هل الدنيا سجن المؤمن
هناك العديد من المذاهب الفلسفية تنظر الى الحياة نظرة ملؤها الشر والغضب وهي تحسب ان هناك نقصا في العالم او تناقضا وان الانسان اسمى من ان يعيش في هذا العالم فليست هناك أي رابطة – في نظرها – تربط الانسان بهذه الحياة الا علاقة السجين بسجنه او الواقع في البئر فلا نجاة له الا ان يتخلص من شرور هذه الحياة ... فهل الاسلام ينظر الى الحياة بهذه النظرة ايضا ؟ كلا.
ان الاسلام - المتمثل في نهج البلاغة الامام (عليه السلام)- يرى علاقة الانسان بالدنيا :كعلاقة الزارع بزرعه :{الدنيا مزرعة الاخرة } او علاقة التاجر بالمتجر :{ الدنيا متجر اولياء الله }1
او علاقة المسابق بميدان السباق :{الا وان اليوم المضمار وغدا السباق والسبقة الجنة والغاية النار } 2
او علاقة العابد بالمسجد :{الدنيا .. مسجد احباء الله }3 ويمكن ان نلخص القول في وجهة نظر نهج البلاغة الى الحياة في الحكمة (131) من كلمات ردّ بها الامام (عليه السلام) على من سمعه يذم الدنيا (غداة الندامة) وهو يحسبها (متجرمة عليه) بناء في فكرة (الفلك الظالم) و(جور الدهر) كما يتبين هذا من مطاوي كلامه (عليه السلام):{ايها الذام للدنيا المغتر بغرورها المخدوع بأباطيلها ثم تذمها ! أتغتر بالدنيا ثم تذمها ؟! انت المتجرم عليها ام هي المتجرمة عليك ؟! متى استهوتك ام متى غرتك ؟! أبمصارع آبائك من البلى ام بمضاجع امهاتك تحت الثرى ؟! كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك ؟! تبغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الاطباء ،لم ينفع احدهم إشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنهم بقوتك قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك .ان الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها .مسجد احباء الله ومهبط وحي الله ومتجر اولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة .
فمن ذا يذمها وقد اذنت ببينها ونادت بقراقها ونعت نفسها واهلها ؟ فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها الى السرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً .فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ذكرتهم الدنيا فتذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا .وخلاصة ما يستفاد من كلام الامام (عليه السلام) هو : انه سمع رجلا قد اغتر بغرور الدنيا وخدع بأباطيلها فلما ندم ذمها غداة الندامة وهو يحسب انها هي المتجرمة عليه ، فرد الامام : بأنك انت المتجرم عليها لانك انت المغتر بغرورها المخدوع بأباطيلها ولكن ليست هي التي استهوتك وغرتك بل قد اذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت اهلها ونفسها تخويفا وتحذيرا وترهيبا فما تخوفت وما حذرت بينما تذكر رجال آخرون فصدقوها واتعظوا بها فجعلوها مسجدا ومصلى ومكسبا ومتجرا ترددوا منه فربحوا الجنة وسيحمدها هؤلاء يوم القيامة وتذمها انت يوم الندامة فانت المتجرم عليها لاهي المتجرمة وليست عليها بل عليك الملامة!الاسلام لايرى العالم عبثا ولا وجود الانسان فيه خطأ ولا عواطفه الفطرية غلطا ... اذن ماذا يعني ذم الدنيا في نهج البلاغة ؟من غرائز الانسان الطبيعية غريزة التعبد والتقديس والسعي وراء السعادة والكمال وما يرتبط به ويعتمد عليه اكثر من ارتباط عادي يجعله منتهى مناه وكل امله وهنا اذا لم يهتد الانسان الى الصراط المستقيم في قدسه وامله فسوف يضل عن الصراط السوي ويتيه في متاهات الضلالة سادرا في الغي يخبط في عمياء لا يهدى سبيلا وحينذاك تتبدل (الوسيلة بالغاية) و(الطريق بالهدف) و(وسيلة النجاة بسلاسل الاسر والعبودية) وحينئذ تتبدل حرية حركته ونشاطه ومساعيه الى أسر وعبودية وجمود وهذا هو الذي ينبغي ان لا يكون وهو على خلاف نظام التكامل في الحياة بل هو نقص ونوع من الفناء لا البقاء وهو آفة الانسان في معاشه ويراه الامام والاسلام خطراً ينبه للحذر منه ولاشك ان الاسلام يعد الانسان بإزاء هذه الحياة بحياة اخرى افضل منها بمراتب ولا يرى لهذه الدنيا ما ينبغي ان تكون غاية مناه ومنتهى اماله بل يراها مجالا لاعمال صالحة تصبح وسيلة الى السعادة الدائمة ويرى الانسان اسمى واعز من ان يكون عبدا لها ولمن في يده شيء منها !.ولهذا نرى الامام (عليه السلام) يؤكد على حسن هذه الحياة ولكن ليس ذلك الا لمن لم يرض بها دار مقر دائم فيقول : { ولنعم دار لمن لم يرض بها دارا ...}ويكرر :{ الدنيا دار مجاز لا دار قرار فخذوا من ممركم لمقركم } والانسان حر طليق ولهذا فان كل أسر او قيد او حدّ يحدّ من شخصيته وعظمته . الحكمة :131الخطبة :28الحكمة :131
في رحاب نهج البلاغة العلامة الاستاذ مرتضى مطهري
هناك العديد من المذاهب الفلسفية تنظر الى الحياة نظرة ملؤها الشر والغضب وهي تحسب ان هناك نقصا في العالم او تناقضا وان الانسان اسمى من ان يعيش في هذا العالم فليست هناك أي رابطة – في نظرها – تربط الانسان بهذه الحياة الا علاقة السجين بسجنه او الواقع في البئر فلا نجاة له الا ان يتخلص من شرور هذه الحياة ... فهل الاسلام ينظر الى الحياة بهذه النظرة ايضا ؟ كلا.
