ورافقت عقيلة بني هاشم أخاها أبا الأحرار في مسيرته الخالدة ؛ لتكون معه في خندق واحد ، وتشاركه في جهوده وجهاده لحماية الإسلام ، وإنقاذ المسلمين من جور الاُمويِّين وظلمهم .
وقبل أن تُغادر العقيلة الحجاز استأذنت من زوجها عبد الله بن جعفر أن يسمح لها بالسفر مع شقيقها سيّد الشهداء , فأذن لها في ذلك , وقبل أن يسافر الإمام دخل عليه عبد الله بن عباس ليعدله عن السفر إلى العراق ، فقال له الإمام (عليه السّلام) : (( يابن عباس ، ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت نبيّهم من وطنه وداره , وقراره وحرم جدّه ، وتركوه خائفاً مرعوباً ، لا يستقر في قرار , ولا يأوي إلى جوار ، يريدون بذلك قتله وسفك دمه ، ولم يشرك بالله شيئاً ، ولم يرتكب منكراً ولا إثماً ؟ )) .
فأجابه ابن عباس بصوت حزين النبرات قائلاً : جُعلت فداك يا حسين ! إن كان لا بدّ لك من المسير إلى الكوفة فلا تسري بأهلك ونسائك .
فقال له الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( يابن العمّ ، إنّي رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في منامي وقد أمرني بأمر لا أقدر على خلافه ؛ إنّه أمرني بأخذهنَّ معي . يابن العمّ ، إنّهنَّ ودائع رسول الله ، ولا آمن عليهن أحداً )) .
ويقول بعض الرواة : إنّ حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيدة زينب قالت لابن عباس
الصفحة (222)
وهي باكية العين : يابن عباس ، تشير على شيخنا وسيّدنا أن يخلّفنا هاهنا ويمضي وحده ؟! لا والله ، بل نحيا معه ونموت معه ، وهل أبقى الزمان لنا غيره ؟
وأجهش ابن عباس في البكاء وجعل يقول : يعزّ والله عليَّ فراقك يابن العمّ(1) .
لقد كان من أروع ما خطّطه الإمام في ثورته الكبرى حمله عقيلة بني هاشم وسائر مخدّرات الرسالة معه إلى العراق ؛ فقد كان على علم بما يجري عليهنَّ من النكبات والخطوب ، وما يقمنَ به من دور مشرّف في إكمال نهضته ، وإيضاح تضحيته وإشاعة مبادئه وأهدافه .
وقد قمنَ حرائر النبوّة بإيقاظ المجتمع من سباته ، وأسقطنَ هيبة الحكم الاُموي ، وفتحنَ باب الثورة عليه ؛ فقد ألقين من الخطب الحماسية ما زعزع كيان الدولة الاُمويّة .
لقد كان خروج العقيلة وسائر بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضرورة ملحّة لا غنى عنها ؛ فقد أخلدنَ نهضة أبي الأحرار .
يقول الإمام كاشف الغطاء : وهل تشكّ وترتاب في أنّ الحسين لو قُتل هو وولده ، ولم يتعقّبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحدّيات لذهب قتله جباراً ، ولم يطلب به أحد ثأراً ، ولضاع دمه هدراً ؟
فكان الحسين يعلم أنّ هذا عمل لا بدّ منه ، وأنّه لا يقوم به إلاّ لتلك العقائل , فوجب عليه حتماً أن يحملهنَّ معه لا لأجل المظلومية بسبيهنَّ فقط ، بل لنظر سياسي وفكر عميق ، وهو تكميل الغرض ، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام ، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأولى(2) .
ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي : ثمّ رفض ـ يعني الحسين (عليه السّلام) ـ إلاّ أن
ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 94 .
(2) السياسة الحسينيّة / 46 ـ 47 .
الصفحة (223)
يصحب معه أهله ؛ ليُشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه ممّا لا يبرّره دين ، ولا وازع من إنسانيّة ، فلا تضيع قضيّته مع دمه المراق في الصحراء ، فيُفترى عليه أشدّ الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على ما جرى بينه وبين أعدائه .
تقول الدكتورة بنت الشاطئ : أفسدت زينب اُخت الحسين على ابن زياد وبني اُمية لذّة النصر ، وسكبت قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الظافرين ، وإنّ كلّ الأحداث السياسيّة التي ترتّبت بعد ذلك من خروج المختار , وثورة ابن الزّبير , وسقوط الدولة الاُمويّة , وقيام الدولة العباسية , ثمّ تأصّل مذهب الشيعة إنّما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته(1) .
اُريد أن أقول : ماذا يكون الحال لو قُتل الحسين (عليه السّلام) ومَنْ معه جميعاً من الرجال إلاّ أن يسجّل التأريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه ؟ فيضيع كلّ أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء(2) .
إنّ من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين (عليه السّلام) واستمرار فعالياتها في نشر الإصلاح الاجتماعي هو حمل عقيلة الوحي وبنات الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد قمنَ ببلورة الرأي العام ، ونشرنَ مبادئ الإمام الحسين وأسباب نهضته الكبرى ، وقد قامت السيدة زينب(عليها السّلام) بتدمير ما أحرزه يزيد من الانتصارات ، وألحقت به الهزيمة والعار .
