وقال : ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) .
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ، ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي ؟ أم تقولون : إنّ أهل ملّتَين لا يتوارثان ، أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي ؟ )) .
وبعدما أدلت بهذه الحجج الدامغة المدعمة بآيات من القرآن الكريم التي فنّدت فيها مزاعم أبي بكر من أنّ الأنبياء لا يورثون ، التفتت إليه , فوجّهت إليه هذه الكلمات اللاذعة قائلةً : (( فدونكها مرحولةً مزمومةً تكون معك في قبرك ، وتلقاك يوم حشرك ، فنِعمَ الحَكَم الله ، ونِعمَ الزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، و( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ، ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) )) .
ثمّ اتّجهت نحو فتيان المسلمين تستنهض هممهم ، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقّها والثورة على الحكم القائم ، قائلة : (( يا معشر النقيبة ، وأعضاد الملّة ، وحضنة الإسلام ، ما هذه الغَميزة في حقّي والسِنَة عن ظُلامتي ؟ أما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : المرء يُحفظ في وُلده ؟ لَسرعان ما أحدثتم , وعجلان ذا إهالةً !
أتقولون : مات محمّد ؟ لعمري ، خطب جليل استوسع وهيُه ، واستنهر فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، واكتأبت خيرة الله لمصيبته ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، واُضيع الحريم ،
الصفحة (99)
وأُزيلت الحرمة ، فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في أفنيتكم ، ممساكم ومصبحكم ، هتافاً هتافاً : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) )) .
وأخذت سيّدة النساء تحفّز الأنصار ، وتذكّرهم بجهادهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية مبادئه وأهدافه وكفاحهم لأعدائه القرشيّين ، طالبة منهم الثورة ضدّ الحكم القائم وإرجاع الحقّ إلى عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائلة : (( إيهاً بني قيلة(1) ! أأُهضَم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع , ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الخُبرة ، وأنتم ذوو العُدّة والعدد , والأداة والقوّة ، وعندكم السلاح والجُنّة(2) , تُوافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تُغيثون , وأنتم موصوفون بالكِفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنُخبة التي انتُخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت ؟!
قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتعب ، وناطحتم الأمم ، وكافحتم البُهم ، فلا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حَلَب الأيّام ، وخضعت نُعرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى جرتم(3) بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ؟!
ـــــــــــــــــــــ
(1) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج من الأنصار .
(2) الجنّة (بالضم) : ما يستتر به من السّلاح .
(3) جرتم : أي ملتم .
الصفحة (100)
بؤساً لقوم ( نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين ) )) .
ولمّا رأت وهن الأنصار وتخاذلهم عن إجابة الحقّ ، وجّهت لهم أعنف القول , وأشدّ العتب والتقريع , قائلة لهم : (( ألا وقد قلتُ ما قلتُ , هذا على معرفة منّي بالجذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ، وبثّة الصدر ، ونفثة الغيظ ، وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله ، وشنار الأبد ، موصولة بـ ( نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) , عين الله ما تفعلون , ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .
وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فـ ( اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) ))(1) .
وهذا أروع خطاب ثوري عرفه التأريخ الإسلامي ؛ فقد وضعت فيه مفخرة الإسلام النقاط على الحروف ، ووضعت المسلمين أمام الأمر الواقع ، وكشفت لهم عمّا سيواجهونه من الويلات والكوارث والأزمات من جراء تخاذلهم عن نصرة الإسلام أمام هذه المحنة الحازبة .
وقد وجلت القلوب وخشعت الأبصار ، وأوشكت الثورة أن تحدث على أبي بكر ويُقصى عن منصبه إلاّ أنّه سيطر على الموقف بلباقة مذهلة فقد قابل بضعة الرسول بكلّ حفاوة وتكريم ، وتصاغر أمامها ، وأظهر لها أنّه لم يتقلّد منصب الحكم ، ولم يتّخذ معها الإجراءات القاسية
ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام النساء 3 / 208 ، بلاغات النساء / 12 ـ 19 .
الصفحة (101)
عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين واتّفاقهم .
متى ولا نعلم أنّه حتّى استشار أحداً في تقمّصه للخلافة ، ومصادرته لتركة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتأميمه لفدك وغيرها ؛ مما أوجب التضييق الاقتصادي على العترة الطاهرة ؟!
وعلى أي حال ، فقد حفظت السيّدة زينب وهي في عهد الصبا هذا الخطاب الخالد ، وهي إحدى رواته ، وكان ذلك آية في نبوغها فقد روته بحرفيته ، وكانت مع اُمّها حينما أدلت بهذا الخطاب الذي هو أحد الركائز المهمّة في مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وقد رجعت معها وهي تجرّ أذيال الخيبة ، قد مزّق الأسى فؤادها ؛ فلم يرع أبو بكر مكانتها ، ولم يستجب المسلمون لمطالبها ، وقد استولت عليها الآلام والهموم على ما تُمنى به الاُمّة من الكوارث والأزمات من جراء إقصاء أهل البيت (عليهم السّلام) عن القيادة العامة للعالم الإسلامي .
