بسم الله الرحمن الرحيم
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي}
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي}
أما بعد:
فبعد أن قسم المصنف الكلمة إلى الأقسام الثلاثة شرع في بيان ما يميز كل قسم -من خلال العلامات- لأجل إتمام فائدة التقسيم لان فائدة التقسيم لا تتم إلا بوجود تمايز بين الأقسام.
العلامة الاولى (ال)وهي في اللغة العربية على ثلاثة انحاء كما سيأتي التفصيل عن ذلك في مبحث النكرة والمعرفة.
1-المعرِّفة:وهي الداخلة على النكرة لتفيدها تعريفا. نحو (رجل=الرجل,كتاب=الكتاب) وهي محل كلامنا.
2-الموصولة:وهي الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة.نحو(ضارب=الضارب, مضروب=المضروب,حسن=الحسن).
3-الزائدة:وهي ماعدا ذلك كالموجودة في الأعلام والموجودة في الموصول.نحو(يزيد=اليزيد,ذي=الذي)
فإن قلت: أي نوع من هذه الأنواع الثلاثة هو مختص بالأسماء ويكون علامة من علاماته؟
الجواب: اتفق النحاة على أن (أل)المعرفة والزائدة من مختصات الأسماء فلا تدخل على غيرها, ولكن وقع الخلاف في (أل)الموصولة على قولين:
1- إنها غير مختصة بالأسماء بدليل دخولها على الفعل كما في قول الشاعر:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته....
2- للجمهور:إنها من مختصات الأسماء أما دخولها على الأفعال كما ورد في بعض الشواهد فهو للضرورة فتكون (أل) في كل أقسامها من مختصات الأسماء على رأي الجمهور.
العلامة الثانية (التنوين)
وفيه مبحثان (الأول في تعريفه)
(والثاني في أقسامه).
أما المبحث الأول :فنقول التنوين لغة مصدر لنونت الكلمة أي أدخلت نونا مثل (سنيت الكلمة) أي ألحقت سينا أو يطلق على التصويت يقال (نون الطائر أي صوت). والمناسبة فيها أن تحدث رنينا خاصا وتنغيما عند النطق بها.
أما في الاصطلاح: هو نون زائدة ساكنة تلحقالآخر لفظا لا خطا لغير توكيد.
شرح مفردات التعريف:
(نون زائدة)اخرج الأصلية كنون (منكسر).ومن نحو(لم يسكنْ).
(ساكنة)أي أصالة فلا يضر تحريكها لعارض التقاء الساكنين فأخرج المتحركة من نون النسوة ونون التوكيد. نحو (يضربْنَ-يضربَنَّ)
(تلحق الآخر)اخرج النون من نحو (انكسر).
(لا خطا)اخرج النون اللاحقة للقوافي كما في تنوين الترنم والغالي لانها تكتب نونا فيهما كما سيأتي بيانه في المبحث الثاني.
(لغير توكيد)لإخراج نون التوكيد الخفيفة لأنها على رأي الكوفيين تكتب كالتنوين.نحو قوله تعالى{كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِلَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ}
المبحث الثاني:أقسام التنوين:
ينقسم التنوين إلى أربعة أقسام مختصة بالدخول على الأسماء وهي:
1- تنوين التمكن:
وهو اللاحق للأسماء المعربة -أي الأسماء التي يتغير آخرها باختلاف العوامل مثل (زيد) فأقول (جاء زيدٌ-رأيت زيداً-مررت بزيدٍ) وسمي بهذا الاسم ليدل على شدة تمكنه في باب الاسمية أي انه لم يشبه الحرف فيبنى ولا الفعل فيمنع من الصرف..
2- تنوين التنكير:
وهو اللاحق لبعض الأسماء المبنية فرقا بين معرفتها ونكرتها . فتارة أقول مثلا(سيبويه)بلا تنوين إذا أردت شخصا معينا معهودا بينك وبين مخاطبك فانك تنطق باسمه بلا تنوين. وأخرى (سيبويهٍ)بتنوين إذا أردت شخصا غير معين ولا يتميز عن غيره فكأنك تتحدث عن أي رجل مسمى بهذا الاسم.
