هل من رائح إلى الجنّة ؟
فأجابوه جميعاً : الرواح إلى الجنّة ، وهم يهتفون بشعارهم ( لا حكم إلاّ لله ) . وحملوا حملة منكرة على جيش الإمام ، وما هي إلاّ ساعة حتّى قُتلوا عن آخرهم , ولم يفلت منهم إلاّ تسعة ، وبذلك فقد انتهت حرب النهروان , وقد أعقبت هي وحرب صفّين تمرّد الجيش العراقي ؛ فقد مُني بالتمرّد والانحلال والسئم من الحرب ، وأصبح الإمام (عليه السّلام) يدعوهم فلا يستجيبون له ، كما فقد الإمام في هذين الحربين أعلام أصحابه وخيارهم الذين يعتمد على إخلاصهم وتفانيهم في الولاء له .
وعلى أيّ حال , فقد رجع الجيش من النهروان إلى الكوفة , وجبن عن ملاقاة معاوية ، وأخذ الإمام (عليه السّلام) يدعوهم إلى حربه فامتنعوا من إجابته .
اُفول دولة الحقّ
وأفلت دولة الحقّ التي تبنّت حقوق الإنسان وقضاياه المصيرية ، وواكبت العدل الاجتماعي والعدل السياسي ، وأقامت صروح الحقّ ومعاقل الشرف والفضيلة لكلّ إنسان .
ولم يعهد الشرق في جميع مراحل تأريخه حكماً نزيهاً وعادلاً كحكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي لم يخضع في جميع فتراته لأيّة عاطفة لا تتّصل بالحقّ ؛ فقد تجرّد حكمه عن كلّ نزعة يؤول أمرها إلى التراب .
وقد نقمت عليه كأشدّ ما يكون الانتقام الرأسمالية القرشيّة ؛ فقد خافت على مصالحها , وخافت على أموالها التي استولت عليها بغير حقّ ، فوضعت الحواجز والسدود أمام مخطّطاته السياسيّة الهادفة إلى الإصلاح الشامل ، واتّهمته بالتآمر على قتل عثمان عميد الاُسرة الاُمويّة ، واتّخذت من قتله ورقة رابحة لفتح أبواب الحرب عليه ، فكانت حرب الجمل وصفين والنهروان .
وقد انهارت حكومة الإمام (عليه السّلام) ، وبقي في أرض الكوفة يصعّد زفراته وآهاته ، وقد استفحل شرّ معاوية وقوي سلطانه , واتّسع نفوذه ,
الصفحة (158)
وزادت قواته العسكريّة وتسلّحت بجميع المعدّات الحربية في ذلك العصر ، وأخذ معاوية يشنّ الغارات على معظم الأقاليم الإسلاميّة الخاضعة لحكم الإمام ، فكانت جيوشه تقتل وتنهب الأموال ؛ وذلك لإسقاط هيبة حكومة الإمام , وأنّها لا تقدر على حماية الأمن العام للمواطنين .
وقد انتهت الغارات إلى الكوفة والإمام (عليه السّلام) يدعو جيشه لحماية البلاد وصدّ العدوان الغادر على الناس فلم يستجيبوا له ؛ فقد خلدوا إلى الراحة وسئموا الحرب وشاعت في أوساطهم أوبئة الخوف من معاوية . وأخذ الإمام الممتحن يناجي ربّه ويدعوه أن ينقذه من ذلك المجتمع الذي لم يعِ مبادئه وسياسته الهادفة إلى نشر العدل وإشاعة المساواة بين الناس .
وتوالت المحن الشاقة يتبع بعضها بعضاً على الإمام (عليه السّلام) ، وكان من أشقّها عليه الغارات المتّصلة التي تشنّها قوات معاوية على أطراف البلاد الإسلاميّة ، وترويعها للنساء والأطفال والعُجّز ، والإمام مسؤول عن توفير الأمن لهم وحمايتهم من كلّ أذى أو مكروه ، ولكنّه لم يجد سبيلاً لذلك ؛ لأنّ جيشه قد تمرّد عليه ، وسرت فيه أوبئة الخوف وأفكار الخوارج ممّا جعلته أعصاباً رخوة لا حراك فيها ولا حياة .
وكان من بين الذين اعتنقوا مبادئ الخوارج الأثيم المجرم عبد الرحمن بن ملجم ، فنزح مع عصابة من الخواج إلى مكة , وعقدوا فيها مؤتمراً عرضوا فيه ما لاقاه حزبهم من القتل والتنكيل ، وما مُني به العالم الإسلامي من الفتن والخطوب ، وعزوا ذلك إلى الإمام (عليه السّلام) ومعاوية وابن العاص , فصمّموا على اغتيالهم , فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب .
وقال عمرو بن بكير التميمي : أنا أكفيكم عمرو بن العاص . وضمن الحجّاج بن عبد الله الصريمي اغتيال معاوية ، واتّفقوا على يوم معيّن وهو يوم الثامن عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، كما عيّنوا ساعة الاغتيال وهي ساعة خروجهم إلى صلاة الصبح .