اعتذار مرفوض
وجهد أبو بكر وعمر على إرضاء زهراء الرسول وتطييب خاطرها على ما اقترفاه في حقّها ، فاستأذنا بالدخول عليها فأبت أن تأذن لهما ، وعرضا على الإمام (عليه السّلام) رغبتهما الملحّة في مقابلة سيّدة النساء ، فانطلق الإمام نحو الصدّيقة والتمس منها إجابتهما ، فسمحت لهما بالدخول ، فلمّا مثلا عندها أشاحت بوجهها عنهما ، وقدّما إليها اعتذارهما ، فقالت : (( أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعرفانه وتعملان به ؟ )) .
فأجابا : نعم .
فقالت : (( نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمَنْ أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومَنْ أرضىالصفحة (102)
فاطمة فقد أرضاني ، ومَنْ أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ )) .
فقالا : نعم ، سمعناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
فانبرت حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهي مغيظة محنقة , فخاطبت أبا بكر وشاركت معه صاحبه قائلة : (( إنّي اُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه )) .
وفزع أبو بكر وقال رافعاً عقيرته : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة . ووجّهت إليه أعنف القول قائلة : (( والله ، لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة اُصليها ))(1) .
وخرج أبو بكر ولم يظفر برضا زهراء الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان ذلك من أعظم الصدمات التي واجهها في أيام حكومته . ومن الطبيعي أنّ عقيلة بني هاشم قد شاركت اُمّها البتول في سخطها على أبي بكر ، وعدم رضائها عنه .
مآسي البتول (عليها السّلام)
وطافت موجات قاسية من الآلام والأحزان ببضعة الرسول ووديعته ؛ فقد استغرق الأسى قلبها الرقيق المعذّب , وغشيتها سُحب قاتمة من اللوعة والحزن على فقد أبيها الذي كان عندها أعزّ من الحياة ، وكانت تزور بلهفة جسده الطاهر , فتطوف حوله
ـــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1 / 14 ، الطبعة الأولى .
وهي ذاهلة اللبّ , منهدّة الكيان , فتلقي بنفسها عليه ، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ، وهي تبكي أمرّ البكاء وأقساه ، وتقول :
مـاذا عـلى مَن شمّ تربةَ أحمدٍ أن لا يـشمَ مدى الزمانِ غواليا
صُـبّت عـليّ مصائبٌ لو أنّها صُـبّت على الأيام صرنَ لياليا
قل للمغيّبِ تحتَ أطباقِ الثرى إن كنتَ تسمعُ صرختي و ندائيا
قـد كنتُ ذات حمى بظلِ محمّدٍ لا أخـتشي ضيماً و كانَ جماليا
فـاليوم أخـضعُ للذليلِ وأتّقى ضـيمي وأدفـعُ ظالمي بردائيا
فـإذا بـكت قـمريةٌ في ليلها شجناً على غصنٍ بكيتُ صباحيا
فـلأجعلنَّ الحزنَ بعدكَ مؤنسي ولأجعلنّ الدمعَ فيك وشاحيا(1)
وحكت هذه الأبيات ما عانته زهراء الرسول من لوعة وشجون على فراق أبيها الذي استوعب حبّه عواطفها ومشاعرها ، وقد بلغ من عظيم حزنها عليه أنّه لو صبّت مصائبها على الأيام لخلعت ضياءها ولبست السواد القاتم .
كما صوّرت هذه الأبيات الرقيقة مدى عزّتها وعظيم مكانتها في أيام أبيها سيّد الكائنات ؛ فقد كانت من أعزّ وأمنع نساء المسلمين ، ولكنّها بعد فقد أبيها تنكّر لها أصحابه ، وأجمعوا على هضمها والغضّ من شأنها حتّى صارت تخضع للذليل ، وتتّقي الظالمين لها بردائها ، إذ ليس عندها قوّة تحميها ولم تكن تأوي إلى ركن شديد .
وقد خلدت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ووديعته إلى الأسى والحزن ، وقد وجدت في البكاء راحة نفسية لها ، وبلغ من عظيم وجدها على أبيها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصاب أبيها ، وكان ممّن وسّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مثواه الأخير ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) مناقب ابن شهرآشوب 2 / 131 .
الصفحة (104)
فقالت له : (( هذا أنس بن مالك ؟ )) .
ـ نعم يا بنت رسول الله .
