إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

حياة زينب ع15

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • حياة زينب ع15

    فأخذت السمّ ودسّته للإمام (عليه السّلام) ، وكان صائماً في وقت شديد الحرّ ، وما إن وصل السمّ إلى جوف الإمام (عليه السّلام) لاحتّى تقطّعت أمعاؤه ، فالتفت (عليه السّلام) إلى الخبيثة الماكرة وقال لها : (( قتلتيني قتلك الله ! والله لا تصيبين منّي خلفاً ، لقد غرّك ـ يعني معاوية ـ وسخر منك , يخزيك الله ويخزيه ))(1) .
    وأخذ ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يعاني من شدّة السمّ وقسوته , وكان يتقيّأ قطعاً من الدم في طشت ، فدخلت عليه شقيقته سيّدة النساء العقيلة فأمر برفع الطشت ؛ لئلا ترى ما فيه فيذوب قلبها ، فنظرت العقيلة إلى أخيها وهو مصفرّ الوجه , قد فتك السمّ به ، فانهارت قواها , وطافت بها موجات مذهلة من الألم والحزن ؛ فقد علمت أنّ أخاها سيفارقها عمّا قريب .
    وأخذ الإمام (عليه السّلام) يقبّل إخوته وخلّص أصحابه , وهو يوصيهم بمكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، وتقوى الله ، والاجتناب عن معاصيه . واشتدّت حالته , وأخذ يتلو آيات من كتاب الله العزيز , ويطلب من الله تعالى أن يجعله في أعلى مراتب المتّقين والصالحين . ووافاه الأجل المحتوم ولسانه يلهج بذكر الله ، وقد سمت روحه العظيمة إلى بارئها وهي مليئة بالآلام التي عانتها من معاوية العدوّ الماكر للإسلام .

    وقام الإمام الحسين (عليه السّلام) بتجهيز جثمان أخيه ، وبعد الانتهاء من مراسيم الغسل والتكفين رأى الإمام (عليه السّلام) أن يدفن أخاه بجوار جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فمنعته بنو اُميّة , وقد استعانوا بعائشة ؛ فقد خرجت على بغل وهي تقول : لا يُدفن الحسن بجوار جدّه أو بيتي هذه .وأومأت إلى شعر رأسها وصاحت بالهاشميّين : لا تدخلوا بيتي مَنْ لا اُحبّ .

    وكادت الفتنة أن تقع وتُراق الدماء ، فعدل الإمام (عليه السّلام) عن دفن أخيه بجوار جدّه , ودفنه في البقيع ، وقد ذكرنا الأحداث التي رافقت دفن الإمام الحسن (عليه السّلام) في كتابنا (حياة الإمام الحسن) فلا نرى حاجة لذكرها .
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 317 .البيعة ليزيد (لعنه الله)

    وختم معاوية حياته الملوّثة بالجرائم والموبقات بفرض ولده يزيد خليفة على المسلمين ، وقد استخدم جميع الوسائل المنحطّة في جعل الخلافة في أبنائه وتحويلها إلى ملك عضوض لا محلّ فيه لأي قيمة من القيم الدينية .
    وقد ورث يزيد صفات جدّه أبي سفيان وأبيه معاوية من النفاق والغدر , والطيش والعداء للإسلام . يقول السيد مير علي الهندي : وكان يزيد غدّاراً كأبيه , ولكن ليس داهية مثله ، كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة ، وكانت طبيعته المنحلّة ، وخُلقه المنحطّ لا تتسرّب إليهما شفقة ولا عدل ؛ كان يقتل ويعذّب نشداناً للمتعة واللذّة التي يشعر بهما وهو ينظر إلى آلام الآخرين ، وكان بؤرة لأبشع الرذائل ، وها هم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك , لقد كانوا من حثالة المجتمع(1) .
    لقد كان يزيد مستهتراً بعيداً عن جميع القيم الإنسانيّة , لا يحفل بما يقترفه من الموبقات والرذائل ، وحسبه أنّه حفيد أبي سفيان وابن معاوية الذئب الجاهلي . ووصفه المؤرّخون بأنّه كان مُعرّى من كلّ صفة إنسانيّة ، وأنّه جاهلي بما تحويه هذه الكلمة من معنى .
    ومن مظاهر استهتاره ولعه بشرب الخمر ، ويعزو بعض المؤرّخين سبب وفاته إلى أنّه شرب خمراً كثيراً حتّى أولد فيه انفجاراً في دماغه ، ومن أنّه كان ولعاً بالقرود ، فكان له فهد يجعله بين يديه ويُكنّيه بأبي قيس ، ويسقيه فضل كأسه ، ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل أصابته خطيئة فمُسخ .

