إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حياة زينب ع1

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حياة زينب ع1

    النسب الوضّاح

    ليس في دنيا الإسلام وغيره نسب أرفع ولا أسمى من نسب السيّدة زينب (سلام الله عليها) ؛ فقد تفرّعت من دوحة النبوّة والإمامة ، والتقت بها جميع أواصر الشرف والكرامة ، فهي فرع زاكٍ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن الإمام علي (عليه السّلام) ، وهما من أفضل ما خلق الله من بني الإنسان ، فتبارك هذا النسب الوضّاح , وتعالت تلك الاُسرة الكريمة التي أعزّ الله بها العرب والمسلمين ، وجعلها مصدر الوعي والإلهام للمسلمين على امتداد التأريخ .
    إنّ الاُسرة العلوية هي أسمى اُسرة عرفها التأريخ بجهادها ونضالها , وتبنّيها لحقوق الإنسان وقضايا مصيره ، ومقاومتها للظلم والطغيان ، فليس في اُمم العالم وشعوب الأرض مثل اُسرة العلويِّين في دفاعهم عن حقوق المظلومين والمضطهدين ، وقد استشهد المئات منهم من أجل حرية الإنسان وكرامته .
    وعلى أيّ حال ، فهذه لمحة موجزة عن الاُصول الكريمة التي تفرّعت منها سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) .
    الجدّ

    أمّا جدّ السيّدة زينب فهو سيّد الكائنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، الذي فجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض ، وأسس معالم الحضارة والتطوّر ، وبنى مجتمعاً كريماً تسوده
    الصفحة (20)

    العدالة والقانون ، وسحق خرافات الجاهليّة وعاداتها , ودمّر أصنامها وأوثانها ، ودعا إلى توحيد الله خالق الكون وواهب الحياة ، وجاء بالخير العميم لاُمّته ، ولكلّ ما تسمو به من التقاليد والعادات ، فما أعظم عائدته عليها وعلى البشرية جمعاء !

    لقد أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين ، ومنار هداية لخلقه أجمعين ، فكان (صلوات الله عليه) كما قال الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )(1) . فهو رحمة للناس جميعاً على اختلاف ألسنتهم وألوانهم ، حريص على هدايتهم وإسعادهم ، قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )(2) .
    لقد تشرّفت الإنسانيّة برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأشرقت الدنيا بدعوته ، وتوطّدت أركان العدالة بدينه ، فهو (صلّى الله عليه وآله) القائد الملهم لقضايا الفكر والوعي في الأرض .
    هذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ونبي الرحمة جدّ سيّدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وقد ورثت منه خصائصه ومميزاته ، والتي منها الدفاع عن الحقّ ، ورفع كلمة الله عالية في الأرض .
    الجدّة

    أمّا جدّة السيّدة زينب فهي اُمّ المؤمنين وسيّدة نساء النبي (صلّى الله عليه وآله) خديجة الكبرى التي نصرت الإسلام في أيام محنته وغربته ، وجاهدت في سبيل الله كأعظم ما يكون الجهاد ، وقد بذلت جميع ما تملكه في نصرة الإسلام ، وكانت من أثرى قريش ، فلم تعد بعد ثرائها العريض تملك ما تجلس عليه سوى حصير بال ، فكانت (رضوان الله عليها) من أهم الدعائم لإقامة دين الإسلام ، وهي التي أمدّت النبي (صلّى الله عليه وآله) ومَنْ كان
    ـــــــــــــــــــ
    (1) سورة الأنبياء / 107 .
    (2) سورة التوبة / 128 .
    الصفحة (21)

    معه طوال المدّة التي اعتقلتهم فيها طغاة قريش في (الشِّعب) ، وكانت تهوّن على النبي (صلّى الله عليه وآله) المصاعب والمصائب التي كان يعانيها من جهّال قريش وأوغادها .

    وكان النبي (صلّى الله عليه وآله) يشكر أياديها البيضاء ، وما أسدته عليه من عظيم اللطف والفضل ؛ فكان يذكرها دوماً بعد وفاتها ويترحّم عليها ، وكان إذا ذبح شاة بعث بأطيب ما فيها إلى صديقاتها ؛ وفاءً لها .

