وكانوا يترقّبون بشوق لا حدّ له طلوع الفجر ؛ ليكونوا قرابينَ للإسلام , وفداءً لابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وكان حبيب بن مظاهر ، وهو من ألمع أصحاب الحسين (عليه السّلام) ، وقد خرج إلى أصحابه وهو يضحك ، فأنكر عليه بعض أصحابه وقال له : يا حبيب ، ما هذه ساعة ضحك ! فأجابه حبيب عن إيمانه العميق قائلاً : أيّ موضع أحقّ من هذا بالسرور ؟ والله ما هو إلاّ أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين(1) .
وداعب برير عبد الرحمن الأنصاري , فاستغرب من مداعبته قائلاً : ما هذه ساعة باطل !
انظروا إلى جواب برير فقد قال : لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون , والله ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، وددت أنّهم مالوا علينا الساعة(2) .
أيّ إيمان هذا الذي تسلّح به أصحاب الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد فاقوا جميع شهداء الحقّ والفضيلة في جميع الأعصار والآباد .
رؤيا الإمام الحسين (عليه السّلام)
وخفق الإمام الحسين (عليه السّلام) خفقة ثمّ انتبه ، والتفت إلى أصحابه وأهل بيته فقال لهم : (( أتعلمون ما رأيت في منامي ؟ )) .
ـ ما رأيت يابن رسول الله ؟
(( رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليَّ تنهشني , وفيها كلب أبقع أشدّها عليَّ ، وأظنّ
ـــــــــــــــــــــ
(1) رجال الكشي / 53 .
(2) تاريخ الطبري 6 / 241 .
الصفحة (247)
الذي يتولّى قتلي رجل أبرص من هؤلاء القوم . ثمّ إنّي رأيت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي : أنت شهيد آل محمّد ، وقد استبشرت بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن إفطارك عندي الليلة ، عجّل ولا تؤخّر . هذا ما رأيت ، وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا ))(1) .
وخيّم على أهل البيت (عليهم السّلام) حزن عميق ، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم والاقتراب من دار الآخرة .
فزع عقائل الوحي
وفزعت عقائل الوحي ، وخيّم عليهنَّ الذعر والخوف ، ولم يهدأن في تلك الليلة ؛ فقد طافت بهنَّ موجات من الهواجس وتمثّل أمامهنَّ المستقبل المليء بالخطوب والكوارث ، وقد خلدنَ إلى الدعاء والبكاء ، وكان من أشدّهنَّ عقيلة النبوّة السيّدة زينب ؛ فقد كانت تراقب الأحداث وهي على علم لا يخامره شكّ أنّ المسؤولية الكبرى سوف تنتقل عن كاهل الحسين (عليه السّلام) إليها لو قُتل ، كما علمت أنّه لا يبقى من أهلها أحد ، لقد فزعت وذهلت من الأحداث الجسام التي أحاطت بها .
العقيلة (عليها السّلام) مع الهاشميّين والأصحاب
ولم تهدأ عقيلة الرسالة ؛ فقد هامت في تيارات مذهلة من الأسى والشجون ، فكانت على علم أنّ ليلة العاشر من المحرّم هي آخر ليلة لأهلها وهم على قيد الحياة ، وقد وجلت على أخيها , فمضت تراقب خيم الهاشميّين والأصحاب لتسمع ما يدور عندهم من حديث .
فانبرت إلى خيمة أخيها قمر بني هاشم وقد اجتمع بها فتيان بني هاشم , وقد أحاطوا بسيّدهم أبي الفضل ، فسمعته يخاطب
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 177 .
الصفحة (248)
الهاشميّين قائلاً : إخوتي وبني إخوتي وأبناء عمومتي ، إذا كان الصباح فما تصنعون ؟
فهبّوا جميعاً قائلين : الأمر إليك .
ـ إنّ أصحابنا وأنصارنا قوم غرباء ، والحمل ثقيل لا يقوم إلاّ بأهله ، فإذا كان الصباح كنتم أوّل مَنْ يبرز للقتال ، فنسبق أنصارنا إلى الموت ؛ لئلاّ يقول الناس : قدّموا أصحابهم .
ولم ينتهِ من مقالته حتّى هبّوا قائلين : نحن على ما أنت عليه .
ثمّ مضت العقيلة إلى خيمة حبيب بن مظاهر عميد أصحاب الإمام وقد أحاط به الأصحاب ، فسمعت يحدّثهم قائلاً : يا أصحابي ، إذا كان الصباح ماذا تفعلون ؟
ـ الأمر إليك .
إذا صار الصباح كنّا أوّل مَنْ يبرز إلى القتال ، نسبق بني هاشم إلى الموت ، فلا نرى هاشمياً مضرّجاً بدمه ؛ لئلاّ يقول الناس : قد بدؤوهم إلى القتال ، وبخلنا عليهم بأنفسنا .
واستجابت الصفوة الطاهرة لمقالة زعيمهم حبيب ، وراحوا يقولون : نحن على ما أنت عليه .
وسُرّت زينب بوفاء الأنصار وتصميمهم على نصرة أخيها والذبّ عنه حتّى النفس الأخير من حياته ، وانطلقت العقيلة إلى أخيها فأخبرته بما سمعت من الهاشميّين والأنصار من الذود عنه ، وحمايته من كلّ سوء ومكروه .
وأخبرها الإمام (عليه السّلام) أنّهم من أنبل الناس ، ومن أكثرهم شهامة وإيماناً ، وأنّ الله تعالى قد اختارهم من بين عباده لنصرته ، والوقوف معه لمناجزة القوى المنحرفة والمعادية للإسلام .
