بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العلمين واالصلاة والسلام على محمد واله الطيبن الطاهرين واللعن الدئم الابدي على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين :الفتاة البكر:الفتاة البكر وهي التي لم يسبق لها أن دخلت تجربة حياة زوجية، فهناك رأيان بارزان لفقهاء الإسلام في قرار اختيارها الزوج.
الرأي الأول: أنها تمتلك كامل قرار الاختيار، ولا تحتاج إلى إذن من أبيها أو جدها أو أي أحد، وبهذا الرأي قال جمع من فقهاء الشيعة السابقين، كالسيد المرتضى والإسكافي والحلي والمفيد والديلمي والمحقق والفاضل والشهيدين ومن المعاصرين السيد السبزواري والشيخ محمد أمين زين الدين والشيخ محمد جواد مغنية، ويذهب إلى هذا الرأي من أئمة أهل السنة أبو حنيفة وأبو يوسف.
الرأي الثاني: يشترط إذن ولي الفتاة وهو رأي أكثر فقهاء الشيعة المعاصرين، على نحو الفتوى أو الاحتياط الوجوبي، وأيضاً هو رأي جمهور أهل السنة.
وولي الفتاة الذي يؤخذ رأيه في الفقه الجعفري هو الأب أو الجد للأب فقط حيث يكفي موافقة أحدهما ولا ولاية لغيرهما على الفتاة البالغة الرشيدة.
بينما تتسع دائرة الولاية في هذا المجال عند أهل السنة لتشمل العصبات للمرأة: الأبوة ثم البنوة ثم الأخوة ثم العمومة على خلاف بينهم في ترتيب الأولياء.
إذن الولي في إمضاء زواج الفتاة البكر، هو من أجل ترشيد قرارها، حتى لا يكون اختيارها نابعاً من حالة عاطفية، دون التأكد من صلاحية من تريد الاقتران به.
وخاصة في المجتمعات المحافظة، فإن الفتاة ليست منفتحة على مجتمع الرجال، لتعرف سلوك الخاطب لها، ومستواه ودرجة صلاحيته، وأبوها أو جدها يفترض فيهما الحرص على مصلحتها، ورغبتهما في سعادتها، لذا كان لرأيهما دخل في إمضاء زواجها.
أما غيرهما فليس له حق المنع، حسب الفقه الجعفري، نعم يستحب للفتاة أن تستشير من تثق به من أهلها، لكن ليس لأحد منهم حق المنع.
وما يمارسه بعض الأقرباء من التدخل في شأن زواج أخته، أو ابنة أخيه، أو ابنة أخته، أو ابنة عمه، أو ما أشبه، بالعرقلة والتعويق، هو تدخل طفولي لا يقره الشرع، يقول الفقيه السيد محمد سعيد الحكيم:
ليس لأحد من الأرحام مع فقد الأب والجد للأب الولاية على البالغة البكر فضلاً عن غيرها، بل تستقل فيه بنفسها، وما قامت عليه بعض الأعراف من تدخل الأرحام ومنعهم للمرأة عما تريد، أو عما يريده لها وليها مع وجوده، ظلم صارخ، وخروج عن الموازين الشرعية وانتهاك لحدود اللَّه تعالى، وتجاهل لأحكامه في عباده، وهو من أسباب الفساد المهمة، التي قد يترتب عليها ردود فعل لا تحمد عقباها، يتحمل المفسد عارها وشنارها في الدنيا، وتبعتها ومسؤوليتها في الآخرة، {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}( ).
إن بعض الفتيات -كما لاحظت- ينزعجن من ممارسة وليهنّ لهذا الدور، وتسيطر عليهن الانفعالات الحادة، عندما يقف الولي أمام رغبتهن في اختيار الزوج، ولكن المطلوب من الفتاة أن تتفهم هذا الحكم الشرعي، وان تتفهم دور أبيها الذي رباها وتحمل مسؤولية رعايتها، وهو حريص على سعادتها ومستقبلها، وهو أكثر منها تجربة وخبرةً ومعرفة بأوضاع المجتمع وأفراده، وحينما يرفض خاطباً يتقدم لها إنما هو من منطلق عدم كفاءة ذلك الخاطب وصلاحيته.
ويحصل في بعض الحالات أن الفتاة تصر على رغبتها في الزواج من خاطب معيّن، مع رفض أبيها، ويضطر الأب للتنازل عن رأيه، والاستجابة لرغبتها، مع تحميلها مسؤولية مستقبلها، فماذا يحدث بعد ذلك؟
يحدث أحياناً أن تجد البنت نفسها في ورطة الحياة مع شخص لا يحسن التعامل معها، ولا يتحلى بالصفات المطلوبة والسلوك المناسب، فتدرك بعد فوات الأوان أنها كانت مخطئة في الاختيار، وتدفع ثمناً باهضاً.
لكن بعض الآباء قد يسيء استخدام هذا الحق، فيعترض على اختيار ابنته دون مبرر، ويمنعها من الزواج مع أن المتقدم لها كفؤ صالح، مما يسبب تأخير زواجها لفترة طويلة، وقد تصبح في عداد العانسات، وقد يكون السبب لذلك تمسك الأب ببعض المقاييس المادية والمصلحية، التي يريد توفرها في خاطب ابنته، كأن يكون ثرياً، أو في مستوى وظيفي معين، أو لأن الأب يريد زواج ابنته من شخص معين، من أقربائه أو أصدقائه، أو لأن بين الأب وأم الفتاة مشكلة، كأن تكون مطلقة منه، أو معلقة، فيصّفي خلافه معها على حساب ابنته، ولاحظت أن أحد الآباء كان طامعاً في دخل ابنته الموظفة، لذلك فهو يعوّق ويؤخر زواجها، باختلاق الأعذار والمبررات تجاه الخاطبين.
والحمد لله رب العالمين

تعليق