بسم الله الرحمن الرحيم
عندما قال سعيد ان حور العين غمرتني فرحة وسروراوقال للسرور أخبرني ما دورك من ذلك ،
قال السرور:كنت أنا الوسيط بينكما، وقد سعيت بهذا الأمر منذ نجاتك وخلاصك من تبعات ملكاتك وأعمالك السيئة .
توقف قليلا ثم ابتسم وقال : ولَدَي أمر آخر يسرك كثيرا .
قال سعيد: قل لي بالله عليك ماهذا الأمر الذي يسرني كثيرا؟
قال السرور سوف يزورك في قصرك بعد ثلاثة أيام شخص عزيز عليك ، قد كان لك في الدنيا سندا وهاديا ، وهو الآن في مقامات عالية اعظم من مقامك الذي انت فيه ، فهو يتمكن من زيارتك بينما أنت لاتستطيع ذلك إلا للأشخاص الذين هم أدنى منك .
غمرتني فرحة كبيرة بسماع هذا الخبر ياترى من سيكون هذا الزائر
طلبت من سرور أن يخبرني باسمه فأبى إلا أن يجعلها مفاجأة لي في يوم اللقاء.
سألت سرور : كيف تمكنت من تهيئة هذا الأمر كله ؟
قال : إن خدمتك لضيوفك في الدنيا وسعيك لتوفير كل الراحة لهم بما يسرهم ويزيل عنهم أتعاب السفر وعناء الطريق كانت خالصة لله ، وقد تجسّم عملك هذا بهيئة قوة مكنتني من هذا الأمر .
مضت ثلاثة أيام وجاء اليوم الموعود ،
كان كل من في القصر متهيأ لساعات اللقاء ومتشوقا لرؤية الضيوف الكرام ، ويبدو على سكان القصر نشاط دؤوب وحركة كبرى بعدما عرف كل منهم دوره وواجبه ، وترى الواحد منهم يبشر الآخر ويحثه على العمل،
فقلت في نفسي : عجبا! يبدو أن الجواري والخدم فرحون اكثر منا بقدوم الزائر ،
اقترب الموعد وبلغ التهيؤ لاستقبال الزائر ذروته وحان اللقاء ،
: نعم إنها علامات تدل على قدومه، فها هي جنتي تزداد نورا فوق نورها ، وها هي الطيور زادت تغاريدها، والورود من ألوانها وروائحها ، والأشجار من ثمارها .... أقبل الزائر والنور يسعى بين يديه ، والبسمة على شفتيه ، الملائكة تحفه يمينا وشمالا، عانقني وضمني إلى صدره
وقال: هل وجدت ما وعدك ربك حقا ياسعيد؟
أجبته ودموعي جارية لفرحة لقائه : نعم وجدت ماوعدني حقا وزيادة يا مؤمن .
أجل انه صديقه مؤمن الذي كان يبدي النصائح لسعيد في الدنيا الفانية ،
يقول سعيد : كلما رأيت آثار نصائحه في الآخرة ازداد شوقا اليه ورغبة في لقائه .
ضمه مؤمن مرة أخرى وقال له: يبدو انك مازلت تذكرني يا سعيد.
قلت له : كيف أنساك وقد تربيت على يديك ، وسهرت الليالي من اجلي وتتحمل العناء في تعليمي مفاهيم ديني وأحكام أسلامي ، انت الذي وضعت وردة الأسلام في يدي وسقيتها حتى نمت وترعرعت ودخلت في قلبي ، انت يامؤمن كنت نورا استضئ به في ظلمات الدنيا وشبهاتها واستعين به من الزلق والمتاهات ، كنت اقتبس منك نورا في عالم الفناء فكيف يزول عن قلبي شوق لقائك في عالم البقاء.
الى هنا انتهى عالم البرزخ سوف ندخل في أمواج يوم القيامة
قال سعيد : سمعت صوتا يقول أفق من نومك ياسعيد، أما علمت باقتراب قيام الساعة والقيامة الكبرى ؟ كيف تنام رغدا في جنان البرزخ ، وبين أحضان الحور، وقد تحقق أول شرط من أشراطها !
نداء هز كياني كله ولم أكن نائما ، بل غارقا في بحر من الفكر ، سابحا في أمواج ذكريات عالم مضى ، عالم الدنيا الذي انقضى وكأنه لم يكن إلا ساعة او اقل ، كنت اتذكر عالم البرزخ ومراحل العذاب والنعيم فيه ، وها هي آلاف من السنين مضت وتمضي والجميع بانتظار القيامة الكبرى! ....
