بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوضح لنا سبل الهدى واليقين ، وأوجب علينا التمسك
بشرعة الحق المبين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على محمد الأمين ، خير الورى
وسيد الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله الهداة الميامين ، سيما ابن عمه وخليفته
المخصوص بالفضل والمرتضى على جميع الأوصياء المرضيين .
وبعد :
استدل من حكم لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بأنه أفضل
من سالف الأنبياء عليهم السلام وكافة الناس سوى نبي الهدى محمد
عليه وآله السلام بأن قال : قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أفضل من كافة البشر بدلائل يسلمها كل الخصوم ، وقوله صلى الله عليه
وآله وسلم : " أنا سيد البشر " وقوله : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " .
وإذا ثبت أنه عليه وآله السلام أفضل البشر وجب أن يليه أمير المؤمنين
صلوات الله عليه في الفضل بدلالته على ذلك ، وما أقامه عليه من
البرهان.
فمن ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما دعا نصارى نجران إلى
المباهلة ، ليوضح عن حقه ، ويبرهن عن ثبوت نبوته ، ويدل على عنادهم في
مخالفتهم له بعد الذي أقامه من الحجة عليهم ، جعل عليا عليه السلام في
مرتبته ، وحكم بأنه عدله ، وقضى له بأنه نفسه ، ولم يحططه عن مرتبته في الفضل ،
وساوى بينه وبينه ، فقال مخبرا عن ربه عز وجل بما حكم به من ذلك
وشهد وقضى ووكد : * ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل
تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساء كم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل
فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) * ".
فدعا الحسن والحسين عليهما السلام للمباهلة فكانا ابنيه في ظاهر
اللفظ ، ودعا فاطمة سلام الله عليها وكانت المعبر عنها بنسائه ، ودعا أمير
المؤمنين عليه السلام فكان المحكوم له بأنه نفسه.
وقد علمنا أنه لم يرد بالنفس ما به قوام الجسد من الدم السائل والهواء
ونحوه ، ولم يرد نفس ذاته ، إذ كان لا يصح دعاء الانسان نفسه إلى
نفسه ولا إلى غيره ، فلم يبق إلا أنه أراد عليه وآله السلام بالعبارة عن النفس
إفادة العدل والمثل والنظير ، ومن يحل منه في العز والاكرام والمودة والصيانة
والإيثار والاعظام والاجلال محل ذاته عند الله سبحانه ، فيما فرض عليه
من الاعتقاد بها وألزمه العباد.
ولو لم يدل من خارج - دليل على أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أفضل من أمير المؤمنين عليه السلام لقضى هذا الاعتبار بالتساوي
بينهما في الفضل والرتبة ، ولكن الدليل أخرج ذلك ، وبقي ما سواه بمقتضاه .
* * *
وكذلك الاستدلال بجعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
حب علي عليه السلام حبا له وبغضه بغضا له وحربه حربا له
ومن ذلك أنه عليه وآله السلام جعل أحكام ولائه أحكام ولاء نفسه
سواء ، وحكم عداوته كحكم العداوة له على الانفراد ، وقضى على
محاربه بالقضاء على محاربه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يجعل بينهما
فصلا بحال ، وكذلك حكم في بغضه ووده.
وقد علمنا أنه لم يضع الحكم في ذلك للمحاباة ، بل وضعه على
الاستحقاق ووجوب العدل في القضاء .
وإذا كان الحكم بذلك من حيث وصفناه ، وجب أن يكون مساويا
له في الفضل الذي أوجب له من هذه الخلال ، وإلا لم يكن له وجه في
الفضل.
وهذا كالأول فيما ذكرناه . فوجب التساوي بينهما في كل حال ، إلا ما
أخرجه الدليل من فضله صلى الله عليه وآله وسلم الذي اختص به بأعماله
وقربه الخاص ،
فثبت بذلك انه عليه افضل الصلاة والسلام افضل الناس حتى الأنبياء ما عدا الرسول الخاتم صلى الله عليه واله وسلم
تعليق