تقلّد زمام الحكم وكان معظم الشقّ خاضعاً لحكمه ، وكانت الأموال تُجبى له كالسيل فلم يؤثر نفسه وأهله بشيء منها ، ولم يخلّف صفراء ولا بيضاء سوى سبعمئة درهم كان قد ادّخرها من راتبه ليشتري بها عبداً يستعين به أهله في حاجاتهم إلاّ أنّه عدل عن ذلك ، وأمر ولده الحسن (عليه السّلام) بإرجاعها إلى بيت المال ، كما أعلن ذلك الإمام الحسن (عليه السّلام) في خطابه .
استمعوا له ، قال (عليه السّلام) : (( وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمئة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ، وقد أمرني أن أردّها إلى بيت المال )) .
وكان ذلك حقّاً هو منتهى السموّ والعظمة ، ومنتهى التجرّد عن الدنيا والزهد في جميع مظاهرها وملاذّها .
ولمّا أنهى الإمام الحسن (عليه السّلام) خطابه الرائع بايعه الجمهور , وكانوا أصنافاً , وهم :
1 ـ قادة الفرق والزعماء ، وهؤلاء كان معظمهم مع معاوية ؛ فقد استمالهم بأمواله وذهبه ، ووعدهم بالمناصب العالية إن انضموا إليه .
2 ـ الخوارج ، وهم من ألدّ أعدائه وأعداء أبيه ، وكانوا يكيدون له في وضح النهار وغلس الليل .
3 ـ المؤمنون من شيعته ممّن عرفوا حقّه ، ودانوا له بالولاء والطاعة ، وهم قلّة قليلة .
وعلى أيّ حال , فقد علم معاوية ما مُني به جيش الإمام الحسن (عليه السّلام) من الضعف والانحلال والتمرّد على قيادته ، فكتب إلى الإمام (عليه السّلام) يستنجزه الحرب ، وزحف بجيوشه الذين تسودهم الطاعة والإخلاص له , فانتهى إلى المدائن فعسكر فيها .
ولمّا اُذيع ذلك سرت أوبئة الرعب والخوف في نفوس جيش الإمام (عليه السّلام) ، وقد دعاهم إلى مناجزة معاوية فلم يستجب له سوى بعض المؤمنين من أصحابه ، وجعل يستحثّ الناس على الخروج لحرب معاوية ، وبعد جهد شاق خرج معه أخلاط من الناس ـ على حدّ تعبير الشيخ المفيد ـ متباينون في أفكارهم وميولهم ، وأخذوا
الصفحة (168)
يجدّون في السير لا يلوون على شيء حتّى انتهوا إلى المدائن فعسكروا فيها .
حوادث رهيبة
ومُني الإمام الحسن (عليه السّلام) بحوادث مروّعة حينما كان في مسكن , كان من أقساها وأفجعها ما يلي :
1 ـ خيانة القائد العام
وكان عبيد الله بن العباس قائداً لجميع القوات المسلّحة في جيش الإمام (عليه السّلام) ، ولمّا تيقّن أنّ الدنيا قد تنكّرت للإمام انحرف عنه ومال إلى معسكر معاوية بعد أن تسلّم الرشوة منه ، وقد اضطرب جيش الإمام (عليه السّلام) وماج بالفتن ، وكانت خيانته من أفجع النكبات التي مُني بها الإمام (عليه السّلام) .
2 ـ تسلل الوجوه إلى معاوية
وتسلّل الوجوه والأشراف في جيش الإمام (عليه السّلام) إلى معاوية بعد أن تسلّموا منه الأموال .
3 ـ خيانة ثمانية آلاف
والتحق بمعسكر معاوية ثمانية آلاف جندي مع قادتهم ، وأكبر الظنّ أنّهم من أتباع الخائن العميل الأشعث بن قيس ، وقد بان الانكسار والضعف بجيش الإمام (عليه السّلام) بعد خيانة هذا العدد الكبير منهم .
4 ـ خيانة ربيعة
وتعتبر قبائل ربيعة العمود الفقري في جيش الإمام (عليه السّلام) ؛ فقد أقبل زعيمها خالد بن معمر إلى معاوية فقال له : اُبايعك عن ربيعة كلّها . فبايعه على ذلك .
وفيه يقول الشاعر مخاطباً معاوية :
معاوي أكرم خالدَ بن معمّرٍ فـإنّك لولا خالدٌ لم تؤمّرِ
ولمّا انتهى الخبر إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) انهارت قواه , واتّجه صوب الجيش
الصفحة (169)
فقال لهم : (( يا أهل العراق ، أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ثمّ اختلفتم عليه ، وقد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه ، فحسبي منكم ! لا تغرّوني في نفسي وديني ))(1) .
وكذلك بايع معاوية سرّاً عثمان بن شرحبيل زعيم بني تميم(2) .
5 ـ نهب أمتعة الإمام (عليه السّلام)
وعمدت تلك العصابة التي انمحت عن نفوسها جميع أفانين الشرف والكرامة إلى نهب أمتعة الإمام (عليه السّلام) وأجهزته ، وأكبر الظنّ أنّ للخوارج ضلعاً كبيراً في هذه الجريمة .
6 ـ محاولة اغتيال الإمام (عليه السّلام)
ولم تقف محنة الإمام الحسن (عليه السّلام) في جيشه عند حدّ ؛ فقد عظم بلاؤه إلى أكثر من ذلك ؛ فقد قدم المرتشون والخوارج على اغتياله وذلك في عدّة محاولات ، وهي :
1 ـ إنّه كان يصلّي فرماه شخص بسهم
2 ـ طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه
3 ـ طعنه بخنجر في أثناء الصلاة
واتّضحت للإمام (عليه السّلام) بعد هذه الاعتداءات الصارخة على حياته أنّه ليس عنده جيش يركن إليه لمناجزة معاوية .
7 ـ الحكم عليه بالكفر
ومن بين المحن الشاقة التي امتحن بها الإمام الحسن (عليه السّلام) أنّ بعض العناصر في جيشه حكموا عليه بالشرك والإلحاد ، وأكبر الظنّ أنّهم الخوارج الذين لا نصيب لهم
ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 223 ، القسم الأوّل .