وسنوضح ذلك بمزيد من البيان في البحوث الآتية :
خطاب الحسين (عليه السّلام) في مكة
وأمر الإمام الحسين (عليه السّلام) بجمع الناس من أهالي مكة ومن المعتمرين والحجّاج فيها ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) بطلة كربلاء / 176 ـ 180 .
(2) نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية / 343 .
الصفحة (224)
فقام فيهم خطيباً فقال : (( الحمد لله ، وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله وسلّم . خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عُسلان(1) الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأنّ منّي أكراشاً جُوفاً , وأجربةً سغباً ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويُوفّينا أجر الصابرين .
لن تَشُذّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده . مَنْ كان باذلاً فينا مهجته ، ومُوَطّناً على لقاء الله نفسه , فليرحل معنا ؛ فإنّني راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى ))(2) .
ونعى الإمام نفسه في هذا الخطاب التأريخي الخالد ، واعتبر الشهادة في سبيل الله زينة للإنسان كالقلادة التي تكون زينة للفتاة ، كما أعلن عن شوقه العارم لملاقاة الله تعالى ، وأنّ اشتياقه للذين استشهدوا في سبيل الله كاشتياق يعقوب إلى يوسف . وأخبر (عليه السّلام) عن البقعة الطاهرة التي يستشهد فيها , وهي ما بين النواويس وكربلاء , فيها تُقطّع أوصاله ويُراق دمه الزاكي .
وعلى أيّ حال , فقد حلّلنا هذا الخطاب وذكرنا أبعاده في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) العسلان : هي الذئاب .
(2) كشف الغمّة 2 / 241 .
الصفحة (225)
السفر إلى العراق
وقبل أن يغادر الإمام (عليه السّلام) مكة مضى إلى البيت الحرام فأدّى له التحية بطوافه وصلاته ، وبقي فيه حتّى أدّى صلاة الظهر ثمّ خرج مودّعاً له(1) .
وخرج الإمام (عليه السّلام) من مكة وهو يحمل معه مخدّرات الرسالة وعقائل النبوّة ، وكان خروجه في اليوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستّين من الهجرة(2) ، وخيّم الحزن والأسى على أهل مكة وعلى حجاج بيت الله الحرام ، وكان الإمام لا ينزل منزلاً إلاّ حدّث أهل بيته عن مقتل يحيى بن زكريا(3) .
وسار موكب الإمام لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى موضع يُسمّى بـ «الصفاح» , فالتقى بالشاعر الكبير الفرزدق فسلّم على الإمام ، وقال له : بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله ! ما أعجلك عن الحج ؟
فأجابه الإمام عن سبب خروجه : (( لو لم أعجل لأُخذت )) .
إنّ السبب في خروج الإمام (عليه السّلام) قبل أن يتمّ العمرة هو أنّ السلطة قد عهدت إلى عصابة منها باغتيال الإمام ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة ؛ فلذا سارع الإمام بالخروج من مكة .
وبادر الإمام (عليه السّلام) فسأل الفرزدق , فقال له : (( من أين أقبلت يا أبا فراس ؟ )) .
ـ من الكوفة .
ـ (( بيّن لي خبر الناس ؟ )) .
ـ على الخبير سقطت ؛ قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني اُميّة ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء ، وربّنا كلّ يوم هو في شأن(4) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) و (3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 53 ـ 54 .
(2) خطط المقريزي 2 / 286 .
(4) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 60 .
الصفحة (226)
واستصوب الإمام (عليه السّلام) كلام الفرزدق , فقال له : (( صدقت ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، يفعل الله ما يشاء وكلّ يوم ربّنا في شأن ؛ إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدّ مَنْ كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته ))(1).
وواصل الإمام مسيرته الخالدة بعزم وثبات , لم يثنه عن عزيمته قول الفرزدق في تخاذل الناس عنه وتجاوبهم مع بني اُميّة .
مع أبي هرّة
وسار الإمام (عليه السّلام) مع موكبه حتّى انتهى إلى ذات عرق , فخفّ إليه أبو هرّة فقال له : يابن رسول الله ، ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟
فأجابه الإمام بتأثّر قائلاً : (( ويحك يا أبا هرّة ! إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عِرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت . وأيم الله , لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنّهم الله ذُلاّ شاملاً , وسيفاً قاطعاً ، وليسلّطنّ الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم ))(2) .
وانصرف الإمام (عليه السّلام) وهو حزين من هؤلاء الناس الذين لا يملكون وعياً لنصرة الحقّ والدفاع عن الإسلام .
فزع السيدة زينب (عليه السّلام)
وكانت السيدة زينب (عليها السّلام) فزعة حزينة قد ذابت نفسها أسى وحسرات ؛ فقد علمت
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 60 .
(2) المصدر السابق 5 / 64 .
