق ويعلم من الكلام التالي .
إنّ هناك فرقاً واضحاً بين إنكار الرسالة بالمباشرة وإنكار ما يلازم إنكارها فلو وقعت الرسالة بشخصها في مجال الإنكار ، فالمنكر يكون محكوماً بالكفر ، قاصراً كان أو مقصرا ، معذور كان أو غير معذور للنصوص المركّزة على كون الإيمان برسالة الرسول من أصول الإسلام ومقوّماته .
وأمّا إنكار الضروري فبما أنّه ليس الإيمان به تفصيلاً أصلاً من الأصول ، لا يكون إنكاره عند الإلتفات سبباً مستقلاً ، بل سببيته لأجل كونه سبباً لإنكار الأصل ، وعند ذلك لا يكون الإنكاران متماثلين في الحكم في جميع الجهات بل يقتصر في الثاني على حد خاص وهو تحقق الملازمة عند المنكر . غاية الأمر يكون إنكار الضروري طريقاً إلى إنكار الرسالة ، ما لم يعلم عدم الملازمة عند المنكر فيحكم بكفر المنكر إلاّ إذا ثبت بالقرائن أنّه لم يكن بصدد إنكار الرسالة ، وإنّما أنكرها لجهله وضعفه الفكري ، كما إذا كان جديد العهد بالإسلام وأنكر حرمة الفائز مثلاً فيقبل منه ولا يقبل ممّن نشأ بين المسلمين منذ نعومة أظفاره إلى أن شب وشاب .
وحاصل الكلام : أنّ إنكار الضروري طريق عقلائي وكاشف عن إنكار الرسالة ورفض الشريعة في مورد الإنكار فيحكم بالكفر والإرتداد إلاّ إذا ثبت عذره وجهله .
والفرق بين إنكار الأصل ، وإنكار ما يلازم إنكاره هو أن الأول برأسه أوخذ في موضوع الإسلام ودلّت الروايات على كونه جزء منه بخلاف التالي فإنّ سببيّته عقلية وطريقيّته عقلائية فيؤخذ بالطريق إلاّ إذا ثبت تخلّفه .
ثم الفرق بين السبب الثاني ( جحد ما علم أنّه من الدين ) وهذا السبب واضح ، فإن الملاك في السبب المتقدم هو كون جحد الجاحد عن علم بأنّه من الدين بأحد النوعين من غير فرق بين الأصول والفروع ، وبين الضروري وعدمه ، وإنما نعلم فقط أن جحده عن علم . وهذا بخلاف الملاك في السبب الثالث فمتعلّق الإنكار هو ما علم أنه من الدين بالضرورة من دون أن نعلم أنّه أنكر عن علم أولا . ولأجل ذاك الفرق حكم بالإرتداد في السبب الثاني بلا استثناء لعدم قابليته له ، بخلاف الأخيرة فحكم بكفر المنكر مطلقاً سواء علم حاله - وأنّه أنكره عن علم بانّه من الدين - أو جهل حاله إلاّ إذا علم أنّه أنكر لا عن علم فلاحظ .
وللكلام بقية في الفصل الثاني .
والحمد لله ربِّ العالمين .
. سورة الحديد : آية : 20 . [1]
. المواقف ، الإيجي : ج 3 ، ص 544 . [2]
. قواعد المرام ، ابن ميثم البحراني ، ص 171 . [3]
. إرشاد الطالبين ، الفاضل المقداد ، ص 433 . [4]
. العروة الوثقى ، السيد الطبابائي اليزدي ، كتاب الطهارة . [5]
. سورة النمل : آية : 14 . [6]
. سورة البقرة : آية : 146 . [7]
. الكافي ، الكليني ، ج 2 ، ص 402 . [8]
. الوسائل ، ج 1 ، الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات ، الحديث 13 . [9]


تعليق