بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
وللإجابة عما ادعاه البيهقي نقول :
أولا / حديث البخاري ومسلم عن معمر لا يشير إلى تأخير البيعة
إن حديث البخاري ومسلم بسنديهما عن معمر عن الزهري ليس في لفظه كلام الزهري حين سأله رجل قائلا : ( فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال : لا ، ولا أحد من بني هاشم ، حتى بايعه علي ) وإنما نقلا الحديث دون الإشارة إلى قول الزهري ، هذا ولم يتطرقا في خصوص هذا السند إلى البيعة أصلا ، فقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن هشام قال : (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ وَالعَبَّاسَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَيْهِمَا مِنْ فَدَكَ، وَسَهْمَهُمَا مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا المَالِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لاَ أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهِ إِلَّا صَنَعْتُهُ، قَالَ: فَهَجَرَتْهُ فَاطِمَةُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ )
وجاء في صحيح مسلم (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالُوا: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ ) فليس في الحديثين أية اشارة إلى قول الزهري في تأخر علي عليه السلام وقعوده عن البيعة لمدة ستة أشهر .
ثانيا / ما نقله البيهقي عن عبد الرزاق لا يتطابق مع رواية عبد الرزاق ، حيث يتضح في حديث عبد الرزاق الصنعاني في المصنف أن تأخر علي عليه السلام عن البيعة ستة أشهر هو من كلام عائشة لا أنه من كلام الزهري كما ادعاه البيهقي (قالت عائشة وكان لعلي من الناس حياة فاطمة حبوة فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم توفيت قال معمر فقال رجل للزهري فلم يبايعه علي ستة أشهر قال لا ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر فأرسل إلي أبي بكر أن ائتنا ولا تأتنا معك بأحد وكره أن يأتيه عمر .... ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه فأقبل الناس إلى علي فقالوا أصبت وأحسنت قالت فكانوا قريبا إلى علي حين قارب الامر والمعروف )
ونجد أن الحديث يفيد عدة معطيات أهمها :
أ – إن الناس كانوا يحترمون عليا عليه السلام ما دامت فاطمة على قيد الحياة .
ب – بعد وفاة فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام وقل احترامهم له .
ج – مكثت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر حتى توفيت .
د – بعد وفاة فاطمة عليها السلام ، لمّا رأى علي عليه السلام انصراف وجوه الناس عنه ،صالح أبا بكر وبايعه ، فأقبل الناس على علي عليه السلام بعد ذلك .
وهذا الأمر الأخير وإن جاء بعد كلام الزهري ولكنه ليس من كلامه بل هو استمرار لكلام عائشة وكلام الزهري منحصر فقط في عدم البيعة ستة أشهر بدليل أن الصحاح التي نقلت هذا الحديث نقلت هذا المقطع متصلا بما قبله ففي صحيح البخاري بسنده عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة (وَكَانَ لِعَلِىٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِىٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِى بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ )
وأما ما جاء على لسان الزهري هو أن ليا عليه السلام أو أحد من بني هاشم لم يبايع مدة ستة أشهر حيث جاء في حديثه في سنن البيهقي (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا : فَكَانَ لِعَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا انْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مَعْمَرٌ قُلْتُ لِلزُّهْرِىِّ : كَمْ مَكَثَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِىِّ : فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ : وَلاَ أَحَدٌ مِنْ بَنِى هَاشِمٍ )
وهذا يفيد الأمور التالية :
أ – أن الناس كانوا يحترمون عليا عليه السلام مدة حياة فاطمة عليها السلام .
ب – بعد وفاة فاطمة عليها السلام انصرفت وجوه الناس عن علي عليه السلام وقل احترامهم له .
والكلام إلى هنا هو ما قالته عائشة فقط حسب حديث البيهقي وأما ما جاء على لسان الزهري فهي الأمور التالية :
أ – مكثت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر حتى توفيت .