ما سيجري على أهلها من القتل , فخفّت إلى أخيها حينما كانوا في الخزيمية ، وهي تقول له بنبرات مشفوعة بالبكاء : يا أخي , إنّي سمعت هاتفاً يقول :
ألا يـا عـين فاحتفلي بجهد فمَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي
عـلى قـومٍ تـسوقهمُ المنايا بـمقدارٍ إلـى إنجازِ وعدي
فأجابها أبيّ الضيم (عليه السّلام) غير حافل بما سيلقاه من النكبات والخطوب : (( يا اُختاه ، كلّ الذي قضى فهو كائن ))(1) .
لقد أراد الإمام (عليه السّلام) من شقيقته أن تتسلّح بالصبر ، وأن تقابل الرزايا والمصائب برباطة جأش وعزم حتّى تقوى على أداء رسالته .
النبأ المروّع بشهادة مسلم (عليه السّلام)
وانتهى النبأ المروّع بشهادة البطل مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) حينما كان في زرود ؛ فقد أقبل رجل من أهل الكوفة , فلمّا رأى الحسين (عليه السّلام) عدل عن الطريق , فتبعه بعض أصحاب الإمام فالتقيا به وانتسبا له ، وسألاه عن خبر الكوفة ، فقال : إنّه لم يخرج منها حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، ورآهما يُجرّان بأرجلهما في الأسواق .
وأسرعا إلى الإمام (عليه السّلام) فقالا له : رحمك الله ، إنّ عندنا خبراً إن شئت حدّثناك به علانية وإن شئت سرّاً .
ونظر الإمام إلى أصحابه فقال : (( ما دون هؤلاء سرّاً )) . وأخبراه بما سمعاه من الرجل من شهادة مسلم وهانئ ، فكان هذا النبأ كالصاعقة على العلويِّين , فانفجروا بالبكاء على فقيدهم العظيم حتّى ارتجّ الموضع من شدّة البكاء ، والتفت الإمام إلى بني عقيل فقال لهم :
ـــــــــــــــــــــ
(1) المناقب ـ لابن شهرآشوب 5 / 127 .
الصفحة (228)
(( ما ترون ؟ فقد قُتل مسلم )) .
ووثبت الفتية كالأسود الضاربة ، وهم يعلنون استهانتهم بالموت , وتصميمهم على الشهادة قائلين : لا والله ، لا نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم .
وراح الإمام (عليه السّلام) يقول : (( لا خير في العيش بعد هؤلاء )) .
وتمثّل (عليه السّلام) بهذين البيتين :
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى إذا مـا نـوى حـقّاًً و جاهد مسلما
فـإن متُّ لم أندم وإنْ عشت لم أُلمْ كـفى بكَ عاراً أن تذلَّ وتُرغما(1)
لقد مضى إلى ساحات الجهاد مرفوع الرأس ، وهو على يقين لا يخامره شكّ في أنّه يسير إلى الفتح الذي لا فتح ولا ظفر مثله .
رؤيا الإمام الحسين (عليه السّلام)
وخفق الإمام الحسين (عليه السّلام) وقت الظهيرة فرأى رؤياً أفزعته ، فانتبه مذعوراً , فأسرع إليه ولده مفخرة الإسلام علي الأكبر قائلاً : يا أبتِ ، ما لي أراك فزعاً ؟
ـ (( رأيت رؤيا أفزعتني )) .
ـ خيراً رأيت .
ـ (( رأيت فارساً وقف عليَّ وهو يقول : أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة . فعلمت أنّ أنفسنا نُعيت إلينا ))(2) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الدرّ النظيم / 167 .
(2) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 2 / 346 .
الصفحة (229)
وبادر عليّ قائلاً : ألسنا على الحقّ ؟
أجل يا فخر هاشم أنتم معدن الحقّ , وأصله ومنتهاه ، وأجابه أبوه قائلاً : (( بلى والذي إليه مرجع أمر العباد )) .
وطفق عليّ يلقي كلمته الذهبية الخالدة قائلاً : يا أبتِ ، لا نبالي الموت .
ووجد الإمام الحسين (عليه السّلام) في ولده البارّ خير عون له على أداء رسالته الكبرى ، فشكره على ذلك قائلاً : (( جزاك الله يا بُني خير ما جزى به ولداً عن والده ))(1) .
الالتقاء بالحرّ
وانتهى ركب الإمام إلى شراف وفيها عين للماء ، فأمر الإمام فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه ففعلوا ذلك ، ثمّ سارت قافلة الإمام (عليه السّلام) تطوي البيداء ، فبادر رجل من أصحاب الإمام فكبّر ، فاستغرب الإمام (عليه السّلام) وقال له : (( لِمَ كبّرت ؟ )) .
ـ رأيت النخل .
وأنكر عليه رجل ممّن خبر الطريق وعرفه , فقال له : ليس ها هنا نخل ، ولكنّها أسنة الرماح وآذان الخيل .
وتأمّلها الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال : (( وأنا أرى ذلك )) .
وعرف الإمام أنّها طلائع الجيش الاُموي جاءت لإلقاء القبض عليه ، فقال لأصحابه : (( أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ )) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 111 . فقال له بعض أصحابه : هذا ذو حسم(1) إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقت له فهو كما تريد .