    وكان يحمله على أتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق ، فحمله يوماً فسبق الخيل , فسرّ بذلك ,
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) روح الإسلام / 296 .
    الصفحة (183)

    وجعل يقول :
    تمسّك أبا قيس بفضل زمامها فليس عليها إن سقطت ضمانُ
    فقد سبقت خيلَ الجماعة كلَّها وخـيلَ أمـير المؤمنين أتانُ

    وأرسله مرّة في حلبة السباق فطرحته الريح فمات , فحزن عليه حزناً شديداً , وأمر بتكفينه ودفنه ، وأوعز إلى أهل الشام أن يعزّوه بمصابه الأليم بهذا الفقيد العزيز , ورثاه بهذه الأبيات :


    كـم مـن كرامٍ وقوم ذو محافظةٍ جـاؤوا لـنا لـيعزّوا في أبي قيسِ
    شـيخ الـعشيرة أمضاها و أحملها على الرؤوس وفي الأعناق والريسِ
    لا يـبعد الله قـبراً أنـت سـاكنه فـيه جـمالٌ وفيه لحيةُ التيسِ(1)

    وشاع بين الناس ولعه بالقرود ، وقد هجاه [الشاعر] ابن تنوخ بقوله :


    يزيد صديق القرد ملّ جوارنا فـحنّ إلى أرض القرود يزيدُ
    فـتبّاً لـمَنْ أمسى علينا خليفةً صحابته الأدنون منه قرودُ(2)

    وكان كلفاً بالصيد لاهياً به ، وكان يُلبس كلاب الصيد الأساور من الذهب والجلال المنسوجة منه , ويهب لكلّ كلب عبداً يخدمه(3) .
    لقد كان يزيد عنواناً لكلّ رذيلة وموبقة , وهو أخبث إنسان على وجه الأرض ، وأصبح علماً للانحطاط الخُلقي والظلم الاجتماعي ، وحيث ما ذكر اسمه فإنّه مثال للفساد والاستبداد , والتهتك والخلاعة ، وقد ذكرنا المزيد من صفاته ونزعاته في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) جواهر المطالب لمناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) / 143 .
    (2) أنساب الأشراف 2 / 2 .
    (3) الفخري / 45 .
    الصفحة (184)


    الصفحة (185)
    الحكم الأسود

    وخيّم على العالم الإسلامي حكم إرهابي عنيف لا يخضع لعرف ولا لقانون ، ولا يستجيب لأيّة عاطفة إنسانيّة ، شعاره الظلم والاستبداد واللامبالاة . هذا هو السمت الظاهر والواقع لحكم يزيد بن معاوية الذي بُلي به المسلمون ، وامتحنوا امتحاناً عسيراً .
    لقد عانت عقيلة بني هاشم السيّدة زينب في عهد هذا الطاغية أشقّ وأقسى ألوان المصائب والكوارث ، كما تعرّضت الاُسرة النبويّة إلى الإبادة الشاملة ؛ فقد جُزروا كالأضاحي ، ومثّلت الجيوش الاُمويّة أشرّ تمثيل بأجسامهم الطاهرة .

    كلّ ذلك كان بمرأى من حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ فذابت نفسها أسى وحسرات ، ولم تقتصر محنتها على ذلك , وإنّما تعدّت إلى ما هو أقسى وأشجّ ؛ فقد سُبيت مع عقائل الوحي ومخدّرات الرسالة ، يُطاف بهنّ من بلد إلى بلد ، فتارة يمثلنَ أمام ابن مرجانة ، واُخرى في مجلس يزيد ، فلم تبقَ محنة من محن الدنيا ، ولا فاجعة من فواجع الدهر إلاّ جرت على حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في عهد هذا الطاغية الأثيم .
    وعلى أيّ حال , فقد تسلّم يزيد بعد هلاك أبيه قيادة الدولة الإسلاميّة وهو في غضارة العمر وريعان الشباب , لم تصقله التجارب ، ولم تُهذّبه الأيام ، قد استسلم لشهواته وملذّاته التي كان البارز منها سفك الدماء , وإشاعة الفزع والخوف بين الناس .
    ولم يكن الطاغية حينما وافت المنية أباه في دمشق ، وإنّما كان في رحلات
    الصفحة (186)