الصفحة (249)
يوم عاشوراء
ويوم عاشوراء من أفجع الأيام وأقساها وأشدّها محنة على العقيلة زينب (عليها السّلام) وعلى أهل البيت (عليهم السّلام) ، فلم تبقَ رزيّة من رزايا الدهر إلاّ جرت عليهم ، ونتحدّث ـ بإيجاز ـ عن فصول هذه المأساة الخالدة في دنيا الأحزان .
خطاب الإمام الحسين (عليه السّلام)
ولمّا تهيّأت عساكر ابن سعد لحرب الإمام ، فرأى (عليه السّلام) من الواجب أن يعظهم ويرشدهم حتّى يكونوا على بصيرة من أمرهم ، فخطب فيهم خطاباً مؤثّراً ، وقد نشر كتاب الله العظيم ، واعتمّ بعمامة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولبس لامته ، فقال لهم : (( تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً ! حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين(1) ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم(2) علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً(3) لأعدائكم على أوليائكم , بغير عدل أفشوه فيكم , ولا أمل أصبح لكم فيهم .
مهلاً ـ لكم الويلات ! ـ تركتمونا والسيف مشيم(4) ، والجأش طامن ، والرأي لمّا يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدّبا(5) ، وتداعيتم إليها كتهافت الفراش .
ـــــــــــــــــــــ
(1) موجفين : أي مسرعين في السير إليكم .
(2) حششتم النار التي توقد .
(3) إلباً : أي مجتمعين .
(4) مشيم السيف : غمده .
(5) الدّبا : الجراد قبل أن يطير .
الصفحة (250)
فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرّفي الكلم ، وعصبة الأثام ، ونفثة الشيطان ، ومطفئ السنن !
أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟! أجل والله غدر فيكم قديم ، وشجت إليه اُصولكم , وتأزّرت(1) عليه فروعكم ، فكنتم أخبث شجر شجى للناظر , وأكلة للغاصب .
ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة(2) والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، واُنوف حميّة , ونفوس أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .
ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة مع قلّة العدد وخذلان الناصر )) . ثمّ أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي :
فـإن نُهزم فهزّامون قدماً وإن نُُـغلَب فـغيرُ مغَلّبينا
ومـا إن طِـبُّنا جبنٌ ولكن مـنايانا ودولـةُ آخـرينا
إذا ما الموتُ رفّع عن أُناس كـلاكـله أنـاخَ بـآخرينا
فـأفنى ذلكم سروات قومي كـما أفنى القرونَ الأوّلينا
فـلو خلدَ الملوكُ إذاً خلدنا ولـو بقي الكرامُ إذاًً بقينا
فـقل للشامتينَ بنا أفيقوا سيلقى الشامتونَ كما لقينا
(( أما والله لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يُركب الفرس حتّى يدور
ـــــــــــــــــــــ
(1) تأزّرت : أي نبتت عليه فروعكم .
(2) السلّة : استلال السيوف .
الصفحة (251)
بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدّي ، (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ) , (إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) )) .
ورفع يديه بالدعاء على اُولئك السفكة المجرمين قائلاً : (( اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسِنيِّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسومهم كاساً مصبرةً ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ))(1) .
لقد انفجر أبو الأحرار في خطابه كالبركان ، وأبدى من صلابة العزم وعزّة النفس ما لم يشاهد مثله ؛ فقد استهان بالموت ، ولا يخضع لاُولئك الأقزام الذين سوّدوا وجه التأريخ ، وكانوا سوءة عار لمجتمعهم .
استجابة الحرّ
واستيقظ ضمير الحرّ حينما سمع خطاب الإمام (عليه السّلام) , وجعل يتأمّل ويفكّر في مصيره ، وأنّه لا محالة يصير إلى النار خالداً فيها ، واختار الدار الآخرة والالتحاق بآل النبي (صلّى الله عليه وآله) .
وقبل أن يتوجّه إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) أسرع نحو ابن سعد فقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟
فأجابه بلا تردد ليظهر أمام قادة الفرق إخلاصه لسيّده ابن مرجانة قائلاً : إي والله ، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي .
فقال له الحرّ برنّة المستريب :
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 74 ـ 75 .
الصفحة (252)
أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضاً ؟
فأجابه ابن سعد : لو كان الأمر لي لفعلت ، ولكن أميرك أبى ذلك .
وأيقن الحرّ أنّ القوم مصمّمون على حرب ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فمضى يشقّ الصفوف وقد سرت الرعدة بأوصاله , فأنكر عليه ذلك المهاجر بن أوس ، وهو من شرطة ابن زياد , فقال له : والله إنّ أمرك لمريب ! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن ، ولو قيل لي : مَن أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك .
وكشف له الحرّ عن عزمه فقال له : إنّي والله اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار ، ولا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت واُحرقت . ولوى بعنان فرسه صوب الإمام (عليه السّلام)(1) ، وهو مُطرق برأسه إلى الأرض حياءً وندماً على ما فرّط في حقّ الإمام ، ولمّا دنا منه رفع صوته قائلاً : اللّهمّ إليك اُنيب ؛ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك . يا أبا عبد الله ، إنّي تائب فهل لي من توبة ؟
ونزل عن فرسه ووقف قبال الإمام (عليه السّلام) ودموعه تتبلور على سحنات وجهه قائلاً : جعلني الله فداك يابن رسول الله !أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلاّ هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً ، فقلت في نفسي : لا اُبالي أن اُطيع القوم في بعض أمرهم ، ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 244 .
وأمّا هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ، ووالله لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك . وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي ، مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك ، أفترى لي توبة ؟
واستبشر به الإمام (عليه السّلام) ، ومنحه الرضا والعفو ، وقال له : (( نعم ، يتوب الله عليك ويغفر ))(1) .
وانطلق الحرّ بعد أن منحه الإمام (عليه السّلام) العفو وقبل توبته ، فخطب في أهل الكوفة ودعاهم إلى التوبة ، ونُغَب عليهم حصارهم للإمام ، ومنعه مع أهل بيته وأصحابه عن ماء الفرات الذي هو حقّ مشاع للجميع ، ولم يستجيبوا له ، ورموه بالنبال .