ومال ركب الإمام (عليه السّلام) إليه ، فلم يسيروا إلاّ قليلاً حتّى أدركهم جيش مكثّف بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، وكان ابن مرجانة قد عهد إليه أن يجوب في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الإمام (عليه السّلام) ، وكان عدد ذلك الجيش ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، ووقفوا قبال الإمام (عليه السّلام) , وكان الوقت شديد الحرّ , وقد أشرفوا على الهلاك من شدّة العطش ، فرقّ عليهم الإمام (عليه السّلام) وغضّ نظره من أنّهم جاؤوا لقتاله وسفك دمه ، فأمر أصحابه وأهل بيته أن يسقوهم الماء ، ويرشفوا خيولهم .
وقام أصحاب الإمام فسقوا القوم عن آخرهم ، ثمّ انعطفوا إلى الخيل فجعلوا يملؤون القصاع والطساس فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت وسقي الآخر حتّى سقوها جميعاً(2) .
لقد تكرّم الإمام (عليه السّلام) بإنقاذ هذا الجيش الذي جاء لحربه ، ولم تهزّ هذه الأريحية ولا هذا النبل نفس هذا الجيش ، ولم يتأثّروا بهذا الخلق الرفيع ؛ فقد أحاطوا بالفرات في كربلاء وحرموا ذرّية نبيّهم من الماء , ولم يسقوهم قطرة حتّى توفّوا عطاشى .
خطاب الإمام (عليه السّلام)
وخطب الإمام (عليه السّلام) في قطعات ذلك الجيش ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : (( أيّها الناس ، إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ إليكم . إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم ، وقدمت بها عليَّ رسلكم , أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام ، ولعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى ؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فأعطوني ما اطمئن به
ـــــــــــــــــــــ
(1) ذو حسم (بضمّ الحاء وفتح السين) : جبل هناك .
(2) تاريخ الطبري 6 / 226 .
الصفحة (231)
من عهودكم ومواثيقكم ، وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم )) .
وأحجموا عن الجواب ؛ فإنّ الأكثرية الساحقة منهم قد كاتبوا الإمام (عليه السّلام) وبايعوه على يد سفيره مسلم بن عقيل (عليه السّلام) .
وحلّ وقت الصلاة فأمر الإمام مؤذّنه الحجّاج بن مسروق أن يؤذّن ويقيم لصلاة الظهر ، وبعد فراغه قال الإمام (عليه السّلام) للحرّ : (( أتريد أن تصلّي بأصحابك ؟ )) .
فقال : بل نصلّي بصلاتك .
وأتمّوا بالإمام (عليه السّلام) فصلّى بهم صلاة الظهر ، وبعد أدائه للصلاة قام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( أيّها الناس ، إنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا , وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم انصرفت عنكم )) .
ولم يعلم الحرّ بشأن الكتب التي بعثها أهل الكوفة للإمام (عليه السّلام) ، فقال له : ما هذه الكتب التي تذكرها ؟
فأمر الإمام (عليه السّلام) عقبة بن سمعان بإحضارها ، وكانت قد ملئت خرجين , فنثرها بين يدي الحرّ فبُهر منها ، وقال : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك .
وأراد الإمام (عليه السّلام) أن يتّجه إلى يثرب , فقال له الحرّ : قد اُمرت أن لا اُفارقك إذا لقيتك حتّى اُقدمك الكوفة على ابن زياد .
وتأثّر الإمام (عليه السّلام) وصاح به : (( الموت أدنى إليك من ذلك )) .
وجرت مشادّة عنيفة بين الإمام والحرّ ؛ فقد حال الحرّ من توجّه الإمام إلى يثرب ، وكان الوضع أن ينفجر باندلاع نار الحرب , إلاّ أنّ الحرّ ثاب إلى الهدوء وقال للإمام (عليه السّلام) : إنّما لم اُؤمر بقتالك , وإنّما اُمرت أن لا اُفارقك حتّى اُقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة .
واتّفقا على ذلك , فتياسر
الصفحة (232)
الإمام (عليه السّلام) عن طريق العذيب والقادسية(1) . وأخذت قافلة الإمام (عليه السّلام) تطوي البيداء ، وكان الحرّ يُتابعه عن كثب , ويراقبه كأشدّ ما تكون المراقبة .
وفزعت حفيدة الرسول كأشدّ ما يكون الفزع وأيقنت بنزول الرزء القاصم ، وأنّ أخاها مصمّم على الشهادة ومناجزة الحكم الاُموي .
خطبة الإمام (عليه السّلام)
ولمّا انتهى موكب الإمام إلى (البيضة) ألقى الإمام خطاباً على الحرّ وأصحابه ، وقال فيه : (( أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً , مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر ما هو عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله .
ألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ ممّنْ غيَّر . وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليَّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني ؛ فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، ولكم فيَّ اُسوة .
وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي ، فلعمري ما هي لكم بنكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم ، فالمغرور مَنْ اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم ، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم )) .
وحفل هذا الخطاب الرائع باُمور بالغة الأهمية ذكرناها في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 280 .