(2) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 127 .
الصفحة (170)
من الإيمان والإسلام .
وعلى أيّ حال , فقد انبرى الجرّاح بن سنان نحو الإمام وهو رافع صوته قائلاً : أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل !
إنّ مجتمعاً يضمّ أمثال هؤلاء الأوغاد لهو مجتمع غير سليم .
ضرورة الصلح
ودرس الإمام الحسن (عليه السّلام) الموقف من جميع جوانبه ووجوهه , ورأى أنّه بين محذورين ؛ وهما :
الأول : أن يناجز معاوية ويفتح معه باب الحرب ، وهذا ما يطلبه ويبغيه لإنقاذ العالم الإسلامي من هذا العدو الظالم الذي يكيد له في الليل إذا يغشى , وفي النهار إذا تجلّى ؛ فحربه أمر لازم وضروري , ولكن ذلك لا سبيل له ، ولا تساعده الحكمة وعمق النظر ؛ وذلك لما يلي :
1 ـ إنّه ليس عند الإمام (عليه السّلام) قوّة عسكرية يستطيع أن يخوض بها الحرب ؛ فإنّ الأكثرية الساحقة من جيشه قد استجابت لمعاوية ، وآثرت السلم والعافية .
2 ـ إنّ معاوية قد أرشى معظم قادة الفرق في جيش الإمام (عليه السّلام) ، فصاروا طوع إرادته ، وضمنوا إنجاز ما يريد من اغتيال الإمام (عليه السّلام) أو تسليمه له أسيراً .
3 ـ إنّ من المؤكد أنّ معاوية هو الذي ينجح في الحرب ـ حسب الفنون العسكريّة ـ فإذا استشهد الإمام (عليه السّلام) فإنّه لا يستشهد وحده , وإنّما يستشهد معه جميع أفراد اُسرته وخلّص شيعته ، ولا تستفيد القضية الإسلاميّة من تضحيتهم شيئاً ؛ فإنّ دهاء معاوية وما يتمتّع به من وسائل المكر والخداع يجعل تبعة ذلك على الإمام (عليه السّلام) ، وبذلك يخسر العالم الإسلامي أهم رصيد روحي وفكري .
4 ـ إنّ الإمام إذا لم يستشهد واُخذ أسيراً لمعاوية ، فإنّ من المحقّق أنّه يمنّ عليه ويوصمه مع بقية أهل البيت (عليهم السّلام) بالطلقاء ، ويسجّل له بذلك يداً على العلويِّين ,
الصفحة (171)
ويمحو عنه وعن الاُمويِّين وصمة الطلقاء التي أسداها عليهم النبي (صلّى الله عليه وآله) حينما فتح مكة .
الثاني : أن يصالح معاوية على ما في الصلح من قذى العين وشجى الحلق ، وهذا هو المتعيّن في عرف السياسة وقوانين الحكمة ، وله مرجّحاته الواقعية والظاهرية التي أشرنا إليها .
وكان من أعظم فوائد الصلح ومن أهم ثمراته إبراز الواقع الاُموي الذي خفي على المسلمين ؛ فقد تظاهر الاُمويِّين بالإسلام ، وأشاعوا أنّهم حماة الدين ، وأقرب الناس إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وأمسّهم رحماً به ، وبعد الصلح انكشف زيفهم ، وظهر واقعهم الجاهلي ؛ فقد تفجّرت سياسة معاوية بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ؛ فقد أعلن بعد الصلح مباشرة أمام الحشود فخاطب أهل العراق قائلاً : إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتزكّوا ولا لتحجّوا وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك ، وإنّي قد أعطيت الحسن بن عليّ شروطاً لا أفي بواحد منها وها هي تحت قدمي .
ولو لم يكن للصلح من فائدة إلاّ إبراز حقيقة معاوية وتجريده من كلّ إطار ديني لكفى ؛ فقد أبرز معاوية واقعه بهذا الخطاب ، فهو لم يُقاتل أهل العراق من أجل الطلب بدم عثمان ، ولا من أجل ظاهرة إسلاميّة ، وإنّما قاتلهم من أجل الإمرة والسلطان ، ولو كان يملك ذرّة من الشرف والكرامة لما فاه بذلك ، ولما أعلن نقضه للعهود والمواثيق التي أعطاها للإمام الحسن (عليه السّلام) .
وعلى أيّ حال ، فإنّا قد بسطنا القول بصورة موضوعية وشاملة في بيان ضرورة الصلح ، وإنّه هو المتعيّن على الإمام (عليه السّلام) شرعاً وسياسة في كتابنا ( حياةالإمام الحسن (عليه السّلام) ) ، كما استوفينا البحث من الشروط التي شرطها الإمام (عليه السّلام) على معاوية والتي لم يفِ بشيء منها ، فمَنْ أراد الإلمام بهذه البحوث عليه بمراجعة هذا الكتاب .
الصفحة (172)
السفر إلى يثرب
وأخذ الإمام الحسن (عليه السّلام) يتهيّأ للسفر إلى يثرب ، ويترك البلد الذي خذله وخذل أباه من قبل ، ولمّا تمّت وسائل النقل خرج أهل الكوفة إلى توديعه وهم ما بين باك وآسف يندبون حظّهم التعيس ؛ فقد أصبحت بلدهم مصراً من الأمصار بعد أن كانت عاصمة الدولة الإسلاميّة ، وأصبحت القطع السورية من الجيش تدخل مصرهم وتسيطر عليهم ، ويُقام في بلدهم حكم إرهابي لا يعرف الرحمة ولا الرأفة .
وعلى أيّ حال , فقد انتهى الإمام (عليه السّلام) إلى يثرب فخفّ أهلها إلى استقباله ؛ فقد أقبل إليهم الخير وحلّت في ديارهم السعادة .
وعلى أيّ حال , فقد أفلت دولة الحقّ وقامت على أنقاضها دولة الباطل ، وكان ذلك من أعظم النكبات التي عانتها حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعقيلة بني هاشم السيّدة زينب ، فكانت عالمة بمجريات الأحداث ونتائجها التي كان منها ما عانته من الرزايا والخطوب في كربلاء .
