وطلب من الإمام (عليه السّلام) أن يمنحه العفو والرضا , فعفا الإمام عنه(1) .
سرور يزيد (لعنه الله)
وغمرت يزيد موجات من الفرح حينما جيء له بسبايا أهل البيت (عليهم السّلام) ، وكان مطلاّ على منظر في جيرون ، فلمّا نظر إلى الرؤوس والسبايا قال :
لـمّا بـدت تـلكَ الحمول وأشرقتْ تـلكَ الـرؤوس على شفا جيرونِ
نـعبَ الغرابُ فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسولِ ديوني(2)
لقد أخذ ابن هند ثأره من ابن فاتح مكة ومحطّم أوثان قريش ؛ فقد أباد العترة الطاهرة , وسبى ذراريها ؛ تشفّياً وانتقاماً من الرسول الذي قتل أعلام الاُمويِّين .
رأس الإمام (عليه السّلام) عند يزيد (لعنه الله)
وحمل الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن ومحفر بن ثعلبة العائدي رأس ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة هدية إلى الفاجر يزيد بن معاوية ، فسرّ بذلك سروراً بالغاً ؛ فقد استوفى ثأره وديون الاُمويِّين من ابن رسول الله ، وقد أذن للناس إذناً عاماً ليظهر لهم قدرته وقهره لآل النبي (صلّى الله عليه وآله) .
وازدحم الأوباش والأنذال من أهل الشام على البلاط الاُموي وهم يعلنون فرحتهم الكبرى , ويهنّئون يزيد بهذا النصر الكاذب(3) ، وقد وضع الرأس الشريف بين يدي سليل الخيانة فجعل ينكثه بمخصرته ، ويقرع ثناياه اللتين كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرشفهما ، وجعل يقول : لقد لقيت بغيك يا حسين(4) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 371 .
(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 437 .
(3) البداية والنهاية 8 / 198 .
(4) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 374 .
الصفحة (298)
ثمّ التفت إلى عملائه وأذنابه فقال لهم : ما كنت أظنّ أبا عبد الله قد بلغ هذا السنّ ، وإذا لحيته ورأسه قد نصلا من الخضاب الأسود(1) .
وتأمّل في وجه الإمام (عليه السّلام) فغمرته هيبته , وراح يقول : ما رأيت مثل هذا الوجه حسناً قطّ(2) !
أجل ، إنّه كوجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي تحنو له الوجوه والرقاب ، والذي يشعّ بروح الإيمان .
وراح ابن معاوية يوسع ثغر الإمام (عليه السّلام) بالضرب وهو يقول : إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين بن الحمام :
أبى قومنا إن ينصفونا فانصفت قواضب فـي إيماننا تقطر الدما
نُـفلِّقنَ هـاماً من رجالٍ أعزّةٍ عـلينا و هم كانوا أعقّ وأظلما
ولم يتم الخبيث كلامه حتّى أنكر عليه أبو برزة الأسلمي , فقال له : أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ؟! أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لربّما رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرشفه ! أما إنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك , ويجيء هذا ومحمد (صلّى الله عليه وآله) شفيعه .
ثمّ قام منصرفاً عنه(3) .
السبايا في مجلس يزيد (لعنه الله)
وعمد الأنذال من جلاوزة الخبيث ابن الخبيث يزيد بن معاوية إلى عقائل الوحي وسائر الصبية , فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام ، فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى عنق العقيلة زينب (عليها السّلام) وباقي بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وكانوا كلّما قصّروا عن
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 2 / 351 .
(2) تاريخ القضاعي / 70 .
(3) تاريخ ابن الأثير 3 / 398 .
الصفحة (299)
المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط ، وجاؤوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدّع من هولها الجبال ، وهم يكبّرون ويهلّلون بسبيهم لبنات رسول الله وإبادتهم لعترته .
وأوقفت مخدّرات الرسالة بين يدي يزيد (لعنه الله) ، فالتفت إليه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فقال له : (( ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لو رآنا على هذه الصِفة ؟ )) .
فتأثّر يزيد ، ولم يبق أحد في مجلسه إلاّ بكى ، وكان منظر العلويات مثيراً للعواطف ، فقال يزيد (لعنه الله) : قبّح الله ابن مرجانة ! لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا .
إنّه لم يصنع بالسيّدات العلويات بمثل هذه الأعمال إلاّ بأمر يزيد , وإرضاءً لعواطفه ورغباته ، واستجابة لعواطف القرشيّين الذين ما آمنوا بالإسلام , وكانت نفوسهم مترعة بالحقد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
والتفت الطاغية إلى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فقال له : إيه يا عليّ بن الحسين ، أبوك الذي قطع رحمي , وجهل حقّي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت .
فأجابه شبل الحسين بكلّ طمأنينة وهدوء بقوله تعالى : (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )) .
وثار الطاغية وقال للإمام : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) .
فردّ عليه الإمام (عليه السّلام) : (( هذا في حقّ مَنْ ظلم لا في حقّ مَنْ ظُلِم )) .
الصفحة (300)
وزوى الإمام بوجهه عنه ولم يكلّمه ؛ استهانة به(1) .