ب - لم يبايع علي عليه السلام ولا واحد من بني هاشم مدة ستة أشهر .
فيتضح أن البيهقي قد جعل المقطع الخاص بمدة بقاء فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر جعله من كلام الزهري بينما هو من كلام عائشة حسب رواية الصنعاني في المصنف . كما انه عمد إلى إسقاط ذيل الرواية التي تدل على أن عليا عليه السلام لما راى انصراف الناس عنه بعد وفاة فاطمة عليها السلام التمس مصالحة أبي بكر ومبايعته مع انه مكمل لقول عائشة .
ثالثا / تأخر البيعة قد روي في الصحيحين وغيرها متصلا
اخرج البخاري ومسلم وابن حبان من غير طريق معمر بل عن طريق الليث بن سعد عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عروه عن عائشة ( وَكَانَ لِعَلِىٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِىٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِى بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ ) فلا معنى لقول البيهقي في الاعتقاد من أنه من كلام الزهري أدرجه بعض الرواة وحفظه معمر ورواه مفصلا فأن معمر لم ينفرد بروايته بل رواه غيره .
رابعا / لم يتعرض كبار شراح الأحاديث إلى الإدراج
لم يتعرض احد من كبار شراح الأحاديث إلى هذا الإدراج الذي تفرد بذكره البيهقي عند شرحهم لفقرة تأخر علي ليه السلام عن البيعة ، قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : (قَوْلُهُ وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ أَيْ كَانَ النَّاسَ يَحْتَرِمُونَهُ إِكْرَامًا لِفَاطِمَةِ فَلَمَّا مَاتَتْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ الْحُضُورِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ قَصَرَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ الِاحْتِرَامِ لِإِرَادَةِ دُخُولِهِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ لَمَّا جَاءَ وَبَايَعَ كَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَيْهِ حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْذِرُونَهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي مُدَّةِ حَيَاةِ فَاطِمَةَ لِشَغْلِهِ بِهَا وَتَمْرِيضِهَا وَتَسْلِيَتِهَا عَمَّا هِيَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم وَلِأَنَّهَا لَمَّا غَضِبَتْ مِنْ رَدِّ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهَا فِيمَا سَأَلَتْهُ مِنَ الْمِيرَاثِ رَأَى عَلِيٌّ أَنْ يُوَافِقَهَا فِي الِانْقِطَاعِ عَنْهُ قَوْلُهُ فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرِ أَيْ فِي حَيَاةِ فَاطِمَةَ )
وقال العيني في عمدة القاري : ( (وَعَاشَتْ) ، أَي: فَاطِمَة (بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، سِتَّة أشهر) ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح.. قَوْله: (حَيَاة فَاطِمَة) ، لأَنهم كَانُوا يعذرونه عَن ترك الْمُبَايعَة لاشتغاله بهَا وتسلية خاطرها من قرب عهد مُفَارقَة رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (تِلْكَ الْأَشْهر) ، وَهِي الْأَشْهر السِّتَّة، وَقَالَ المارزي: الْعذر لعَلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي تخلفه مَعَ مَا اعتذر هُوَ بِهِ أَنه يَكْفِي فِي بيعَة الإِمَام أَن يَقع من آحَاد أهل الْحل وَالْعقد، وَلَا يجب الِاسْتِيعَاب ) فلو كان هذا الإدراج صحيحا لأشار إليه شراح الحديث .
خامسا / لو صح الإدراج فلا يبعد انه من كلام عائشة
لو بنينا أن تأخر علي عليه السلام عن البيعة هو من كلام الزهري فغن الظاهر أنه سمعه ممن سمعه من عائشة وهو شبيه بما استظهره ابن كثير يما نقله الشعبي في حديث استرضاء أبي بكر للزهراء عليها السلام حتى رضيت من أن الشعبي قد سمعه من علي عليه السلام فقال في البداية والنهاية معلقا على حديث الشعبي : ( وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ سَمِعَهُ مِنْ عَلِيٍّ، أَوْ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ عَلِيٍّ ) فإذا كان ما استظهره ابن كثير هنا يعد استظهارا صحيحا ، فلا بد أن يصح ما استظهرناه من حديث الزهري .