ومثلا تسمع شخصا يتحدث في أمر معين لا يرضيك فتقول له (صه)بلا تنوين فكأنك تقول له (اسكت عن الكلام في هذا الأمر الخاص ولك أن تتكلم في أمر آخر أن شئت ) وأما إذا قلت له (صهٍ)بالكسر والتنوين فمرادك(اترك الكلام مطلقا في جميع الموضوعات).
وفي هذا القسم يسمون الكلمة التي من غير تنوين (معرفة)لان مدلولها معروف معين.والكلمة التي بها تنوين تسمى (نكرة)لان معناها شائع غير معين.
3- تنوين العوض:
ويدخل على الأسماء المعربة والمبنية وهو على ثلاثة أقسام:
ما كان عوضا عن حرف:
وهو اللاحق للأسماء الممنوعة من الصرف التي على وزن (فواعل) نحو (غواشٍ-جوارٍ) فــــ(غواشٍ) ممنوعة من الصرف التي أصلها(غواشي) حذفت الضمة للثقل وحذفت الياء تخفيفا وعوض عنها بالتنوين .وليس هو تنوين تنكير لأنها معربة ولا تنوين تمكين لأنها ممنوعة من الصرف.
ملاحظة: تنوين مثل (قاضٍ) ذكروا انه تنوين تمكين لا عوض والدليل على ذلك ثبوته مع الياء في حالة النصب تقول (رأيت قاضياً)فلو كان عوض عن الياء لما جاز أن يجتمع معها لأنه لا يجوز الجمع بين العوض والمعوض عنه. وأيضا أن تعريف تنوين العوض عن حرف لا يشمله.
سؤال: إذا كان هذا التنوين للتمكين لماذا حذفت الياء؟
الجواب: نقول حذفت لالتقاء الساكنين والأصل(قاضي)حذفت الضمة للثقل فالتقى ساكنان الياء والتنوين فحذفت الياء فأصبحت (قاضٍ).
ما كان عوض عن كلمة:
وهو اللاحق للأسماء المفتقرة للإضافة إلى مفرد نحو(كل -بعض-أي)فهذه الألفاظ لما كان المطلوب في الحكم ما بعدها فحينئذٍ لابُّد من ذكر شيء عقيبها فلذا قالوا أنها تحتاج إلى مضاف إليه ولكن في بعض الأحيان لا نرى في الكلام مضاف إليه كقوله تعالى (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ).ونحو {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} أي {أَيًّا من الأسماء تدعوا } ونحو قوله تعالى {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي (بعض الرسل). فهنا المضاف إليه غير موجود فهو محذوف وعوض عنه بالتنوين.
ما كان عوضاً عن جملة:
وهو الذي يكثر بعد كلمة (إذ) المضافة المسبوقة بكلمة (حين أو ساعة أو يوم) وغيرها من ظروف الزمان. نحو قوله تعالى {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍتَنْظُرُونَ}وقوله تعالى {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا..... يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ..... يَوْمَئِذٍيَصْدُرُ النَّاسُ.....}
ملاحظة: ولما كانت (الذال)ساكنة وكذلك التنوين-لأنه عبارة عن نون ساكنة-حركت (الذال) بالكسر ليمكن النطق والتغلب على اجتماع الساكنين لان الأصل في التخلص من التقاء الساكنين أن يكون بالكسر.ثم وصلت كلمة(إذ)في الكتابة بما قبلها.
4- تنوين المقابلة:
إن التنوين حين يلحق آخر الاسم يكون دليلا على أن ذلك الاسم قد استكمل حروفه نحو (محمدٌ-مسافرٌ) ولكن أين يذهب التنوين حين نجمع تلك الكلمتان (جمع مذكر سالم) فنقول (المحمدون-المسافرون) يرى النحاة انه قد اختفى وحلت محله النون في آخر الجمع. ولما كانت-النون- موجودة فيه وغير موجودة في جمع المؤنث السالم وكلاهما جمع سلامة كان من الإنصاف أن يزاد التنوين في الثاني ليكون مقابلا للنون في جمع المذكر السالم ولذلك يسمونه (تنوين المقابلة)نحو(مسلماتٌ).