    وكانت عائشة يثقل عليها ذلك ، فكانت تندّد بها وتقول لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) : ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيراً منها ؟! فيردّ النبي (صلّى الله عليه وآله) ويقول : (( ما أبدلني الله خيراً منها ؛ آمنت بي حين كفر بي الناس ، وواستني بمالها حين حرمني الناس ، ورُزقتُ منها الولد وقد حُرمته من غيرها )) .

    لقد رزقه الله منها سيّدة نساء العالمين الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) التي هي نفحة من روح الله تعالى . إنّ السيّدة خديجة أسمى امرأة مجاهدة في الإسلام , هي جدّة الصدّيقة زينب (عليها السّلام) .

    وقد ورثت صفات جدّتها التي منها الاندفاع في نصرة الحقّ , والذبّ عن المثل العليا ، وقد ظهرت هذه الصفات بوضوح عند العقيلة ؛ فقد وقفت إلى جانب أخيها الإمام الحسين (عليه السّلام) , فهي شريكته في نهضته وجهاده ، وهي التي أمدّت ثورته الجبّارة الخالدة بعناصر البقاء والخلود .
    الاُمّ

    أمّا اُمّ السيدة زينب فهي البتول الطاهرة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ، سيّدة نساء العالمين في فضلها وعفّتها وطهارتها من الزيغ والرجس ، وهي بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته , وأعزّ أبنائه وبناته عنده .

    وبلغ من عظيم حبّه لها أنّه إذا سافر جعلها آخر مَنْ يودّعها ؛ لتكون صورتها ماثلة أمامه ، كما أنّه إذا قدِم من سفره كان أوّل مَنْ يستقبلها(1) ؛ وذلك لسموّ مكانتها وعظيم شأنها .

    وقد عنى بها عناية بالغة , فغذّاها
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) مسند أحمد بن حنبل 5 / 275 ، مستدرك الصحيحين 3 / 156 ، سنن البيهقي 1 / 26 .
    الصفحة (22)

    بمكرماته ، وأفاض عليها أشعة من روحه التي ملأ سناها الكون ، وغرس في نفسها عناصر حكمته وفضائله ، فكانت صورة تحكيه ومثالاً صادقاً عنه ، ويقول الرواة : إنّها كانت من أشبه الناس به هدياً وحديثاً ومنطقاً(1) .
    وكانت فيما أجمع عليه الرواة من أشفق الناس وأخلصهم لأبيها وأبرّهم به ؛ فإذا رأته متأثراً أو حزيناً ذابت أسى وموجدة .

    ومن أمثلة ذلك ما رواه أبو نعيم بسنده عن أبي ثعلبة ، قال : قَدِم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غزاة له المسجد , فصلّى فيه ركعتين ـ وكان يعجبه إذا قَدِم أن يدخل المسجد فيصلّي فيه ركعتين ـ ثمّ خرج فأتى فاطمة (عليها السّلام) , فبدأ بها قبل بيوت أزواجه , فجعلت تقبّل وجهه وعينيه وتبكي ، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( ما يبكيك ؟ )) .

    قالت : (( أراك قد شحب لونك )) .

    فقال لها : (( يا فاطمة ، إنّ الله عزّ وجلّ بعث أباك بأمر لم يبقَ على ظهر الأرض مدر ولا شعر إلاّ أدخله به عزّاً أو ذلاً(2) ، حيث سطع الليل ))(3) .
    تكريم وتعظيم

    وأحاط النبي (صلّى الله عليه وآله) بضعته الطاهرة بهالة من التقديس والتكريم ؛ إظهاراً لعظيم شأنها ، وسموّ مكانتها عند الله تعالى وعنده ، وقد نقل الرواة عنه كوكبة من الأحاديث في ذلك , كان منها ما يلي :
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) صحيح الترمذي 2 / 319 رواه بسنده عن عائشة ، ورواه الحاكم في مستدرك الصحيحين بسنده عنها 3 / 154 ، ورواه البخاري في الأدب المفرد / 141 ، ورواه أبو عمرو في الاستيعاب 2 / 751 .
    (2) معنى الحديث أنّ البيوت التي دخلها العزّ هي التي آمنت بالإسلام ، وأمّا البيوت التي دخلها الذلّ فهي التي لم تؤمن بالإسلام وبقيت على كفرها وضلالها .
    (3) حلية الأولياء 2 / 30 ، كنز العمّال 1 / 77 ، مجمع الزوائد 8 / 262 .