حكومة معاوية
واستقبل المسلمون حكومة معاوية بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب واعتبروها نكسة للإسلام ، ونصراً حاسماً للقوى المعادية له والحاقدة عليه ، وفي طليعتها الاُسرة الاُمويّة ومَنْ شايعها من القبائل القرشيّة ؛ فقد انتعشت الأفكار الجاهليّة وعادت لها الحياة من جديد ، وانطوت الديمقراطية الإسلاميّة وما تنشده من التقدّم والتطوّر للإنسان في مجالاته الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة .
يقول السيد مير علي الهندي : ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم التوليغارشية الوثنية السابقة ، فاحتلّ موقع ديمقراطية الإسلام ، وانتعشت الوثنية بكلّ ما يرافقها من خلاعات ، وكأنّها بُعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة والتبذّل الخُلقي لنفسها متّسعاً في كلّ مكان ارتادته رايات حكم الاُمويِّين من جند الشام(1) .
لقد وقعت الاُمّة فريسة تحت أنياب معاوية فساسها سياسة سوداء تفجّرت بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ، فأشاع فيها البؤس والحرمان والقتل والدمار .
ونعرض ـ بإيجاز ـ لبعض نزعاته وصورة عن سياسته :
عداؤه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)
وورث معاوية عداءه للرسول (صلّى الله عليه وآله) من أبيه أبي سفيان الذي هو من ألدّ أعدائه
ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 296 .
الصفحة (174)
وخصومه ، وقد ناجزه الحرب في بدر واُحد وغيرهما ، وقد حاول جاهداً أن يلفّ لواء الإسلام ويُطفئ نور الله ، ولكنّ الله تعالى ردّ كيده ونصر رسوله وأعزّ جنده .
وأمّا اُمّ معاوية فهي الباغية هند ، وهي التي عُرفت بالعداء العارم للاُسرة العلوية ، وهي التي حرّضت وحشيّاً على قتل سيّد الشهداء حمزة فقتله ، وبعد قتله مثّلت به شرّ تمثيل .
ولا يقلّ معاوية في عدائه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن أبويه ؛ فقد اُترع بالكراهية والبغض له ، وكان من حقده له أنّه سمع المؤذّن يؤذّن : أشهد أنّ محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلم يملك إهابه واندفع قائلاً : لله أبوك يابن عبد الله ! لقد كنت عالي الهمّة ، ما رضيت لنفسك إلاّ أن يُقرن اسمك باسم ربّ العالمين(1) .
وكان من حقده على النبي (صلّى الله عليه وآله) ما حدّث به مطرف بن المغيرة و قال : وفدت مع أبي على معاوية , فكان يتحدّث عنده ثم ينصرف إليّ وهو يذكر معاوية وعقله , ويعجب بما يرى منه . وأقبل ذات ليلة وهو غضبان , فأمسك عن العشاء , فانتظرته ساعة وقد ظننت أنّه شيء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : ما لي أراك مغتماً هذه الليلة ؟
ـ يا بُني ، جئتك من أخبث الناس .
ـ ما ذاك ؟
ـ خلوت بمعاوية فقلت له : إنّك قد بلغت مُناك يا أمير المؤمنين , فلو أظهرت عدلاً ، وبسطت خيراً ؛ فإنّك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه .
فثار معاوية وقال :
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 10 / 101 .
الصفحة (175)
هيهات ، هيهات ! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل , فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر ، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وعمره عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : عمر ، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل به ما عمل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، وإنّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فأيّ عمل يبقى بعد هذا ـ لا اُمّ لك ـ إلاّ دفناً دفناً ؟!(1)
وتحكي هذه البادرة مدى حقده وبغضه للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّه يسعى جاهداً لمحو ذكره وإطفاء نوره .
بغضه لآل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
وكان معاوية من أبغض الناس وأحقدهم على آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وقد قام بما يلي :
1 ـ ستر فضائلهم
وأوعز معاوية إلى جميع عمّاله وولاته بستر فضائل آل النبي (صلّى الله عليه وآله) وحجبها عن الناس ، وقد حجّ بيت الله الحرام بعد عام الصلح , فقام إليه جماعة من الناس سوى ابن عباس , فبادره معاوية قائلاً : يابن عباس ، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلاّ لموجدة عليّ بقتالي إيّاكم يوم صفّين . يابن عباس ، إنّ ابن عمّي عثمان قُتل مظلوماً .
فردّ عليه ابن عباس : فعمر بن الخطاب قُتل مظلوماً ، فسلّم الأمر إلى ولده ؟ وهذا ابنه ـ وأشار إلى عبد الله بن عمر ـ .
فأجابه معاوية :
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 2 / 297 .
الصفحة (176)
إنّ عمر قتله مشرك .
فانبرى ابن عباس قائلاً : فمَنْ قتل عثمان ؟
ـ قتله المسلمون .
وامسك ابن عباس بزمامه قائلاً : فذلك أدحض لحجّتك ؛ إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاّ بحقّ .
ووجم معاوية ثمّ قال : إنّا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته , فكفّ لسانك يابن عباس .
فأجابه ابن عباس ببليغ منطقه : أفتنهانا عن قراءة القرآن ؟
ـ لا .
ـ أفتنهانا عن تأويله ؟
ـ نعم .
ـ فنقرأه ولا نسأل عمّا عنى الله به ؟
ـ نعم .
ـ فأيّهنّ أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟
ـ العمل به .
ـ فكيف نعمل به حتّى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟
ـ سل عن ذلك مَنْ يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك .
ـ إنّما نزل القرآن على أهل بيتي , فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط ؟
ـ فاقرؤوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم , وممّا قاله رسول الله فيكم ، وارووا ما سوى ذلك .
الصفحة (177)
وسخر منه ابن عباس , وتلا قوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )(1) .
وصاح به معاوية : اكفف نفسك ، وكفّ عنّي لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سرّاً ، ولا تسمعه أحداً علانية .