فإن قلت:كيف نعلم بان هذا التنوين يقابل تلك النون؟
الجواب:أن كليهما -النون والتنوين- يحذف عند الإضافة.نحو(جاء مسلو البلد - وجاءت مسلماتُ البلد).
ملاحظة:بعض مواضع حذف التنوين:
1- إذا وجدت (أل)في صدر الكلمة المنونة فلا نقول (جاء الرجلٌ) لان (أل والتنوين لا يجتمعان).
2- إذا أُضيفت الكلمة المنونة فلا نقول(جاء رجلٌ المروءةِ) لان (التنوين والإضافة لا يجتمعان).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة:قد تسأل لماذا قسمنا التنوين إلى هذه الأقسام الأربعة. لماذا لم نكتف بتعريفه مع ذكر مثال؟
الجواب:نحن إنما قسمنا تبعا لتقسيم المصنف لأنه كان يكتفي بمثال واحد للتنوين ولكن لما ذكر خمسة أمثلة وهي(زيدٍ ورجلٍ وصهٍ وحينئذٍ ومسلماتٍ) فالمثال الأول والثاني أشار به إلى (تنوين التمكين) والمثال الثالث أشار به إلى (تنوين التنكير)والمثال الرابع أشار به إلى (تنوين العوض) والمثال الخامس أشار به إلى (تنوين المقابلة) ولأجل ذلك شرعنا في تقسيم التنوين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة:
هذه الأقسام الأربعة المتقدمة للتنوين كما قلنا مختصة بالدخول على الأسماء وهناك بعض أقسام للتنوين لا ينطبق عليها تعريف التنوين لأنها تكتب ونحن قيدنا تعريف التنوين بقيد-لا خطا- وكذلك لأنها تجتمع مع (أل)ونحن قلنا أن التنوين و(أل)لا يجتمعان. وكذلك لأنها تدخل على الفعل والحرف.
لأجل ذلك لا تكون من علامات الاسم وهي:
1- تنوين الترنم:وهو الذي يلحق القوافي المطلقة المنتهية بأحد حروف العلة)نحو قول الشاعر:
اقلِّي اللوم عاذل والعتابنْ وقولي إن أصبت لقد اصابنْ
وكقول الشاعر:
أزفَ الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قدنْ
فجيء بالتنوين بدلا من الألف في البيت الأول ومن الياء في البيت الثاني.
2-تنوين الغالي:وسمي بهذا لقلته.
وهو الذي يلحق القوافي المقيدة أي التي في آخرها حرف صحيح لا حرف علة.
كقول الشاعر:
وقاتم الأعماق خاوي المخترقنْ مشتبه الأعلام لماع الخفقنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثا: الإسناد إليه (الحديث عنه)
أي أن يسند إلى الاسم ما تتم به الفائدة سواء كان المسند (اسما أو فعلا أو جملة).
فالاسم نحو(زيد أخوك) فالأخ مسند وزيد مسند إليه. والفعل نحو (قام زيدٌ) فقام فعل مسند . وزيد مسند إليه .
والجملة نحو (أنا قمت) فقام فعل مسند إلى التاء (وقام والتاء)جملة مسندة إلى أنا.
ونلاحظ من خلال الامثلة المتقدمة ان الاسم هو فقط من يسند إليه.
وهذه العلامة هي انفع علامات الاسم وبها تعرف اسمية (التاء)في مثلا (قمت) فهي لا تقبل أي نوع من علامات الاسم سوى الإسناد إليها.وكذلك تعرف اسمية (ما) في نحو قوله تعالى({قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}فأسندنا إليها (الخير).
وكقوله تعالى {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} فأسندنا إليها (النفاد) ولهذا حكم عليها بأنها اسم موصول بمعنى الذي.
إلى هنا انتهى بحثنا في علامات الاسم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...
تعليق