ان الاسلام - المتمثل في نهج البلاغة الامام (عليه السلام)- يرى علاقة الانسان بالدنيا :كعلاقة الزارع بزرعه :{الدنيا مزرعة الاخرة } او علاقة التاجر بالمتجر :{ الدنيا متجر اولياء الله }1
او علاقة المسابق بميدان السباق :{الا وان اليوم المضمار وغدا السباق والسبقة الجنة والغاية النار } 2
او علاقة العابد بالمسجد :{الدنيا .. مسجد احباء الله }3 ويمكن ان نلخص القول في وجهة نظر نهج البلاغة الى الحياة في الحكمة (131) من كلمات ردّ بها الامام (عليه السلام) على من سمعه يذم الدنيا (غداة الندامة) وهو يحسبها (متجرمة عليه) بناء في فكرة (الفلك الظالم) و(جور الدهر) كما يتبين هذا من مطاوي كلامه (عليه السلام):{ايها الذام للدنيا المغتر بغرورها المخدوع بأباطيلها ثم تذمها ! أتغتر بالدنيا ثم تذمها ؟! انت المتجرم عليها ام هي المتجرمة عليك ؟! متى استهوتك ام متى غرتك ؟! أبمصارع آبائك من البلى ام بمضاجع امهاتك تحت الثرى ؟! كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك ؟! تبغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الاطباء ،لم ينفع احدهم إشفاقك ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنهم بقوتك قد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك .ان الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها .مسجد احباء الله ومهبط وحي الله ومتجر اولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة .
فمن ذا يذمها وقد اذنت ببينها ونادت بقراقها ونعت نفسها واهلها ؟ فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها الى السرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً .فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ذكرتهم الدنيا فتذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا .وخلاصة ما يستفاد من كلام الامام (عليه السلام) هو : انه سمع رجلا قد اغتر بغرور الدنيا وخدع بأباطيلها فلما ندم ذمها غداة الندامة وهو يحسب انها هي المتجرمة عليه ، فرد الامام : بأنك انت المتجرم عليها لانك انت المغتر بغرورها المخدوع بأباطيلها ولكن ليست هي التي استهوتك وغرتك بل قد اذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت اهلها ونفسها تخويفا وتحذيرا وترهيبا فما تخوفت وما حذرت بينما تذكر رجال آخرون فصدقوها واتعظوا بها فجعلوها مسجدا ومصلى ومكسبا ومتجرا ترددوا منه فربحوا الجنة وسيحمدها هؤلاء يوم القيامة وتذمها انت يوم الندامة فانت المتجرم عليها لاهي المتجرمة وليست عليها بل عليك الملامة!الاسلام لايرى العالم عبثا ولا وجود الانسان فيه خطأ ولا عواطفه الفطرية غلطا ... اذن ماذا يعني ذم الدنيا في نهج البلاغة ؟من غرائز الانسان الطبيعية غريزة التعبد والتقديس والسعي وراء السعادة والكمال وما يرتبط به ويعتمد عليه اكثر من ارتباط عادي يجعله منتهى مناه وكل امله وهنا اذا لم يهتد الانسان الى الصراط المستقيم في قدسه وامله فسوف يضل عن الصراط السوي ويتيه في متاهات الضلالة سادرا في الغي يخبط في عمياء لا يهدى سبيلا وحينذاك تتبدل (الوسيلة بالغاية) و(الطريق بالهدف) و(وسيلة النجاة بسلاسل الاسر والعبودية) وحينئذ تتبدل حرية حركته ونشاطه ومساعيه الى أسر وعبودية وجمود وهذا هو الذي ينبغي ان لا يكون وهو على خلاف نظام التكامل في الحياة بل هو نقص ونوع من الفناء لا البقاء وهو آفة الانسان في معاشه ويراه الامام والاسلام خطراً ينبه للحذر منه ولاشك ان الاسلام يعد الانسان بإزاء هذه الحياة بحياة اخرى افضل منها بمراتب ولا يرى لهذه الدنيا ما ينبغي ان تكون غاية مناه ومنتهى اماله بل يراها مجالا لاعمال صالحة تصبح وسيلة الى السعادة الدائمة ويرى الانسان اسمى واعز من ان يكون عبدا لها ولمن في يده شيء منها !.ولهذا نرى الامام (عليه السلام) يؤكد على حسن هذه الحياة ولكن ليس ذلك الا لمن لم يرض بها دار مقر دائم فيقول : { ولنعم دار لمن لم يرض بها دارا ...}ويكرر :{ الدنيا دار مجاز لا دار قرار فخذوا من ممركم لمقركم } والانسان حر طليق ولهذا فان كل أسر او قيد او حدّ يحدّ من شخصيته وعظمته . الحكمة :131الخطبة :28الحكمة :131
في رحاب نهج البلاغة العلامة الاستاذ مرتضى مطهري

تعليق