وقفل ابن ملجم إلى الكوفة ، وهو يحمل معه الشرّ والشقاء لجميع سكّان الأرض ، والتقى بقطام وكان هائماً في حبّها ، وكانت تعتنق فكرة الخوارج ؛ فقد قُتل أبوها وأخوها في واقعة النهروان ، وعرض عليها الزواج ،
الصفحة (159)
فشرطت عليه مهراً وهو ثلاثة آلاف درهم ، وعبد وقينة ، وقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، واتّفقا على هذا المهر المشؤوم , وفيه يقول الفرزدق :
ولـم أرَ مـهراً سـاقهُ ذو سماحةٍ كـمهرِ قـطامٍ مـن فصيحٍ وأعجمِ
ثـلاثـة آلافٍ وعـبـد وقـيـنة وضـرب عـليّ بـالحسامِ المسمّمِ
فـلا مهرَ أغلى من عليّ وإن غلا ولا فتكَ إلاّ دونَ فتك ابن ملجمِ (1)
ولمّا أطلّت ليلة الثامن عشر من شهر رمضان المبارك اضطرب الإمام (عليه السّلام) ، وجعل يمشي في صحن الدار وهو محزون النفس خائر القوى ، وهو ينظر إلى الكواكب ويتأمّل فيها فيزداد قلقه , وهو يقول : (( ما كذبتُ ولا كُذّبت ، إنّها الليلة التي وُعدت فيها )) .
وصادفت تلك الليلة ليلة الجمعة ، وقد أحياها بالصلاة وتلاوة كتاب الله ، ولمّا عزم على الخروج إلى الجامع ليؤدّي الصلاة صاحت في وجهه وزّ اُهديت إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) ، فتنبّأ عن وقوع الحادث العظيم قائلاً : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، صوائح تتبعها نوائح ))(2) .
وأقبل الإمام (عليه السّلام) على الباب ليفتحه فعسر عليه ؛ لأنّها كانت من جذوع النخل لا من الساج , فاقتلعها فانحلّ إزاره , فشدّه وهو يقول :
اشدد
حيازمكَ للموتِ فـإنّ الـموتَ لاقيكا
ولا تجزع من الموتِ إذا حـلّ بناديكا(3)
وخرج الإمام (عليه السّلام) , فلمّا انتهى إلى بيت الله جعل على عادته يوقظ الناس لصلاة الصبح ، وشرع الإمام في أداء الصلاة ، فلمّا استوى من السجدة الأولى هوى عليه
ـــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الحاكم 3 / 143 .
(2) مروج الذهب 3 / 291 .
(3) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 557 .
الصفحة (160)
الوغد الأثيم ابن ملجم بسيفه وهو يهتف بشعار الخوارج : ( الحكم لله لا لك ) .
وضرب الإمام (عليه السّلام) على رأسه فقدّ جبهته الشريفة ، وانتهت الضربة القاسية إلى دماغه المقدّس الذي ما فكّر إلاّ في إقامة العدل وتدمير الظلم وإسعاد البؤساء والفقراء .
ولمّا أحسّ الإمام (عليه السّلام) بلذع السيف , رفع صوته قائلاً : (( فزت وربّ الكعبة )) .
لقد فزت يا إمام المتّقين ويعسوب الدين ، فأيّ فوز أعظم من فوزك ؟ لقد أقمت الإسلام بسيفك ، وجاهدت في سبيل الله كأعظم ما يكون الجهاد ، وحطّمت الشرك وأفكار الجاهليّة وتقاليدها ، ورفعت كلمة الله مع ابن عمّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عالية في الأرض .
لقد فزت أيّها الإمام العظيم ، فأنت أوّل حاكم في دينا الإسلام طلّقت الدنيا ثلاثاً فلم تغرّك مباهجها ، ولم تخدعك السلطة ، فلم تبنِ لك بيتاً ، ولم تدّخر لعيالك وأبنائك شيئاً من حطام الدنيا .
لقد فزت , فقد كانت نهايتك المشرّفة في أقدس بيت من بيوت الله ، وفي أعظم شهر من شهور الله ، فبداية حياتك في الكعبة , ونهايتها في هذا الجامع العظيم ، ولسانك يلهج بذكر الله .
ولمّا رُفع الإمام (عليه السّلام) صريعاً في محرابه هتف معرّفاً بقاتله قائلاً : (( قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم فلا يفوتنّكم )) .
وهرع الناس من كلّ جانب , قد أذهلهم الخطب وأضناهم المصاب ، وبلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق ، فوجدوا الإمام صريعاً في محرابه , فأخذوا يندبونه بذوب أرواحهم , ولم يستطع الإمام (عليه السّلام) الصلاة بالناس ، فصلّى وهو جالس والدم ينزف منه ، وأمر ولده الإمام الحسن فصلّى بالناس ، وحُمل الإمام إلى منزله ، واُلقي القبض على الوغد ابن ملجم فجيء به مخفوراً إلى الإمام (عليه السّلام) , فقال له بصوت خافت :
الصفحة (161)
(( لقد جئت شيئاّ إدّاً ، وأمراً عظيماً ! ألم أشفق عليك واُقدّمك على غيرك في العطاء , فلماذا تجازيني بهذا الجزاء ؟ )) .
والتفت الإمام (عليه السّلام) إلى ولده الحسن (عليه السّلام) فأوصاه بالبرّ والإحسان بابن ملجم قائلاً : (( يا بُني ، ارفق بأسيرك وارحمه ، واشفق عليه )) .