خطاب العقيلة (عليها السّلام)
وأظهر الطاغية الآثم فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقد صفا له الملك ، واستوسقت له الاُمور ، وأخذ يهزّ أعطافه جذلاناً متمنّياً حضور القتلى من أهل بيته ببدر ؛ ليريهم كيف أخذ بثارهم من النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذرّيته ، وراح يترنّم بأبيات ابن الزبعري قائلاً أمام الملأ بصوت يسمعه الجميع :
لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شهدوا جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ
فـأهـلّوا واسـتهلّوا فـرحاً ثـمّ قـالوا يا يزيدَ لا تُشلْ
قـد قـتلنا القومَ من ساداتهمْ و عـدلـناه بـبدرٍ فـاعتدلْ
لـعبت هـاشمُ بـالمُلكِ فلا خـبرٌ جـاءَ و لا وحيٌ نزلْ
لـستُ من خندف إن لم أنتقمْ مـن بـني أحمدَ ما كان فَعَلْ
ولمّا سمعت العقيلة (عليها السّلام) هذه الأبيات التي أظهر فيها التشفّي بقتل عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انتقاماً منهم لقتلى بدر ، وثبت كالأسد , فسحقت جبروته وطغيانه , فكأنّها هي الحاكمة والمنتصرة ، والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره ، وقد خطبت هذه الخطبة التي هي من متمّمات النهضة الحسينيّة .
قالت (عليها السّلام) : الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين ، صدق الله كذلك يقول : ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ )(2) .
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا
ـــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد / 276 .
(2) سورة الروم / 10 .
الصفحة (301)
أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تساق الإماء , أنّ بنا على الله هواناً ، وبك عليه كرامة , وأنّ ذلك لعظيم خطرك عنده , فشمختَ بأنفك ، ونظرتَ في عطفك جذلان مسروراً حين رأيتَ الدنيا لك مستوسقة ، والأمور متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ؟! فمهلاً مهلاً ! أنسيت قول الله عزّ وجلّ : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(1) ؟
أمن العدل يابن الطُلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا , قد هتكت ستورهنّ ، وأبديت وجوهنّ ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنّ أهل المنازل والمناهل(2) ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والدَّنيّ والشريف ، ليس معهنّ من رجالهنّ وليّ ، ولا من حماتهنّ حميّ ؟!
وكيف تُرتجى مراقبة مَنْ لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟! وكيف لا يُستبطأ في بُغضنا أهل البيت مَنْ نظر إلينا بالشنف(3) والشنآن ، والإحن والأضغان ؟! ثمّ تقول غير مُتأثّم ولا مستعظم :
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 178 .
(2) المناهل : جمع منهل ، وهو موضع الشرب من العيون ، والمراد من يسكن فيها . المعاقل : سكنة الحصون .
(3) الشنف : البغض والعداء .
الصفحة (302)
لأهَـلّوا واستهلّوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشَلْ
منتحياً على ثنايا أبي عبد الله (عليه السّلام) سيد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك !
وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرّيّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب ؟! وتهتف بأشياخك زعمتَ أنّك تناديهم ! فلتردنّ وشيكاً موردهم ، ولتودّنّ أنّك شُللت وبُكمتَ ولم تكن قلتَ ما قلتَ , وفعلتَ ما فعلتَ . اللّهمّ خُذ بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمَنْ سفك دماءنا وقتل حماتنا .
فوالله ما فريتَ إلاّ جلدك ، ولا حززتَ إلاّ لحمك ، ولتردنّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيّته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، وحيث يجمع الله شملهم , ويلمّ شعثهم , ويأخذ بحقّهم , ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1) .
وحسبك الله حاكماً ، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسيعلم مَنْ سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً , وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً !
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 163 .
الصفحة (303)
ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى .
ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النُجباء بحزب الشيطان الطلقاء ! فهذه الأيدي تنطف(1) من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل(2) , وتعفّرها اُمّهات الفراعل(3) . ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلاّم للعبيد ، فإلى الله المشتكى ، وعليه المعوّل .
فكد كيدك ، واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحونّ ذكرنا ، ولا تُميتُ وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها . وهل رأيك إلاّ فنداً ، وأيّامك إلاّ عدداً ، وجمعك إلاّ بدداً ، يوم ينادي المناد : ألا لعنة الله على الظالمين .
فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة , ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن
ـــــــــــــــــــــ
(1) تنطف : أي تستوفي من دمائنا .
(2) العواسل : جمع عاسل ، وهو الذئب .
(3) الفراعل : جمع فرعل ، وهو ولد الضبع .
علينا الخلافة ، إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل(1) .
وهذا الخطاب من متمّمات النهضة الحسينيّة ، ومن روائع الخطب الثورية في الإسلام ؛ فقد دمّرت فيه عقيلة بني هاشم وفخر النساء جبروت الاُموي الظالم يزيد ، وألحقت به وبمَنْ مكّنه من رقاب المسلمين العار والخزي ، وعرّفته عظمة الاُسرة النبويّة التي لا تنحني جباهها أمام الطغاة والظالمين .
وعلّق الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء على هذا الخطاب بقوله : أتستطيع ريشة أعظم مصوّر وأبدع ممثل أن يمثّل لك حال يزيد وشموخه بأنفه ، وزهوه بعطفه , وسروره وجذله باتّساق الاُمور ، وانتظام الملك , ولذّة الفتح والظفر , والتشفّي والانتقام بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل ؟!
وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجّة والبيان والتقريع والتأنيب ، ويبلغ ما بلغته (سلام الله عليها) بتلك الكلمات ، وهي على الحال الذي عرفت ، ثمّ لم تقتنع منه بذلك حتّى أرادت أن تمثّل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل ، وعزّة الحقّ , وعدم الاكتراث واللامبالاة بالقوم والسلطة والهيبة والرهبة ؟! أرادت أن تعرّفه خسّة طبعه ، وضعة مقداره ، وشناعة فعله ، ولؤم فرعه وأصله(2) .
ويقول المرحوم الفكيكي : تأمّل معي في هذه الخطبة النارية كيف جمعت بين فنون البلاغة وأساليب الفصاحة وبراعة البيان ، وبين معاني الحماسة وقوّة الاحتجاج وحجّة المعارضة , والدفاع في سبيل الحرية والحقّ والعقيدة ! بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب ، وأحدّ من وقع الأسنّة في الحشا والمهج في مواطن القتال ومجالات النزال .
وكان الوثوب على أنياب الأفاعي ، وركوب أطراف
ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام النساء 2 / 504 ، بلاغات النساء / 21 ، حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 378 ـ 380 .
(2) السياسة الحسينيّة / 30 .
الصفحة (305)
الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني اُميّة وفراعنتهم في منازل عزّهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة .
ثمّ إنّ هذه الخطبة التأريخية القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة ، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية ، وسيبقى هذا الأدب الحيّ صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال , وفي كلّ ذكرى لواقعة الطفّ الدامية المفجعة(1) .
محتويات الخطاب
وحلّلنا محتويات خطاب العقيلة في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، وننقله لما فيه من مزيد الفائدة ، وهذا نصّه : وكان هذا الخطاب العظيم امتداداً لثورة كربلاء ، وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية ، وقد حفل بما يلي :
أولاً : إنّها دلّلت على غرور الطاغية وطيشه ؛ فقد حسب أنّه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكريّة التي ملأت البيداء , وسدّت آفاق السماء , إلاّ أنّه انتصار مؤقّت . ومن طيشه أنّه حسب أنّ ما أحرزه من الانتصار كان لكرامته عند الله تعالى , وهوان لأهل البيت (عليهم السّلام) ، ولم يعلم أنّ الله إنّما يملي للكافرين في الدنيا من النعم ليزدادوا إثماً , ولهم في الآخرة عذاب أليم .
ثانياً : إنّها نعت عليه سبيه لعقائل الوحي ، فلم يرعَ فيهم قرابتهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو الذي منَّ عليهم يوم فتح مكة فكان أبوه وجدّه من الطلقاء ، فلم يشكر للنبي (صلّى الله عليه وآله) هذه اليد ، وكافئه بأسوأ ما تكون المكافئة .
ثالثاً : إنّ ما اقترفه الطاغية من سفكه لدماء العترة الطاهرة فإنّه مدفوع بذلك ؛
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 381 .
الصفحة (306)
بحكم نشأته ومواريثه ، فجدّته هند هي التي لاكت كبد سيّد الشهداء حمزة ، وجدّه أبو سفيان العدوّ الأول للإسلام ، وأبوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين , وانتهك جميع ما حرّمه الله ، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها .
رابعاً : إنّها أنكرت عليه ما تمثّل به من الشعر الذي تمنّى فيه حضور شيوخه الكفرة من الاُمويِّين ؛ ليروا كيف أخذ بثأرهم من النبي (صلّى الله عليه وآله) بإبادته لأبنائه ، إلاّ أنّه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم .
خامساً : إنّ الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك إلاّ دمه ، ولم يفرِ إلاّ جلده ؛ فإنّ تلك النفوس الزكية حيّة وخالدة ، وقد تلفّعت بالكرامة ، وبلغت قمّة الشرف ، وإنّه هو الذي باء بالخزي والخسران .
سادساً : إنّما عرضت إلى مَنْ مكّن الطاغية من رقاب المسلمين ، فهو المسؤول عمّا اقترفه من الجرائم والموبقات ، وقد قصدت (سلام الله عليها) مغزى بعيداً يفهمه كلّ مَنْ تأمّل فيه .
سابعاً : إنّها أظهرت سموّ مكانتها وخطر شأنها ؛ فقد كلّمت الطاغية بكلام الأمير والحاكم ؛ فاستهانت به ، واستصغرت قدره ، وتعالت عن حواره ، وترفّعت عن مخاطبته ، ولم تحفل بسلطانه . لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألمّ بها من المصائب أعظم قوّة وأشدّ بأساً منه .
ثامناً : إنّها عرضت إلى أنّ يزيد مهما بذل من جهد لمحو ذكر أهل البيت (عليهم السّلام) ، فإنّه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً ؛ لأنّهم مع الحقّ ، والحقّ لا بدّ أن ينتصر . وفعلاً فقد انتصر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وتحوّلت مأساته إلى مجد لا يبلغه أيّ إنسان كان ، فأيّ نصر أحقّ بالبقاء وأجدر بالخلود من النصر الذي أحرزه الإمام (عليه السّلام) ؟
هذا قليل من كثير ممّا جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة ، ومعجزة من معجزات البيان ، وهي إحدى الضربات التي أدّت إلى
الصفحة (307)
انهيار الحكم الاُموي(1) .