    الصيف في حوارين الثنية ، فأرسل إليه الضحّاك بن قيس رسالة يعزّيه فيها بوفاة أبيه , ويهنّئه بالخلافة ، ويطلب منه الإسراع إلى عاصمته يتولّى شؤون الحكم ، وحينما انتهت إليه الرسالة أسرع نحو عاصمته ، ومعه أخواله وبنو اُميّة , والمغنّون والعابثون من أصحابه , وقد شعث في الطريق ، فأقبل الناس يسلّمون عليه ويعزّونه , وقد عابوا عليه ما هو فيه , فانتقدوه وقالوا : هذا الأعرابي الذي ولاّه معاوية أمر الناس , والله سائل عنه(1) .
    ومضى صوب قبر أبيه فجلس عنده وهو باكي العين , وأنشأ يقول :
    جـاءَ الـبريدُ بقرطاسٍ يخبّ به فأوجسَ القلبُ من قرطاسهِ فزعا
    قـلنا لـكَ الويل ماذا في كتابكمُ قالَ الخليفَ أمسى مدنفاً وجعا(2)

    ثمّ سار نحو القبّة الخضراء في موكب رسمي تحفّ به بنو اُميّة وأخواله وشرطته .
    خطابه في أهل الشام

    وخطب يزيد في أهل الشام خطاباً أعلن فيه عن عزمه على خوض حرب مدمّرة مع أهل العراق , جاء فيه : يا أهل الشام ، فإنّ الخير لم يزل فيكم ، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديدة ، وقد رأيت في منامي كأنّ نهراً يجري بيني وبينهم دماً عبيطاً ، وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم أقدر على ذلك , حتّى جاءني عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه .
    وانبرى أهل الشام فأعلنوا دعمهم الكامل له قائلين :
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 1 / 267 .
    (2) تاريخ ابن الأثير 3 / 266 .


    يا أمير المؤمنين , امض بنا حيث شئت ، وأقدم بنا على مَنْ أحببت ، فنحن بين يديك ، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفّين .
    وشكرهم يزيد على ولائهم ، وأثنى على إخلاصهم(1) .

    وقد كشف خطابه عن تصميمه على حرب أهل العراق ؛ وذلك لعلمه بكراهيتهم له ، وتجاوبهم الكامل مع الإمام الحسين (عليه السّلام) .
    مع المعارضة في يثرب

    وكان يزيد يتحرّق غيظاً وغضباً على الجبهة المعارضة له في يثرب , والتي كانت لا تراه أهلاً لولاية أمير المسلمين .

    أمّا أعلام المعارضة فهم :
    1 ـ الإمام الحسين (عليه السّلام)

    وهو ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته ، وكان يتمتّع بنفوذ واسع النطاق في معظم الأقاليم الإسلاميّة .
    2 ـ عبد الله بن الزّبير

    وهو من أعلام المعارضة ، إلاّ أنّه لم تكن له شعبية ولم يتمتّع بصفة فاضلة ، وكان يرى أنّه أفضل من يزيد وأحقّ بالبيعة والخلافة منه .
    أوامره المشدّدة إلى الوليد

    وأصدر الطاغية أوامره المشدّدة إلى الوليد بن عتبة عامله على يثرب بإرغام المعارضين له على أخذ البيعة منهم ، فإن امتنعوا نفّذ فيهم حكم الإعدام .

    وقد جاء في رسالته : إذا أتاك كتابي فاحضر الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير فخذهما بالبيعة ،
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) حياة الإمام الحسين (عليه السلام) 2 / 244 .
    الصفحة (188)

    فإن امتنعا فاضرب [ عنقيهما ] وابعث إليّ [ برأسيهما ] ، وخذ الناس بالبيعة , فمَنْ امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن عليّ وعبد الله بن الزّبير , والسّلام(1) .
    فزع الوليد

    ولمّا انتهت رسالة يزيد إلى الوليد فزع فزعاً شديداً ؛ فإنّ التنكيل بالمعارضين وإنزال العقاب الصارم بهم ليس بالأمر السهل ؛ فإنّ معاوية مع ما يتمتّع به من القابليات الدبلوماسية لم يستطع إرغام الإمام الحسين (عليه السّلام) على أخذ البيعة منه ليزيد , فكيف يستطيع الوليد تنفيذ ذلك .
    ورأى الوليد أن يعرض الأمر على مروان ـ عميد الاُسرة الاُمويّة ـ ويستشيره في الأمر ، فبعث خلفه وأطلعه على رسالة يزيد .