وقبل أن تُغادر العقيلة الحجاز استأذنت من زوجها عبد الله بن جعفر أن يسمح لها بالسفر مع شقيقها سيّد الشهداء , فأذن لها في ذلك , وقبل أن يسافر الإمام دخل عليه عبد الله بن عباس ليعدله عن السفر إلى العراق ، فقال له الإمام (عليه السّلام) : (( يابن عباس ، ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت نبيّهم من وطنه وداره , وقراره وحرم جدّه ، وتركوه خائفاً مرعوباً ، لا يستقر في قرار , ولا يأوي إلى جوار ، يريدون بذلك قتله وسفك دمه ، ولم يشرك بالله شيئاً ، ولم يرتكب منكراً ولا إثماً ؟ )) .
فأجابه ابن عباس بصوت حزين النبرات قائلاً : جُعلت فداك يا حسين ! إن كان لا بدّ لك من المسير إلى الكوفة فلا تسري بأهلك ونسائك .
فقال له الإمام الحسين (عليه السّلام) : (( يابن العمّ ، إنّي رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في منامي وقد أمرني بأمر لا أقدر على خلافه ؛ إنّه أمرني بأخذهنَّ معي . يابن العمّ ، إنّهنَّ ودائع رسول الله ، ولا آمن عليهن أحداً )) .
ويقول بعض الرواة : إنّ حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) السيدة زينب قالت لابن عباس
الصفحة (222)
وهي باكية العين : يابن عباس ، تشير على شيخنا وسيّدنا أن يخلّفنا هاهنا ويمضي وحده ؟! لا والله ، بل نحيا معه ونموت معه ، وهل أبقى الزمان لنا غيره ؟
وأجهش ابن عباس في البكاء وجعل يقول : يعزّ والله عليَّ فراقك يابن العمّ(1) .
لقد كان من أروع ما خطّطه الإمام في ثورته الكبرى حمله عقيلة بني هاشم وسائر مخدّرات الرسالة معه إلى العراق ؛ فقد كان على علم بما يجري عليهنَّ من النكبات والخطوب ، وما يقمنَ به من دور مشرّف في إكمال نهضته ، وإيضاح تضحيته وإشاعة مبادئه وأهدافه .
وقد قمنَ حرائر النبوّة بإيقاظ المجتمع من سباته ، وأسقطنَ هيبة الحكم الاُموي ، وفتحنَ باب الثورة عليه ؛ فقد ألقين من الخطب الحماسية ما زعزع كيان الدولة الاُمويّة .
لقد كان خروج العقيلة وسائر بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضرورة ملحّة لا غنى عنها ؛ فقد أخلدنَ نهضة أبي الأحرار .
يقول الإمام كاشف الغطاء : وهل تشكّ وترتاب في أنّ الحسين لو قُتل هو وولده ، ولم يتعقّبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحدّيات لذهب قتله جباراً ، ولم يطلب به أحد ثأراً ، ولضاع دمه هدراً ؟
فكان الحسين يعلم أنّ هذا عمل لا بدّ منه ، وأنّه لا يقوم به إلاّ لتلك العقائل , فوجب عليه حتماً أن يحملهنَّ معه لا لأجل المظلومية بسبيهنَّ فقط ، بل لنظر سياسي وفكر عميق ، وهو تكميل الغرض ، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد ، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام ، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأولى(2) .
ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي : ثمّ رفض ـ يعني الحسين (عليه السّلام) ـ إلاّ أن
ـــــــــــــــــــــ
(1) زينب الكبرى / 94 .
(2) السياسة الحسينيّة / 46 ـ 47 .
الصفحة (223)
يصحب معه أهله ؛ ليُشهد الناس على ما يقترفه أعداؤه ممّا لا يبرّره دين ، ولا وازع من إنسانيّة ، فلا تضيع قضيّته مع دمه المراق في الصحراء ، فيُفترى عليه أشدّ الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على ما جرى بينه وبين أعدائه .
تقول الدكتورة بنت الشاطئ : أفسدت زينب اُخت الحسين على ابن زياد وبني اُمية لذّة النصر ، وسكبت قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الظافرين ، وإنّ كلّ الأحداث السياسيّة التي ترتّبت بعد ذلك من خروج المختار , وثورة ابن الزّبير , وسقوط الدولة الاُمويّة , وقيام الدولة العباسية , ثمّ تأصّل مذهب الشيعة إنّما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته(1) .
اُريد أن أقول : ماذا يكون الحال لو قُتل الحسين (عليه السّلام) ومَنْ معه جميعاً من الرجال إلاّ أن يسجّل التأريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه ؟ فيضيع كلّ أثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء(2) .
إنّ من ألمع الأسباب في استمرار خلود مأساة الإمام الحسين (عليه السّلام) واستمرار فعالياتها في نشر الإصلاح الاجتماعي هو حمل عقيلة الوحي وبنات الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد قمنَ ببلورة الرأي العام ، ونشرنَ مبادئ الإمام الحسين وأسباب نهضته الكبرى ، وقد قامت السيدة زينب(عليها السّلام) بتدمير ما أحرزه يزيد من الانتصارات ، وألحقت به الهزيمة والعار .
وسنوضح ذلك بمزيد من البيان في البحوث الآتية :
خطاب الحسين (عليه السّلام) في مكة
وأمر الإمام الحسين (عليه السّلام) بجمع الناس من أهالي مكة ومن المعتمرين والحجّاج فيها ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) بطلة كربلاء / 176 ـ 180 .