    الصفحة (23)
    1 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا فاطمة ، إنّ الله عزّ وجلّ يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك ))(1) .
    2 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لفاطمة : (( إنّ الربّ يغضب لغضبك ، ويرضى لرضاك ))(2) .
    3 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( يا فاطمة ، إنّ الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك ))(3) .
    ومعنى هذه الأحاديث التي تقاربت في مؤدّاها أنّ لسيّدة النساء (سلام الله عليها) منزلة سامية عند الله ؛ فقد أناط رضاه برضاها ، وأناط غضبه بغضبها ، وهذه أسمى وأرفع منزلة يصل إليها القدّيسون من عباد الله . لقد انتهت سيّدة النساء إلى هذه المكانة عند الله تعالى ؛ وذلك لِما تتمتّع به من طاقات هائلة من الإيمان والتقوى حتّى كان ذلك من عناصرها ومقوماتها .
    4 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( فاطمة بضعة منّي ، فمَنْ أغضبها أغضبني ))(4) .
    5 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما آذاها ، ويصيبني ما أصابها ))(5) .
    6 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( فاطمة بعضة منّي ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما
    ـــــــــــــــــــــــ
    (1) ذخائر العقبى / 39 ، ومثله رواه الحاكم في مستدرك الصحيحين وعلّق عليه : ( هذا حديث صحيح الإسناد ) كما جاء في اُسد الغابة 5 / 522 ، الإصابة 8 / 159 .
    (2) ميزان الاعتدال ـ الذهبي 2 / 72 .
    (3) كنز العمال 6 / 219 .
    (4) صحيح البخاري ـ كتاب بدء الخلق في باب مناقب قرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) 3 / 1361 ، ح 3510 ، ط 5 .
    (5) صحيح الترمذي 2 / 319 ، مسند أحمد بن حنبل 4 / 5 .
    الصفحة (24)

    آذاها ))(1) .
    7 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : (( إنّ فاطمة شجن منّي ، يبسطني ما يبسطها ، ويقبضني ما يقبضها ))(2) .
    وحكت هذه الأحاديث بصورة واضحة أنّ مَنْ يخدش عاطفة الزهراء (عليها السّلام) ، أو يُسيء إليها بأيّ لون من ألوان الإساءة فقد واجه أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بذلك ؛ لأنّها كنفسه ، وأنّها بمقتضى هذه الأحاديث نسخة لا ثاني لها في فضائلها ومواهبها .
    8 ـ روت عائشة أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال في مرضه الذي توفّي فيه لفاطمة (عليها السّلام) : (( يا فاطمة ، ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين ، وسيدة نساء هذه الاُمّة ، وسيّدة نساء المؤمنين ؟ ))(3) .
    9 ـ روى عمران بن حصين أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( ألا تنطلق بنا نعود فاطمة ؛ فإنّها تشتكي ؟ )) .

    فقلت : بلى . فانطلقنا حتّى إذا انتهينا إلى بابها فسلّم واستأذن ، فقال : (( أدخل أنا ومَنْ معي ؟ )) .

    قالت : (( نعم . ومَنْ معك يا أبتاه , فوالله ما عليّ إلاّ عباءة ؟ )) .

    فقال : (( اصنعي بها كذا )) . فعلّمها كيف تستتر ، فقالت : (( والله ما على رأسي من خمار )) . فأخذ ملاءة كانت عليه فقال : (( اختمري بها )) .

    ثمّ أذنت لهما فدخلا ، فقال : (( كيف تجدينك يا بُنيّة ؟ )) . قالت : (( إنّي لوجعة ، وإنّه ليزيدني أنّه ما لي طعام آكله )) .

    قال : (( يا بُنيّة ، أما ترضين إنّك سيدة نساء العالمين ؟ )) .

    قالت : (( يا أبتِ ، فأين مريم ابنة عمران ؟ )) .