وقد حاول بعض علماء أهل السنة ان يحل التعارض بين الأحاديث الدالة على مبايعة علي عليه السلام من أول الأمر وبين الأحاديث الدالة على عدم مبايعته مباشرة وتأخره طوال ستة أشهر مدة حياة فاطمة عليها السلام وذلك بحمل بيعته بعد ستة أشهر على أنها بيعة ثانية مؤكدة للبيعة الأولى ، قال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر إشكال البيهقي عل ىسند الحديث ( وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ بَايَعَهُ بَيْعَةً ثَانِيَةً مُؤَكِّدَةً لِلْأُولَى لِإِزَالَةِ مَا كَانَ وَقَعَ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ ) وقال ابن كثير في البداية والنهاية : ( وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنْ مُبَايَعَتِهِ إِيَّاهُ بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ - وَقَدْ مَاتَتْ بَعْدَ أَبِيهَا، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ - فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا بَيْعَةٌ ثَانِيَةٌ أَزَالَتْ مَا كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْ وَحْشَةٍ بِسَبَبِ الْكَلَامِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمَنْعِهِ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ بِالنَّصِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )
أو حملوها بمعنى تجدد البيعة والمشاركة والحضور ولا يعني كلمة يبايع بالضرورة البيعة المعهودة بالخلافة ، قال البيهقي في السنن الكبرى : ( وَلَعَلَّ الزُّهْرِيَّ أَرَادَ قُعُودَهُ عَنْهَا بَعْدَ الْبَيْعَةِ ثُمَّ نُهُوضَهُ إِلَيْهَا ثَانِيًا وَقِيَامَهُ بِوَاجِبَاتِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ )
وفي مناقشة هذا التوجيه نقول أن هذا الجمع استحساني وتبرعي لا شاهد عليه لأن هذه التفسيرات لمعنى المبايعة تفسيرات تخالف ظاهر ما عليه اللفظ ولا دليل أو قرينة صحيحة تسوغ صرف اللفظ عن معناه الظاهر ، فالروايات الدالة على التأخر عبرت بصيغة الماضي ( ولم يكن بايع ) الدال على انه لم تسبق منه بيعة أبدا فكيف تكون الثانية مؤكدة أو مجددة لها ، مضافا إلى أن العديد من شراح الحديث لم يفهموا ذلك فأما أن نقول بتقديم روايات تأخير البيعة لأنها وردت في الصحاح أو ننتهي غلى القول بحصول التعارض المستقر بينهما فيتساقطان . كما ويتبين من خلال النصوص أن البيعة الثانية لم تكن أيضا عن رغبة ورضا من أمير المؤمنين عليه السلام وإنما خوفا من الضرار بالمصلحة الإسلامية العليا وقد ورد في صحيح البخاري (وَكَانَ لِعَلِىٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِىٌّ وُجُوهَ النَّاسِ ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِى بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ )
وجاء في صحيح مسلم ( فالتمس مصالحة أبي بكر ) وبعد أن بايع عبّرت الروايات عن موقف الناس منه بتعبيرات منها كما في المصنف للصنعاني (فأقبل الناس إلى علي فقالوا أصبت وأحسنت قالت فكانوا قريبا إلى علي حين قارب الامر والمعروف ) ومنها في صحيح البخاري (فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا أَصَبْتَ . وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِىٍّ قَرِيبًا ، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ ) فمن خلال هذه النصوص يظهر أن الشائع بين بعض المسلمين إنهم كانوا يعتبرون عليا عليه السلام على خطا فلذا قاطعوه ولم يتواصلوا معه فرجح البيعة .
والحاصل فأنه على جميع الآراء والاتجاهات فأن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لا تتنافى أبدا مع النص عليه بالإمامة .