(2) نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية / 343 .
الصفحة (224)
فقام فيهم خطيباً فقال : (( الحمد لله ، وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله ، وصلّى الله على رسوله وسلّم . خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عُسلان(1) الفلوات بين النواويس وكربلاء ، فيملأنّ منّي أكراشاً جُوفاً , وأجربةً سغباً ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويُوفّينا أجر الصابرين .
لن تَشُذّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لحمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده . مَنْ كان باذلاً فينا مهجته ، ومُوَطّناً على لقاء الله نفسه , فليرحل معنا ؛ فإنّني راحل مُصبحاً إن شاء الله تعالى ))(2) .
ونعى الإمام نفسه في هذا الخطاب التأريخي الخالد ، واعتبر الشهادة في سبيل الله زينة للإنسان كالقلادة التي تكون زينة للفتاة ، كما أعلن عن شوقه العارم لملاقاة الله تعالى ، وأنّ اشتياقه للذين استشهدوا في سبيل الله كاشتياق يعقوب إلى يوسف . وأخبر (عليه السّلام) عن البقعة الطاهرة التي يستشهد فيها , وهي ما بين النواويس وكربلاء , فيها تُقطّع أوصاله ويُراق دمه الزاكي .
وعلى أيّ حال , فقد حلّلنا هذا الخطاب وذكرنا أبعاده في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) العسلان : هي الذئاب .
(2) كشف الغمّة 2 / 241 .
الصفحة (225)
السفر إلى العراق
وقبل أن يغادر الإمام (عليه السّلام) مكة مضى إلى البيت الحرام فأدّى له التحية بطوافه وصلاته ، وبقي فيه حتّى أدّى صلاة الظهر ثمّ خرج مودّعاً له(1) .
وخرج الإمام (عليه السّلام) من مكة وهو يحمل معه مخدّرات الرسالة وعقائل النبوّة ، وكان خروجه في اليوم الثامن من ذي الحجّة سنة ستّين من الهجرة(2) ، وخيّم الحزن والأسى على أهل مكة وعلى حجاج بيت الله الحرام ، وكان الإمام لا ينزل منزلاً إلاّ حدّث أهل بيته عن مقتل يحيى بن زكريا(3) .
وسار موكب الإمام لا يلوي على شيء حتّى انتهى إلى موضع يُسمّى بـ «الصفاح» , فالتقى بالشاعر الكبير الفرزدق فسلّم على الإمام ، وقال له : بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله ! ما أعجلك عن الحج ؟
فأجابه الإمام عن سبب خروجه : (( لو لم أعجل لأُخذت )) .
إنّ السبب في خروج الإمام (عليه السّلام) قبل أن يتمّ العمرة هو أنّ السلطة قد عهدت إلى عصابة منها باغتيال الإمام ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة ؛ فلذا سارع الإمام بالخروج من مكة .
وبادر الإمام (عليه السّلام) فسأل الفرزدق , فقال له : (( من أين أقبلت يا أبا فراس ؟ )) .
ـ من الكوفة .
ـ (( بيّن لي خبر الناس ؟ )) .
ـ على الخبير سقطت ؛ قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني اُميّة ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء ، وربّنا كلّ يوم هو في شأن(4) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) و (3) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 53 ـ 54 .
(2) خطط المقريزي 2 / 286 .
(4) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 60 .
الصفحة (226)
واستصوب الإمام (عليه السّلام) كلام الفرزدق , فقال له : (( صدقت ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، يفعل الله ما يشاء وكلّ يوم ربّنا في شأن ؛ إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدّ مَنْ كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته ))(1).
وواصل الإمام مسيرته الخالدة بعزم وثبات , لم يثنه عن عزيمته قول الفرزدق في تخاذل الناس عنه وتجاوبهم مع بني اُميّة .
مع أبي هرّة
وسار الإمام (عليه السّلام) مع موكبه حتّى انتهى إلى ذات عرق , فخفّ إليه أبو هرّة فقال له : يابن رسول الله ، ما الذي أخرجك من حرم الله وحرم جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؟
فأجابه الإمام بتأثّر قائلاً : (( ويحك يا أبا هرّة ! إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عِرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت . وأيم الله , لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسنّهم الله ذُلاّ شاملاً , وسيفاً قاطعاً ، وليسلّطنّ الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم ))(2) .
وانصرف الإمام (عليه السّلام) وهو حزين من هؤلاء الناس الذين لا يملكون وعياً لنصرة الحقّ والدفاع عن الإسلام .
فزع السيدة زينب (عليه السّلام)
وكانت السيدة زينب (عليها السّلام) فزعة حزينة قد ذابت نفسها أسى وحسرات ؛ فقد علمت
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 60 .
(2) المصدر السابق 5 / 64 .
ما سيجري على أهلها من القتل , فخفّت إلى أخيها حينما كانوا في الخزيمية ، وهي تقول له بنبرات مشفوعة بالبكاء : يا أخي , إنّي سمعت هاتفاً يقول :
ألا يـا عـين فاحتفلي بجهد فمَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي
عـلى قـومٍ تـسوقهمُ المنايا بـمقدارٍ إلـى إنجازِ وعدي
فأجابها أبيّ الضيم (عليه السّلام) غير حافل بما سيلقاه من النكبات والخطوب : (( يا اُختاه ، كلّ الذي قضى فهو كائن ))(1) .