فبُهر الحسن (عليه السّلام) وقال : (( يا أبتاه ، قتلك هذا اللعين ، وفجعنا بك ، وأنت تأمرنا بالرفق به ! )) . فأجابه الإمام (عليه السّلام) بما انطوت عليه نفسه من المُثل العليا قائلاً : (( يا بُني ، نحن أهل بيت الرحمة والمغفرة ؛ أطعمه ممّا تأكل ، واسقه ممّا تشرب ، فإن أنا متّ فاقتصّ منه بأن تقتله ، ولا تمثّل بالرجل ؛ فإنّي سمعت جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور . وإن أنا عشت فأعلم ما أفعله به ، وأنا أولى بالعفو ؛ فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً )) .
أيّ نفس ملائكية هذه النفس التي توصي بالبرّ والإحسان لقاتلها ؟!
السيّدة اُمّ كلثوم مع ابن ملجم
وبكت السيّدة اُمّ كلثوم , وأخذت تندب أباها بأشجى ما تكون الندبة ، وأكبر الظنّ أنّها العقيلة الزينب , فقالت للباغي الأثيم ابن ملجم : يا عدو الله ، قتلت أمير المؤمنين ! فردّ عليها الباغي الزنيم : لم أقتل أمير المؤمنين , ولكن قتلت أباك . فردّت عليه : والله , إنّي لأرجو أن لا يكون عليه بأس . فأجابها ابن ملجم بصلف وشماتة :
فلِمَ تبكين إذاً ؟ عليَّ تبكين ؟! والله لقد أرهقت السيف ، ونفيت الخوف ، وخسئت الأجل ، وقطعت الأمل ، وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ ـ وقيل : بربيعة أو مضر ـ لأتت عليهم . والله , لقد سممته شهراً , فإن أخلفني فأبعده سيفاً وأسحقه(1) !
لك الويل أيّها الأثيم ! فقد عمدت لاغتيال أقدس إنسان بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أراد أن يُقيم الحقّ ويوزّع خيرات الله في الأرض على المحرومين والمضطهدين ، لقد خسرت صفقتك وبئت بغضب الله وعذابه الدائم .
العقيلة مع أبيها
وهرعت عقيلة بني هاشم السيدة زينب (عليها السّلام) إلى أبيها وهي تبكيه وتندبه ، وقد ذابت نفسها حزناً وألماً ، وطلبت منه أن يحدّثها بالحديث الذي سمعته من المرأة الصالحة اُمّ أيمن عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عمّا يجري عليها من الكوارث والخطوب ، ولم يكن عند الإمام (عليه السّلام) قوّة على الكلام , فقال لها : (( الحديث كما حدّثتك اُمّ أيمن ، وكأنّي بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد ، أذلاّء خاشعين , تخافون أن يتخطفكم الناس ، فصبراً صبراً ؛ فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، ما لله على ظهر الأرض يومئذ وليّ غيركم وغير محبّيكم وشيعتكم .
ولقد قال لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أخبرنا بهذا الخبر : إنّ إبليس (لعنه الله) في ذلك اليوم ـ أي يوم قتل الحسين ـ يطير فرحاً , فيجول الأرض كلّها بشياطينه وعفاريته ، فيقول : يا معاشر الشياطين ، قد أدركنا من ذرّيّة آدم الطلبة ، وبلغنا في هلاكهم الغاية ، وأورثناهم النار ، ألا مَنْ اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم , وحملهم على عداوتهم ، وإغرائهم بهم وأوليائهم حتّى تستحكم ضلالة الخلق
ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 216 ، القسم الأوّل .
الصفحة (163)
وكفرهم ، ولا ينجو منهم ناج . ولقد صدّق عليهم إبليس ـ وهو كذوب ـ أنّه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح ، ولا يضرّ مع محبّتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر ))(1).
وصاياه
وجعل الإمام (عليه السّلام) وهو في الساعات الأخيرة من حياته يوصي أبناءه , وفي طليعتهم سيّدا شباب أهل الجنّة الإمام الحسن والحسين (عليهما السّلام) بمكارم الأخلاق والزهد في الدنيا .
ومن بنود وصيّته هذه الوصايا الخالدة ، قال (عليه السّلام) : (( اُوصيكما بتقوى الله ، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تأسفا على شيء زُوي عنكما ، وقولا للحقّ ، واعملا للأجر ، وكونا للظالم خصماً , وللمظلوم عوناً .
اُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَنْ بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ؛ فإنّي سمعت جدّكما (صلّى الله عليه وآله) يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام .
الله الله في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم(2) ، ولا يضيعوا بحضرتكم . الله الله في جيرانكم ؛ فإنّهم وصيّة نبيّكم ، ما زال يوصي بهم حتّى ظننا أنّه سيورّثهم . والله الله في القرآن , لا يسبقكم بالعمل به غيركم . الله الله في الصلاة ؛ فإنّها عمود دينكم . الله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم ؛ فإنّه إن تُرك لم تُناظروا ـ أي لم ينظر إليكم بالكرامة ـ . الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ، وعليكم بالتواصل والتباذل(3) ، وإيّاكم والتدابر والتقاطع ، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فيتولّى عليكم شرارُكم ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم )) .
ثمّ وجّه وصيته إلى آله وذويه قائلاً :
ـــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات / 266 .
(2) لا تغبوا أفواههم : أي لا تقطعوا صلتكم عنهن ، وصلوا أفواههم بالطعام دوماً .
(3) التباذل : العطاء والصلة .
الصفحة (164)
(( يا بني عبد المطلب ، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون : قُتل أمير المؤمنين ، قُتل أمير المؤمنين(1) ؛ ألا لا تقتلنَّ بي إلاّ قاتلي . انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ، ولا يُمثّل بالرجل ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور ))(2) .