    فقال له مروان : ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد ، فإن فعلوا قبلت منهم ذلك ، وإن أبوا قدّمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية ؛ فإنّهم إن علموا ذلك وثب كلّ رجل منهم فأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قِبَل لك به ، إلاّ عبد الله بن عمر فإنّه لا ينازع في هذا الأمر أحداً ، مع أنّي أعلم أنّ الحسين بن عليّ لا يُجيبك إلى بيعة يزيد ولا يرى له عليه طاعة . والله لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتّى أضرب رقبته كائناً في ذلك ما كان .

    وعظم ذلك على الوليد ؛ فقد اختار له مروان هلاك دينه ودنياه ، فقال له : يا ليت الوليد لم يولد ، ولم يك شيئاً مذكوراً !
    وسخر منه مروان ، وراح يندّد به قائلاً : لا تجزع ممّا قلت لك ؛ فإنّ آل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر ولم
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) تاريخ اليعقوبي 2 / 215 .
    الصفحة (189)

    يزالوا ، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان ، ثمّ ساروا إلى أمير المؤمنين ـ يعني معاوية ـ فحاربوه .
    ونهره الوليد ونصحه قائلاً : ويحك يا مروان عن كلامك هذا ! وأحسن القول في ابن فاطمة ؛ فإنّه بقيّة النبوّة(1) . واتّفق رأي الوليد ومروان على استدعاء الإمام الحسين (عليه السّلام) وابن الزّبير , وعرض الأمر عليهما والنظر في رأيهما .
    استدعاء الحسين (عليه السّلام)

    وأرسل الوليد في منتصف الليل(2) عبد الله بن عمرو بن عفان خلف الإمام الحسين (عليه السّلام) وابن الزّبير ، ومضى الفتى يدعوهما فوجدهما في الجامع النبوي فعرض عليهما الأمر فأجاباه إلى ذلك وأمراه بالانصراف ، والتفت ابن الزّبير إلى الإمام (عليه السّلام) فقال له : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟
    فأجابه الإمام : (( أظنّ أنّ طاغيتهم ـ يعني معاوية ـ قد هلك , فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يفشو بالناس الخبر )) . واستصوب ابن الزّبير رأي الإمام (عليه السّلام) قائلاً : وأنا ما أظنّ غيره ، فما تريد أن تصنع ؟

    ـ (( أجمع فتياني في الساعة ثمّ أسير إليه ، وأجلسهم على الباب )) .
    وانبرى ابن الزّبير يبدي مخاوفه على الإمام (عليه السّلام) قائلاً :
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) الفتوح 5 / 12 ـ 13 ، ذكرنا عرضاً مفصّلاً للأسباب التي دعت مروان إلى هذا الموقف مع المعارضة في كتابنا ( حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) ) .
    (2) البداية والنهاية 8 / 160 .
    الصفحة (190)

    إنّي أخاف عليك إذا دخلت .
    ـ (( لا آتيه إلاّ وأنا قادر على الامتناع ))(1) .
    واتّجه الإمام الحسين (عليه السّلام) صوب الوليد ، فلمّا التقى به نعى إليه معاوية , فاسترجع الإمام (عليه السّلام) وقال له : (( لماذا دعوتني ؟ )) .
    ـ دعوتك للبيعة .
    فطلب منه الإمام تأجيل البيعة قائلاً : (( إنّ مثلي لا يُبايع سرّاً ، ولا يجتزئ بها منّي سرّاً ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة دعوتنا معهم , فكان الأمر واحداً )) .
    لقد أراد الإمام (عليه السّلام) أن يعلن رأيه أمام الجماهير في رفضه البيعة ليزيد ، وعرف مروان قصده , فصاح بالوليد : لئن فارقك ـ يعني الحسين ـ الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينكم وبينه ؛ احبسه فإن بايع وإلاّ ضربت عنقه .
    ووثب أبيّ الضيم كالأسد ، فقال للوزغ ابن الوزغ : (( يابن الزرقاء ! أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت ))(2) . وأقبل على الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه على رفضه الكامل لبيعة يزيد قائلاً : (( أيّها الأمير , إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومحلّ الرحمة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالخلافة والبيعة ))(3) .
    ـــــــــــــــــــــ
    (1)(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 264 .
    (3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 255 .
    الصفحة (191)

    وكان هذا أوّل إعلان من الإمام الحسين (عليه السّلام) بعد هلاك معاوية في رفضه البيعة ليزيد .