لقد جهد معاوية في ستر فضائل أهل البيت (عليهم السّلام) ومحو ذكرهم حتّى لا يبقى لهم أيّ رصيد شعبي في الأوساط الإسلاميّة .
2 ـ اضطهاد الشيعة
واضُطهدت الشيعة اضطهاداً مريراً وقاسياً في أيام معاوية ؛ فقد انتقم منهم كأقسى وأشدّ ما يكون الانتقام ، وكان ما عانوه منه لا يُوصف لشدّة قسوته ومرارته .
وهذه صورة موجزة لما عانوه :
أ ـ القتل الجماعي
وعهد معاوية إلى الجلاّدين من شرطته بقتل الشيعة وإبادتهم ؛ فقتل المجرم بسر بن أرطأة بعد التحكيم ثلاثين ألفاً عدا مَنْ أحرقهم بالنار(2) ، وقتل سمرة بن جندب ثمانية آلاف من أهل البصرة(3) ، وأمّا زياد ابن أبيه فقد اقترف أفظع الجرائم ؛ فقطع الأيدي والأرجل , وسمل العيون , وأنزل بالشيعة جميع صنوف العذاب .
كما صفّى معاوية جميع العناصر الواعية من الشيعة , وكان منهم :
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة / 32 .
(2) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 343 .
(3) شرح نهج البلاغة 2 / 6 .
الصفحة (178)
1 ـ حجر بن عدي وجماعته
2 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي
3 ـ رشيد الهجري
4 ـ أوفى بن حصن
5 ـ عبد الله الحضرمي وجماعته
6 ـ جويرية العبدي
7 ـ عبد الرحمن العنزي
8 ـ صيفي بن فسيل .
وقد ذكرنا بصورة مفصّلة كيفية شهادتهم , وما لاقوه من التنكيل من معاوية ؛ لمحبّتهم لأهل البيت (عليهم السّلام) .
ب ـ ترويع النساء
وروّع معاوية جمهرة من سيّدات نساء الشيعة , كان من بينهنّ :
1 ـ الزرقاء بنت عدي
2 ـ اُمّ الخير البارقية
3 ـ سودة بنت عمارة
4 ـ اُمّ البراء بنت صفوان
5 ـ بكارة الهلالية
6 ـ أروى بنت الحارث
7 ـ عكرشة بنت الأطرش
8 ـ الدرامية الحجونية
لقد لاقين هذه السيّدات التوهين والتقريع والترويع من معاوية ؛ لولائهنّ لأهل البيت (عليهم السّلام) .
الصفحة (179)
جـ ـ هدم دور الشيعة
وأوعز معاوية إلى عمّاله بهدم دور الشيعة فقاموا بهدمها(1) ، وتركوهم بلا مأوى يأوون إليه .
د ـ حرمان الشيعة من العطاء
وكتب معاوية إلى عمّاله نسخة واحدة بحرمان الشيعة من العطاء , وهذا نصها : وانظر إلى مَنْ قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان , وأسقطوا عطاءه ورزقه(2) .
وقام عملاؤه بالفحص في سجلاتهم , فمَنْ وجدوه يتعاطف مع أهل البيت (عليهم السّلام) محوا اسمه ، وأسقطوا عطاءه .
هـ ـ رفض شهادة الشيعة
وعمد معاوية إلى إذلال الشيعة وتجريحهم فأوعز إلى ولاته بعدم قبول شهادة الشيعة في دور القضاء وغيره(3) ؛ مبالغة في التوهين بهم .
و ـ إبعاد الشيعة إلى خراسان
ومن الإجراءات القاسية التي اتّخذها زياد بن أبيه عمدة ولاة معاوية , وأخوه اللاّشرعي ضدّ شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) , وكسر شوكتهم أنّه أجلى خمسين ألفاً منهم من الكوفة إلى خراسان , المقاطعة الشرقية في فارس(4) .
وقد عمل المبعدون على نشر التشيّع
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 11 / 44 .
(2) المصدر نفسه .
(3) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 178 .
(4) تاريخ الشعوب الإسلاميّة 1 / 147 .
الصفحة (180)
في تلك البلاد حتّى تحوّلت إلى جبهة قوية للمعارضة ضدّ الحكم الاُموي ، وقد استغلّها أبو مسلم الخراساني فجنّدها وحارب بها الاُمويِّين حتّى أطاح بدولتهم .
هذه بعض الإجراءات الرهيبة التي اتّخذها معاوية ضدّ الشيعة ، وهي تمثّل مدى حقده وعدائه لأهل البيت (عليهم السّلام) .
أمّا البحث عن نزعاته الشريرة وسائر أعماله المجافية لروح الإسلام والقانون فقد ذكرناها بصورة مفصّلة في الجزء الثاني من كتابنا ( حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) ) فلا حاجة لذكرها .
اغتيال الإمام الحسن (عليه السّلام)
وأكبر موبقة اقترفها معاوية ضدّ الإسلام والمسلون اغتياله لسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسن (عليه السّلام) ، الذي أعطاه عهداً بأن تكون الخلافة له من بعده إلاّ أنّه خان بعهده ، وراح يُنشئ دولة اُمويّة تنتقل بالوراثة إلى أبنائه وأعقابه .
وقد وصفه (الميجر أوزبورن) بأنّه مخادع , وذو قلب خال من كلّ شفقة ، وأنّه كان لا يتهيّب من الإقدام على أيّة جريمة من أجل أن يضمن مركزه ؛ فالقتل إحدى وسائله لإزالة خصومه ، وهو الذي دبّر تسميم حفيد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، كما تخلّص من مالك الأشتر قائد عليّ بنفس الطريقة(1) .
واستعرض الطاغية السفّاك المجرمين ليعهد إلى أخسّهم باغتيال ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلم يجد أحداً خليقاً باقتراف هذه الجريمة سوى جعدة بنت الأشعث ، فهي من بيت جُبل على الجريمة , وطُبع على الغدر والخيانة ؛ فأرسل إلى مروان بن الحكم سمّاً فاتكاً كان قد جلبه من ملك الروم ، وأمره بإغراء جعدة بالأموال وزواج ولده يزيد إن استجابت له ، وعرض عليها مروان ذلك فاستجابت له ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 295 .