    قال : (( تلك سيدة نساء عالمها ، وأنت سيّدة نساء العالمين . أما والله زوّجتك سيّداً في الدنيا والآخرة ))(4) .
    ــــــــــــــــــــــــ
    (1) صحيح الترمذي 2 / 319 . صحيح مسلم .
    (2) كنز العمّال 6 / 219 . مستدرك الصحيحين 3 / 154 .
    (3) مستدرك الصحيحين 3 / 156 .
    (4) حلية الأولياء 2 / 42 . مشكل الآثار 1 / 50 . ذخائر العقبى / 43 .
    الصفحة (25)

    10 ـ روى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال لفاطمة (سلام الله عليها) : (( ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة ، وابنيك سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ ))(1) .
    11 ـ روى أنس بن مالك أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : (( خير نساء العالمين أربع ؛ مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) ))(2) .
    وكثير من أمثال هذه الروايات دُوّنت في الصحاح والسنن وغيرهما , وهي تشيد بفضل سيّدة النساء ، وأنّ الله تعالى قد قلّدها أسمى أوسمة الشرف ، وفضّلها على جميع نساء العالمين .
    وهذه البتول سيّدة نساء العالمين هي اُمّ السيّدة زينب (سلام الله عليها) ، وهي التي تولّت تربيتها ونشأتها ؛ فغذّتها بمعارف الإسلام وحكمه وآدابه ، وغرست في أعماق نفسها الإيمان بالله والانقطاع إليه حتّى صار ذلك من مقوّماتها وذاتياتها ، فكانت نسخة لا ثاني لها في فضائلها وصفاتها ، فلم يُرَ مثلها في نساء المسلمين وغيرهم في كمالها وآدابها وسائر نزعاتها .
    الأب

    أمّا أبو الصدّيقة الطاهرة زينب (عليها السّلام) فهو الإمام أمير المؤمنين , رائد الحكمة والعدالة في الإسلام ، أخو النبي (صلّى الله عليه وآله) , وباب مدينة علمه ، ومَن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، وهو ـ فيما أجمع عليه الرواة ـ أوّل مَنْ آمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله) , واعتنق مبادئه
    ـــــــــــــــــــــــ
    (1) كنز العمّال 7 / 111 .
    (2) تفسير ابن جرير 3 / 180 .
    الصفحة (26)
    وأهدافه ، وقام إلى جانبه قوّة ضاربة يحمي دعوته ويصون رسالته , ويخمد بسيفه نار الحروب التي أشعلتها قريش لتطفئ نور الله , وتقضي على الإسلام في مهده ، فوهب (سلام الله عليه) روحه لله تعالى ، فحصد ببتّاره رؤوس الطغاة من القرشيّين وأنصارهم المشركين .
    لقد كان الإمام أبرز بطل في جيوش المسلمين نازل ببسالة وصمود قوى الكفر والإلحاد ، وأنزل بها الخسائر حتّى فُلّت وشُلّت جميع فعاليتها العسكرية , وباءت بالهزيمة والخسران . ولولا جهاد الإمام وكفاحه لما قام الإسلام على سوقه عبل الذراع , مفتول الساعد ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين !
    وكان من عظيم إيمان الإمام ونصرته للإسلام مبيته على فراش النبي (صلّى الله عليه وآله) ووقايته له بنفسه حينما أجمعت قريش على قتله ، وكانت هذه المواساة الرائعة أعظم نصر للإسلام ؛ فقد نجا النبي (صلّى الله عليه وآله) من أقسى مؤامرة دُبّرت لاغتياله ، فقد فشلت وأنقذ الله تعالى نبيّه من تلك الوحوش الكاسرة التي أرادت أن تطفئ نور الإسلام وتعيد الظلام للأرض .
    لقد صحب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) منذ نعومة أظفاره النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتخلّق بطباعه وأفكاره ، وتغذّى بحِكَمه وعلومه ، فكان باب مدينة علمه ، وقد أثرت عنه من العلوم ما يبهر العقول .

    يقول العقاد : إنّه فتح ما يربو على ثلاثين علماً لم تكن معروفة قبله ؛ كعلم الكلام والفلسفة والقضاء والحساب وغيرها ، وهو القائل : (( سلوني قبل أن تفقدوني )) . ولم يفه أحدٌ بمثل هذه الكلمة غيره .