عندما قال سعيد وها هي آلاف السنين مضت وتمضي والجميع بانتظار القيامة الكبرى ، قال تعالى :
((وماقدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ))
قال سعيد : على الرغم من أني أعيش في جنات ونعيم عالم البرزخ ، وبرغم القصور والبساتين ، والحور والخدم من الملائكة الذين سخرهم ربي لخدمتي ، وليس لهم شغل شاغل غير ذلك ..
عالم البرزخ هو الفترة التي تتوسط بين عالم الدنيا وعالم القيامة الكبرى ، وهو أرقى درجة من الدنيا وأدنى من القيامة . تعيش فيه أرواح الأموات بأبدان لطيفة شفافة ، ويكون فيه ثواب وعقاب جزئي من الأعمال والعقائد والملكات، حينها إما أن يعيش الأنسان فيه داخل جنة ونعيم أو في عذاب نار أليم .
مرت سنين وسنين ، وكلما تحقق شرط من أشراط قيام الساعة في عالم الدنيا ، تحدث ضجة كبرى في عالم البرزخ ، وترى الخوف والأضطراب يغمرهم ،
حتى أصحاب الدرجات العالية كانوا يعيشون حالة بين الخوف من الساعة والحساب ، وبين الرجاء والنجاة من أهوال ذلك اليوم العظيم .
مرت الأيام ، وتشابكت الأحداث ، وسالت دماء كثيرة على الأرض حتى غيّرت لون أنهارها، بل أصبح اللون الأحمر هو السائد فيها
أحسست بيقين لايخالطه الشك بأن الساعة آتية عن قريب ولاريب فيها، خصوصا بعد ان كسفت الشمس في وسط رمضان، وخسف القمر في آخره ، وخرج يأجوج ومأجوج منتشرين في الأرض ، وهم من كل حدب ينسلون. قال تعالى : .
((حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون- -- واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين ))
وتوالت أحداث وآيات عجيبة فيرَ مأهولة على أهل الأرض كان آخرها أن أشرقت الشمس من مغربها ، وخرجت دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآيات الله لايوقنون ، قال تعالى
((وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لايوقنون))
حينها تحقق مصداق الآية الكريمة .
((يوم يأتي بعض آيات ربك لاينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ))
أما الأرض فقد زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وقال الأنسان مالها ، هنالك نطقت بإذن ربها ،
وقالت : إنما هو أمر الجبار إذ أوحى لها بأن ُتخرج مافي بطونها من أثقال وأسرار ، واستمرت أحداث الأرض زلزال بعد زلزال ، حتى ابتلعت معظم سكانها، وغاصوا في أعماقها الملتهبة ، فلم تر لهم باقية . كل شئ يشير الى قرب حدوث تغير شامل وواسع في عالم الوجود ، وبات الناس حيارى سكارى ، يرتطم بعضهم ببعض ، وكل شخص يفكر في مصيره ويتخلى عما سواه حتى الأم اهلت عن ولدها والمرضعة عن رضيعها ، بل لشدة الخوف من العذاب المرتقب وضعت كل ذات حمل حملها ، تيقنت أنها مقدمات الساعة
فأصابني خوف كبير ورعشة شديدة ، وكلما التقيت جماعة من سكان البرزخ ، أرى صورهم قد تغيرت واصفرت من قيام الساعة ، وما رأيت أحدا مطمئن القلب ، فيسليني ويعوِن علي ماسألاقيه في المستقبل المجهول ، ثم .....
((ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله))
إنها نفخة إسرافيل الأولى لإماتة خلق الله، إلا أولئك العارفون بحائق الوجود وأسراره، وقلوبهم غريقة بالمعرفة والمحبة الإلهية.
لم يسلم حتى جبرائيل وميكائيل من صعقة الموت ، بل حتى اسرافيل وعزرائيل الذي كان آخر من بقي
فقال له الله: مت ياملك الموت ،
فمات !