لقد أراد الإمام (عليه السّلام) من شقيقته أن تتسلّح بالصبر ، وأن تقابل الرزايا والمصائب برباطة جأش وعزم حتّى تقوى على أداء رسالته .
النبأ المروّع بشهادة مسلم (عليه السّلام)
وانتهى النبأ المروّع بشهادة البطل مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) حينما كان في زرود ؛ فقد أقبل رجل من أهل الكوفة , فلمّا رأى الحسين (عليه السّلام) عدل عن الطريق , فتبعه بعض أصحاب الإمام فالتقيا به وانتسبا له ، وسألاه عن خبر الكوفة ، فقال : إنّه لم يخرج منها حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، ورآهما يُجرّان بأرجلهما في الأسواق .
وأسرعا إلى الإمام (عليه السّلام) فقالا له : رحمك الله ، إنّ عندنا خبراً إن شئت حدّثناك به علانية وإن شئت سرّاً .
ونظر الإمام إلى أصحابه فقال : (( ما دون هؤلاء سرّاً )) . وأخبراه بما سمعاه من الرجل من شهادة مسلم وهانئ ، فكان هذا النبأ كالصاعقة على العلويِّين , فانفجروا بالبكاء على فقيدهم العظيم حتّى ارتجّ الموضع من شدّة البكاء ، والتفت الإمام إلى بني عقيل فقال لهم :
ـــــــــــــــــــــ
(1) المناقب ـ لابن شهرآشوب 5 / 127 .
الصفحة (228)
(( ما ترون ؟ فقد قُتل مسلم )) .
ووثبت الفتية كالأسود الضاربة ، وهم يعلنون استهانتهم بالموت , وتصميمهم على الشهادة قائلين : لا والله ، لا نرجع حتّى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق مسلم .
وراح الإمام (عليه السّلام) يقول : (( لا خير في العيش بعد هؤلاء )) .
وتمثّل (عليه السّلام) بهذين البيتين :
سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى إذا مـا نـوى حـقّاًً و جاهد مسلما
فـإن متُّ لم أندم وإنْ عشت لم أُلمْ كـفى بكَ عاراً أن تذلَّ وتُرغما(1)
لقد مضى إلى ساحات الجهاد مرفوع الرأس ، وهو على يقين لا يخامره شكّ في أنّه يسير إلى الفتح الذي لا فتح ولا ظفر مثله .
رؤيا الإمام الحسين (عليه السّلام)
وخفق الإمام الحسين (عليه السّلام) وقت الظهيرة فرأى رؤياً أفزعته ، فانتبه مذعوراً , فأسرع إليه ولده مفخرة الإسلام علي الأكبر قائلاً : يا أبتِ ، ما لي أراك فزعاً ؟
ـ (( رأيت رؤيا أفزعتني )) .
ـ خيراً رأيت .
ـ (( رأيت فارساً وقف عليَّ وهو يقول : أنتم تسرعون والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة . فعلمت أنّ أنفسنا نُعيت إلينا ))(2) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الدرّ النظيم / 167 .
(2) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 2 / 346 .
الصفحة (229)
وبادر عليّ قائلاً : ألسنا على الحقّ ؟
أجل يا فخر هاشم أنتم معدن الحقّ , وأصله ومنتهاه ، وأجابه أبوه قائلاً : (( بلى والذي إليه مرجع أمر العباد )) .
وطفق عليّ يلقي كلمته الذهبية الخالدة قائلاً : يا أبتِ ، لا نبالي الموت .
ووجد الإمام الحسين (عليه السّلام) في ولده البارّ خير عون له على أداء رسالته الكبرى ، فشكره على ذلك قائلاً : (( جزاك الله يا بُني خير ما جزى به ولداً عن والده ))(1) .
الالتقاء بالحرّ
وانتهى ركب الإمام إلى شراف وفيها عين للماء ، فأمر الإمام فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه ففعلوا ذلك ، ثمّ سارت قافلة الإمام (عليه السّلام) تطوي البيداء ، فبادر رجل من أصحاب الإمام فكبّر ، فاستغرب الإمام (عليه السّلام) وقال له : (( لِمَ كبّرت ؟ )) .
ـ رأيت النخل .
وأنكر عليه رجل ممّن خبر الطريق وعرفه , فقال له : ليس ها هنا نخل ، ولكنّها أسنة الرماح وآذان الخيل .
وتأمّلها الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال : (( وأنا أرى ذلك )) .
وعرف الإمام أنّها طلائع الجيش الاُموي جاءت لإلقاء القبض عليه ، فقال لأصحابه : (( أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ )) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقاتل الطالبيّين / 111 . فقال له بعض أصحابه : هذا ذو حسم(1) إلى جنبك تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقت له فهو كما تريد .