وحفلت هذه الوصية بالقيم الخالدة التي هي من أروع ما خلّفه الأنبياء والمصلحون لاُممهم وشعوبهم .
إقامة الحسن (عليه السّلام) من بعده
وأقام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خليفة على المسلمين من بعده ولده الأكبر سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وأجمعت الشيعة على ذلك .
وذهب بعض أهل السُنّة إلى أنّ الإمام (عليه السّلام) لم يستخلف أحداً من بعده ، مستدلّين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي أنّه قيل لعليّ : ألا تستخلف ؟ فقال : إن يرد الله بالاُمّة خيراً يجمعهم على خيرهم . وهذه الرواية من موضوعات شعيب ومن مناكيره كما نصّ على ذلك ابن حجر(3) .
إنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) هو أفضل إنسان في المجتمع الإسلامي ، فهو سيّد شباب أهل الجنّة ، وإمام إن قام أو قعد على حدّ تعبير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد توفّرت فيه جميع الصفات الكريمة والنزعات الرفيعة ، فكيف لا يُرشّحه الإمام لهذا المنصب الخطير ؟ ومَنْ هو أحقّ به منه ؟!
ـــــــــــــــــــــ
(1) يشير بذلك إلى مصرع عثمان الذي اتّخذ الاُمويّون دمّه ورقة رابحة في سبيل أطماعهم السياسيّة .
(2) نهج البلاغة 3 / 85 .
(3) تهذيب التهذيب 4 / 357 .
الصفحة (165)
الوصية الأخيرة للإمام (عليه السّلام)
أمّا الوصية الأخيرة للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقد روتها عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليها السّلام) , قالت : كان آخر عهد أبي إلى أخوي الحسن والحسين (عليهما السّلام) , أنّه قال لهما : (( يا بنيَّ ، إذا أنا متّ فغسّلاني ، ثمّ نشّفاني بالبردة التي نُشّف بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السّلام) ، وحنّطاني وسجّياني على سريري ، ثمّ انظروا حتّى إذا ارتفع لكما مقدّم السرير فاحملا مؤخّره ))(1) .
إلى جنّة المأوى
ولمّا أدلى الإمام (عليه السّلام) بوصاياه أخذ يُعاني آلام الموت وهو يتلو آيات الذكر الحكيم , ويُكثر من الدعاء والاستغفار ، ولمّا دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به : (( لمثل هذا فليعمل العاملون ))(2) . ثمّ فاضت روحه الزكية إلى جنّة المأوى .
لقد ارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي أضاء الدنيا بعدله وعمله وكماله ، فما أظلّت سماء الدنيا قطّ أفضل ولا أسمى منه ما عدا أخاه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
لقد مادت أركان العدل ، وانطمست معالم الحقّ ، ومات أبو الغرباء والبؤساء .
سيّدي أبا الحسن ، لقد مضيت إلى عالم الخلود ، وأنت مكدود مجهود ، قد جُهل حقّك ، واُبعدت عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد تظافرت الاُسر القرشيّة على حربك ، ووضعت الحواجز والسدود أمام مخطّطاتك الإصلاحية ، كما فعلت مثل ذلك مع ابن عمّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 38 .
(2) سورة الصافات / 61 .تجهيزه ودفنه (عليه السّلام)
وقام الإمام الحسن (عليه السّلام) مع بقية إخوانه بتجهيز أبيه ، فغسّلوا الجسد الطاهر وأدرجوه في أكفانه وصلّوا عليه ، وفي الهزيع الأخير من الليل حملوا الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير ، وكانت معهم العقيلة زينب(1) وهي تذرف الدموع , وقد نخب الحزن فؤادها ، ودفنوا الجثمان المعظّم في النجف الأشرف حيث مقرّه الآن كعبة للوافدين , وجامعة من أهم الجامعات في الإسلام .
لقد شاهدت السيّدة زينب الكوارث والخطوب التي أحاطت بأبيها , فملأت قلبها الزاكي أسى وحزناً ، وعرفتها بما تكنّه قريش من الحقد والحسد لأبيها ، وسائر أبناء الاُسرة النبويّة .
عهد الإمام الحسن (عليه السّلام)
وفي صبيحة اليوم الذي وارى فيه الإمام الحسن (عليه السّلام) جثمان أبيه انبرى إلى جامع الكوفة يحفّ به إخوته وسائر بني هاشم ، وقد اكتظّ الجامع بمعظم قطعات الجيش وقادة الفرق والوجوه والأشراف ، فاعتلى المنبر فابتدأ خطابه بتأبين أبيه عملاق الفكر الإسلامي ، وكان تأبينه منسجماً تمام الانسجام مع سموّ شخصية أبيه ؛ فقد وصفه بأبلغ وأروع ما يكون الوصف .
وصفه بهذه الكلمات الذهبية : (( لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ، ولم يُدركه الآخرون بعمل )) .
ومعنى ذلك أنّ أباه نسخة فريدة لا مثيل لها في تأريخ الإنسانيّة في جميع الأزمان والآباد ؛ فإنّ من المحقّق أنّه ليس في ميدان الإصلاح الاجتماعي والسياسي زعيم كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في نزاهته وتجرّده من جميع النزعات المادية ؛ فقد
ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 38 .