جواب يزيد (لعنه الله)
ولم يستطع الطاغية الجواب على خطاب العقيلة (عليها السّلام) ؛ فقد انهار كبرياؤه وغروره , وتمثّل ببيت من الشعر وهو :
يا صيحةًً تُحمدُ من صوائحْ ما أهون الموت على النوائحِْ
ولا توجد أيّة مناسبة بين ذلك الخطاب الثوري الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد وجرّدته من جميع القيم والمبادئ الإنسانيّة ، وبين هذا البيت من الشعر الذي حكى أنّ الصيحة تحمد من الصوائح ، وأنّ النوح يهون على النائحات ، فأيّ ربط موضوعي بين الأمرين .
اضطراب الطاغية (لعنه الله)
وتلبّدت الأجواء السياسيّة على الطاغية ، وحار في أمره ؛ فقد فضحته العقيلة بخطابها الخالد ، وجرّدته من السلطة الشرعيّة ، وأخذت الأوساط الشعبيّة في دمشق تتحدّاه وتنقم عليه جريمته النكراء بإبادته لعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فأخذ يلتمس له المعاذير ، فقال لأهل الشام : أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ، وما الحامل له على ما فعل ، وما الذي أوقعه فيما وقع ؟
ـ لا .
ـ يزعم أن أباه خير من أبي ، واُمّه فاطمة بنت رسول الله خير من اُمّي ، وأنّه
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 382 ـ 383 .
الصفحة (308)
خير منّي وأحقّ بهذا الأمر .
فأمّا قوله : أبوه خير من أبي ؛ فقد حاجّ أبي أباه إلى الله عزّ وجلّ ، وعلم الناس أيّهما حكم له ؛ وأمّا قوله : اُمّه خير من اُمّي ، فلعمري إنّ فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خير من اُمي ؛ وأمّا قوله : جدّه خير من جدّي ، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أنّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فينا عدلاً ولا ندّاً ، ولكنّه إنّما أتى من قلّة فقهه ، ولم يقرأ قوله تعالى : ( وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ )(1) .
لقد حسب الخبيث أنّ منطق الفضل عند الله تعالى إنّما هو الظفر بالملك والسلطان ، فراح يبني تفوّقه على الإمام (عليه السّلام) بذلك ، ولم يعلم أنّ الله تعالى لا يرى للملك أيّ قيمة ؛ فإنّه يهبه للبرّ والفاجر .
لقد تخبّط الطاغية وراح يبني مجده الكاذب على تغلّبه وقهره لسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد خاب فكره وضلّ سعيه ؛ فقد انتصر الإمام (عليه السّلام) في ثورته انتصاراً لم يحرزه أيّ فاتح على وجه الأرض ، فها هي الدنيا تعجّ بذكره ، وها هو حرمه يطوف به المسلمون كما يطوفون ببيت الله تعالى ، وليس هناك ضريح على وجه الأرض أعزّ ولا أرفع من ضريح أبي الأحرار ، فكان حقّاً هذا هو النصر والفتح .
العقيلة (عليها السّلام) مع الشامي ويزيد (لعنه الله)
ونظر شخص من أهل الشام إلى السيدة الزكية فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال ليزيد : هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي .
وقد ظنّ أنّها من الخوارج فيحق له أن تكون خادمة عنده ، ولمّا سمعت العلوية ذلك سرت الرعدة بأوصالها ، وأخذت بثياب عمّتها مستجيرة بها , فانبرت العقيلة (عليها السّلام) وصاحت بالرجل :
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 226 ، سورة البقرة / 247 .
الصفحة (309)
كذبت ولؤمت ، ما ذلك لك ولا لأميرك .
واستشاط الطاغية غضباً من استهانة العقيلة به وتحدّيها لشأنه ، فقال لها : كذبت ، إنّ ذلك لي ، ولو شئت لفعلت .
فنهرته العقيلة (عليها السّلام) ووجّهت له سهاماً من منطقها الفياض قائلة : كلاّ والله ما جعل لك ذلك , إلاّ أن تخرج من ملّتنا ، وتدين بغير ديننا .
وفقد الطاغية إهابه ؛ فقد أهانته أمام الطغمة من أهل الشام , فصاح بالحوراء : إياي تستقبلين بهذا ! إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك .
ولم تحفل العقيلة (عليها السّلام) بسلطانه ولا بقدرته على البطش والانتقام ، فردّت عليه بثقة : بدين الله ودين أبي وجدّي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً .
وأزاحت العقيلة بهذا الكلام الذي هو أشدّ من الصاعقة الستار الذي تستّر به الطاغية من أنّ الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السّلام) من الخوارج ؛ فقد استبان لأهل الشام أنّهم ذرّية رسول الله ، وأنّ يزيد كاذب بادّعائه .
وصاح الرجس الخبيث بالعقيلة : كذبتِ يا عدوّة الله .
ولم تجد العقيلة (عليها السّلام) جواباً تحسم به مهاترات الطاغية ، غير أن قالت : أنت أمير مسلّط ، تشتم ظلماً ، وتقهر بسلطانك .
وتهافت غضب الطاغية وأطرق برأسه إلى الأرض ، فأعاد الشامي كلامه إلى يزيد طالباً منه أن تكون بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خادمة عنده , فصاح به يزيد : وهب الله لك حتفاً قاضياً(1) .
لقد احتفظت عقيلة الوحي بقواها الذاتية ، وإرادتها الواعية الصلبة التي
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 265 .
