بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين
الجواب / إن ألفاظ حديث الغدير صريحة في الإمامة والخلافة ومن يطالع متون الأحاديث الصحيحة والمعتبرة التي نقلت حديث الغدير يرى أنها تضمنت ألفاظا وشواهد كثيرة كلها تثبت مقام الإمامة والخلافة لعلي عليه السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن الشواهد نذكر :
الشاهد الأول / مماثلة ولاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لولاية علي عليه السلام في الحديث :
لقد خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة والمسلمين في خطبة الغدير قائلا : ( ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : نعم ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ) ، وفي لفظ آخر : ( إن الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن .. من كنت وليه فهذا وليه ) ، وفي لفظ ثالث : ( ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) حيث يشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقطع من حديثه إلى قول الله تعالى : (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ) وولاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية المباركة بمعنى أنه الأحق والأولى بأمور المسلمين وشؤونهم من أنفسهم وهذا ما يؤكده أعلام المفسرين من السنة ، ومن كلماتهم في تفسير الآية المباركة نذكر :
1- قال الطبري في جامع البيان في تفسيره للآية : (يقول: أحق بالمؤمنين به (مِنْ أنْفُسِهِمْ) ، أن يحكم فيهم بما يشاء من حكم، فيجوز ذلك عليهم
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (النَّبيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفُسهِمْ) كما أنت أولى بعبدك ما قضى فيهم من أمر جاز، كما كلما قضيت على عبدك جاز ) .
2- قال ابن الجوزي في زاد المسير : ( أي: أحقُّ، فله أن يحكُم فيهم بما يشاء، قال ابن عباس: إِذا دعاهم إِلى شيء، ودعتْهم أنفسهم إِلى شيء، كانت طاعتُه أولى من طاعة أنفُسهم وهذا صحيح، فان أنفُسهم تدعوهم إِلى ما فيه هلاكهم، والرسول عليه السلام يدعوهم إِلى ما فيه نجاتهم )
3- قال النسفي في تفسيره : ( أي أحق بهم في كل شيء من أمور الدين والدنيا وحكمه أنفذ عليهم من حكمها فعليهم أن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه )
وقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولاية علي عليه السلام على المؤمنين متفرعة من ولايته صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث قال في سنن ابن ماجة ( أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا بَلَى قَالَ أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ قَالُوا بَلَى قَالَ فَهَذَا وَلِىُّ مَنْ أَنَا مَوْلاَهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ اللَّهُمَّ عَادِ مَنْ عَادَاهُ ) ، قال الألباني في حكمه على الحديث ( صحيح ) .
وقال في لفظ آخر في كتاب السنة لأبن أبي عاصم : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم قام بحفرة الشجرة بخم وهو آخذ بيد علي ، فقال : أيها الناس ألستم تشهدون أن الله ربكم ؟ قالوا : بلى ، قال ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى ، قال : وأن الله ورسوله مولاكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فمن كنت مولاه فإن هذا مولاه ) .
الشاهد الثاني : نزول آية التبليغ
لقد نصت الأحاديث الصحيحة على نزول قوله تعالى في سورة المائدة 67 ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) في واقعة الغدير قبل خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد اخرج ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) .
وقد التزم ابن أبي حاتم في مقدمة تفسيره بإخراج أصح الأخبار إسنادا ، حيث قال في المصدر نفسه : ( تحريت إخراج التفسير بِأَصَحِّ الْأَخْبَارِ إِسْنَادًا وَأَشْبَهِهَا مَتْنًا ) .
وقال ابن تيمية في منهاج السنة في معرض حديثه عن مثل هذه التفاسير : (باتفاق أهل النقل من أئمة أهل التفسير الذين ينقلونها بالأسانيد المعروفة كتفسير ابن جريج و سعيد بن أبي عروبة و عبد الرزاق و عبد بن حميد و أحمد و إسحاق و تفسير بقي بن مخلد و ابن جرير الطبري و محمد بن أسلم الطوسي و ابن أبي حاتم و أبي بكر بن المنذر و غيرهم من العلماء الأكابر الذين لهم في الإسلام لسان صدق و تفاسيرهم متضمنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير ) .
كما واخرج هذا الحديث الواحدي النيسابوري في أسباب النزول بسنده عن أبي سعيد الخدري قال فيه : (نزلت هذه الآية - يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضى الله عنه ) .
وقد التزم الواحدي في مقدمة كتابه بنقل ما هو صحيح وحق من الروايات ، حيث قال بعد أن انتقد من يكتب في مجال أسباب النزول عن غير علم : (وذلك الذي حدا بي إلى إملاء هذا الكتاب الجامع للاسباب، لينتهى إليه طالبو هذا الشأن والمتكلمون في نزول القرآن، فيعرفوا الصدق ويستغنوا عن التمويه والكذب، ويجدوا في تحفظه بعد السماع والطلب )