فأجابوه جميعاً : الرواح إلى الجنّة ، وهم يهتفون بشعارهم ( لا حكم إلاّ لله ) . وحملوا حملة منكرة على جيش الإمام ، وما هي إلاّ ساعة حتّى قُتلوا عن آخرهم , ولم يفلت منهم إلاّ تسعة ، وبذلك فقد انتهت حرب النهروان , وقد أعقبت هي وحرب صفّين تمرّد الجيش العراقي ؛ فقد مُني بالتمرّد والانحلال والسئم من الحرب ، وأصبح الإمام (عليه السّلام) يدعوهم فلا يستجيبون له ، كما فقد الإمام في هذين الحربين أعلام أصحابه وخيارهم الذين يعتمد على إخلاصهم وتفانيهم في الولاء له .
وعلى أيّ حال , فقد رجع الجيش من النهروان إلى الكوفة , وجبن عن ملاقاة معاوية ، وأخذ الإمام (عليه السّلام) يدعوهم إلى حربه فامتنعوا من إجابته .
اُفول دولة الحقّ
وأفلت دولة الحقّ التي تبنّت حقوق الإنسان وقضاياه المصيرية ، وواكبت العدل الاجتماعي والعدل السياسي ، وأقامت صروح الحقّ ومعاقل الشرف والفضيلة لكلّ إنسان .
ولم يعهد الشرق في جميع مراحل تأريخه حكماً نزيهاً وعادلاً كحكم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الذي لم يخضع في جميع فتراته لأيّة عاطفة لا تتّصل بالحقّ ؛ فقد تجرّد حكمه عن كلّ نزعة يؤول أمرها إلى التراب .
وقد نقمت عليه كأشدّ ما يكون الانتقام الرأسمالية القرشيّة ؛ فقد خافت على مصالحها , وخافت على أموالها التي استولت عليها بغير حقّ ، فوضعت الحواجز والسدود أمام مخطّطاته السياسيّة الهادفة إلى الإصلاح الشامل ، واتّهمته بالتآمر على قتل عثمان عميد الاُسرة الاُمويّة ، واتّخذت من قتله ورقة رابحة لفتح أبواب الحرب عليه ، فكانت حرب الجمل وصفين والنهروان .
وقد انهارت حكومة الإمام (عليه السّلام) ، وبقي في أرض الكوفة يصعّد زفراته وآهاته ، وقد استفحل شرّ معاوية وقوي سلطانه , واتّسع نفوذه ,
الصفحة (158)
وزادت قواته العسكريّة وتسلّحت بجميع المعدّات الحربية في ذلك العصر ، وأخذ معاوية يشنّ الغارات على معظم الأقاليم الإسلاميّة الخاضعة لحكم الإمام ، فكانت جيوشه تقتل وتنهب الأموال ؛ وذلك لإسقاط هيبة حكومة الإمام , وأنّها لا تقدر على حماية الأمن العام للمواطنين .
وقد انتهت الغارات إلى الكوفة والإمام (عليه السّلام) يدعو جيشه لحماية البلاد وصدّ العدوان الغادر على الناس فلم يستجيبوا له ؛ فقد خلدوا إلى الراحة وسئموا الحرب وشاعت في أوساطهم أوبئة الخوف من معاوية . وأخذ الإمام الممتحن يناجي ربّه ويدعوه أن ينقذه من ذلك المجتمع الذي لم يعِ مبادئه وسياسته الهادفة إلى نشر العدل وإشاعة المساواة بين الناس .
وتوالت المحن الشاقة يتبع بعضها بعضاً على الإمام (عليه السّلام) ، وكان من أشقّها عليه الغارات المتّصلة التي تشنّها قوات معاوية على أطراف البلاد الإسلاميّة ، وترويعها للنساء والأطفال والعُجّز ، والإمام مسؤول عن توفير الأمن لهم وحمايتهم من كلّ أذى أو مكروه ، ولكنّه لم يجد سبيلاً لذلك ؛ لأنّ جيشه قد تمرّد عليه ، وسرت فيه أوبئة الخوف وأفكار الخوارج ممّا جعلته أعصاباً رخوة لا حراك فيها ولا حياة .
وكان من بين الذين اعتنقوا مبادئ الخوارج الأثيم المجرم عبد الرحمن بن ملجم ، فنزح مع عصابة من الخواج إلى مكة , وعقدوا فيها مؤتمراً عرضوا فيه ما لاقاه حزبهم من القتل والتنكيل ، وما مُني به العالم الإسلامي من الفتن والخطوب ، وعزوا ذلك إلى الإمام (عليه السّلام) ومعاوية وابن العاص , فصمّموا على اغتيالهم , فقال ابن ملجم : أنا أكفيكم عليّ بن أبي طالب .
وقال عمرو بن بكير التميمي : أنا أكفيكم عمرو بن العاص . وضمن الحجّاج بن عبد الله الصريمي اغتيال معاوية ، واتّفقوا على يوم معيّن وهو يوم الثامن عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، كما عيّنوا ساعة الاغتيال وهي ساعة خروجهم إلى صلاة الصبح .