    لقد أعلن ذلك في بيت الإمارة من دون مبالاة ولا خوف من السلطة ، كيف يبايع حفيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يزيد الفاسق , شارب الخمر , وقاتل النفس المحرّمة ؟

    ولو بايعه فأقرّه إماماً على المسلمين ، عرّض العقيدة الإسلاميّة إلى الانهيار والدمار , وعصف بها في متاهات سحيقة من محامل هذه الحياة .
    واستاء مروان من موقف الإمام (عليه السّلام) , ووجّه لوماً وعتاباً إلى الوليد قائلاً : عصيتني ! لا والله لا يمكّنك مثلها من نفسه أبداً .
    وردّ عليه الوليد ببالغ الحجّة قائلاً : ويحك يا مروان ! أشرت عليّ بذهاب ديني ودنياي . والله ما أحبّ أن أملك الدنيا بأسرها وإنّي قتلت حسيناً . سبحان الله ! أأقتل حسيناً أن قال : لا أُبايع ؟! والله ما أظنّ أحداً يلقى الله بدم الحسين إلاّ وهو خفيف الميزان , لا ينظر الله إليه يوم القيامة ، ولا يزكّيه , وله عذاب أليم .
    وسخر منه مروان وراح يقول : إذا كان هذا رأيك فقد أصبت(1) .
    مغادرة الإمام (عليه السّلام) يثرب

    وعزم الإمام (عليه السّلام) على مغادرة يثرب ليلوذ بالبيت الحرام ، وينشر دعوته فيه .
    وداعه لقبر جدّه (صلّى الله عليه وآله)

    وخفّ الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى قبر جدّه وهو حزين كئيب , يشكو إلى الله ما ألمّ به من الخطوب قائلاً :
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) تاريخ الطبري 5 / 340 .
    الصفحة (192)

    (( اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وأنا ابن بنت محمّد ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت . اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومَنْ فيه إلاّ ما اخترت لي ما هو لك رضاً , ولرسولك رضاً ))(1) .
    ويُلمس في هذا الدعاء مدى انقطاعه الكامل إلى الله تعالى ، وحبّه العارم إلى إقامة المعروف وتدمير الباطل ، وهو يسأل الله بلهفة أن يختار له الصالح في دينه ودنياه .
    وتوجّه الإمام (عليه السّلام) في غلس الليل البهيم إلى قبر اُمّه سيّدة نساء العالمين فودّعها الوداع الأخير ، ووقف قبال قبرها الشريف ، وتمثّلت أمامه ذكريات عواطفها الفيّاضة وشدّة حنوّها عليه فانفجر بالبكاء ، وذابت نفسه أسى وحسرات ، ثم ودّع القبر وداعاً حارّاً وانصرف إلى مرقد أخيه الزكي الإمام أبي محمّد (عليه السّلام) , فأخذ يروي ثراه بدموع عينيه , وقد طافت به الآلام ، ثمّ قفل راجعاً إلى منزله .
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 2 / 259 .
    الصفحة (193)
    إلى مكّة

    وبعدما أعلن الإمام (عليه السّلام) رفضه الكامل لبيعة الطاغية يزيد عزم على مغادرة يثرب والتوجّه إلى مكة المشرّفة ليبثّ دعوته فيها ، وقد دعا العقيلة اُخته السيدةزينب (عليها السّلام) وعرّفها بعزمه وما سيجري عليه من الأحداث ، وطلب منها أن تشاركه في محنته فاستجابت له ، وصمّمت على مساعدته في نهضته وثورته التي يقيم فيها الحقّ ويدحر الباطل ، كما دعا أولاده وزوجاته , وإخوته وبني عمومته إلى مصاحبته , فلبّوا جميعاً ولم يتخلّف منهم أحد إلاّ لعذر قاهر .
    ولمّا أصبحوا جاء الموالي بالإبل فحملوا عليها الخيام وأدوات المياه والأرزاق وغيرها , وأعدّوها للسفر ، وخرجت حفيدة الرسول السيدة زينب تجرّ أذيالها ونفسها مترعة بالهموم والآلام , وقد أحاطت بها جواريها ، وكان إلى جانبها أخوها أبو الفضل العباس قمر بني هاشم ، فكان هو الذي يتولّى رعايتها وخدماتها , وقد مُلئت نفسه إجلالاً وإكباراً وولاءً لها .

    واستقلّت الإبل بعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , وحدا بهم الحادي إلى مكّة المكرّمة ، وقد خيّم الحزن والأسى على المدنيّين حينما رأوا آل النبي (صلّى الله عليه وآله) قد نزحوا عنهم إلى غير مئاب .
    وكان سيد الشهداء (عليه السّلام) يتلو في طريقه قوله تعالى : ( رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )(1) .
    ـــــــــــــــــــــ
    (1) سورة القصص / 21 .
يعمل...
X