بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين
إن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كان همه المحافظة على المصلحة الإسلامية العليا فحصوله أو عدم حصوله على الخلافة والإمامة كان ينظر إليها من هذه الزاوية ، فعندما يرى أن هناك أسبابا ومبررات موضوعية تصب في صالح هدفه من جراء قبوله بهذه الشورى فأنه لا يتوانى من الدخول فيها ، ومن هذه الأسباب والمبررات نذكر :
1- كراهة الخلاف / إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن يريد شق عصا المسلمين ومخالفة الجماعة فقد ورد في شرح نهج البلاغة عندما قال العباس له عليه السلام : (لا تدخل معهم و ارفع نفسك عنهم قال إني أكره الخلاف..)
2- الخشية من النحراف عن الإسلام / إن أمير المؤمنين عليه السلام يرى سلامة أمور المسلمين مقدم على مسألة تسّلمه للخلافة وإن وقع عليه الجور حيث يقول عليه السلام في المصدر نفسه : (لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي وَ وَ اَللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً اِلْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَ فَضْلِهِ وَ زُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ ..)
وهنا يجب أن نرق بين الخلافة السياسية وبين الإمامة الإلهية فإن هناك فرقا بينهما ، قال السيد الخميني في البيع : (فالرئاسة الظاهرية الصورية أمر لم يعتن بها الائمة عليهم السلام إلا لاجراء الحق، وهي التي أرادها علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله على ما حكي عنه: (والله لهي أحب إلي من إمرتكم) مشيرا إلى النعل التي لا قيمة لها وأما مقام الخلافة الكبرى الالهية فليس هينا عنده، ولا قابلا للرفض والاهمال وإلقاء الحبل على غاربه)
3- الرغبة في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه / إن هدف أمير المؤمنين عليه السلام الأساس هو الحفاظ على روح الإسلام وإصلاح الأمور التي اعتراها الفساد ، ولذا عندما طلب منه عبد الرحمن بن عوف أن يبايعه بشرط أن يسير على ما سار عليه الشيخان من سياسة ، لم يقبل ذلك ورفض هذا الشرط الذي قبله عثمان . روى احمد بن حنبل في مسنده وابن الأثير في اُسد الغابة والهيثمي في مجمعه : (عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَيْفَ بَايَعْتُمْ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُمْ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا ذَنْبِي قَدْ بَدَأْتُ بِعَلِيٍّ فَقُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ فَقَالَ فِيمَا اسْتَطَعْتُ )
4- إثبات أحقيته بالخلافة / لقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى حقه في الخلافة وأن وضعه ي هذه الشورى لم يكن صحيحا ، فقد روى الطبري في تأريخه وابن قتيبة في غريب الحديث وابن أعثم الكوفي في الفتوح وابن الأثير في الكامل وغيرهم أن عليا عليه السلام قال يوم الشورى : (الحمد لله الذي اختار محمدا منا نبيا و ابتعثه إلينا رسولا فنحن أهل بيت النبوة و معدن الحكمة أمان لأهل الأرض و نجاة لمن طلب إن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى...) ويؤكد ابن أبي الحديد هذه المسألة قائلا : (و نحن نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى.... قال لهم بعد أن بايع عبد الرحمن و الحاضرون عثمان و تلكا هو ع عن البيعة إن لنا حقا إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى )
قال الزمخشري في الفايق في غريب الحديث شارحا هذه المفردات : (هذا مثل لركوبه الذل والمشقة، وصبره عليه وإن تطاول ذلك، وأصله أن الراكب إذا اعرورى البعير ركب عجزه من أصل السنام؛ فلا يطمئن ويحتمل المشقة.
وأراد بركوب أعجاز الإبل كونه ردفاً تابعاً، وأنه يصبر على ذلك وإن تطاول به.
ويجوز أن يريد: وإن نمنعه نبذل الجهد في طلبه؛ فعل من يضرب في ابتغاء طلبته أكباد الإبل، ولا يبالي باحتمال طول السرى ) ويذكر بن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة بعد نقله لهذا الكلام وغيره مما يدل على مطالبته بحقه عليه السلام من أنه وإن كان دالا على أن له حقا قد أُخذ لكن لا يمكن المصير إليه لكونه يسيء إساءة بالغة غلى الصحابة .