الحرب
وارتبك ابن سعد من التحاق الحرّ بالإمام (عليه السّلام) ، وخاف أن يحصل التمرّد في جيشه ، فزحف الباغي الأثيم نحو معسكر الحسين (عليه السّلام) , وأخذ سهماً فأطلقه صوب الإمام ، وقد رفع صوته قائلاً : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى الحسين .
وفتح ابن سعد من السهم الذي أطلقه باب الحرب ، وطلب من الجيش أن يشهدوا له عند سيّده ابن مرجانة بأنّه أوّل مَنْ رمى معسكر ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وتتابعت السهام كأنّها المطر على معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فلم يبقَ أحد منهم إلاّ أصابه سهم ، فالتفت الإمام إلى أصحابه قائلاً : (( قوموا يا كرام ، فهذه رسل القوم إليكم )) .
وتقدّمت طلائع الحقّ من أصحاب أبي الأحرار إلى ساحة الشرف والمجد وهي تعلن ولاءها للإسلام ، وتفانيها في الذبّ عن إمام المسلمين وسيّد شباب أهل
ـــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ 3 / 289 .
الصفحة (254)
الجنّة ، وبذلك بدأت المعركة واحتدم القتال كأشدّه وأعنفه .
ومن المقطوع به أنّه لم تكن مثل المعركة في جميع الحروب التي جرت في الأرض ؛ فقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً مع عشرات الاُلوف ، وقد أبدى أصحاب الإمام من الشجاعة والبسالة ما يبهر العقول ويحيّر الألباب .
مصارع أصحاب الإمام (عليه السّلام)
وشنّت قوات ابن سعد هجوماً عاماً وعنيفاً على أصحاب الإمام (عليه السّلام) , وخاضوا معهم معركة رهيبة ، وقد ثبت لهم أصحاب الإمام (عليه السّلام) , فهزموا جموعهم بقلوب أقوى من الحديد ، وأنزلوا بهم أفدح الخسائر ، وقد استشهد في هذه الحملة نصف أصحاب الإمام (عليه السّلام) .
ثمّ بدأت بعد ذلك المبارزة بين العسكرين ، فكان الرجل من أصحاب الإمام يبرز ويُقاتل ثمّ يُقتل ، وهكذا حتّى فنوا عن آخرهم ، وقد أبلوا في المعركة بلاءً يقصر عنه كلّ وصف وإطراء ؛ فقد خاضوا تلك المعركة الرهيبة ولم تضعف لأيّ رجل منهم عزيمة ولم تلن لهم قناة ، وقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة الله تعالى وطاعته .
وإنّ أعطر ما نقدّمه لهم من تحية كلمات الإمام الصادق (عليه السّلام) عملاق الفكر الإسلامي في حقّهم , قال مخاطباً لهم : (( بأبي أنتم واُمّي ! طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم ، وفزتم فوزاً عظيماً )) .
مصارع أهل البيت (عليهم السّلام)
وبعدما نالت الشهادة الصفوة الطاهرة من أصحاب الإمام (عليه السّلام) هبّ أبناء الاُسرة النبويّة شباباً وأطفالاً إلى التضحية والفداء ، فكانوا كالليوث وكالصاعقة على جيوش الكفر والضلال ، وأخذ بعضهم يودّع البعض الآخر وهم يذرفون الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار ؛ حيث يرونه وحيداً قد أحاطت به من كلّ جانب جيوش الاُمويِّين
الصفحة (255)
ليتقرّبوا بقتله إلى ابن مرجانة ، وفي طليعة الذين استشهدوا من آل البيت (عليهم السّلام) :
عليّ الأكبر (عليه السّلام)
وكان عليّ الأكبر شبيه جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ملامحه وفي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيّين ، وكانت الاُسرة النبويّة والصحابة إذا اشتاقوا إلى رؤية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نظروا إلى وجه عليّ الأكبر ، وكان دنيا من الفضائل والمواهب والعبقريات ؛ فقد تسلّح بكلّ فضيلة وأدب ، وكان أعزّ أبناء الإمام الحسين (عليه السّلام) لعمّته العقيلة وسائر بني عمومته وأعمامه .
وهو أوّل هاشمي اندفع بحماس بالغ إلى الحرب ، وكان عمره الشريف ثماني عشر سنة(1) ، وقد وقف أمام أبيه طالباً منه الرخصة لمناجزة أعداء الله ، فلمّا رآه الإمام (عليه السّلام) ذابت نفسه أسى وحسرات ، وأشرف على الاحتضار ؛ فقد رأى فلذة كبده قد ساق نفسه إلى الموت ، فرفع الإمام شيبته الكريمة نحو السماء ، وهو يقول بنبرات قد لفظ فيها شظايا قلبه : (( اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم , فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك محمّد (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه . اللّهمّ امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا )) .
والتفت الإمام (عليه السّلام) إلى المجرم الأثيم عمر بن سعد عبد ابن مرجانة ، فصاح به : (( ما لك ؟! قطع الله رحمك , ولا بارك لك في أمرك ، وسلّط عليك مَنْ يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . وتلا قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 244 .
الصفحة (256)
وشيّع الإمام (عليه السّلام) ولده بدموع مشفوعة بالأسى والحزن ، وخلفه عمّته العقيلة وسائر عقائل الوحي ، وقد علا منهم الصراخ والعويل على شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وانطلق فخر هاشم إلى ساحة الحرب وقد امتلأ قلبه حزماً وعزماً ، ووجهه الشريف يتألق نوراً ؛ فقد حكى بهيبته هيبة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبشجاعته شجاعة جدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وتوسّط حراب الأعداء وسيوفهم وهو يرتجز قائلاً :
أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ علي نحن وربُّ البيت أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابنُ الدعي
أنت يا شرف هذه الاُمّة أولى بالنبي وأحق بمقامه من هؤلاء الأدعياء الذين سلّطتهم عليكم الطغمة الحاكمة من قريش التي أبت أن تجتمع الخلافة والنبوّة فيكم .