فانبرت وهي تلفظ قطعاً من قلبها المذاب قائلة : (( كيف طابت نفوسكم أن تحثّوا التراب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! ))(1) .
وغرق أنس في البكاء ، وانصرف وقد نخب الأسى فؤاده .
وبلغ من عظيم حزن الصدّيقة على أبيها أنّها كانت تُطالب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن يريها القميص الذي غُسّل فيه أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإذا جاء به إليها تأخذه بلهفة وتوسعه تقبيلاً وشمّاً ؛ لأنّها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه . وخلدت زهراء الرسول إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل ، وظلّ شبح أبيها يطاردها في كلّ فترة من حياتها القصيرة الأمد .
وكانت ابنتها الصدّيقة الطاهرة زينب في حزن بهيم , تنظر إلى اُمّها وقد أشرفت على الموت من كثرة البكاء على أبيها , فكانت تشاركها في أحزانها وآلامها ولوعتها .
وثقل على أتباع أبي بكر بكاء الصدّيقة على أبيها , فشكوا ذلك إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وطلبوا منه أن يجعل لبكائها وقتاً خاصاً ، فعرض الإمام عليها ذلك فأجابته ؛ فكانت في نهارها تمضي إلى خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين وزينب (عليهم السّلام) , فتجلس تحت شجرة من الأراك ، وتأخذ باللوعة والبكاء على أبيها طيلة النهار , فإذا أوشكت الشمس أن تغرب قفلت مع أبنائها إلى الدار .
وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقلعوها , فكانت تبكي في حرّ الشمس ، فسارع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبنى لها بيتاً سمّاه (بيت الأحزان) ، وظل هذا البيت رمزاً لأساها وغضبها على القوم على مرّ العصور .
ويقول الرواة : إنّ الإمام قائم آل محمّد (عجّل الله تعالى فرجه) قال
ـــــــــــــــــــــ
(1) سنن ابن ماجة / 18 ، المواهب اللدنية 2 / 381 .
الصفحة (105)
في هذا البيت :
أم تـراني اتخذت لا وعُلاها بعد بيت الأحزانِ بيتَ سرورِ
وكانت بضعة رسول الله وحبيبته مع أطفالها يمكثون طيلة النهار في ذلك البيت الحزين ، وهي تناجي أباها وتندبه وتبكيه ، فإذا جاء الليل أقبل الإمام (عليه السّلام) فأرجعها مع أطفالها إلى الدار .
واستولى الحزن على بضعة الرسول وذاب جسمها ، وقد فتكت بها الأمراض فلازمت فراشها ، ولم تتمكّن من النهوض والقيام ، وكانت ابنتها العقيلة إلى جانبها تقوم بخدماتها ورعايتها ، وبادرت السيّدات من نساء المسلمين إلى عيادتها , فقلن لها : كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله ؟
فرمقتهنَّ بطرفها , وأجابتهنَّ بصوتٍ خافت مشفوع بالأسى والحسرات قائلة : (( أجدني كارهة لدنياكنَّ ، مسرورة لفراقكنَّ ، ألقى الله ورسوله بحسرات ، فما حُفِظ لي الحق ، ولا رُعيت منّي الذمّة ، ولا قُبلت الوصية ، ولا عُرِفت الحرمة ))(1) .
أجل ، لم يُحفظ حقّها ، ولم تُرعَ ذمّتها ؛ فقد أصرّ القوم على هضمها والتنكّر لها ، وانصرفن النسوة وقد غامت عيونهنَّ بالدموع ، وعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول وغضبها عليهم ، وقد عرفوا مدى تقصيرهم في حقّها .
وهرعت بعض اُمّهات المؤمنين إلى عيادتها , فقلنَ لها : يا بنت رسول الله ، صيّري لنا في حضور غسلك حظّاً(2) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 95 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 27 .
الصفحة (106)
فلم تجبهنَّ إلى ذلك ، وقالت : (( لا حاجة لي في حضوركنَّ )) .
إلى جنة المأوى
وذوت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما تذوي الأزهار ، ومشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ الإهاب ، وبدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة التي استهانت بها ، وطلبت حضور ابن عمّها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فعهدت إليه بوصيتها ، وأهم ما فيها :
1 ـ أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم .
2 ـ أن لا يحضر جنازتها أحد من الذين هضموها وظلموها ؛ فإنّهم أعداؤها وأعداء أبيها على حدّ تعبيرها .
3 ـ أن يعفي موضع قبرها ويخفيه ؛ ليكون رمزاً لغضبها على القوم , غير قابل للتأويل والتصحيح على ممر الأجيال الصاعدة .
وضمن لها الإمام جميع ما عهدت به إليه ، وانصرف عنها وهو غارق في الأسى والشجون .