وقفل ابن ملجم إلى الكوفة ، وهو يحمل معه الشرّ والشقاء لجميع سكّان الأرض ، والتقى بقطام وكان هائماً في حبّها ، وكانت تعتنق فكرة الخوارج ؛ فقد قُتل أبوها وأخوها في واقعة النهروان ، وعرض عليها الزواج ،
الصفحة (159)
فشرطت عليه مهراً وهو ثلاثة آلاف درهم ، وعبد وقينة ، وقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، واتّفقا على هذا المهر المشؤوم , وفيه يقول الفرزدق :
ولـم أرَ مـهراً سـاقهُ ذو سماحةٍ كـمهرِ قـطامٍ مـن فصيحٍ وأعجمِ
ثـلاثـة آلافٍ وعـبـد وقـيـنة وضـرب عـليّ بـالحسامِ المسمّمِ
فـلا مهرَ أغلى من عليّ وإن غلا ولا فتكَ إلاّ دونَ فتك ابن ملجمِ (1)
ولمّا أطلّت ليلة الثامن عشر من شهر رمضان المبارك اضطرب الإمام (عليه السّلام) ، وجعل يمشي في صحن الدار وهو محزون النفس خائر القوى ، وهو ينظر إلى الكواكب ويتأمّل فيها فيزداد قلقه , وهو يقول : (( ما كذبتُ ولا كُذّبت ، إنّها الليلة التي وُعدت فيها )) .
وصادفت تلك الليلة ليلة الجمعة ، وقد أحياها بالصلاة وتلاوة كتاب الله ، ولمّا عزم على الخروج إلى الجامع ليؤدّي الصلاة صاحت في وجهه وزّ اُهديت إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) ، فتنبّأ عن وقوع الحادث العظيم قائلاً : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، صوائح تتبعها نوائح ))(2) .
وأقبل الإمام (عليه السّلام) على الباب ليفتحه فعسر عليه ؛ لأنّها كانت من جذوع النخل لا من الساج , فاقتلعها فانحلّ إزاره , فشدّه وهو يقول :
اشدد
حيازمكَ للموتِ فـإنّ الـموتَ لاقيكا
ولا تجزع من الموتِ إذا حـلّ بناديكا(3)
وخرج الإمام (عليه السّلام) , فلمّا انتهى إلى بيت الله جعل على عادته يوقظ الناس لصلاة الصبح ، وشرع الإمام في أداء الصلاة ، فلمّا استوى من السجدة الأولى هوى عليه
ـــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الحاكم 3 / 143 .
(2) مروج الذهب 3 / 291 .
(3) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 557 .
الصفحة (160)
الوغد الأثيم ابن ملجم بسيفه وهو يهتف بشعار الخوارج : ( الحكم لله لا لك ) .
وضرب الإمام (عليه السّلام) على رأسه فقدّ جبهته الشريفة ، وانتهت الضربة القاسية إلى دماغه المقدّس الذي ما فكّر إلاّ في إقامة العدل وتدمير الظلم وإسعاد البؤساء والفقراء .
ولمّا أحسّ الإمام (عليه السّلام) بلذع السيف , رفع صوته قائلاً : (( فزت وربّ الكعبة )) .
لقد فزت يا إمام المتّقين ويعسوب الدين ، فأيّ فوز أعظم من فوزك ؟ لقد أقمت الإسلام بسيفك ، وجاهدت في سبيل الله كأعظم ما يكون الجهاد ، وحطّمت الشرك وأفكار الجاهليّة وتقاليدها ، ورفعت كلمة الله مع ابن عمّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عالية في الأرض .
لقد فزت أيّها الإمام العظيم ، فأنت أوّل حاكم في دينا الإسلام طلّقت الدنيا ثلاثاً فلم تغرّك مباهجها ، ولم تخدعك السلطة ، فلم تبنِ لك بيتاً ، ولم تدّخر لعيالك وأبنائك شيئاً من حطام الدنيا .
لقد فزت , فقد كانت نهايتك المشرّفة في أقدس بيت من بيوت الله ، وفي أعظم شهر من شهور الله ، فبداية حياتك في الكعبة , ونهايتها في هذا الجامع العظيم ، ولسانك يلهج بذكر الله .
ولمّا رُفع الإمام (عليه السّلام) صريعاً في محرابه هتف معرّفاً بقاتله قائلاً : (( قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم فلا يفوتنّكم )) .
وهرع الناس من كلّ جانب , قد أذهلهم الخطب وأضناهم المصاب ، وبلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق ، فوجدوا الإمام صريعاً في محرابه , فأخذوا يندبونه بذوب أرواحهم , ولم يستطع الإمام (عليه السّلام) الصلاة بالناس ، فصلّى وهو جالس والدم ينزف منه ، وأمر ولده الإمام الحسن فصلّى بالناس ، وحُمل الإمام إلى منزله ، واُلقي القبض على الوغد ابن ملجم فجيء به مخفوراً إلى الإمام (عليه السّلام) , فقال له بصوت خافت :
الصفحة (161)
(( لقد جئت شيئاّ إدّاً ، وأمراً عظيماً ! ألم أشفق عليك واُقدّمك على غيرك في العطاء , فلماذا تجازيني بهذا الجزاء ؟ )) .
والتفت الإمام (عليه السّلام) إلى ولده الحسن (عليه السّلام) فأوصاه بالبرّ والإحسان بابن ملجم قائلاً : (( يا بُني ، ارفق بأسيرك وارحمه ، واشفق عليه )) .
فبُهر الحسن (عليه السّلام) وقال : (( يا أبتاه ، قتلك هذا اللعين ، وفجعنا بك ، وأنت تأمرنا بالرفق به ! )) . فأجابه الإمام (عليه السّلام) بما انطوت عليه نفسه من المُثل العليا قائلاً : (( يا بُني ، نحن أهل بيت الرحمة والمغفرة ؛ أطعمه ممّا تأكل ، واسقه ممّا تشرب ، فإن أنا متّ فاقتصّ منه بأن تقتله ، ولا تمثّل بالرجل ؛ فإنّي سمعت جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور . وإن أنا عشت فأعلم ما أفعله به ، وأنا أولى بالعفو ؛ فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً )) .