والتحم عليّ الأكبر (عليه السّلام) مع أعداء الله ، وقد ملأ قلوبهم خوفاً ورعباً , وأبدى من البسالة والشجاعة ما يقصر عنه كلّ وصف ؛ فقد ذكّرهم ببطولات جدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومحطّم أوثان القرشيّين ، وقد قتل مئة وعشرين فارساً(1) سوى المجروحين ، وألحّ عليه العطش وأضرّ به ، فقفل راجعاً إلى أبيه يشكو ظمأه القاتل قائلاً : يا أبتِ ، العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إليّ شربة ماء من سبيل أتقوى بها على الأعداء ؟
والتاع الإمام (عليه السّلام) ، فقال له بصوت خافت ، وعيناه تفيضان دموعاً : (( واغوثاه ! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبداً )) .
وأخذ لسانه فمصّه ليريه شدّة عطشه , فكان كشقّة مبرد من شدّة العطش .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 246 .
الصفحة (257)
يقول الحجّة الشيخ عبد الحسين صادق في رائعته :
يـشـكو لـخـيرِ أبٍ ظمـأه وما اشتكى ظمـأ الحشا إلاّ إلى الظامي الصدي
كــلٌّ حـشـاشته كـصـاليةِ الـغضا ولـسـانُـه ظـمـأ كـشـقةِ مـبـردِ
فـانـصاعَ يـؤثـرهُ عـلـيهِ بـريقهِ لــو كــانَ ثـمةَ ريـقه لـم يـجمدِ
لقد كان هذا المنظر الرهيب لعليّ الأكبر من أفجع وأقسى ما رُزئ به أبو الأحرار ؛ فقد رأى ولده الذي هو من أنبل وأشرف ما خلق الله ، وهو في غضارة العمر وريعان الشباب قد أشرف على الهلاك من شدّة العطش ، وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء ليروي عطشه .
وقفل فخر الإسلام عليّ الأكبر (عليه السّلام) راجعاً إلى حومة الحرب ، قد فتكت الجراح بجسمه ، وفتّت العطش فؤاده ، وجعل يُقاتل كأشدّ ما يكون القتال وأعنفه حتّى ضجّ العسكر من كثرة مَنْ قتل منهم .
ولمّا رأى ذلك الوضر الخبيث مرّة بن منقذ العبدي قال : عليَّ آثام العرب إن لم أثكل أباه . وأسرع الخبيث الدنس إلى شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فطعنه بالرمح في ظهره , وضربه ضربة منكرة على رأسه ففلق هامته ، واعتنق فرسه يظنّ أنّه يرجعه إلى أبيه , إلاّ أنّ الفرس حمله إلى معسكر الأعداء فأحاطوا به من كلّ جانب , ومزّقوا جسده الشريف بالسيوف ، ونادى فخر هاشم ومجد عدنان رافعاً صوته : عليك منّي السّلام أبا عبد الله ، هذا جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد سقاني بكأسه شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول : (( إنّ لك كأساً مذخورة )) .
وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه الثاكل الحزين فقطّعت قلبه , ومزّقت أحشاءه ، ففزع إليه وهو خائر القوى , منهدّ الركن ، فانكب عليه فوضع خدّه على خدّه وهو جثة هامدة , قد قطّعت شلوه السيف إرباً إرباً ، وأخذ الإمام (عليه السّلام) يذرف أحرّ الدموع على ولده الذي لا يشابهه أحد في كمال فضله ، وجعل يلفظ شظايا قلبه
الصفحة (258)
بهذه الكلمات : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ! على الدنيا بعدك العفا ))(1) .
وما كاد الخبر يبلغ الخيام حتّى هرعت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) زينب من خدرها ، وكان ذلك أوّل ما خرجت إلى المعركة فأكبت بنفسها على ابن أخيها الذي كان أعزّ ما عندها من أبنائها , وجعلت تضمّخه بدموعها وقد انهارت قواها ، وانبرى إليها الإمام (عليه السّلام) وجعل يعزّيها ب0مصابها الأليم ، وهو يردّد هذه الكلمات : (( على الدنيا بعدك العفا )) .
وأخذ الإمام (عليه السّلام) بيد اُخته وردّها إلى الفسطاط ، وأمر فتيانه بحمل ولده إلى الفسطاط .
لقد كان علي بن الحسين (عليه السّلام) الرائد والزعيم لكلّ حرّ شريف مات أبيّاً على الضيم في دنيا الإباء ، فسلام الله عليه غادية ورائحة , ونودعه بالأسى والحزن ، ونردّد كلمات أبيه : (( على الدنيا بعدك العفا )) .
مصارع آل البيت (عليهم السّلام)
وبرزت الفتية من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهي تذرف الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار ، وكان من بينهم القاسم بن الحسن ، وكان كالقمر في بهائه وجماله , وقد ربّاه عمّه وغذّاه بمواهبه وآدابه ، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتّى صار صورة عنه ، وكان أحبّ إليه من أبناء إخوته وأعمامه .
وكان القاسم يتطلّع إلى محنة عمّه ، وينظر إلى جيوش الكفر قد أحاطت به وقد ذابت نفسه أسىً وحسرات ، وجعل يردد :
ـــــــــــــــــــــ
(1) العفا : التراب .
وكان حبيب بن مظاهر ، وهو من ألمع أصحاب الحسين (عليه السّلام) ، وقد خرج إلى أصحابه وهو يضحك ، فأنكر عليه بعض أصحابه وقال له : يا حبيب ، ما هذه ساعة ضحك ! فأجابه حبيب عن إيمانه العميق قائلاً : أيّ موضع أحقّ من هذا بالسرور ؟ والله ما هو إلاّ أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين(1) .