وطلبت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أسماء بنت عميس أن يُصنع لها سرير يواري جسدها الطاهر ؛ فقد كانت العادة بوضع الأموات على لوحة تبدو فيها أجسامهم ، وكرهت ذلك سيّدة النساء ، فعملت لها أسماء سريراً يُستر مَنْ فيه , كانت قد رأته حينما كانت في الحبشة .
فلمّا نظرت إليه ابتسمت , وهي أوّل ابتسامة شوهدت لها منذ أن لحق أبوها بالرفيق الأعلى(1) .
وفي آخر يوم من حياة الصدّيقة أصبحت وقد ظهر عليها بعض التحسّن ، وبدا عليها الفرح والسرور ؛ فقد علمت أنّ هذا اليوم هو خاتمة حياتها ، وفيه تلتحق بأبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة ، وعمدت الصدّيقة إلى أطفالها فغسلتهم ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الحاكم 3 / 162 .
الصفحة (107)
وصنعت لهم من الطعام ما يكفيهم يومهم ، ثمّ أمرت ولديها الحسن والحسين (عليهما السّلام) أن يخرجا لزيارة قبر جدّهما ولا يشاهدا وفاتها ، وألقت عليهما وعلى بنتها زينب نظرة الوداع , وقلبها الزاكي يذوب ألماً وحزناً ، وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات من الهواجس , وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان .
والتفتت وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أسماء بنت عميس ، وكانت تتولّى تمريضها وخدمتها ، فقالت لها : (( يا اُمّاه )) .
ـ نعم يا حبيبة رسول الله .
ـ (( اسكبي لي غسلاً )) .
فسارعت أسماء وأتتها بالماء , فاغتسلت فيه ، وقالت لها : (( ايتيني بثيابي الجدد )) . فأحضرتها لها ، وقالت لها : (( اجعلي فراشي في وسط البيت )) .
وذعرت أسماء ، وعلمت أنّ الموت قد دنا من وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وصنعت لها ما أرادت , فاضطجعت في فراشها ، واستقبلت القبلة , ونادت أسماء قائلة بصوت خافت : (( يا اُمّاه ، إنّي مقبوضة الآن ، وقد تطهّرت فلا يكشفني أحد )) .
وأخذت تتلو آيات القرآن الكريم حتّى صعدت روحها الطاهرة إلى الله تحفّها ملائكة الرحمن ، ويستقبلها أبوها التي كرهت الحياة من بعده .
لقد سمت تلك الروح إلى جنان الخلد فأشرقت الآخرة بقدومها ، وأظلمت الأرض لفقدها ، فما أضلّت سماء الدنيا مثلها في قداستها وطهرها ، وقد انقطع بموتها آخر مَنْ كان في الدنيا من نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
الصفحة (108)
وكانت زينب إلى جانب اُمّها , وقد رأتها جثة هامدة قد انقطعت عنها الحياة , فذابت أسى ، وعجّت بالبكاء والعويل .
وقفل الحسنان (عليهما السّلام) من مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الدار فلم يجدا اُمّهما فيها , فبادرا يسألان أسماء قائلين : (( أين اُمّنا ؟ )) .
فأجابتهما , وهي غارقة في البكاء قائلة : يا سيّدي , إنّ اُمّكما قد ماتت , فأخبرا بذلك أباكما .
وكانت هذه المفاجأة كالصاعقة , فهرعا إلى جثمان اُمّهما ، فوقع عليها الحسن (عليه السّلام) وهو يقول : (( يا اُمّاه , كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني )) . وألقى الحسين (عليه السّلام) بنفسه عليها وهو يعجّ بالبكاء قائلاً : (( يا اُمّاه , أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي )) .
وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً , وتواسيهما بمصابهما الأليم ، وطلبت منهما أن يُخبرا أباهما بموت سيّدة النساء ، وسارعا نحو مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد علا صوتهما بالبكاء , فاستقبلهما المسلمون قائلين : ما يبكيكما يا بني رسول الله ، لعلّكما نظرتما قبر جدكما فبكيتما ؟
فأجابا : (( أوَ ليس قد ماتت اُمّنا فاطمة ! )) .
وهزّ النبأ المؤلم مشاعرهم ؛ فقد ندموا على تقصيرهم تجاه بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد ماتت وهي ساخطة عليهم ؛ لأنّهم لم يحفظوا مكانتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ولمّا علم الإمام (عليه السّلام) بموت الصدّيقة تصدّع قلبه , وودّ مفارقة الحياة ، ورفع صوته
وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ، ولا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي ؟ أم تقولون : إنّ أهل ملّتَين لا يتوارثان ، أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي ؟ )) .