ومال ركب الإمام (عليه السّلام) إليه ، فلم يسيروا إلاّ قليلاً حتّى أدركهم جيش مكثّف بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، وكان ابن مرجانة قد عهد إليه أن يجوب في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الإمام (عليه السّلام) ، وكان عدد ذلك الجيش ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، ووقفوا قبال الإمام (عليه السّلام) , وكان الوقت شديد الحرّ , وقد أشرفوا على الهلاك من شدّة العطش ، فرقّ عليهم الإمام (عليه السّلام) وغضّ نظره من أنّهم جاؤوا لقتاله وسفك دمه ، فأمر أصحابه وأهل بيته أن يسقوهم الماء ، ويرشفوا خيولهم .
وقام أصحاب الإمام فسقوا القوم عن آخرهم ، ثمّ انعطفوا إلى الخيل فجعلوا يملؤون القصاع والطساس فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت وسقي الآخر حتّى سقوها جميعاً(2) .
لقد تكرّم الإمام (عليه السّلام) بإنقاذ هذا الجيش الذي جاء لحربه ، ولم تهزّ هذه الأريحية ولا هذا النبل نفس هذا الجيش ، ولم يتأثّروا بهذا الخلق الرفيع ؛ فقد أحاطوا بالفرات في كربلاء وحرموا ذرّية نبيّهم من الماء , ولم يسقوهم قطرة حتّى توفّوا عطاشى .
خطاب الإمام (عليه السّلام)
وخطب الإمام (عليه السّلام) في قطعات ذلك الجيش ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : (( أيّها الناس ، إنّها معذرة إلى الله عزّ وجلّ إليكم . إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم ، وقدمت بها عليَّ رسلكم , أن أقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام ، ولعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى ؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فأعطوني ما اطمئن به
ـــــــــــــــــــــ
(1) ذو حسم (بضمّ الحاء وفتح السين) : جبل هناك .
(2) تاريخ الطبري 6 / 226 .
الصفحة (231)
من عهودكم ومواثيقكم ، وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم )) .
وأحجموا عن الجواب ؛ فإنّ الأكثرية الساحقة منهم قد كاتبوا الإمام (عليه السّلام) وبايعوه على يد سفيره مسلم بن عقيل (عليه السّلام) .
وحلّ وقت الصلاة فأمر الإمام مؤذّنه الحجّاج بن مسروق أن يؤذّن ويقيم لصلاة الظهر ، وبعد فراغه قال الإمام (عليه السّلام) للحرّ : (( أتريد أن تصلّي بأصحابك ؟ )) .
فقال : بل نصلّي بصلاتك .
وأتمّوا بالإمام (عليه السّلام) فصلّى بهم صلاة الظهر ، وبعد أدائه للصلاة قام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه , ثمّ قال : (( أيّها الناس ، إنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا , وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم انصرفت عنكم )) .
ولم يعلم الحرّ بشأن الكتب التي بعثها أهل الكوفة للإمام (عليه السّلام) ، فقال له : ما هذه الكتب التي تذكرها ؟
فأمر الإمام (عليه السّلام) عقبة بن سمعان بإحضارها ، وكانت قد ملئت خرجين , فنثرها بين يدي الحرّ فبُهر منها ، وقال : لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك .
وأراد الإمام (عليه السّلام) أن يتّجه إلى يثرب , فقال له الحرّ : قد اُمرت أن لا اُفارقك إذا لقيتك حتّى اُقدمك الكوفة على ابن زياد .
وتأثّر الإمام (عليه السّلام) وصاح به : (( الموت أدنى إليك من ذلك )) .
وجرت مشادّة عنيفة بين الإمام والحرّ ؛ فقد حال الحرّ من توجّه الإمام إلى يثرب ، وكان الوضع أن ينفجر باندلاع نار الحرب , إلاّ أنّ الحرّ ثاب إلى الهدوء وقال للإمام (عليه السّلام) : إنّما لم اُؤمر بقتالك , وإنّما اُمرت أن لا اُفارقك حتّى اُقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة .
واتّفقا على ذلك , فتياسر
الصفحة (232)
الإمام (عليه السّلام) عن طريق العذيب والقادسية(1) . وأخذت قافلة الإمام (عليه السّلام) تطوي البيداء ، وكان الحرّ يُتابعه عن كثب , ويراقبه كأشدّ ما تكون المراقبة .
وفزعت حفيدة الرسول كأشدّ ما يكون الفزع وأيقنت بنزول الرزء القاصم ، وأنّ أخاها مصمّم على الشهادة ومناجزة الحكم الاُموي .
خطبة الإمام (عليه السّلام)
ولمّا انتهى موكب الإمام إلى (البيضة) ألقى الإمام خطاباً على الحرّ وأصحابه ، وقال فيه : (( أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَنْ رأى سلطاناً جائراً , مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر ما هو عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله .
ألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ ممّنْ غيَّر . وقد أتتني كتبكم ، وقدمت عليَّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني ؛ فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهليكم ، ولكم فيَّ اُسوة .
وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي ، فلعمري ما هي لكم بنكر ؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم ، فالمغرور مَنْ اغترّ بكم ، فحظّكم أخطأتم ، ونصيبكم ضيّعتم ، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم )) .
وحفل هذا الخطاب الرائع باُمور بالغة الأهمية ذكرناها في كتابنا (حياة الإمام الحسين) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 280 .