وداعب برير عبد الرحمن الأنصاري , فاستغرب من مداعبته قائلاً : ما هذه ساعة باطل !
انظروا إلى جواب برير فقد قال : لقد علم قومي أنّي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون , والله ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، وددت أنّهم مالوا علينا الساعة(2) .
أيّ إيمان هذا الذي تسلّح به أصحاب الحسين (عليه السّلام) ؛ فقد فاقوا جميع شهداء الحقّ والفضيلة في جميع الأعصار والآباد .
رؤيا الإمام الحسين (عليه السّلام)
وخفق الإمام الحسين (عليه السّلام) خفقة ثمّ انتبه ، والتفت إلى أصحابه وأهل بيته فقال لهم : (( أتعلمون ما رأيت في منامي ؟ )) .
ـ ما رأيت يابن رسول الله ؟
(( رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليَّ تنهشني , وفيها كلب أبقع أشدّها عليَّ ، وأظنّ
ـــــــــــــــــــــ
(1) رجال الكشي / 53 .
(2) تاريخ الطبري 6 / 241 .
الصفحة (247)
الذي يتولّى قتلي رجل أبرص من هؤلاء القوم . ثمّ إنّي رأيت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي : أنت شهيد آل محمّد ، وقد استبشرت بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن إفطارك عندي الليلة ، عجّل ولا تؤخّر . هذا ما رأيت ، وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا ))(1) .
وخيّم على أهل البيت (عليهم السّلام) حزن عميق ، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم والاقتراب من دار الآخرة .
فزع عقائل الوحي
وفزعت عقائل الوحي ، وخيّم عليهنَّ الذعر والخوف ، ولم يهدأن في تلك الليلة ؛ فقد طافت بهنَّ موجات من الهواجس وتمثّل أمامهنَّ المستقبل المليء بالخطوب والكوارث ، وقد خلدنَ إلى الدعاء والبكاء ، وكان من أشدّهنَّ عقيلة النبوّة السيّدة زينب ؛ فقد كانت تراقب الأحداث وهي على علم لا يخامره شكّ أنّ المسؤولية الكبرى سوف تنتقل عن كاهل الحسين (عليه السّلام) إليها لو قُتل ، كما علمت أنّه لا يبقى من أهلها أحد ، لقد فزعت وذهلت من الأحداث الجسام التي أحاطت بها .
العقيلة (عليها السّلام) مع الهاشميّين والأصحاب
ولم تهدأ عقيلة الرسالة ؛ فقد هامت في تيارات مذهلة من الأسى والشجون ، فكانت على علم أنّ ليلة العاشر من المحرّم هي آخر ليلة لأهلها وهم على قيد الحياة ، وقد وجلت على أخيها , فمضت تراقب خيم الهاشميّين والأصحاب لتسمع ما يدور عندهم من حديث .
فانبرت إلى خيمة أخيها قمر بني هاشم وقد اجتمع بها فتيان بني هاشم , وقد أحاطوا بسيّدهم أبي الفضل ، فسمعته يخاطب
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 177 .
الصفحة (248)
الهاشميّين قائلاً : إخوتي وبني إخوتي وأبناء عمومتي ، إذا كان الصباح فما تصنعون ؟
فهبّوا جميعاً قائلين : الأمر إليك .
ـ إنّ أصحابنا وأنصارنا قوم غرباء ، والحمل ثقيل لا يقوم إلاّ بأهله ، فإذا كان الصباح كنتم أوّل مَنْ يبرز للقتال ، فنسبق أنصارنا إلى الموت ؛ لئلاّ يقول الناس : قدّموا أصحابهم .
ولم ينتهِ من مقالته حتّى هبّوا قائلين : نحن على ما أنت عليه .
ثمّ مضت العقيلة إلى خيمة حبيب بن مظاهر عميد أصحاب الإمام وقد أحاط به الأصحاب ، فسمعت يحدّثهم قائلاً : يا أصحابي ، إذا كان الصباح ماذا تفعلون ؟
ـ الأمر إليك .
إذا صار الصباح كنّا أوّل مَنْ يبرز إلى القتال ، نسبق بني هاشم إلى الموت ، فلا نرى هاشمياً مضرّجاً بدمه ؛ لئلاّ يقول الناس : قد بدؤوهم إلى القتال ، وبخلنا عليهم بأنفسنا .
واستجابت الصفوة الطاهرة لمقالة زعيمهم حبيب ، وراحوا يقولون : نحن على ما أنت عليه .
وسُرّت زينب بوفاء الأنصار وتصميمهم على نصرة أخيها والذبّ عنه حتّى النفس الأخير من حياته ، وانطلقت العقيلة إلى أخيها فأخبرته بما سمعت من الهاشميّين والأنصار من الذود عنه ، وحمايته من كلّ سوء ومكروه .
وأخبرها الإمام (عليه السّلام) أنّهم من أنبل الناس ، ومن أكثرهم شهامة وإيماناً ، وأنّ الله تعالى قد اختارهم من بين عباده لنصرته ، والوقوف معه لمناجزة القوى المنحرفة والمعادية للإسلام .
الصفحة (249)
يوم عاشوراء
ويوم عاشوراء من أفجع الأيام وأقساها وأشدّها محنة على العقيلة زينب (عليها السّلام) وعلى أهل البيت (عليهم السّلام) ، فلم تبقَ رزيّة من رزايا الدهر إلاّ جرت عليهم ، ونتحدّث ـ بإيجاز ـ عن فصول هذه المأساة الخالدة في دنيا الأحزان .