وبعدما أدلت بهذه الحجج الدامغة المدعمة بآيات من القرآن الكريم التي فنّدت فيها مزاعم أبي بكر من أنّ الأنبياء لا يورثون ، التفتت إليه , فوجّهت إليه هذه الكلمات اللاذعة قائلةً : (( فدونكها مرحولةً مزمومةً تكون معك في قبرك ، وتلقاك يوم حشرك ، فنِعمَ الحَكَم الله ، ونِعمَ الزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، و( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ، ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) )) .
ثمّ اتّجهت نحو فتيان المسلمين تستنهض هممهم ، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقّها والثورة على الحكم القائم ، قائلة : (( يا معشر النقيبة ، وأعضاد الملّة ، وحضنة الإسلام ، ما هذه الغَميزة في حقّي والسِنَة عن ظُلامتي ؟ أما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : المرء يُحفظ في وُلده ؟ لَسرعان ما أحدثتم , وعجلان ذا إهالةً !
أتقولون : مات محمّد ؟ لعمري ، خطب جليل استوسع وهيُه ، واستنهر فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته ، واكتأبت خيرة الله لمصيبته ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال ، واُضيع الحريم ،
الصفحة (99)
وأُزيلت الحرمة ، فتلك نازلة أعلن بها كتاب الله في أفنيتكم ، ممساكم ومصبحكم ، هتافاً هتافاً : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) )) .
وأخذت سيّدة النساء تحفّز الأنصار ، وتذكّرهم بجهادهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية مبادئه وأهدافه وكفاحهم لأعدائه القرشيّين ، طالبة منهم الثورة ضدّ الحكم القائم وإرجاع الحقّ إلى عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائلة : (( إيهاً بني قيلة(1) ! أأُهضَم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع , ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الخُبرة ، وأنتم ذوو العُدّة والعدد , والأداة والقوّة ، وعندكم السلاح والجُنّة(2) , تُوافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تُغيثون , وأنتم موصوفون بالكِفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنُخبة التي انتُخبت ، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت ؟!
قاتلتم العرب ، وتحمّلتم الكدّ والتعب ، وناطحتم الأمم ، وكافحتم البُهم ، فلا نبرح أو تبرحون ، نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حَلَب الأيّام ، وخضعت نُعرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنّى جرتم(3) بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ؟!
ـــــــــــــــــــــ
(1) بنو قيلة : هم الأوس والخزرج من الأنصار .
(2) الجنّة (بالضم) : ما يستتر به من السّلاح .
(3) جرتم : أي ملتم .
الصفحة (100)
بؤساً لقوم ( نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين ) )) .
ولمّا رأت وهن الأنصار وتخاذلهم عن إجابة الحقّ ، وجّهت لهم أعنف القول , وأشدّ العتب والتقريع , قائلة لهم : (( ألا وقد قلتُ ما قلتُ , هذا على معرفة منّي بالجذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ، وبثّة الصدر ، ونفثة الغيظ ، وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب الله ، وشنار الأبد ، موصولة بـ ( نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) , عين الله ما تفعلون , ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) .
وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فـ ( اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) ))(1) .
وهذا أروع خطاب ثوري عرفه التأريخ الإسلامي ؛ فقد وضعت فيه مفخرة الإسلام النقاط على الحروف ، ووضعت المسلمين أمام الأمر الواقع ، وكشفت لهم عمّا سيواجهونه من الويلات والكوارث والأزمات من جراء تخاذلهم عن نصرة الإسلام أمام هذه المحنة الحازبة .
وقد وجلت القلوب وخشعت الأبصار ، وأوشكت الثورة أن تحدث على أبي بكر ويُقصى عن منصبه إلاّ أنّه سيطر على الموقف بلباقة مذهلة فقد قابل بضعة الرسول بكلّ حفاوة وتكريم ، وتصاغر أمامها ، وأظهر لها أنّه لم يتقلّد منصب الحكم ، ولم يتّخذ معها الإجراءات القاسية
ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام النساء 3 / 208 ، بلاغات النساء / 12 ـ 19 .
الصفحة (101)
عن رأيه الخاص ، وإنّما كان عن رأي المسلمين واتّفاقهم .
متى ولا نعلم أنّه حتّى استشار أحداً في تقمّصه للخلافة ، ومصادرته لتركة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتأميمه لفدك وغيرها ؛ مما أوجب التضييق الاقتصادي على العترة الطاهرة ؟!
وعلى أي حال ، فقد حفظت السيّدة زينب وهي في عهد الصبا هذا الخطاب الخالد ، وهي إحدى رواته ، وكان ذلك آية في نبوغها فقد روته بحرفيته ، وكانت مع اُمّها حينما أدلت بهذا الخطاب الذي هو أحد الركائز المهمّة في مذهب أهل البيت (عليهم السّلام) ، وقد رجعت معها وهي تجرّ أذيال الخيبة ، قد مزّق الأسى فؤادها ؛ فلم يرع أبو بكر مكانتها ، ولم يستجب المسلمون لمطالبها ، وقد استولت عليها الآلام والهموم على ما تُمنى به الاُمّة من الكوارث والأزمات من جراء إقصاء أهل البيت (عليهم السّلام) عن القيادة العامة للعالم الإسلامي .
