بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة السلام على محمد وآله الطاهرين
لم يفرق القفاري بين الإمامة بمعنى الخلافة والحكومة السياسية والإمامة بمعنى قيادة الأمة وهدايتها فادعى أن الإمام الحسن عليه السلام قد تنازل عن الإمامة وسلمها إلى معاوية طوعا ، مما يعني أنه لا يوجد نص عليه بالإمامة وهو فهم خاطئ وفق النظرية الصحيحة للإمامة التي هي عهد وجعل من الله سبحانه وتعالى وهي ليست باختيار الأمة لأنها متوقفة على العصمة والعلم الخاص . نعم قد أضطر أئمة أهل البين عليهم السلام في بعض الأوقات إلى التخلي عن بعض شؤون الإمامة وهي الحكومة السياسية لظروف وأسباب معروفة ، فليس الغمام الحسن عليه السلام هو الوحيد من بين أئمة أهل البيت عليهم السلام من سلب حق ممارسة هذا الشأن من شؤون الإمامة . فالظروف الموضوعية والمعطيات التاريخية آنذاك فرضت على الغمام الحسن عليه السلام التنازل عن الحكومة السياسية ومن هذه السباب :
1- حقن دماء المسلمين / إن الإمام الحسن عليه السلام كان يرى من وراء هذا الصلح حقن دماء المسلمين بعد أن رأى أن الظروف غير مؤاتيه للاستمرار بالحرب فآثر حقن الدماء ، وقد جاء في أنساب الأشراف للبلاذري قول الإمام الحسن عليه السلام : ( أنتم شيعتنا وأهل مودتنا، فلو كنت بالجزم في أمر الدنيا أعمل، ولسلطانها أربض وألحب مَا كَانَ مُعَاوِيَةُ بِأَبْأَسِ مِنِّي بَأْسًا، وَلا أَشَدِّ شَكِيمَةً وَلا أَمْضَى عَزِيمَةً، وَلَكِنِّي أَرَى غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ وَمَا أَرَدْتُ فِيمَا فَعَلْتُ إلا حقن الدماء، فَارْضَوْا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَسَلِّمُوا لأَمْرِهِ وَالْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَأَمْسِكُوا- أَوْ قَالَ: كُفُّوا- أَيْدِيَكُمْ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ ) وقد علق السيد المرتضى في تنزيه الأنبياء على هذا الكلام بقوله : (وهذا كلام منه عليه السلام يشفي الصدور ويذهب بكل شبهة )
2- خذلان الجيش وتفرقه عن الإمام الحسن عليه السلام / لقد نجح معاوية في زعزعة أركان جيش الإمام الحسن عليه السلام بأساليب وألوان مختلفة منها الأموال لاستمالة قواد الجيش والقبائل ، قال البلاذري في أنساب الأشراف : (ثم بعث معاوية بعد ذلك عبد الرحمان بْن سمرة إِلَى عبيد اللَّه فخلا بِهِ وحلف لَهُ أن الحسن قد سأل مُعَاوِيَة الصلح وجعل لعبيد اللَّه ألف ألف درهم إن صار إِلَيْهِ ) ومنها الإشاعات والكذب لتفرق جيش الإمام الحسن عليه السلام ، قال ابن الأثير في الكامل وهو يروي قصة تفرق جيش الإمام الحسن عليه السلام وخذلانهم : ( فَلَمَّا نَزَلَ الْحَسَنُ الْمَدَائِنَ نَادَى مُنَادٍ فِي الْعَسْكَرِ: أَلَا إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ قُتِلَ فَانْفِرُوا. فَنَفَرُوا بِسُرَادِقِ الْحَسَنِ، فَنَهَبُوا مَتَاعَهُ حَتَّى نَازَعُوهُ بِسَاطًا كَانَ تَحْتَهُ، فَازْدَادَ لَهُمْ بُغْضًا وَمِنْهُمْ ذُعْرًا.. فَلَمَّا رَأَى الْحَسَنُ تَفَرُّقَ الْأَمْرِ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ) هذا ولم يقف المر عند تخاذلهم عنه وتركه والذهاب إلى معاوية بل اتهموه بالشرك وطعنوه وارادوا قتله ، قال أبو الفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبين : (
فقام اليه رجل من بني اسد من بني نصر بن قعين يقال له الجراح بن سنان فلما مر في مظلم ساباط قام اليه فأخذ بلجام بغلته وبيده معول فقال: الله اكبر ياحسن اشركت كما اشرك ابوك من قبل ثم طعنه فوقعت الطعنة في فخذه فشقته حتى بلغت اربيته فسقط الحسن إلى الارض بعد ان ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده واعتنقه وخرا جميعا إلى الارض ) كما وان أهل الكوفة قد دخلوا حروبا طاحنة خلفت اعدادا كبيرة من القتلى اضافة إلى المشاكل القتصادية التي تنجم نتيجة الحروب المتوالية ، كل ذلك أدى إلى ارهاق اهل الكوفة ومطالبتهم بالصلح وترك الحرب ، روى ابن الثير في الكامل عن الحسن عليه السلام أنه قال : (أَلَا وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ دَعَانَا لِأَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ عِزٌّ وَلَا نَصَفَةٌ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْمَوْتَ رَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ وَحَاكَمْنَاهُ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِظُبَى السُّيُوفِ، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الْحَيَاةَ قَبِلْنَاهُ وَأَخَذْنَا لَكُمُ الرِّضَى.
فَنَادَاهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ! وَأَمْضَى الصُّلْحَ )
3- الحفاظ على أهل بيته وشيعته / قال الكاتب السلفي حسن فرحان المالكي في قراءة في كتب العقائد : ( فكان الحسن بن علي بين أمرين إما أن يستعين بهذه القلة من المخلصين ضد هذه الجموع الكبيرة ، وإما أن يلجأ لمصالحة معاوية ، فكان ها الخيار الأخير هو الذي ترجح عند الحسن لحفظ البقية الباقية من محبي الإمام علي وأهل البيت لعلهم ينشرون علومهم وسيرتهم وكان اللجوء للخيار الأول ( محاربة معاوية ) يعني –إلى حد كبير –القضاء على كل من يذكر الإمام عليا بخير من أهل العراق وبهذا يضيع فضل وآثار ( الثقل الثاني ) بعد كتاب الله ) فالإمام الحسن عليه السلام بهذا الصلح حافظ على البقية الباقية من محبي الإمام علي عليه السلام وأهل بيته وشيعته .
4- فضح معاوية من خلال وثيقة الصلح / إن واحدة من نتائج الصلح مع معاوية هي فضحه وكشف حاله أمام ممن خدعوا بخلافته من المسلمين ، قال البلاذري في أنساب الأشراف : ( فكتب مُعَاوِيَة كتابا نسخته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كتاب للحسن بْن علي من معاوية ابن أبي سفيان.
إني صالحتك عَلَى أن لك الأمر من بعدي ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأشد مَا أخذه الله على أحد من خلفه من عهد وعقد (أن) لا أبغيك غائلة وَلا مكروها.... ثُمَّ بعث الحسن عَبْد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بْنِ عَبْدِ المطلب- وأمه هند بنت أَبِي سُفْيَانَ- فَقَالَ لَهُ: ائت خالك فقل لَهُ: إن آمنت بالناس بايعتك (كذا) . فدفع معاوية إليه صحيفة بيضاء وقد ختم في أسفلها وقال له: اكتب فِيهَا مَا شئت. فكتب الحسن: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا صَالِح عَلَيْهِ الحسن بن علي معاوية ابن أَبِي سُفْيَانَ، صالحه عَلَى أن يسلم إِلَيْهِ ولاية أمر المسلمين عَلَى أن يعمل فِيهَا بكِتَاب اللَّهِ وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين؟! وعلى أنه ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده، وأن يكون الأمر شورى والناس آمنون حيث كانوا عَلَى أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وعلى أن لا يبغي للحسن ابن علي غائلة سرا ولا علانية، و (على أن) لا يخيف أحدًا من أصحابه ) وقال أيضا في المصدر نفسه : (ثُمَّ قام مُعَاوِيَة فخطب النَّاس فَقَالَ فِي خطبته:
ألا إني كنت شرطت فِي الفتنة شروطًا أردت بِهَا الألفة ووضع الحرب ألا وإنها تحت قدمي )