خطاب الإمام الحسين (عليه السّلام)
ولمّا تهيّأت عساكر ابن سعد لحرب الإمام ، فرأى (عليه السّلام) من الواجب أن يعظهم ويرشدهم حتّى يكونوا على بصيرة من أمرهم ، فخطب فيهم خطاباً مؤثّراً ، وقد نشر كتاب الله العظيم ، واعتمّ بعمامة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولبس لامته ، فقال لهم : (( تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً ! حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين(1) ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم(2) علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً(3) لأعدائكم على أوليائكم , بغير عدل أفشوه فيكم , ولا أمل أصبح لكم فيهم .
مهلاً ـ لكم الويلات ! ـ تركتمونا والسيف مشيم(4) ، والجأش طامن ، والرأي لمّا يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدّبا(5) ، وتداعيتم إليها كتهافت الفراش .
ـــــــــــــــــــــ
(1) موجفين : أي مسرعين في السير إليكم .
(2) حششتم النار التي توقد .
(3) إلباً : أي مجتمعين .
(4) مشيم السيف : غمده .
(5) الدّبا : الجراد قبل أن يطير .
الصفحة (250)
فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرّفي الكلم ، وعصبة الأثام ، ونفثة الشيطان ، ومطفئ السنن !
أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟! أجل والله غدر فيكم قديم ، وشجت إليه اُصولكم , وتأزّرت(1) عليه فروعكم ، فكنتم أخبث شجر شجى للناظر , وأكلة للغاصب .
ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة(2) والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، واُنوف حميّة , ونفوس أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .
ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة مع قلّة العدد وخذلان الناصر )) . ثمّ أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادي :
فـإن نُهزم فهزّامون قدماً وإن نُُـغلَب فـغيرُ مغَلّبينا
ومـا إن طِـبُّنا جبنٌ ولكن مـنايانا ودولـةُ آخـرينا
إذا ما الموتُ رفّع عن أُناس كـلاكـله أنـاخَ بـآخرينا
فـأفنى ذلكم سروات قومي كـما أفنى القرونَ الأوّلينا
فـلو خلدَ الملوكُ إذاً خلدنا ولـو بقي الكرامُ إذاًً بقينا
فـقل للشامتينَ بنا أفيقوا سيلقى الشامتونَ كما لقينا
(( أما والله لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يُركب الفرس حتّى يدور
ـــــــــــــــــــــ
(1) تأزّرت : أي نبتت عليه فروعكم .
(2) السلّة : استلال السيوف .
الصفحة (251)
بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدّي ، (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ) , (إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) )) .
ورفع يديه بالدعاء على اُولئك السفكة المجرمين قائلاً : (( اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسِنيِّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسومهم كاساً مصبرةً ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ))(1) .
لقد انفجر أبو الأحرار في خطابه كالبركان ، وأبدى من صلابة العزم وعزّة النفس ما لم يشاهد مثله ؛ فقد استهان بالموت ، ولا يخضع لاُولئك الأقزام الذين سوّدوا وجه التأريخ ، وكانوا سوءة عار لمجتمعهم .
استجابة الحرّ
واستيقظ ضمير الحرّ حينما سمع خطاب الإمام (عليه السّلام) , وجعل يتأمّل ويفكّر في مصيره ، وأنّه لا محالة يصير إلى النار خالداً فيها ، واختار الدار الآخرة والالتحاق بآل النبي (صلّى الله عليه وآله) .
وقبل أن يتوجّه إلى الإمام الحسين (عليه السّلام) أسرع نحو ابن سعد فقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟
فأجابه بلا تردد ليظهر أمام قادة الفرق إخلاصه لسيّده ابن مرجانة قائلاً : إي والله ، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي .
فقال له الحرّ برنّة المستريب :
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 74 ـ 75 .
الصفحة (252)
أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضاً ؟
فأجابه ابن سعد : لو كان الأمر لي لفعلت ، ولكن أميرك أبى ذلك .
وأيقن الحرّ أنّ القوم مصمّمون على حرب ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فمضى يشقّ الصفوف وقد سرت الرعدة بأوصاله , فأنكر عليه ذلك المهاجر بن أوس ، وهو من شرطة ابن زياد , فقال له : والله إنّ أمرك لمريب ! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل ما أراه الآن ، ولو قيل لي : مَن أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك .
وكشف له الحرّ عن عزمه فقال له : إنّي والله اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار ، ولا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت واُحرقت . ولوى بعنان فرسه صوب الإمام (عليه السّلام)(1) ، وهو مُطرق برأسه إلى الأرض حياءً وندماً على ما فرّط في حقّ الإمام ، ولمّا دنا منه رفع صوته قائلاً : اللّهمّ إليك اُنيب ؛ فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك . يا أبا عبد الله ، إنّي تائب فهل لي من توبة ؟
ونزل عن فرسه ووقف قبال الإمام (عليه السّلام) ودموعه تتبلور على سحنات وجهه قائلاً : جعلني الله فداك يابن رسول الله !أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلاّ هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً ، فقلت في نفسي : لا اُبالي أن اُطيع القوم في بعض أمرهم ، ولا يرون أنّي خرجت من طاعتهم ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 244 .
وأمّا هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ، ووالله لو ظننت أنّهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك . وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي ، مواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك ، أفترى لي توبة ؟
واستبشر به الإمام (عليه السّلام) ، ومنحه الرضا والعفو ، وقال له : (( نعم ، يتوب الله عليك ويغفر ))(1) .
وانطلق الحرّ بعد أن منحه الإمام (عليه السّلام) العفو وقبل توبته ، فخطب في أهل الكوفة ودعاهم إلى التوبة ، ونُغَب عليهم حصارهم للإمام ، ومنعه مع أهل بيته وأصحابه عن ماء الفرات الذي هو حقّ مشاع للجميع ، ولم يستجيبوا له ، ورموه بالنبال .
