بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
"الفيض الكاشاني"
ولد رحمه الله في سنة (1007هـ.ق.) في مدينة قمّ المشرّفة ونشأ فيها، ثمّ انتقل إلى كاشان ليشدّ الرحال بعدها إلى مدينة شيراز للانتهال من العلَمين: السيّد ماجد بن عليّ البحرانيّ وصدر المتألّهين الشيرازيّ، حيث تزوّج من ابنة الأخير، وما إن ارتوى من تلك المعارف عاد إلى مدينة كاشان ليكون هناك مرجعاً فذّاً لا ندّ له،كان المولى محمّد بن المرتضى المدعوّ بـ "محسن" والمعروف
بـ"الفيض الكاشاني" أحد نوابغ العلم والمعرفة في القرن الحادي عشر، وكان- مضافاً إلى علمه وفضله- حكيماً متكلّماً محدّثاً مفسّراً عارفاً أديباً متبحّراً في جميع العلوم والمعارف.
((ومن وصية وهي أصول لتهذيب النفس)) بسم الله الرحمن الرحيم (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)النمل الآية 59. أمّا بعد، فهذه الرسالة الموسومة بـ "زاد السالك" كتبت جواباً لسؤال أحد الأخوة الروحانيّين الذي كان قد سأل عن كيفيّة سلوك طريق الحقّ. إعلم- أيّدك الله بروح منه- كما أنّ للسفر الصوري(1) مبدأ ومنتهى، ومسافة ومسير، وزاد وراحلة، ورفيق ودليل، فكذلك للسفر المعنوي الذي هو سفر الروح نحو الحقّ سبحانه وتعالى جميع هذه الأمور. [فمبدأه] الجهل والنقصان الطبيعي الذي أُخرج معه من بطن أمّه وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا)النحل، الآية 78.. [ومنتهاه] الكمال الحقيقي الذي هو فوق جميع الكمالات، وهو الوصول إلى الحقّ سبحانه وتعالى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى)النجم، الآية 42. (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه).الإنشقاق، الآية 6. [ومسافة الطريق في هذا السفر] هي مراتب الكمالات العلميّة والعمليّة التي تطويها الروح شيئاً فشيئاً، فيما لو كانت موافقة لصراط الشرع المستقيم الذي هو طريق الأولياء والأصفياء. (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ)الأنعام، الآية 153.. وهذه الكمالات مترتّبة بعضها على بعض، فلا يمكن الانتقال إلى الكمالات المتأخّرة ما لم يُطو الكمال المتقدّم. [ومنازل هذا السفر] هي الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة، حيث يحصل الترقّي والانتقال في أحوال ومقامات الروح من كلّ منزلة إلى المنزلة التي فوقها بشكل [تدريجي] والمنزل الأوّل هو اليقظة والّتي هي عبارة عن المعرفة، والمنزل الأخير هو التوحيد الذي هو عبارة عن المقصد الأقصى لهذا السفر. وتفاصيل هذه المنازل ودرجاتها مذكورة في كتاب "منازل السائرين"(2) [ومسير هذا السفر] هو السعي التامّ والجهد البالغ وانتخاب الهمّة في قطع هذه المنازل بمجاهدة النفس ورياضتها؛ بحمل أعباء التكاليف الشرعيّة من الفرائض والسنن والآداب ومراقبة النفس ومحاسبتها آناً فآناً ولحظة فلحظة، وحصر الهموم وجعلها همّاً واحداً والانقطاع إلى الحقّ سبحانه وتعالى: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)لمزمل، الآية . (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)العنكبوت، الآية 69.. [وزاد هذا السفر] هو التقوى، (تَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)لبقرة، الآية 197.. والتقوى عبارة عن القيام بما أمر به الشارع والاجتناب عمّا نهى عنه عن بصيرة، ليكون القلب بنور الشرع وصيقل(3) تكاليفه مستعدّاً لتلقّي فيوض المعرفة من الحقّ عزّ وجلّ. (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ)البقرة، الآية 282.. وكما أنّ المسافر الصوري ما لم يحصل على قوّة البدن من الزاد لا يقدر على قطع الطريق، فكذلك المسافر المعنوي ما لم