سرور يزيد (لعنه الله)
وغمرت يزيد موجات من الفرح حينما جيء له بسبايا أهل البيت (عليهم السّلام) ، وكان مطلاّ على منظر في جيرون ، فلمّا نظر إلى الرؤوس والسبايا قال :
لـمّا بـدت تـلكَ الحمول وأشرقتْ تـلكَ الـرؤوس على شفا جيرونِ
نـعبَ الغرابُ فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسولِ ديوني(2)
لقد أخذ ابن هند ثأره من ابن فاتح مكة ومحطّم أوثان قريش ؛ فقد أباد العترة الطاهرة , وسبى ذراريها ؛ تشفّياً وانتقاماً من الرسول الذي قتل أعلام الاُمويِّين .
رأس الإمام (عليه السّلام) عند يزيد (لعنه الله)
وحمل الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن ومحفر بن ثعلبة العائدي رأس ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة هدية إلى الفاجر يزيد بن معاوية ، فسرّ بذلك سروراً بالغاً ؛ فقد استوفى ثأره وديون الاُمويِّين من ابن رسول الله ، وقد أذن للناس إذناً عاماً ليظهر لهم قدرته وقهره لآل النبي (صلّى الله عليه وآله) .
وازدحم الأوباش والأنذال من أهل الشام على البلاط الاُموي وهم يعلنون فرحتهم الكبرى , ويهنّئون يزيد بهذا النصر الكاذب(3) ، وقد وضع الرأس الشريف بين يدي سليل الخيانة فجعل ينكثه بمخصرته ، ويقرع ثناياه اللتين كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرشفهما ، وجعل يقول : لقد لقيت بغيك يا حسين(4) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 371 .
(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ المقرّم / 437 .
(3) البداية والنهاية 8 / 198 .
(4) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 374 .
الصفحة (298)
ثمّ التفت إلى عملائه وأذنابه فقال لهم : ما كنت أظنّ أبا عبد الله قد بلغ هذا السنّ ، وإذا لحيته ورأسه قد نصلا من الخضاب الأسود(1) .
وتأمّل في وجه الإمام (عليه السّلام) فغمرته هيبته , وراح يقول : ما رأيت مثل هذا الوجه حسناً قطّ(2) !
أجل ، إنّه كوجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي تحنو له الوجوه والرقاب ، والذي يشعّ بروح الإيمان .
وراح ابن معاوية يوسع ثغر الإمام (عليه السّلام) بالضرب وهو يقول : إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين بن الحمام :
أبى قومنا إن ينصفونا فانصفت قواضب فـي إيماننا تقطر الدما
نُـفلِّقنَ هـاماً من رجالٍ أعزّةٍ عـلينا و هم كانوا أعقّ وأظلما
ولم يتم الخبيث كلامه حتّى أنكر عليه أبو برزة الأسلمي , فقال له : أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين ؟! أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لربّما رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يرشفه ! أما إنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك , ويجيء هذا ومحمد (صلّى الله عليه وآله) شفيعه .
ثمّ قام منصرفاً عنه(3) .
السبايا في مجلس يزيد (لعنه الله)
وعمد الأنذال من جلاوزة الخبيث ابن الخبيث يزيد بن معاوية إلى عقائل الوحي وسائر الصبية , فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام ، فكان الحبل في عنق الإمام زين العابدين (عليه السّلام) إلى عنق العقيلة زينب (عليها السّلام) وباقي بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وكانوا كلّما قصّروا عن
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الإسلام ـ الذهبي 2 / 351 .
(2) تاريخ القضاعي / 70 .
(3) تاريخ ابن الأثير 3 / 398 .
الصفحة (299)
المشي أوسعوهم ضرباً بالسياط ، وجاؤوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدّع من هولها الجبال ، وهم يكبّرون ويهلّلون بسبيهم لبنات رسول الله وإبادتهم لعترته .
وأوقفت مخدّرات الرسالة بين يدي يزيد (لعنه الله) ، فالتفت إليه الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فقال له : (( ما ظنّك برسول الله (صلّى الله عليه وآله) لو رآنا على هذه الصِفة ؟ )) .
فتأثّر يزيد ، ولم يبق أحد في مجلسه إلاّ بكى ، وكان منظر العلويات مثيراً للعواطف ، فقال يزيد (لعنه الله) : قبّح الله ابن مرجانة ! لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا .
إنّه لم يصنع بالسيّدات العلويات بمثل هذه الأعمال إلاّ بأمر يزيد , وإرضاءً لعواطفه ورغباته ، واستجابة لعواطف القرشيّين الذين ما آمنوا بالإسلام , وكانت نفوسهم مترعة بالحقد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
والتفت الطاغية إلى الإمام زين العابدين (عليه السّلام) فقال له : إيه يا عليّ بن الحسين ، أبوك الذي قطع رحمي , وجهل حقّي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت .
فأجابه شبل الحسين بكلّ طمأنينة وهدوء بقوله تعالى : (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )) .
وثار الطاغية وقال للإمام : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) .
فردّ عليه الإمام (عليه السّلام) : (( هذا في حقّ مَنْ ظلم لا في حقّ مَنْ ظُلِم )) .
الصفحة (300)
وزوى الإمام بوجهه عنه ولم يكلّمه ؛ استهانة به(1) .