الحرب
وارتبك ابن سعد من التحاق الحرّ بالإمام (عليه السّلام) ، وخاف أن يحصل التمرّد في جيشه ، فزحف الباغي الأثيم نحو معسكر الحسين (عليه السّلام) , وأخذ سهماً فأطلقه صوب الإمام ، وقد رفع صوته قائلاً : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى الحسين .
وفتح ابن سعد من السهم الذي أطلقه باب الحرب ، وطلب من الجيش أن يشهدوا له عند سيّده ابن مرجانة بأنّه أوّل مَنْ رمى معسكر ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وتتابعت السهام كأنّها المطر على معسكر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فلم يبقَ أحد منهم إلاّ أصابه سهم ، فالتفت الإمام إلى أصحابه قائلاً : (( قوموا يا كرام ، فهذه رسل القوم إليكم )) .
وتقدّمت طلائع الحقّ من أصحاب أبي الأحرار إلى ساحة الشرف والمجد وهي تعلن ولاءها للإسلام ، وتفانيها في الذبّ عن إمام المسلمين وسيّد شباب أهل
ـــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التاريخ 3 / 289 .
الصفحة (254)
الجنّة ، وبذلك بدأت المعركة واحتدم القتال كأشدّه وأعنفه .
ومن المقطوع به أنّه لم تكن مثل المعركة في جميع الحروب التي جرت في الأرض ؛ فقد تقابل اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً مع عشرات الاُلوف ، وقد أبدى أصحاب الإمام من الشجاعة والبسالة ما يبهر العقول ويحيّر الألباب .
مصارع أصحاب الإمام (عليه السّلام)
وشنّت قوات ابن سعد هجوماً عاماً وعنيفاً على أصحاب الإمام (عليه السّلام) , وخاضوا معهم معركة رهيبة ، وقد ثبت لهم أصحاب الإمام (عليه السّلام) , فهزموا جموعهم بقلوب أقوى من الحديد ، وأنزلوا بهم أفدح الخسائر ، وقد استشهد في هذه الحملة نصف أصحاب الإمام (عليه السّلام) .
ثمّ بدأت بعد ذلك المبارزة بين العسكرين ، فكان الرجل من أصحاب الإمام يبرز ويُقاتل ثمّ يُقتل ، وهكذا حتّى فنوا عن آخرهم ، وقد أبلوا في المعركة بلاءً يقصر عنه كلّ وصف وإطراء ؛ فقد خاضوا تلك المعركة الرهيبة ولم تضعف لأيّ رجل منهم عزيمة ولم تلن لهم قناة ، وقد سمت أرواحهم الطاهرة إلى الرفيق الأعلى وهي أنضر ما تكون تفانياً في مرضاة الله تعالى وطاعته .
وإنّ أعطر ما نقدّمه لهم من تحية كلمات الإمام الصادق (عليه السّلام) عملاق الفكر الإسلامي في حقّهم , قال مخاطباً لهم : (( بأبي أنتم واُمّي ! طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم ، وفزتم فوزاً عظيماً )) .
مصارع أهل البيت (عليهم السّلام)
وبعدما نالت الشهادة الصفوة الطاهرة من أصحاب الإمام (عليه السّلام) هبّ أبناء الاُسرة النبويّة شباباً وأطفالاً إلى التضحية والفداء ، فكانوا كالليوث وكالصاعقة على جيوش الكفر والضلال ، وأخذ بعضهم يودّع البعض الآخر وهم يذرفون الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار ؛ حيث يرونه وحيداً قد أحاطت به من كلّ جانب جيوش الاُمويِّين
الصفحة (255)
ليتقرّبوا بقتله إلى ابن مرجانة ، وفي طليعة الذين استشهدوا من آل البيت (عليهم السّلام) :
عليّ الأكبر (عليه السّلام)
وكان عليّ الأكبر شبيه جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ملامحه وفي أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيّين ، وكانت الاُسرة النبويّة والصحابة إذا اشتاقوا إلى رؤية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نظروا إلى وجه عليّ الأكبر ، وكان دنيا من الفضائل والمواهب والعبقريات ؛ فقد تسلّح بكلّ فضيلة وأدب ، وكان أعزّ أبناء الإمام الحسين (عليه السّلام) لعمّته العقيلة وسائر بني عمومته وأعمامه .
وهو أوّل هاشمي اندفع بحماس بالغ إلى الحرب ، وكان عمره الشريف ثماني عشر سنة(1) ، وقد وقف أمام أبيه طالباً منه الرخصة لمناجزة أعداء الله ، فلمّا رآه الإمام (عليه السّلام) ذابت نفسه أسى وحسرات ، وأشرف على الاحتضار ؛ فقد رأى فلذة كبده قد ساق نفسه إلى الموت ، فرفع الإمام شيبته الكريمة نحو السماء ، وهو يقول بنبرات قد لفظ فيها شظايا قلبه : (( اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم , فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك محمّد (صلّى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه . اللّهمّ امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ؛ فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا )) .
والتفت الإمام (عليه السّلام) إلى المجرم الأثيم عمر بن سعد عبد ابن مرجانة ، فصاح به : (( ما لك ؟! قطع الله رحمك , ولا بارك لك في أمرك ، وسلّط عليك مَنْ يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) . وتلا قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 244 .
الصفحة (256)
وشيّع الإمام (عليه السّلام) ولده بدموع مشفوعة بالأسى والحزن ، وخلفه عمّته العقيلة وسائر عقائل الوحي ، وقد علا منهم الصراخ والعويل على شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
وانطلق فخر هاشم إلى ساحة الحرب وقد امتلأ قلبه حزماً وعزماً ، ووجهه الشريف يتألق نوراً ؛ فقد حكى بهيبته هيبة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وبشجاعته شجاعة جدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وتوسّط حراب الأعداء وسيوفهم وهو يرتجز قائلاً :
أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ علي نحن وربُّ البيت أولى بالنبي
تالله لا يحكم فينا ابنُ الدعي
أنت يا شرف هذه الاُمّة أولى بالنبي وأحق بمقامه من هؤلاء الأدعياء الذين سلّطتهم عليكم الطغمة الحاكمة من قريش التي أبت أن تجتمع الخلافة والنبوّة فيكم .