يقم بالتقوى والطهارة الشرعيّة ظاهراً وباطناً، ويقوّي الروح بها، فلن تُفاض عليه العلوم والمعارف والأخلاق الحميدة المترتبة على التقوى، والّتي تحصل التقوى منها أيضاً- لا على سبيل الدور- ومَثَله كمثل شخص كان في ليلة مظلمة، بيده مصباح، يرى بنوره طريقاً ويمشي فيه، وكلّما يرفع قدماً تُضاء له قطعة من ذلك الطريق فيمشي فيها، وهكذا. وما لم يرفع قدمه ويمشي فلا ضياء، وما لم يُضاء له فلا يقدر على المشي. فتلك الرؤية بمنزلة المعرفة، وذلك السير بمنزلة العمل والتقوى. "من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم"(4). "إنّ العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل"(5). "لا يقبل الله عملاً إلا بمعرفة، ولا معرفة إلا بعمل، فمن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، ألا إنّ الإيمان بعضه من بعض" كذا عن الصادق عليه السلام (6). وكما أنّ من لا يعرف الطريق في السفر الصوري لا يصل إلى المقصد، فكذلك من لم تكن له بصيرة في العمل في السفر المعنوي لا يصل إلى المقصد. "العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده كثرة (سرعة)(7) السير إلا بُعداً"(8). [وراحلة هذا السفر] هي البدن وقواه، فكما أنّ في السفر الصوري إذا كانت الراحلة ضعيفة وفيها علّة لا يمكنها طيّ الطريق، فكذلك في هذا السفر إذا لم يكن البدن صحيحاً وقويّاً لا يمكنه الاتيان بأيّ عمل. فإذاً تحصيل المعاش ضروريّ من هذه الجهة. وما هو ضروريٌّ واجب بمقدار الضرورة. إذاً، فطلب الفضول في المعاش مانع من السلوك. والدنيا المذمومة التي ذكروا التحذير منها هي عبارة عن ذلك الفضول الذي هو وبال على صاحبه. وأمّا المقدار الضروريّ منه فداخل في أمور الآخرة وتحصيله عبادة. وكما أنّ من ترك راحلته ترعى كيف تشاء فإنّه لا يطوي الطريق، فكذلك في هذا السفر إذا ترك بدنه وقواه تفعل كلّ ما تشتهيه، ولم تُقيّد بالآداب والسنن الشرعيّة، ولم يمسك لجامها بيده، فإنّه لا يطوي طريق الحقّ. [ورفاق هذا الطريق] هم العلماء والصلحاء والعبّاد السالكون الذين يمدّ أحدهم الآخر ويعين بعضهم بعضاً، فليس كلّ شخص يمكنه الاطلاع بسرعة على عيب نفسه، ولكنّه يقف بسرعة على عيب غيره. إذاً، فإذا قام عدّة أشخاص ببناء أنفسهم سويّة وأخبر أحدهم الآخر بعيوبه وآفّاته فإنّ الطريق يُطوى لهم بسرعة، ويأمنون من اللصّ وسارق الدِّين، فإنّ الشيطان إلى المنفرد أقرب منه إلى الجماعة، و"يد الله على الجماعة"(9). وإذا خرج أحدهم عن الطريق فسيخبره الآخر بذلك وأمّا إذا كان وحيداً فهيهات أن يقف على ذلك. [ودليل هذا الطريق] هو النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأئمّة المعصومين عليهم السلام الّذين هم أدلّاء الطريق، وقد وضعوا السنن والآداب، وأخبروا عن مصالح الطريق ومفاسده، وسلكوا هذا الطريق بأنفسهم، وقد طلب من الأمّة الاقتداء والتأسّي بهم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب، الآية (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)آل عمران، الآية 31. |
((مصنّفاته))
صرف المولى محسن الفيض عمره الشريف في ترويج الآثار المرويّة والمعارف الإلهيّة تدريساً وتأليفاً، فخلّف ثروة علميّة عظيمة في شتّى أنحاء العلم والمعرفة من الفقه والحديث والحكمة والعرفان والأخلاق والتفسير والأدعية والأشعار وغيرها، ناهزت المائة والعشرين مصنفاً، منها:
"الصافي" و"الأصفى" في التفسير، و"الوافي" و"النوادر" في الأخبار، و"معتصم الشيعة" و"مفاتيح الشرائع" في الفقه، و"عين اليقين" و"علم اليقين" في الحكمة والكلام، و"المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء".