اعتذار مرفوض
وجهد أبو بكر وعمر على إرضاء زهراء الرسول وتطييب خاطرها على ما اقترفاه في حقّها ، فاستأذنا بالدخول عليها فأبت أن تأذن لهما ، وعرضا على الإمام (عليه السّلام) رغبتهما الملحّة في مقابلة سيّدة النساء ، فانطلق الإمام نحو الصدّيقة والتمس منها إجابتهما ، فسمحت لهما بالدخول ، فلمّا مثلا عندها أشاحت بوجهها عنهما ، وقدّما إليها اعتذارهما ، فقالت : (( أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعرفانه وتعملان به ؟ )) .
فأجابا : نعم .
فقالت : (( نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمَنْ أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومَنْ أرضىالصفحة (102)
فاطمة فقد أرضاني ، ومَنْ أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟ )) .
فقالا : نعم ، سمعناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
فانبرت حبيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهي مغيظة محنقة , فخاطبت أبا بكر وشاركت معه صاحبه قائلة : (( إنّي اُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه )) .
وفزع أبو بكر وقال رافعاً عقيرته : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة . ووجّهت إليه أعنف القول قائلة : (( والله ، لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة اُصليها ))(1) .
وخرج أبو بكر ولم يظفر برضا زهراء الرسول (صلّى الله عليه وآله) , وكان ذلك من أعظم الصدمات التي واجهها في أيام حكومته . ومن الطبيعي أنّ عقيلة بني هاشم قد شاركت اُمّها البتول في سخطها على أبي بكر ، وعدم رضائها عنه .
مآسي البتول (عليها السّلام)
وطافت موجات قاسية من الآلام والأحزان ببضعة الرسول ووديعته ؛ فقد استغرق الأسى قلبها الرقيق المعذّب , وغشيتها سُحب قاتمة من اللوعة والحزن على فقد أبيها الذي كان عندها أعزّ من الحياة ، وكانت تزور بلهفة جسده الطاهر , فتطوف حوله
ـــــــــــــــــــــ
(1) الإمامة والسياسة 1 / 14 ، الطبعة الأولى .
وهي ذاهلة اللبّ , منهدّة الكيان , فتلقي بنفسها عليه ، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ، وهي تبكي أمرّ البكاء وأقساه ، وتقول :
مـاذا عـلى مَن شمّ تربةَ أحمدٍ أن لا يـشمَ مدى الزمانِ غواليا
صُـبّت عـليّ مصائبٌ لو أنّها صُـبّت على الأيام صرنَ لياليا
قل للمغيّبِ تحتَ أطباقِ الثرى إن كنتَ تسمعُ صرختي و ندائيا
قـد كنتُ ذات حمى بظلِ محمّدٍ لا أخـتشي ضيماً و كانَ جماليا
فـاليوم أخـضعُ للذليلِ وأتّقى ضـيمي وأدفـعُ ظالمي بردائيا
فـإذا بـكت قـمريةٌ في ليلها شجناً على غصنٍ بكيتُ صباحيا
فـلأجعلنَّ الحزنَ بعدكَ مؤنسي ولأجعلنّ الدمعَ فيك وشاحيا(1)
وحكت هذه الأبيات ما عانته زهراء الرسول من لوعة وشجون على فراق أبيها الذي استوعب حبّه عواطفها ومشاعرها ، وقد بلغ من عظيم حزنها عليه أنّه لو صبّت مصائبها على الأيام لخلعت ضياءها ولبست السواد القاتم .
كما صوّرت هذه الأبيات الرقيقة مدى عزّتها وعظيم مكانتها في أيام أبيها سيّد الكائنات ؛ فقد كانت من أعزّ وأمنع نساء المسلمين ، ولكنّها بعد فقد أبيها تنكّر لها أصحابه ، وأجمعوا على هضمها والغضّ من شأنها حتّى صارت تخضع للذليل ، وتتّقي الظالمين لها بردائها ، إذ ليس عندها قوّة تحميها ولم تكن تأوي إلى ركن شديد .
وقد خلدت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ووديعته إلى الأسى والحزن ، وقد وجدت في البكاء راحة نفسية لها ، وبلغ من عظيم وجدها على أبيها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصاب أبيها ، وكان ممّن وسّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مثواه الأخير ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) مناقب ابن شهرآشوب 2 / 131 .