استمعوا له ، قال (عليه السّلام) : (( وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمئة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ، وقد أمرني أن أردّها إلى بيت المال )) .
وكان ذلك حقّاً هو منتهى السموّ والعظمة ، ومنتهى التجرّد عن الدنيا والزهد في جميع مظاهرها وملاذّها .
ولمّا أنهى الإمام الحسن (عليه السّلام) خطابه الرائع بايعه الجمهور , وكانوا أصنافاً , وهم :
1 ـ قادة الفرق والزعماء ، وهؤلاء كان معظمهم مع معاوية ؛ فقد استمالهم بأمواله وذهبه ، ووعدهم بالمناصب العالية إن انضموا إليه .
2 ـ الخوارج ، وهم من ألدّ أعدائه وأعداء أبيه ، وكانوا يكيدون له في وضح النهار وغلس الليل .
3 ـ المؤمنون من شيعته ممّن عرفوا حقّه ، ودانوا له بالولاء والطاعة ، وهم قلّة قليلة .
وعلى أيّ حال , فقد علم معاوية ما مُني به جيش الإمام الحسن (عليه السّلام) من الضعف والانحلال والتمرّد على قيادته ، فكتب إلى الإمام (عليه السّلام) يستنجزه الحرب ، وزحف بجيوشه الذين تسودهم الطاعة والإخلاص له , فانتهى إلى المدائن فعسكر فيها .
ولمّا اُذيع ذلك سرت أوبئة الرعب والخوف في نفوس جيش الإمام (عليه السّلام) ، وقد دعاهم إلى مناجزة معاوية فلم يستجب له سوى بعض المؤمنين من أصحابه ، وجعل يستحثّ الناس على الخروج لحرب معاوية ، وبعد جهد شاق خرج معه أخلاط من الناس ـ على حدّ تعبير الشيخ المفيد ـ متباينون في أفكارهم وميولهم ، وأخذوا
الصفحة (168)
يجدّون في السير لا يلوون على شيء حتّى انتهوا إلى المدائن فعسكروا فيها .
حوادث رهيبة
ومُني الإمام الحسن (عليه السّلام) بحوادث مروّعة حينما كان في مسكن , كان من أقساها وأفجعها ما يلي :
1 ـ خيانة القائد العام
وكان عبيد الله بن العباس قائداً لجميع القوات المسلّحة في جيش الإمام (عليه السّلام) ، ولمّا تيقّن أنّ الدنيا قد تنكّرت للإمام انحرف عنه ومال إلى معسكر معاوية بعد أن تسلّم الرشوة منه ، وقد اضطرب جيش الإمام (عليه السّلام) وماج بالفتن ، وكانت خيانته من أفجع النكبات التي مُني بها الإمام (عليه السّلام) .
2 ـ تسلل الوجوه إلى معاوية
وتسلّل الوجوه والأشراف في جيش الإمام (عليه السّلام) إلى معاوية بعد أن تسلّموا منه الأموال .
3 ـ خيانة ثمانية آلاف
والتحق بمعسكر معاوية ثمانية آلاف جندي مع قادتهم ، وأكبر الظنّ أنّهم من أتباع الخائن العميل الأشعث بن قيس ، وقد بان الانكسار والضعف بجيش الإمام (عليه السّلام) بعد خيانة هذا العدد الكبير منهم .
4 ـ خيانة ربيعة
وتعتبر قبائل ربيعة العمود الفقري في جيش الإمام (عليه السّلام) ؛ فقد أقبل زعيمها خالد بن معمر إلى معاوية فقال له : اُبايعك عن ربيعة كلّها . فبايعه على ذلك .
وفيه يقول الشاعر مخاطباً معاوية :
معاوي أكرم خالدَ بن معمّرٍ فـإنّك لولا خالدٌ لم تؤمّرِ
ولمّا انتهى الخبر إلى الإمام الحسن (عليه السّلام) انهارت قواه , واتّجه صوب الجيش
الصفحة (169)
فقال لهم : (( يا أهل العراق ، أنتم الذين أكرهتم أبي على القتال والحكومة ثمّ اختلفتم عليه ، وقد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية فبايعوه ، فحسبي منكم ! لا تغرّوني في نفسي وديني ))(1) .
وكذلك بايع معاوية سرّاً عثمان بن شرحبيل زعيم بني تميم(2) .
5 ـ نهب أمتعة الإمام (عليه السّلام)
وعمدت تلك العصابة التي انمحت عن نفوسها جميع أفانين الشرف والكرامة إلى نهب أمتعة الإمام (عليه السّلام) وأجهزته ، وأكبر الظنّ أنّ للخوارج ضلعاً كبيراً في هذه الجريمة .
6 ـ محاولة اغتيال الإمام (عليه السّلام)
ولم تقف محنة الإمام الحسن (عليه السّلام) في جيشه عند حدّ ؛ فقد عظم بلاؤه إلى أكثر من ذلك ؛ فقد قدم المرتشون والخوارج على اغتياله وذلك في عدّة محاولات ، وهي :
1 ـ إنّه كان يصلّي فرماه شخص بسهم
2 ـ طعنه الجرّاح بن سنان في فخذه
3 ـ طعنه بخنجر في أثناء الصلاة
واتّضحت للإمام (عليه السّلام) بعد هذه الاعتداءات الصارخة على حياته أنّه ليس عنده جيش يركن إليه لمناجزة معاوية .
7 ـ الحكم عليه بالكفر
ومن بين المحن الشاقة التي امتحن بها الإمام الحسن (عليه السّلام) أنّ بعض العناصر في جيشه حكموا عليه بالشرك والإلحاد ، وأكبر الظنّ أنّهم الخوارج الذين لا نصيب لهم
ـــــــــــــــــــــ
(1) أنساب الأشراف 1 / 223 ، القسم الأوّل .
(2) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 127 .
الصفحة (170)
من الإيمان والإسلام .
وعلى أيّ حال , فقد انبرى الجرّاح بن سنان نحو الإمام وهو رافع صوته قائلاً : أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل !
إنّ مجتمعاً يضمّ أمثال هؤلاء الأوغاد لهو مجتمع غير سليم .