وقد امتازت تأليفاته بجودة التحقيق وحسن البيان والتأليف وسلامة الألفاظ ومتانة المباني ودقّة المعاني وعلوّ المقاصد.
((أقوال العلماء فيه))
قال عنه الرجاليّ الكبير محمّد بن عليّ الأردبيلي: "محسن بن المرتضى رحمه الله العلّامة المحقّق المدقّق، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، فاضل كامل أديب، متبحّر في جميع العلوم"(10).
وقال صاحب الروضات: "أمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والأصول وكثرة التأليف مع جودة التعبير والتوصيف أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الأبد"(11).
وقال المحدّث القمّي: "وأمره في الفضل والأدب وطول الباع وكثرة الاطّلاع وجودة التعبير وحسن التحرير والإحاطة بمراتب المعقول والمنقول أشهر من أن يخفى"(12)
وقال العلّامة الأميني في ترجمة علم الهدى ابن المؤلّف: "هو ابن المحقّق الفيض علم الفقه، وراية الحديث، ومنار الفلسفة، ومعدن العرفان، وطود الأخلاق، وعباب العلوم والمعارف، وهو ابن ذلك الفذّ الّذي قلّ ما أنتج الدهر بمثيله، وعقمت الأيّام أن تأتي بمشابهه(13).
ونقل عن العلّامة الطباطبائي صاحب الميزان قوله: "هو ممّن جمع العلوم وقلّ نظيره في العالم الإسلامي"(14).
وقال المحدّث الشيخ الحرّ العاملي بقوله: "كان فاضلاً عالماً ماهراً حكيماً متكلّماً محدّثاً فقيهاً محقّقاً شاعراً أديباً حسن التصانيف..."(15).
(وفاته ومحل دفنه)
توفّي في مدينة كاشان سنة (1091هـ.ق.) وهو ابن أربع وثمانين عاماً ودفن فيها، وقبره هناك مشهور يقصده العلماء والعارفون.
1- أي السفر المتعارف وهو الانتقال من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد.
2- وهو للخواجة أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري، وعليه شروح عديدة من أشهرها شرح منازل السائرين لكمال الدين عبد الرزاق القاساني (الكاشاني)، وشرحه الآخر لعفيف الدين سليمان التلمساني.
3- صقله جلاه، فهو مصقول وصقيل وصيقل: شحاذ السيوف وجلائها.
4- في التوحيد للشيخ الصدوق ص 416 عن الإمام الصادق عليه السلام: "من عمل بما علم كفي ما لم يعلم".
5- المجلسي، بحار الأنوار، ج 1، ص 79.
6- الكليني، الكافي ج 1 ص 44.
7- ما بين الهلالين أثبتناه من الكافي.
8- الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام كما في الكافي للكليني ج 1 ص 43.
9- ورد في بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام للخوارج: "وخير الناس فيَّ حالاً النمط الأوسط، فالزموه والزموا السواد الأعظم فإنّ يد الله على الجماعة. وإيّاكم والفرقة فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب". أنظر نهج البلاغة الخطبة رقم 127.
10-لأردبيلي، جامع الرواة ج 2 ص 42.
11- الخوانساري، روضات الجنات ج 6 ص 79.
12- القمّي، الكنى والألقاب ج 3 ص 35.
13- الأميني، الغدير ج 11 ص 362.
14- مهر تابان ص 26.
15- الحرّ العاملي، أمل الآمل ج 2 ص 305.
تعليق