خطاب العقيلة (عليها السّلام)
وأظهر الطاغية الآثم فرحته الكبرى بإبادته لعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) , فقد صفا له الملك ، واستوسقت له الاُمور ، وأخذ يهزّ أعطافه جذلاناً متمنّياً حضور القتلى من أهل بيته ببدر ؛ ليريهم كيف أخذ بثارهم من النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذرّيته ، وراح يترنّم بأبيات ابن الزبعري قائلاً أمام الملأ بصوت يسمعه الجميع :
لـيتَ أشـياخي ببدرٍ شهدوا جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسلْ
فـأهـلّوا واسـتهلّوا فـرحاً ثـمّ قـالوا يا يزيدَ لا تُشلْ
قـد قـتلنا القومَ من ساداتهمْ و عـدلـناه بـبدرٍ فـاعتدلْ
لـعبت هـاشمُ بـالمُلكِ فلا خـبرٌ جـاءَ و لا وحيٌ نزلْ
لـستُ من خندف إن لم أنتقمْ مـن بـني أحمدَ ما كان فَعَلْ
ولمّا سمعت العقيلة (عليها السّلام) هذه الأبيات التي أظهر فيها التشفّي بقتل عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) انتقاماً منهم لقتلى بدر ، وثبت كالأسد , فسحقت جبروته وطغيانه , فكأنّها هي الحاكمة والمنتصرة ، والطاغية هو المخذول والمغلوب على أمره ، وقد خطبت هذه الخطبة التي هي من متمّمات النهضة الحسينيّة .
قالت (عليها السّلام) : الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين ، صدق الله كذلك يقول : ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ )(2) .
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا
ـــــــــــــــــــــ
(1) الإرشاد / 276 .
(2) سورة الروم / 10 .
الصفحة (301)
أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تساق الإماء , أنّ بنا على الله هواناً ، وبك عليه كرامة , وأنّ ذلك لعظيم خطرك عنده , فشمختَ بأنفك ، ونظرتَ في عطفك جذلان مسروراً حين رأيتَ الدنيا لك مستوسقة ، والأمور متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ؟! فمهلاً مهلاً ! أنسيت قول الله عزّ وجلّ : ( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(1) ؟
أمن العدل يابن الطُلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا , قد هتكت ستورهنّ ، وأبديت وجوهنّ ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنّ أهل المنازل والمناهل(2) ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والدَّنيّ والشريف ، ليس معهنّ من رجالهنّ وليّ ، ولا من حماتهنّ حميّ ؟!
وكيف تُرتجى مراقبة مَنْ لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟! وكيف لا يُستبطأ في بُغضنا أهل البيت مَنْ نظر إلينا بالشنف(3) والشنآن ، والإحن والأضغان ؟! ثمّ تقول غير مُتأثّم ولا مستعظم :
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 178 .
(2) المناهل : جمع منهل ، وهو موضع الشرب من العيون ، والمراد من يسكن فيها . المعاقل : سكنة الحصون .
(3) الشنف : البغض والعداء .
الصفحة (302)
لأهَـلّوا واستهلّوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشَلْ
منتحياً على ثنايا أبي عبد الله (عليه السّلام) سيد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك !
وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرّيّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) , ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب ؟! وتهتف بأشياخك زعمتَ أنّك تناديهم ! فلتردنّ وشيكاً موردهم ، ولتودّنّ أنّك شُللت وبُكمتَ ولم تكن قلتَ ما قلتَ , وفعلتَ ما فعلتَ . اللّهمّ خُذ بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمَنْ سفك دماءنا وقتل حماتنا .
فوالله ما فريتَ إلاّ جلدك ، ولا حززتَ إلاّ لحمك ، ولتردنّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيّته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، وحيث يجمع الله شملهم , ويلمّ شعثهم , ويأخذ بحقّهم , ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )(1) .
وحسبك الله حاكماً ، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسيعلم مَنْ سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً , وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً !
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران / 163 .
الصفحة (303)
ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك ، إنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى .
ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النُجباء بحزب الشيطان الطلقاء ! فهذه الأيدي تنطف(1) من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل(2) , وتعفّرها اُمّهات الفراعل(3) . ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلاّم للعبيد ، فإلى الله المشتكى ، وعليه المعوّل .
فكد كيدك ، واسعَ سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحونّ ذكرنا ، ولا تُميتُ وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها . وهل رأيك إلاّ فنداً ، وأيّامك إلاّ عدداً ، وجمعك إلاّ بدداً ، يوم ينادي المناد : ألا لعنة الله على الظالمين .
فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة , ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن
ـــــــــــــــــــــ
(1) تنطف : أي تستوفي من دمائنا .
(2) العواسل : جمع عاسل ، وهو الذئب .
(3) الفراعل : جمع فرعل ، وهو ولد الضبع .
علينا الخلافة ، إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل(1) .
وهذا الخطاب من متمّمات النهضة الحسينيّة ، ومن روائع الخطب الثورية في الإسلام ؛ فقد دمّرت فيه عقيلة بني هاشم وفخر النساء جبروت الاُموي الظالم يزيد ، وألحقت به وبمَنْ مكّنه من رقاب المسلمين العار والخزي ، وعرّفته عظمة الاُسرة النبويّة التي لا تنحني جباهها أمام الطغاة والظالمين .
وعلّق الإمام الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء على هذا الخطاب بقوله : أتستطيع ريشة أعظم مصوّر وأبدع ممثل أن يمثّل لك حال يزيد وشموخه بأنفه ، وزهوه بعطفه , وسروره وجذله باتّساق الاُمور ، وانتظام الملك , ولذّة الفتح والظفر , والتشفّي والانتقام بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل ؟!
وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجّة والبيان والتقريع والتأنيب ، ويبلغ ما بلغته (سلام الله عليها) بتلك الكلمات ، وهي على الحال الذي عرفت ، ثمّ لم تقتنع منه بذلك حتّى أرادت أن تمثّل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل ، وعزّة الحقّ , وعدم الاكتراث واللامبالاة بالقوم والسلطة والهيبة والرهبة ؟! أرادت أن تعرّفه خسّة طبعه ، وضعة مقداره ، وشناعة فعله ، ولؤم فرعه وأصله(2) .
ويقول المرحوم الفكيكي : تأمّل معي في هذه الخطبة النارية كيف جمعت بين فنون البلاغة وأساليب الفصاحة وبراعة البيان ، وبين معاني الحماسة وقوّة الاحتجاج وحجّة المعارضة , والدفاع في سبيل الحرية والحقّ والعقيدة ! بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب ، وأحدّ من وقع الأسنّة في الحشا والمهج في مواطن القتال ومجالات النزال .
وكان الوثوب على أنياب الأفاعي ، وركوب أطراف
ـــــــــــــــــــــ
(1) أعلام النساء 2 / 504 ، بلاغات النساء / 21 ، حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 378 ـ 380 .
(2) السياسة الحسينيّة / 30 .
الصفحة (305)
الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني اُميّة وفراعنتهم في منازل عزّهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة .
ثمّ إنّ هذه الخطبة التأريخية القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة ، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية ، وسيبقى هذا الأدب الحيّ صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال , وفي كلّ ذكرى لواقعة الطفّ الدامية المفجعة(1) .
محتويات الخطاب
وحلّلنا محتويات خطاب العقيلة في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، وننقله لما فيه من مزيد الفائدة ، وهذا نصّه : وكان هذا الخطاب العظيم امتداداً لثورة كربلاء ، وتجسيداً رائعاً لقيمها الكريمة وأهدافها السامية ، وقد حفل بما يلي :
أولاً : إنّها دلّلت على غرور الطاغية وطيشه ؛ فقد حسب أنّه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكريّة التي ملأت البيداء , وسدّت آفاق السماء , إلاّ أنّه انتصار مؤقّت . ومن طيشه أنّه حسب أنّ ما أحرزه من الانتصار كان لكرامته عند الله تعالى , وهوان لأهل البيت (عليهم السّلام) ، ولم يعلم أنّ الله إنّما يملي للكافرين في الدنيا من النعم ليزدادوا إثماً , ولهم في الآخرة عذاب أليم .
ثانياً : إنّها نعت عليه سبيه لعقائل الوحي ، فلم يرعَ فيهم قرابتهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وهو الذي منَّ عليهم يوم فتح مكة فكان أبوه وجدّه من الطلقاء ، فلم يشكر للنبي (صلّى الله عليه وآله) هذه اليد ، وكافئه بأسوأ ما تكون المكافئة .
ثالثاً : إنّ ما اقترفه الطاغية من سفكه لدماء العترة الطاهرة فإنّه مدفوع بذلك ؛
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 381 .
الصفحة (306)
بحكم نشأته ومواريثه ، فجدّته هند هي التي لاكت كبد سيّد الشهداء حمزة ، وجدّه أبو سفيان العدوّ الأول للإسلام ، وأبوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين , وانتهك جميع ما حرّمه الله ، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها .
رابعاً : إنّها أنكرت عليه ما تمثّل به من الشعر الذي تمنّى فيه حضور شيوخه الكفرة من الاُمويِّين ؛ ليروا كيف أخذ بثأرهم من النبي (صلّى الله عليه وآله) بإبادته لأبنائه ، إلاّ أنّه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم .
خامساً : إنّ الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك إلاّ دمه ، ولم يفرِ إلاّ جلده ؛ فإنّ تلك النفوس الزكية حيّة وخالدة ، وقد تلفّعت بالكرامة ، وبلغت قمّة الشرف ، وإنّه هو الذي باء بالخزي والخسران .
سادساً : إنّما عرضت إلى مَنْ مكّن الطاغية من رقاب المسلمين ، فهو المسؤول عمّا اقترفه من الجرائم والموبقات ، وقد قصدت (سلام الله عليها) مغزى بعيداً يفهمه كلّ مَنْ تأمّل فيه .
سابعاً : إنّها أظهرت سموّ مكانتها وخطر شأنها ؛ فقد كلّمت الطاغية بكلام الأمير والحاكم ؛ فاستهانت به ، واستصغرت قدره ، وتعالت عن حواره ، وترفّعت عن مخاطبته ، ولم تحفل بسلطانه . لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألمّ بها من المصائب أعظم قوّة وأشدّ بأساً منه .
ثامناً : إنّها عرضت إلى أنّ يزيد مهما بذل من جهد لمحو ذكر أهل البيت (عليهم السّلام) ، فإنّه لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً ؛ لأنّهم مع الحقّ ، والحقّ لا بدّ أن ينتصر . وفعلاً فقد انتصر الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وتحوّلت مأساته إلى مجد لا يبلغه أيّ إنسان كان ، فأيّ نصر أحقّ بالبقاء وأجدر بالخلود من النصر الذي أحرزه الإمام (عليه السّلام) ؟
هذا قليل من كثير ممّا جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة ، ومعجزة من معجزات البيان ، وهي إحدى الضربات التي أدّت إلى
الصفحة (307)
انهيار الحكم الاُموي(1) .