ضرورة الصلح
ودرس الإمام الحسن (عليه السّلام) الموقف من جميع جوانبه ووجوهه , ورأى أنّه بين محذورين ؛ وهما :
الأول : أن يناجز معاوية ويفتح معه باب الحرب ، وهذا ما يطلبه ويبغيه لإنقاذ العالم الإسلامي من هذا العدو الظالم الذي يكيد له في الليل إذا يغشى , وفي النهار إذا تجلّى ؛ فحربه أمر لازم وضروري , ولكن ذلك لا سبيل له ، ولا تساعده الحكمة وعمق النظر ؛ وذلك لما يلي :
1 ـ إنّه ليس عند الإمام (عليه السّلام) قوّة عسكرية يستطيع أن يخوض بها الحرب ؛ فإنّ الأكثرية الساحقة من جيشه قد استجابت لمعاوية ، وآثرت السلم والعافية .
2 ـ إنّ معاوية قد أرشى معظم قادة الفرق في جيش الإمام (عليه السّلام) ، فصاروا طوع إرادته ، وضمنوا إنجاز ما يريد من اغتيال الإمام (عليه السّلام) أو تسليمه له أسيراً .
3 ـ إنّ من المؤكد أنّ معاوية هو الذي ينجح في الحرب ـ حسب الفنون العسكريّة ـ فإذا استشهد الإمام (عليه السّلام) فإنّه لا يستشهد وحده , وإنّما يستشهد معه جميع أفراد اُسرته وخلّص شيعته ، ولا تستفيد القضية الإسلاميّة من تضحيتهم شيئاً ؛ فإنّ دهاء معاوية وما يتمتّع به من وسائل المكر والخداع يجعل تبعة ذلك على الإمام (عليه السّلام) ، وبذلك يخسر العالم الإسلامي أهم رصيد روحي وفكري .
4 ـ إنّ الإمام إذا لم يستشهد واُخذ أسيراً لمعاوية ، فإنّ من المحقّق أنّه يمنّ عليه ويوصمه مع بقية أهل البيت (عليهم السّلام) بالطلقاء ، ويسجّل له بذلك يداً على العلويِّين ,
الصفحة (171)
ويمحو عنه وعن الاُمويِّين وصمة الطلقاء التي أسداها عليهم النبي (صلّى الله عليه وآله) حينما فتح مكة .
الثاني : أن يصالح معاوية على ما في الصلح من قذى العين وشجى الحلق ، وهذا هو المتعيّن في عرف السياسة وقوانين الحكمة ، وله مرجّحاته الواقعية والظاهرية التي أشرنا إليها .
وكان من أعظم فوائد الصلح ومن أهم ثمراته إبراز الواقع الاُموي الذي خفي على المسلمين ؛ فقد تظاهر الاُمويِّين بالإسلام ، وأشاعوا أنّهم حماة الدين ، وأقرب الناس إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وأمسّهم رحماً به ، وبعد الصلح انكشف زيفهم ، وظهر واقعهم الجاهلي ؛ فقد تفجّرت سياسة معاوية بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ؛ فقد أعلن بعد الصلح مباشرة أمام الحشود فخاطب أهل العراق قائلاً : إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتزكّوا ولا لتحجّوا وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك ، وإنّي قد أعطيت الحسن بن عليّ شروطاً لا أفي بواحد منها وها هي تحت قدمي .
ولو لم يكن للصلح من فائدة إلاّ إبراز حقيقة معاوية وتجريده من كلّ إطار ديني لكفى ؛ فقد أبرز معاوية واقعه بهذا الخطاب ، فهو لم يُقاتل أهل العراق من أجل الطلب بدم عثمان ، ولا من أجل ظاهرة إسلاميّة ، وإنّما قاتلهم من أجل الإمرة والسلطان ، ولو كان يملك ذرّة من الشرف والكرامة لما فاه بذلك ، ولما أعلن نقضه للعهود والمواثيق التي أعطاها للإمام الحسن (عليه السّلام) .
وعلى أيّ حال ، فإنّا قد بسطنا القول بصورة موضوعية وشاملة في بيان ضرورة الصلح ، وإنّه هو المتعيّن على الإمام (عليه السّلام) شرعاً وسياسة في كتابنا ( حياةالإمام الحسن (عليه السّلام) ) ، كما استوفينا البحث من الشروط التي شرطها الإمام (عليه السّلام) على معاوية والتي لم يفِ بشيء منها ، فمَنْ أراد الإلمام بهذه البحوث عليه بمراجعة هذا الكتاب .
الصفحة (172)
السفر إلى يثرب
وأخذ الإمام الحسن (عليه السّلام) يتهيّأ للسفر إلى يثرب ، ويترك البلد الذي خذله وخذل أباه من قبل ، ولمّا تمّت وسائل النقل خرج أهل الكوفة إلى توديعه وهم ما بين باك وآسف يندبون حظّهم التعيس ؛ فقد أصبحت بلدهم مصراً من الأمصار بعد أن كانت عاصمة الدولة الإسلاميّة ، وأصبحت القطع السورية من الجيش تدخل مصرهم وتسيطر عليهم ، ويُقام في بلدهم حكم إرهابي لا يعرف الرحمة ولا الرأفة .
وعلى أيّ حال , فقد انتهى الإمام (عليه السّلام) إلى يثرب فخفّ أهلها إلى استقباله ؛ فقد أقبل إليهم الخير وحلّت في ديارهم السعادة .
وعلى أيّ حال , فقد أفلت دولة الحقّ وقامت على أنقاضها دولة الباطل ، وكان ذلك من أعظم النكبات التي عانتها حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعقيلة بني هاشم السيّدة زينب ، فكانت عالمة بمجريات الأحداث ونتائجها التي كان منها ما عانته من الرزايا والخطوب في كربلاء .
حكومة معاوية
واستقبل المسلمون حكومة معاوية بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب واعتبروها نكسة للإسلام ، ونصراً حاسماً للقوى المعادية له والحاقدة عليه ، وفي طليعتها الاُسرة الاُمويّة ومَنْ شايعها من القبائل القرشيّة ؛ فقد انتعشت الأفكار الجاهليّة وعادت لها الحياة من جديد ، وانطوت الديمقراطية الإسلاميّة وما تنشده من التقدّم والتطوّر للإنسان في مجالاته الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة .
يقول السيد مير علي الهندي : ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم التوليغارشية الوثنية السابقة ، فاحتلّ موقع ديمقراطية الإسلام ، وانتعشت الوثنية بكلّ ما يرافقها من خلاعات ، وكأنّها بُعثت من جديد ، كما وجدت الرذيلة والتبذّل الخُلقي لنفسها متّسعاً في كلّ مكان ارتادته رايات حكم الاُمويِّين من جند الشام(1) .
لقد وقعت الاُمّة فريسة تحت أنياب معاوية فساسها سياسة سوداء تفجّرت بكلّ ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه ، فأشاع فيها البؤس والحرمان والقتل والدمار .
ونعرض ـ بإيجاز ـ لبعض نزعاته وصورة عن سياسته :
عداؤه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)
وورث معاوية عداءه للرسول (صلّى الله عليه وآله) من أبيه أبي سفيان الذي هو من ألدّ أعدائه
ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 296 .
الصفحة (174)
وخصومه ، وقد ناجزه الحرب في بدر واُحد وغيرهما ، وقد حاول جاهداً أن يلفّ لواء الإسلام ويُطفئ نور الله ، ولكنّ الله تعالى ردّ كيده ونصر رسوله وأعزّ جنده .
وأمّا اُمّ معاوية فهي الباغية هند ، وهي التي عُرفت بالعداء العارم للاُسرة العلوية ، وهي التي حرّضت وحشيّاً على قتل سيّد الشهداء حمزة فقتله ، وبعد قتله مثّلت به شرّ تمثيل .
ولا يقلّ معاوية في عدائه للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن أبويه ؛ فقد اُترع بالكراهية والبغض له ، وكان من حقده له أنّه سمع المؤذّن يؤذّن : أشهد أنّ محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلم يملك إهابه واندفع قائلاً : لله أبوك يابن عبد الله ! لقد كنت عالي الهمّة ، ما رضيت لنفسك إلاّ أن يُقرن اسمك باسم ربّ العالمين(1) .
وكان من حقده على النبي (صلّى الله عليه وآله) ما حدّث به مطرف بن المغيرة و قال : وفدت مع أبي على معاوية , فكان يتحدّث عنده ثم ينصرف إليّ وهو يذكر معاوية وعقله , ويعجب بما يرى منه . وأقبل ذات ليلة وهو غضبان , فأمسك عن العشاء , فانتظرته ساعة وقد ظننت أنّه شيء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : ما لي أراك مغتماً هذه الليلة ؟
ـ يا بُني ، جئتك من أخبث الناس .
ـ ما ذاك ؟
ـ خلوت بمعاوية فقلت له : إنّك قد بلغت مُناك يا أمير المؤمنين , فلو أظهرت عدلاً ، وبسطت خيراً ؛ فإنّك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم ، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه .
فثار معاوية وقال :
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 10 / 101 .
الصفحة (175)
هيهات ، هيهات ! ملك أخو تيم فعدل ، وفعل ما فعل , فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : أبو بكر ، ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وعمره عشر سنين ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : عمر ، ثمّ ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل به ما عمل ، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، وإنّ أخا هاشم يصرخ به في كلّ يوم خمس مرّات أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فأيّ عمل يبقى بعد هذا ـ لا اُمّ لك ـ إلاّ دفناً دفناً ؟!(1)
وتحكي هذه البادرة مدى حقده وبغضه للنبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأنّه يسعى جاهداً لمحو ذكره وإطفاء نوره .
بغضه لآل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)
وكان معاوية من أبغض الناس وأحقدهم على آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وقد قام بما يلي :
1 ـ ستر فضائلهم
وأوعز معاوية إلى جميع عمّاله وولاته بستر فضائل آل النبي (صلّى الله عليه وآله) وحجبها عن الناس ، وقد حجّ بيت الله الحرام بعد عام الصلح , فقام إليه جماعة من الناس سوى ابن عباس , فبادره معاوية قائلاً : يابن عباس ، ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلاّ لموجدة عليّ بقتالي إيّاكم يوم صفّين . يابن عباس ، إنّ ابن عمّي عثمان قُتل مظلوماً .
فردّ عليه ابن عباس : فعمر بن الخطاب قُتل مظلوماً ، فسلّم الأمر إلى ولده ؟ وهذا ابنه ـ وأشار إلى عبد الله بن عمر ـ .
فأجابه معاوية :
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 2 / 297 .
الصفحة (176)
إنّ عمر قتله مشرك .
فانبرى ابن عباس قائلاً : فمَنْ قتل عثمان ؟
ـ قتله المسلمون .
وامسك ابن عباس بزمامه قائلاً : فذلك أدحض لحجّتك ؛ إن كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلاّ بحقّ .
ووجم معاوية ثمّ قال : إنّا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته , فكفّ لسانك يابن عباس .
فأجابه ابن عباس ببليغ منطقه : أفتنهانا عن قراءة القرآن ؟
ـ لا .
ـ أفتنهانا عن تأويله ؟
ـ نعم .
ـ فنقرأه ولا نسأل عمّا عنى الله به ؟
ـ نعم .
ـ فأيّهنّ أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟
ـ العمل به .
ـ فكيف نعمل به حتّى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟
ـ سل عن ذلك مَنْ يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك .
ـ إنّما نزل القرآن على أهل بيتي , فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط ؟
ـ فاقرؤوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم , وممّا قاله رسول الله فيكم ، وارووا ما سوى ذلك .
الصفحة (177)
وسخر منه ابن عباس , وتلا قوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )(1) .
وصاح به معاوية : اكفف نفسك ، وكفّ عنّي لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سرّاً ، ولا تسمعه أحداً علانية .
لقد جهد معاوية في ستر فضائل أهل البيت (عليهم السّلام) ومحو ذكرهم حتّى لا يبقى لهم أيّ رصيد شعبي في الأوساط الإسلاميّة .