أيّ نفس ملائكية هذه النفس التي توصي بالبرّ والإحسان لقاتلها ؟!
السيّدة اُمّ كلثوم مع ابن ملجم
وبكت السيّدة اُمّ كلثوم , وأخذت تندب أباها بأشجى ما تكون الندبة ، وأكبر الظنّ أنّها العقيلة الزينب , فقالت للباغي الأثيم ابن ملجم : يا عدو الله ، قتلت أمير المؤمنين ! فردّ عليها الباغي الزنيم : لم أقتل أمير المؤمنين , ولكن قتلت أباك . فردّت عليه : والله , إنّي لأرجو أن لا يكون عليه بأس . فأجابها ابن ملجم بصلف وشماتة :
فلِمَ تبكين إذاً ؟ عليَّ تبكين ؟! والله لقد أرهقت السيف ، ونفيت الخوف ، وخسئت الأجل ، وقطعت الأمل ، وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ ـ وقيل : بربيعة أو مضر ـ لأتت عليهم . والله , لقد سممته شهراً , فإن أخلفني فأبعده سيفاً وأسحقه(1) !
لك الويل أيّها الأثيم ! فقد عمدت لاغتيال أقدس إنسان بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أراد أن يُقيم الحقّ ويوزّع خيرات الله في الأرض على المحرومين والمضطهدين ، لقد خسرت صفقتك وبئت بغضب الله وعذابه الدائم .
العقيلة مع أبيها
وهرعت عقيلة بني هاشم السيدة زينب (عليها السّلام) إلى أبيها وهي تبكيه وتندبه ، وقد ذابت نفسها حزناً وألماً ، وطلبت منه أن يحدّثها بالحديث الذي سمعته من المرأة الصالحة اُمّ أيمن عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عمّا يجري عليها من الكوارث والخطوب ، ولم يكن عند الإمام (عليه السّلام) قوّة على الكلام , فقال لها : (( الحديث كما حدّثتك اُمّ أيمن ، وكأنّي بك وبنساء أهلك سبايا بهذا البلد ، أذلاّء خاشعين , تخافون أن يتخطفكم الناس ، فصبراً صبراً ؛ فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ، ما لله على ظهر الأرض يومئذ وليّ غيركم وغير محبّيكم وشيعتكم .
ولقد قال لنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين أخبرنا بهذا الخبر : إنّ إبليس (لعنه الله) في ذلك اليوم ـ أي يوم قتل الحسين ـ يطير فرحاً , فيجول الأرض كلّها بشياطينه وعفاريته ، فيقول : يا معاشر الشياطين ، قد أدركنا من ذرّيّة آدم الطلبة ، وبلغنا في هلاكهم الغاية ، وأورثناهم النار ، ألا مَنْ اعتصم بهذه العصابة فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس فيهم , وحملهم على عداوتهم ، وإغرائهم بهم وأوليائهم حتّى تستحكم ضلالة الخلق
ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 216 ، القسم الأوّل .
الصفحة (163)
وكفرهم ، ولا ينجو منهم ناج . ولقد صدّق عليهم إبليس ـ وهو كذوب ـ أنّه لا ينفع مع عداوتكم عمل صالح ، ولا يضرّ مع محبّتكم وموالاتكم ذنب غير الكبائر ))(1).
وصاياه
وجعل الإمام (عليه السّلام) وهو في الساعات الأخيرة من حياته يوصي أبناءه , وفي طليعتهم سيّدا شباب أهل الجنّة الإمام الحسن والحسين (عليهما السّلام) بمكارم الأخلاق والزهد في الدنيا .
ومن بنود وصيّته هذه الوصايا الخالدة ، قال (عليه السّلام) : (( اُوصيكما بتقوى الله ، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تأسفا على شيء زُوي عنكما ، وقولا للحقّ ، واعملا للأجر ، وكونا للظالم خصماً , وللمظلوم عوناً .
اُوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَنْ بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ؛ فإنّي سمعت جدّكما (صلّى الله عليه وآله) يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام .
الله الله في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم(2) ، ولا يضيعوا بحضرتكم . الله الله في جيرانكم ؛ فإنّهم وصيّة نبيّكم ، ما زال يوصي بهم حتّى ظننا أنّه سيورّثهم . والله الله في القرآن , لا يسبقكم بالعمل به غيركم . الله الله في الصلاة ؛ فإنّها عمود دينكم . الله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم ؛ فإنّه إن تُرك لم تُناظروا ـ أي لم ينظر إليكم بالكرامة ـ . الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ، وعليكم بالتواصل والتباذل(3) ، وإيّاكم والتدابر والتقاطع ، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فيتولّى عليكم شرارُكم ثمّ تدعون فلا يُستجاب لكم )) .
ثمّ وجّه وصيته إلى آله وذويه قائلاً :
ـــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات / 266 .
(2) لا تغبوا أفواههم : أي لا تقطعوا صلتكم عنهن ، وصلوا أفواههم بالطعام دوماً .
(3) التباذل : العطاء والصلة .
الصفحة (164)
(( يا بني عبد المطلب ، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون : قُتل أمير المؤمنين ، قُتل أمير المؤمنين(1) ؛ ألا لا تقتلنَّ بي إلاّ قاتلي . انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ، ولا يُمثّل بالرجل ؛ فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : إيّاكم والمُثلة ولو بالكلب العقور ))(2) .