والتحم عليّ الأكبر (عليه السّلام) مع أعداء الله ، وقد ملأ قلوبهم خوفاً ورعباً , وأبدى من البسالة والشجاعة ما يقصر عنه كلّ وصف ؛ فقد ذكّرهم ببطولات جدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، ومحطّم أوثان القرشيّين ، وقد قتل مئة وعشرين فارساً(1) سوى المجروحين ، وألحّ عليه العطش وأضرّ به ، فقفل راجعاً إلى أبيه يشكو ظمأه القاتل قائلاً : يا أبتِ ، العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إليّ شربة ماء من سبيل أتقوى بها على الأعداء ؟
والتاع الإمام (عليه السّلام) ، فقال له بصوت خافت ، وعيناه تفيضان دموعاً : (( واغوثاه ! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبداً )) .
وأخذ لسانه فمصّه ليريه شدّة عطشه , فكان كشقّة مبرد من شدّة العطش .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 246 .
الصفحة (257)
يقول الحجّة الشيخ عبد الحسين صادق في رائعته :
يـشـكو لـخـيرِ أبٍ ظمـأه وما اشتكى ظمـأ الحشا إلاّ إلى الظامي الصدي
كــلٌّ حـشـاشته كـصـاليةِ الـغضا ولـسـانُـه ظـمـأ كـشـقةِ مـبـردِ
فـانـصاعَ يـؤثـرهُ عـلـيهِ بـريقهِ لــو كــانَ ثـمةَ ريـقه لـم يـجمدِ
لقد كان هذا المنظر الرهيب لعليّ الأكبر من أفجع وأقسى ما رُزئ به أبو الأحرار ؛ فقد رأى ولده الذي هو من أنبل وأشرف ما خلق الله ، وهو في غضارة العمر وريعان الشباب قد أشرف على الهلاك من شدّة العطش ، وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء ليروي عطشه .
وقفل فخر الإسلام عليّ الأكبر (عليه السّلام) راجعاً إلى حومة الحرب ، قد فتكت الجراح بجسمه ، وفتّت العطش فؤاده ، وجعل يُقاتل كأشدّ ما يكون القتال وأعنفه حتّى ضجّ العسكر من كثرة مَنْ قتل منهم .
ولمّا رأى ذلك الوضر الخبيث مرّة بن منقذ العبدي قال : عليَّ آثام العرب إن لم أثكل أباه . وأسرع الخبيث الدنس إلى شبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فطعنه بالرمح في ظهره , وضربه ضربة منكرة على رأسه ففلق هامته ، واعتنق فرسه يظنّ أنّه يرجعه إلى أبيه , إلاّ أنّ الفرس حمله إلى معسكر الأعداء فأحاطوا به من كلّ جانب , ومزّقوا جسده الشريف بالسيوف ، ونادى فخر هاشم ومجد عدنان رافعاً صوته : عليك منّي السّلام أبا عبد الله ، هذا جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد سقاني بكأسه شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول : (( إنّ لك كأساً مذخورة )) .
وحمل الأثير هذه الكلمات إلى أبيه الثاكل الحزين فقطّعت قلبه , ومزّقت أحشاءه ، ففزع إليه وهو خائر القوى , منهدّ الركن ، فانكب عليه فوضع خدّه على خدّه وهو جثة هامدة , قد قطّعت شلوه السيف إرباً إرباً ، وأخذ الإمام (عليه السّلام) يذرف أحرّ الدموع على ولده الذي لا يشابهه أحد في كمال فضله ، وجعل يلفظ شظايا قلبه
الصفحة (258)
بهذه الكلمات : (( قتل الله قوماً قتلوك يا بُني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ! على الدنيا بعدك العفا ))(1) .
وما كاد الخبر يبلغ الخيام حتّى هرعت حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) زينب من خدرها ، وكان ذلك أوّل ما خرجت إلى المعركة فأكبت بنفسها على ابن أخيها الذي كان أعزّ ما عندها من أبنائها , وجعلت تضمّخه بدموعها وقد انهارت قواها ، وانبرى إليها الإمام (عليه السّلام) وجعل يعزّيها ب0مصابها الأليم ، وهو يردّد هذه الكلمات : (( على الدنيا بعدك العفا )) .
وأخذ الإمام (عليه السّلام) بيد اُخته وردّها إلى الفسطاط ، وأمر فتيانه بحمل ولده إلى الفسطاط .
لقد كان علي بن الحسين (عليه السّلام) الرائد والزعيم لكلّ حرّ شريف مات أبيّاً على الضيم في دنيا الإباء ، فسلام الله عليه غادية ورائحة , ونودعه بالأسى والحزن ، ونردّد كلمات أبيه : (( على الدنيا بعدك العفا )) .
مصارع آل البيت (عليهم السّلام)
وبرزت الفتية من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهي تذرف الدموع على وحدة سيّدهم أبي الأحرار ، وكان من بينهم القاسم بن الحسن ، وكان كالقمر في بهائه وجماله , وقد ربّاه عمّه وغذّاه بمواهبه وآدابه ، وأفرغ عليه أشعة من روحه حتّى صار صورة عنه ، وكان أحبّ إليه من أبناء إخوته وأعمامه .
وكان القاسم يتطلّع إلى محنة عمّه ، وينظر إلى جيوش الكفر قد أحاطت به وقد ذابت نفسه أسىً وحسرات ، وجعل يردد :
ـــــــــــــــــــــ
(1) العفا : التراب .