جواب يزيد (لعنه الله)
ولم يستطع الطاغية الجواب على خطاب العقيلة (عليها السّلام) ؛ فقد انهار كبرياؤه وغروره , وتمثّل ببيت من الشعر وهو :
يا صيحةًً تُحمدُ من صوائحْ ما أهون الموت على النوائحِْ
ولا توجد أيّة مناسبة بين ذلك الخطاب الثوري الذي أبرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد وجرّدته من جميع القيم والمبادئ الإنسانيّة ، وبين هذا البيت من الشعر الذي حكى أنّ الصيحة تحمد من الصوائح ، وأنّ النوح يهون على النائحات ، فأيّ ربط موضوعي بين الأمرين .
اضطراب الطاغية (لعنه الله)
وتلبّدت الأجواء السياسيّة على الطاغية ، وحار في أمره ؛ فقد فضحته العقيلة بخطابها الخالد ، وجرّدته من السلطة الشرعيّة ، وأخذت الأوساط الشعبيّة في دمشق تتحدّاه وتنقم عليه جريمته النكراء بإبادته لعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ؛ فأخذ يلتمس له المعاذير ، فقال لأهل الشام : أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ، وما الحامل له على ما فعل ، وما الذي أوقعه فيما وقع ؟
ـ لا .
ـ يزعم أن أباه خير من أبي ، واُمّه فاطمة بنت رسول الله خير من اُمّي ، وأنّه
ـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) 3 / 382 ـ 383 .
الصفحة (308)
خير منّي وأحقّ بهذا الأمر .
فأمّا قوله : أبوه خير من أبي ؛ فقد حاجّ أبي أباه إلى الله عزّ وجلّ ، وعلم الناس أيّهما حكم له ؛ وأمّا قوله : اُمّه خير من اُمّي ، فلعمري إنّ فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خير من اُمي ؛ وأمّا قوله : جدّه خير من جدّي ، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أنّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فينا عدلاً ولا ندّاً ، ولكنّه إنّما أتى من قلّة فقهه ، ولم يقرأ قوله تعالى : ( وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ )(1) .
لقد حسب الخبيث أنّ منطق الفضل عند الله تعالى إنّما هو الظفر بالملك والسلطان ، فراح يبني تفوّقه على الإمام (عليه السّلام) بذلك ، ولم يعلم أنّ الله تعالى لا يرى للملك أيّ قيمة ؛ فإنّه يهبه للبرّ والفاجر .
لقد تخبّط الطاغية وراح يبني مجده الكاذب على تغلّبه وقهره لسبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد خاب فكره وضلّ سعيه ؛ فقد انتصر الإمام (عليه السّلام) في ثورته انتصاراً لم يحرزه أيّ فاتح على وجه الأرض ، فها هي الدنيا تعجّ بذكره ، وها هو حرمه يطوف به المسلمون كما يطوفون ببيت الله تعالى ، وليس هناك ضريح على وجه الأرض أعزّ ولا أرفع من ضريح أبي الأحرار ، فكان حقّاً هذا هو النصر والفتح .
العقيلة (عليها السّلام) مع الشامي ويزيد (لعنه الله)
ونظر شخص من أهل الشام إلى السيدة الزكية فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السّلام) فقال ليزيد : هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي .
وقد ظنّ أنّها من الخوارج فيحق له أن تكون خادمة عنده ، ولمّا سمعت العلوية ذلك سرت الرعدة بأوصالها ، وأخذت بثياب عمّتها مستجيرة بها , فانبرت العقيلة (عليها السّلام) وصاحت بالرجل :
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 226 ، سورة البقرة / 247 .
الصفحة (309)
كذبت ولؤمت ، ما ذلك لك ولا لأميرك .
واستشاط الطاغية غضباً من استهانة العقيلة به وتحدّيها لشأنه ، فقال لها : كذبت ، إنّ ذلك لي ، ولو شئت لفعلت .
فنهرته العقيلة (عليها السّلام) ووجّهت له سهاماً من منطقها الفياض قائلة : كلاّ والله ما جعل لك ذلك , إلاّ أن تخرج من ملّتنا ، وتدين بغير ديننا .
وفقد الطاغية إهابه ؛ فقد أهانته أمام الطغمة من أهل الشام , فصاح بالحوراء : إياي تستقبلين بهذا ! إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك .
ولم تحفل العقيلة (عليها السّلام) بسلطانه ولا بقدرته على البطش والانتقام ، فردّت عليه بثقة : بدين الله ودين أبي وجدّي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً .
وأزاحت العقيلة بهذا الكلام الذي هو أشدّ من الصاعقة الستار الذي تستّر به الطاغية من أنّ الإمام الحسين وأهل بيته (عليهم السّلام) من الخوارج ؛ فقد استبان لأهل الشام أنّهم ذرّية رسول الله ، وأنّ يزيد كاذب بادّعائه .
وصاح الرجس الخبيث بالعقيلة : كذبتِ يا عدوّة الله .
ولم تجد العقيلة (عليها السّلام) جواباً تحسم به مهاترات الطاغية ، غير أن قالت : أنت أمير مسلّط ، تشتم ظلماً ، وتقهر بسلطانك .
وتهافت غضب الطاغية وأطرق برأسه إلى الأرض ، فأعاد الشامي كلامه إلى يزيد طالباً منه أن تكون بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خادمة عنده , فصاح به يزيد : وهب الله لك حتفاً قاضياً(1) .
لقد احتفظت عقيلة الوحي بقواها الذاتية ، وإرادتها الواعية الصلبة التي
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الطبري 6 / 265 .