الصفحة (104)
فقالت له : (( هذا أنس بن مالك ؟ )) .
ـ نعم يا بنت رسول الله .
فانبرت وهي تلفظ قطعاً من قلبها المذاب قائلة : (( كيف طابت نفوسكم أن تحثّوا التراب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟! ))(1) .
وغرق أنس في البكاء ، وانصرف وقد نخب الأسى فؤاده .
وبلغ من عظيم حزن الصدّيقة على أبيها أنّها كانت تُطالب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن يريها القميص الذي غُسّل فيه أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإذا جاء به إليها تأخذه بلهفة وتوسعه تقبيلاً وشمّاً ؛ لأنّها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه . وخلدت زهراء الرسول إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل ، وظلّ شبح أبيها يطاردها في كلّ فترة من حياتها القصيرة الأمد .
وكانت ابنتها الصدّيقة الطاهرة زينب في حزن بهيم , تنظر إلى اُمّها وقد أشرفت على الموت من كثرة البكاء على أبيها , فكانت تشاركها في أحزانها وآلامها ولوعتها .
وثقل على أتباع أبي بكر بكاء الصدّيقة على أبيها , فشكوا ذلك إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وطلبوا منه أن يجعل لبكائها وقتاً خاصاً ، فعرض الإمام عليها ذلك فأجابته ؛ فكانت في نهارها تمضي إلى خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين وزينب (عليهم السّلام) , فتجلس تحت شجرة من الأراك ، وتأخذ باللوعة والبكاء على أبيها طيلة النهار , فإذا أوشكت الشمس أن تغرب قفلت مع أبنائها إلى الدار .
وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقلعوها , فكانت تبكي في حرّ الشمس ، فسارع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبنى لها بيتاً سمّاه (بيت الأحزان) ، وظل هذا البيت رمزاً لأساها وغضبها على القوم على مرّ العصور .
ويقول الرواة : إنّ الإمام قائم آل محمّد (عجّل الله تعالى فرجه) قال
ـــــــــــــــــــــ
(1) سنن ابن ماجة / 18 ، المواهب اللدنية 2 / 381 .
الصفحة (105)
في هذا البيت :
أم تـراني اتخذت لا وعُلاها بعد بيت الأحزانِ بيتَ سرورِ
وكانت بضعة رسول الله وحبيبته مع أطفالها يمكثون طيلة النهار في ذلك البيت الحزين ، وهي تناجي أباها وتندبه وتبكيه ، فإذا جاء الليل أقبل الإمام (عليه السّلام) فأرجعها مع أطفالها إلى الدار .
واستولى الحزن على بضعة الرسول وذاب جسمها ، وقد فتكت بها الأمراض فلازمت فراشها ، ولم تتمكّن من النهوض والقيام ، وكانت ابنتها العقيلة إلى جانبها تقوم بخدماتها ورعايتها ، وبادرت السيّدات من نساء المسلمين إلى عيادتها , فقلن لها : كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله ؟
فرمقتهنَّ بطرفها , وأجابتهنَّ بصوتٍ خافت مشفوع بالأسى والحسرات قائلة : (( أجدني كارهة لدنياكنَّ ، مسرورة لفراقكنَّ ، ألقى الله ورسوله بحسرات ، فما حُفِظ لي الحق ، ولا رُعيت منّي الذمّة ، ولا قُبلت الوصية ، ولا عُرِفت الحرمة ))(1) .
أجل ، لم يُحفظ حقّها ، ولم تُرعَ ذمّتها ؛ فقد أصرّ القوم على هضمها والتنكّر لها ، وانصرفن النسوة وقد غامت عيونهنَّ بالدموع ، وعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول وغضبها عليهم ، وقد عرفوا مدى تقصيرهم في حقّها .
وهرعت بعض اُمّهات المؤمنين إلى عيادتها , فقلنَ لها : يا بنت رسول الله ، صيّري لنا في حضور غسلك حظّاً(2) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 95 .
(2) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 27 .
الصفحة (106)
فلم تجبهنَّ إلى ذلك ، وقالت : (( لا حاجة لي في حضوركنَّ )) .
إلى جنة المأوى
وذوت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) كما تذوي الأزهار ، ومشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ الإهاب ، وبدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة التي استهانت بها ، وطلبت حضور ابن عمّها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فعهدت إليه بوصيتها ، وأهم ما فيها :
1 ـ أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم .
2 ـ أن لا يحضر جنازتها أحد من الذين هضموها وظلموها ؛ فإنّهم أعداؤها وأعداء أبيها على حدّ تعبيرها .
3 ـ أن يعفي موضع قبرها ويخفيه ؛ ليكون رمزاً لغضبها على القوم , غير قابل للتأويل والتصحيح على ممر الأجيال الصاعدة .