    وقد أخبر عن علمه وإحاطته بأسرار الكون والفضاء ، فقال : (( سلوني عن طرق السماء , فإنّي أعرف بها من طرق الأرض )) . كما تحدّث عن درايته بما احتوت عليه الكتب السماويّة من أحكام قائلاً : (( لو ثُنيت لي الوسادة لأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وأهل الزبور بزبورهم ، وأهل الفرقان بفرقانهم ،
    الصفحة (27)

    وأهل القرآن بقرآنهم )) .

    لقد كان الإمام (عليه السّلام) أعظم عملاق في الميادين العلميّة عرفته الإنسانيّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ويدلّ على طاقاته العلميّة الهائلة كتابه نهج البلاغة الذي هو من أعظم ما تملكه الإنسانيّة من تراثٍ بعد القرآن الكريم .
    ومن مظاهر شخصيّة الإمام (عليه السّلام) زهده في الدنيا وعدم احتفائه بأيّ زينةٍ من زينة الحياة ، فقد تقلّد الحكم وتشرفت الدولة الإسلاميّة بقيادته ، فزهد في جميع مظاهر السلطة ، وجعل الحكم وسيلة لإقامة الحقّ والعدل ونشر المساواة بين الناس ، ولم يستخدم السلطة لتنفيذ رغباته والظفر بالثراء العريض .

    ومن المقطوع به إنّه ليس في تأريخ الشرق العربي وغيره حاكم كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد عنى بالصالح العام ، وتجرّد عن كلّ منفعة شخصية له ، وهو القائل لابن عباس ، وكان يصلح نعله الذي هو من ليف : (( يابن عباس ، ما قيمة هذا النعل ؟ )) .
    [ قال ابن عباس : ] لا قيمة له يا أمير المؤمنين .
    [ فقال الإمام (عليه السّلام) ] : (( والله , لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلاّ أن اُقيم حقّاً ، أو أدفع باطلاً )) .
    لقد تبنّى العدل الخالص والحقّ المحض في جميع مراحل حكمه ؛ فالقريب والبعيد عنده سواء ، والقوي عنده ضعيف حتّى يأخذ منه الحقّ ، والضعيف عنده قوي حتّى يأخذ له بحقّه . وقد أوجد في أيام خلافته وعياً سياسياً أصيلاً وهو التمرّد على الظلم , ومقارعة الجبابرة والطغاة .

    وكان أبرز مَنْ تغذّى بهذا الوعي ولده أبو الأحرار الإمام الحسين (عليه السّلام) , وبطلة الإسلام ابنته سيدة النساء زينب (عليها السّلام) ، وكوكبة من مشاهير أصحابه ؛ كحجر بن عدي , وعمرو بن الحمق الخزاعي , وميثم التمّار , وغيرهم من بُناة المجد الإسلامي الذين ثاروا على الظالمين .
    وعلى أي حال ، فهذا العملاق العظيم هو أبو الصدّيقة الطاهرة زينب (عليها السّلام) ، فقد غذّاها بمثله ومكوّناته النفسية ، وأفرغ عليها أشعة من روحه الثائرة على الظلم

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين

    لما ولدت السيدة زينب ( عليها السلام ) أخبر النبي الكريم بذلك ، فأتى منزل إبنته فاطمة ، وقال : يا بنية إيتيني ببنتك المولودة.
    فلما أحضرتها أخذها النبي وضمها إلى صدره الشريف ، ووضع خده على خدها فبكى بكاءً شديداً عالياً ، وسالت دموعه على خديه.
    فقالت فاطمة : مم بكاؤك ، لا أبكى الله عينك يا أبتاه ؟
    فقال : يا بنتاه يا فاطمة ، إن هذه البنت ستبلى ببلايا وترد عليها مصائب شتى ، ورزايا أدهى.
    يا بضعتي وقرة عيني ، إن من بكى عليها ، وعلى مصائبها يكون ثوابه كثواب من بكى على أخويها.
    ثم سماها زينب.

    sigpic

    تعليق

    يعمل...
    X