2 ـ اضطهاد الشيعة
واضُطهدت الشيعة اضطهاداً مريراً وقاسياً في أيام معاوية ؛ فقد انتقم منهم كأقسى وأشدّ ما يكون الانتقام ، وكان ما عانوه منه لا يُوصف لشدّة قسوته ومرارته .
وهذه صورة موجزة لما عانوه :
أ ـ القتل الجماعي
وعهد معاوية إلى الجلاّدين من شرطته بقتل الشيعة وإبادتهم ؛ فقتل المجرم بسر بن أرطأة بعد التحكيم ثلاثين ألفاً عدا مَنْ أحرقهم بالنار(2) ، وقتل سمرة بن جندب ثمانية آلاف من أهل البصرة(3) ، وأمّا زياد ابن أبيه فقد اقترف أفظع الجرائم ؛ فقطع الأيدي والأرجل , وسمل العيون , وأنزل بالشيعة جميع صنوف العذاب .
كما صفّى معاوية جميع العناصر الواعية من الشيعة , وكان منهم :
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة / 32 .
(2) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 343 .
(3) شرح نهج البلاغة 2 / 6 .
الصفحة (178)
1 ـ حجر بن عدي وجماعته
2 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي
3 ـ رشيد الهجري
4 ـ أوفى بن حصن
5 ـ عبد الله الحضرمي وجماعته
6 ـ جويرية العبدي
7 ـ عبد الرحمن العنزي
8 ـ صيفي بن فسيل .
وقد ذكرنا بصورة مفصّلة كيفية شهادتهم , وما لاقوه من التنكيل من معاوية ؛ لمحبّتهم لأهل البيت (عليهم السّلام) .
ب ـ ترويع النساء
وروّع معاوية جمهرة من سيّدات نساء الشيعة , كان من بينهنّ :
1 ـ الزرقاء بنت عدي
2 ـ اُمّ الخير البارقية
3 ـ سودة بنت عمارة
4 ـ اُمّ البراء بنت صفوان
5 ـ بكارة الهلالية
6 ـ أروى بنت الحارث
7 ـ عكرشة بنت الأطرش
8 ـ الدرامية الحجونية
لقد لاقين هذه السيّدات التوهين والتقريع والترويع من معاوية ؛ لولائهنّ لأهل البيت (عليهم السّلام) .
الصفحة (179)
جـ ـ هدم دور الشيعة
وأوعز معاوية إلى عمّاله بهدم دور الشيعة فقاموا بهدمها(1) ، وتركوهم بلا مأوى يأوون إليه .
د ـ حرمان الشيعة من العطاء
وكتب معاوية إلى عمّاله نسخة واحدة بحرمان الشيعة من العطاء , وهذا نصها : وانظر إلى مَنْ قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان , وأسقطوا عطاءه ورزقه(2) .
وقام عملاؤه بالفحص في سجلاتهم , فمَنْ وجدوه يتعاطف مع أهل البيت (عليهم السّلام) محوا اسمه ، وأسقطوا عطاءه .
هـ ـ رفض شهادة الشيعة
وعمد معاوية إلى إذلال الشيعة وتجريحهم فأوعز إلى ولاته بعدم قبول شهادة الشيعة في دور القضاء وغيره(3) ؛ مبالغة في التوهين بهم .
و ـ إبعاد الشيعة إلى خراسان
ومن الإجراءات القاسية التي اتّخذها زياد بن أبيه عمدة ولاة معاوية , وأخوه اللاّشرعي ضدّ شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) , وكسر شوكتهم أنّه أجلى خمسين ألفاً منهم من الكوفة إلى خراسان , المقاطعة الشرقية في فارس(4) .
وقد عمل المبعدون على نشر التشيّع
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 11 / 44 .
(2) المصدر نفسه .
(3) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 178 .
(4) تاريخ الشعوب الإسلاميّة 1 / 147 .
الصفحة (180)
في تلك البلاد حتّى تحوّلت إلى جبهة قوية للمعارضة ضدّ الحكم الاُموي ، وقد استغلّها أبو مسلم الخراساني فجنّدها وحارب بها الاُمويِّين حتّى أطاح بدولتهم .
هذه بعض الإجراءات الرهيبة التي اتّخذها معاوية ضدّ الشيعة ، وهي تمثّل مدى حقده وعدائه لأهل البيت (عليهم السّلام) .
أمّا البحث عن نزعاته الشريرة وسائر أعماله المجافية لروح الإسلام والقانون فقد ذكرناها بصورة مفصّلة في الجزء الثاني من كتابنا ( حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) ) فلا حاجة لذكرها .
اغتيال الإمام الحسن (عليه السّلام)
وأكبر موبقة اقترفها معاوية ضدّ الإسلام والمسلون اغتياله لسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الإمام الحسن (عليه السّلام) ، الذي أعطاه عهداً بأن تكون الخلافة له من بعده إلاّ أنّه خان بعهده ، وراح يُنشئ دولة اُمويّة تنتقل بالوراثة إلى أبنائه وأعقابه .
وقد وصفه (الميجر أوزبورن) بأنّه مخادع , وذو قلب خال من كلّ شفقة ، وأنّه كان لا يتهيّب من الإقدام على أيّة جريمة من أجل أن يضمن مركزه ؛ فالقتل إحدى وسائله لإزالة خصومه ، وهو الذي دبّر تسميم حفيد الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، كما تخلّص من مالك الأشتر قائد عليّ بنفس الطريقة(1) .
واستعرض الطاغية السفّاك المجرمين ليعهد إلى أخسّهم باغتيال ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فلم يجد أحداً خليقاً باقتراف هذه الجريمة سوى جعدة بنت الأشعث ، فهي من بيت جُبل على الجريمة , وطُبع على الغدر والخيانة ؛ فأرسل إلى مروان بن الحكم سمّاً فاتكاً كان قد جلبه من ملك الروم ، وأمره بإغراء جعدة بالأموال وزواج ولده يزيد إن استجابت له ، وعرض عليها مروان ذلك فاستجابت له ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) روح الإسلام / 295 .