وضمن لها الإمام جميع ما عهدت به إليه ، وانصرف عنها وهو غارق في الأسى والشجون .
وطلبت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من أسماء بنت عميس أن يُصنع لها سرير يواري جسدها الطاهر ؛ فقد كانت العادة بوضع الأموات على لوحة تبدو فيها أجسامهم ، وكرهت ذلك سيّدة النساء ، فعملت لها أسماء سريراً يُستر مَنْ فيه , كانت قد رأته حينما كانت في الحبشة .
فلمّا نظرت إليه ابتسمت , وهي أوّل ابتسامة شوهدت لها منذ أن لحق أبوها بالرفيق الأعلى(1) .
وفي آخر يوم من حياة الصدّيقة أصبحت وقد ظهر عليها بعض التحسّن ، وبدا عليها الفرح والسرور ؛ فقد علمت أنّ هذا اليوم هو خاتمة حياتها ، وفيه تلتحق بأبيها الذي هو عندها أعزّ من الحياة ، وعمدت الصدّيقة إلى أطفالها فغسلتهم ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الحاكم 3 / 162 .
الصفحة (107)
وصنعت لهم من الطعام ما يكفيهم يومهم ، ثمّ أمرت ولديها الحسن والحسين (عليهما السّلام) أن يخرجا لزيارة قبر جدّهما ولا يشاهدا وفاتها ، وألقت عليهما وعلى بنتها زينب نظرة الوداع , وقلبها الزاكي يذوب ألماً وحزناً ، وخرج الحسنان وقد هاما في تيارات من الهواجس , وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان .
والتفتت وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أسماء بنت عميس ، وكانت تتولّى تمريضها وخدمتها ، فقالت لها : (( يا اُمّاه )) .
ـ نعم يا حبيبة رسول الله .
ـ (( اسكبي لي غسلاً )) .
فسارعت أسماء وأتتها بالماء , فاغتسلت فيه ، وقالت لها : (( ايتيني بثيابي الجدد )) . فأحضرتها لها ، وقالت لها : (( اجعلي فراشي في وسط البيت )) .
وذعرت أسماء ، وعلمت أنّ الموت قد دنا من وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وصنعت لها ما أرادت , فاضطجعت في فراشها ، واستقبلت القبلة , ونادت أسماء قائلة بصوت خافت : (( يا اُمّاه ، إنّي مقبوضة الآن ، وقد تطهّرت فلا يكشفني أحد )) .
وأخذت تتلو آيات القرآن الكريم حتّى صعدت روحها الطاهرة إلى الله تحفّها ملائكة الرحمن ، ويستقبلها أبوها التي كرهت الحياة من بعده .
لقد سمت تلك الروح إلى جنان الخلد فأشرقت الآخرة بقدومها ، وأظلمت الأرض لفقدها ، فما أضلّت سماء الدنيا مثلها في قداستها وطهرها ، وقد انقطع بموتها آخر مَنْ كان في الدنيا من نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
الصفحة (108)
وكانت زينب إلى جانب اُمّها , وقد رأتها جثة هامدة قد انقطعت عنها الحياة , فذابت أسى ، وعجّت بالبكاء والعويل .
وقفل الحسنان (عليهما السّلام) من مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الدار فلم يجدا اُمّهما فيها , فبادرا يسألان أسماء قائلين : (( أين اُمّنا ؟ )) .
فأجابتهما , وهي غارقة في البكاء قائلة : يا سيّدي , إنّ اُمّكما قد ماتت , فأخبرا بذلك أباكما .
وكانت هذه المفاجأة كالصاعقة , فهرعا إلى جثمان اُمّهما ، فوقع عليها الحسن (عليه السّلام) وهو يقول : (( يا اُمّاه , كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني )) . وألقى الحسين (عليه السّلام) بنفسه عليها وهو يعجّ بالبكاء قائلاً : (( يا اُمّاه , أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي )) .
وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً , وتواسيهما بمصابهما الأليم ، وطلبت منهما أن يُخبرا أباهما بموت سيّدة النساء ، وسارعا نحو مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد علا صوتهما بالبكاء , فاستقبلهما المسلمون قائلين : ما يبكيكما يا بني رسول الله ، لعلّكما نظرتما قبر جدكما فبكيتما ؟
فأجابا : (( أوَ ليس قد ماتت اُمّنا فاطمة ! )) .
وهزّ النبأ المؤلم مشاعرهم ؛ فقد ندموا على تقصيرهم تجاه بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد ماتت وهي ساخطة عليهم ؛ لأنّهم لم يحفظوا مكانتها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ولمّا علم الإمام (عليه السّلام) بموت الصدّيقة تصدّع قلبه , وودّ مفارقة الحياة ، ورفع صوته
تعليق