بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
من الأدلة التي يَستدل بها المخالفون على خلافة أبي بكر هو الحديث الذي يأمر به النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) المرأة بالرجوع لأبي بكر ، ومن الذين استدلوا بهذا الحديث هم ابن حجر في صواعقه و شارح العقيدة الطحاوية و أبو نعيم الأصفهاني في كتابه الإمامة وغيرهم .اللهم صلِّ على محمد وآل محمد
والحديث يرويه البخاري في صحيحه :
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالاَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ . قَالَتْ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ . قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ « إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ »[1] .
وكذلك يرويه مسلم في صحيحه أيضاً :
حَدَّثَنِى عَبَّادُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنِى أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - شَيْئًا فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ قَالَ أَبِى كَأَنَّهَا تَعْنِى الْمَوْتَ. قَالَ « فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ »[2].
والجواب عن هذا :
· هذا الحديث متّحد عند الشيخين البخاري ومسلم في سلسلة واحدة ، وهي : إبراهيم ابن سعد ، عن أبيه ، عن محمّد بن جُبير بن مطعم ، عن أبيه جُبير بن مطعم : أنّ امرأةً سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...
فلم يروه من الصحابة إلاّ جُبير بن مطعم ، ولم يروه عن جُبير إلاّ ولده محمّد ، ولم يروه عن محمّد غير سعد (وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف) ولم يروه عن سعد غير ولده إبراهيم ! ثمّ أخذه الرواة عن إبراهيم بن سعد !
*** السند : نظرة واحدة في هذا الاِسناد ، بعيداً عن التقليد ، تُحبط الآمال التي يمكن أن تُعقد عليه :
فجبير بن مطعم : من الطلقاء ، وهو صاحب أبي بكر ، تعلّم منه الاَنساب وأخبار قريش ، وكانت عائشة تُسمّى له وتُذكر له قبل أن يتزوّجها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكره بعضهم في المؤلّفة قلوبهم وفي مَن حَسُن إسلامه منهم .
وكان شريفاً في قومه بني نوفل وهم حلفاء بني أُميّة في الجاهلية والإسلام . وهو أحد الخمسة الّذين اقترحهم عمرو بن العاص على أبي موسى الاَشعري للمشورة في التحكيم ـ وهم : جبير بن مطعم ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبو الجهم بن حذيفة ، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام بن المغيرة ـ وكلّهم مائل عن عليٍّ عليه السلام ، فابن الزبير وعبد الرحمن بن الحرث كانا في أصحاب الجَمل الّذين قاتلوا عليّاً في البصرة ، وعبد الله بن عمرو مع أبيه عمرو بن العاص في أصحاب معاوية ، وجبير وأبو الجهم من مسلمة الفتح هواهما مع بني أُميّة !
وجُبير بن مطعم هو سيّد الغلام الحبشي وحشيّ ، وهو الذي قال له يوم أُحد : إن قتلت محمّداً فأنت حُرّ ، وإن قتلت عليّاً فأنت حُرّ ، وإن قتلت حمزة فأنت حُرّ!
وروي لابن عبّاس معه حديث هامّ! كان ابن عبّاس يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المتعة ، فقال جُبير بن مطعم : كان عمر ينهى عنها. فقال له ابن عبّاس : يا عُدَيَّ نفسه ، من هنا ضللتُم! أُحدّثكم عن رسول الله ، وتحدّثني عن عمر !!
* محمّد بن جبير بن مطعم : وهو القائل لعبد الملك بن مروان وقد سأله : هل كنّا نحن وأنتم - يعني أُميّة ونوفل - في حلف الفضول ؟ فقال له محمّد بن جُبير بن مطعم : لا والله يا أمير المؤمنين ، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ، ولم تكن يدنا ويدكم إلاّ جميعاً في الجاهلية والإسلام !
وقد اعتزل محمّد عليّاً والحسن عليهما السلام في حربهما مع معاوية ، فلمّا تمّ الصلح كان محمّد ممثَّلاً في وفد المدينة إلى معاوية للبيعة .
* وأمّا سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف : فقد كان قاضياً لبعض ملوك بني أُمية على المدينة ، وفي دولة بني العبّاس انتقل إلى بغداد فعمل قاضياً لهارون الرشيد على واسط ، ثمّ ولي قضاء عسكر المهدي ببغداد .
* وأمّا ولده إبراهيم بن سعد : فهو صاحب العُود والغناء ، كان يعزف ويغنّي ، جاءه أحد أصحاب الحديث ليأخذ عنه ، فوجده يغنّي ، فتركه وانصرف ، فأقسم إبراهيم ألاّ يحدّث بحديث إلاّ غنّى قبله! وعمل والياً على بيت المال ببغداد لهارون الرشيد . وخطوة أُخرى إلى الاَمام في التحقيق تضعنا أمام صورة أكثر وضوحاً ، حيث تُرينا كيف حلّ هذا الحديث محلّ الحديث الصحيح الوارد في عليٍ عليه السلام بعين هذا المتن! لمّا حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت صفيّة أُمّ المؤمنين : يا رسول الله ، لكلّ امرأةٍ من نسائك أهل تلجأ إليهم ، وإنّك أجليت أهلي ، فإنْ حَدَثَ حَدَثٌ فإلى مَن؟ قال : « إلى عليّ بن أبي طالب ». أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح[3] .
· وهذا الحديث على فرض صحة سنده لا نصَّ فيه على الخلافة ، بل ولا ظهور فيه أيضاً ، إذ لعل تلك المرأة جاءت لأمر يتعلق بها يمكن لأي واحد من المسلمين أن يقضيه لها ، فأمرها بأن ترجع لأبي بكر فيه ، إما لأنه سينجزه لها عاجلاً ، أو لأنها من جيرانه وهو يعرفها ، فإن أهله بالسُّنْخ - موضع في أطراف المدينة ، وكان بينها وبين منزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميل ، وكان بها منزل أبي بكر - وهي كذلك ، أو لغير ذلك[4].
· هذا مضافاً إلى أن الأمر الذي جاءت له تلك المرأة لم يتّضح من الحديث ، ومن الواضح أنه ليس أمراً لا يقوم به إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو خليفته من بعده كأمر الحرب أو ما شابهه ، بل هو أمر بسيط متعلّق بامرأة عادية[5].
· وقد أجاب عن هذا الحديث القاضي نور الله التستري : أقول : لا نسلم صحة الحديث كسائر ما رووه في مدحه ولو سلم جاز حمل الخليفة على المعنى اللغوي كما مر إذ لم يتبين في الحديث إن أمر النبي صلى الله عليه وآله برجوع السائل اليه أولاً والى أبي بكر ثانياً كان في أمر ديني يتعلق بالخلافة الشرعية فجاز أن يكون في أمر دنيوي لا اختصاص له بالخلافة الحقيقية[6] .
[1] . صحيح البخاري ، ج 12 ، ص 419 .
[2] . صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 110 .
[3] . أساس نظام الحكم في الإسلام ، صائب عبد الحميد ، ج 3 ، ص 7 .
[4] . مسائل خلافية حار فيها أهل السنة ، الشيخ علي آل محسن ، ج 5 ، ص 11 .
[5] . نفس المصدر السابق .
[6] . الصوارم المهرقة في الجواب عن الصواعق المحرقة ، القاضي نور الله التستري ، ج 6 ، ص 14 .