وحفلت هذه الوصية بالقيم الخالدة التي هي من أروع ما خلّفه الأنبياء والمصلحون لاُممهم وشعوبهم .
إقامة الحسن (عليه السّلام) من بعده
وأقام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خليفة على المسلمين من بعده ولده الأكبر سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وأجمعت الشيعة على ذلك .
وذهب بعض أهل السُنّة إلى أنّ الإمام (عليه السّلام) لم يستخلف أحداً من بعده ، مستدلّين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي أنّه قيل لعليّ : ألا تستخلف ؟ فقال : إن يرد الله بالاُمّة خيراً يجمعهم على خيرهم . وهذه الرواية من موضوعات شعيب ومن مناكيره كما نصّ على ذلك ابن حجر(3) .
إنّ الإمام الحسن (عليه السّلام) هو أفضل إنسان في المجتمع الإسلامي ، فهو سيّد شباب أهل الجنّة ، وإمام إن قام أو قعد على حدّ تعبير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد توفّرت فيه جميع الصفات الكريمة والنزعات الرفيعة ، فكيف لا يُرشّحه الإمام لهذا المنصب الخطير ؟ ومَنْ هو أحقّ به منه ؟!
ـــــــــــــــــــــ
(1) يشير بذلك إلى مصرع عثمان الذي اتّخذ الاُمويّون دمّه ورقة رابحة في سبيل أطماعهم السياسيّة .
(2) نهج البلاغة 3 / 85 .
(3) تهذيب التهذيب 4 / 357 .
الصفحة (165)
الوصية الأخيرة للإمام (عليه السّلام)
أمّا الوصية الأخيرة للإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقد روتها عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليها السّلام) , قالت : كان آخر عهد أبي إلى أخوي الحسن والحسين (عليهما السّلام) , أنّه قال لهما : (( يا بنيَّ ، إذا أنا متّ فغسّلاني ، ثمّ نشّفاني بالبردة التي نُشّف بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السّلام) ، وحنّطاني وسجّياني على سريري ، ثمّ انظروا حتّى إذا ارتفع لكما مقدّم السرير فاحملا مؤخّره ))(1) .
إلى جنّة المأوى
ولمّا أدلى الإمام (عليه السّلام) بوصاياه أخذ يُعاني آلام الموت وهو يتلو آيات الذكر الحكيم , ويُكثر من الدعاء والاستغفار ، ولمّا دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به : (( لمثل هذا فليعمل العاملون ))(2) . ثمّ فاضت روحه الزكية إلى جنّة المأوى .
لقد ارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي أضاء الدنيا بعدله وعمله وكماله ، فما أظلّت سماء الدنيا قطّ أفضل ولا أسمى منه ما عدا أخاه وابن عمّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
لقد مادت أركان العدل ، وانطمست معالم الحقّ ، ومات أبو الغرباء والبؤساء .
سيّدي أبا الحسن ، لقد مضيت إلى عالم الخلود ، وأنت مكدود مجهود ، قد جُهل حقّك ، واُبعدت عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد تظافرت الاُسر القرشيّة على حربك ، ووضعت الحواجز والسدود أمام مخطّطاتك الإصلاحية ، كما فعلت مثل ذلك مع ابن عمّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 38 .
(2) سورة الصافات / 61 .تجهيزه ودفنه (عليه السّلام)
وقام الإمام الحسن (عليه السّلام) مع بقية إخوانه بتجهيز أبيه ، فغسّلوا الجسد الطاهر وأدرجوه في أكفانه وصلّوا عليه ، وفي الهزيع الأخير من الليل حملوا الجثمان المقدّس إلى مقرّه الأخير ، وكانت معهم العقيلة زينب(1) وهي تذرف الدموع , وقد نخب الحزن فؤادها ، ودفنوا الجثمان المعظّم في النجف الأشرف حيث مقرّه الآن كعبة للوافدين , وجامعة من أهم الجامعات في الإسلام .
لقد شاهدت السيّدة زينب الكوارث والخطوب التي أحاطت بأبيها , فملأت قلبها الزاكي أسى وحزناً ، وعرفتها بما تكنّه قريش من الحقد والحسد لأبيها ، وسائر أبناء الاُسرة النبويّة .
عهد الإمام الحسن (عليه السّلام)
وفي صبيحة اليوم الذي وارى فيه الإمام الحسن (عليه السّلام) جثمان أبيه انبرى إلى جامع الكوفة يحفّ به إخوته وسائر بني هاشم ، وقد اكتظّ الجامع بمعظم قطعات الجيش وقادة الفرق والوجوه والأشراف ، فاعتلى المنبر فابتدأ خطابه بتأبين أبيه عملاق الفكر الإسلامي ، وكان تأبينه منسجماً تمام الانسجام مع سموّ شخصية أبيه ؛ فقد وصفه بأبلغ وأروع ما يكون الوصف .
وصفه بهذه الكلمات الذهبية : (( لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ، ولم يُدركه الآخرون بعمل )) .
ومعنى ذلك أنّ أباه نسخة فريدة لا مثيل لها في تأريخ الإنسانيّة في جميع الأزمان والآباد ؛ فإنّ من المحقّق أنّه ليس في ميدان الإصلاح الاجتماعي والسياسي زعيم كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في نزاهته وتجرّده من جميع النزعات المادية ؛ فقد
ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 38 .