لم تتوقف الأرض عن أمر ربها ، إذ ألقت ما فيها وتخلت ، واندكا اجزائها دكا، قال تعالى :
(( كلا إذا دكت الأرض دكا دكا))
وتشققت أنهارها وسجّرت بحارها فالتهبت، وتحركت الجبال ونسفت نسفا اما السماء فقد عمّ فيه دخان عظيم مما زاد على الظلمة ظلمة ، فلا شمس تشع ولا قمر ينير ولا شمس براقة ،
من التغيرات التي حصلت وفي هذا الوسط من الظلمة المعتمة انطوت السماء كطي السجل للكتب ، قال تعالى :
((يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ))
سكنت الحركات ، وخمدت الأصوات ، وخلت من سكانها الأرض والسموات، وساد صمت وهدوء مطلق في أرجاء الكون ، اذ بقيت السموات خالية من املاكها ، والأرض من إنسها وجنّها وطيرها وهواها ،
وبقي المُلك لله الواحد القهار، المتصرف في الملك والملكوت ،
وكأن ربي يسأل خلقه:(( لمن الملك اليوم)).
لاأحد يجيب بل لاأحد غير الله ينطق حتى يجيب
ويقول: ((... لله الواحد القهار)).
طال سُبات الخلائق وسكونها ، والله أعلم كم كانت مدته ،
حتى حان ذلك اليوم الذي سمعنا فيه صوت نفخة الصور الثانية وصيحته
إنه إسرافيل عاد بعد أن أحياه الله
لينادي في خلقه: أن قوموا ليوم الحشر والحساب
ولكن أي صيحة كانت ! بل أي نداء هذا الذي يحي الأموات من أولهم ألى آخرهم ، ويخرجهم من الأرض قياما ينظرون ! ومن الاجداث مسرعين ، يرتطم بعضهم ببعض ، أبصارهم خاشعة ، وقلوبهم خائفة مضطربة ، كأنهم جراد منتشر إلى ربهم ينسلون قال تعالى :
((فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر))
حقا انه منظر مرعب ومهول أن تخرج كل الأجيال من البشر منذ خلق آدم وحتى قيام الساعة في وقت ومشهد واحد ! والكل يسوق بنفسه مسرعا مضطربا ، والبعض زاحفا ... إلى ساحة المحشر والحساب.
قال سعيد : أسرعت مع هذا الجمع العظيم من الخلق وبين الحين والآخر أتعثر ، فأقع ذليلا على وجهي ، وأحس بأقدام الخلق فوقي ، ولكن سرعان ماأنهض قائما بمساعدة مخلوق كان يرافقني منذ خروجي من قبري ، ولشدة الزحام والأضطراب لم أتعرف عليه ، بل ماتمكنت من رؤيته بصورة تسمح لي بمعرفته . كنت ارى الكثير ممن بعثوا تتأجج النار من أفواههم ، وهم يتعثرون ، وتحت الأقدام يسحقون، هم كالأقزام في صغرهم وقد لاترى لهم أثر عند مرور الجمع عليهم ،
(عن رسول الله ( صلى الله عليه واله ) قال: يبعث يوم القيامة ناسا في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم ، فيقال ماهؤلاء في صور الذر ؟ فيقال هؤلاء المتكبرون في الدنيا)
والعجيب أن البعض منهم كلما أراد القيام أركسه مخلوق قبيح كان يرافقه ليلقيه على الأرض مرة أخرى !
فقلت : بسم الله، هذا أول مشهد من مشاهد الذلّة والعذاب.
وبين هذه الوجوه رأيت شخصا يشع نورا ، ولاتبدو عليه آثار التعب سوى الدهشة التي كانت تظهر على ملامح وجهه،
سألته : هل تعلم مالذي حدث ؟ والى اين يساق بنا ؟
تمعن في وجهي ثم أجاب : أرى في صورتك ملامح الأيمان والتقوى ، ولكني أيضا أرى نورك ضعيف لايكاد يضئ الطريق اليك .
نظر الى الجمع العظيم ،
ثم عاد ليقول : إن الله بعثنا بعد أن أماتنا موتة البرزخ ، ونحن الآن في يوم البعث الذي وعدنا به لنساق به الى الحشر والحساب ، ثم تجزى كل نفس بما كسبت ، ولايظلم ربك أحدا .
قال سعيد : سبحان الله ماأقصر لبثنا في عالم الدنيا والبرزخ ، وكأننا لم نقض فيهما إلاساعة أو أقل . قال تعالى: .
((يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وماكانوا مهتدين))
نظرت لما حولي فرأيت أحسنهم حالا من وجد لقدمه موضعا ، ورأيت من الرجال والنساء مالايحصى عدده ، ولانهاية لحدوده وهم في صور مختلفة
: فبعضهم ذات صور قبيحة ومهولة موحشة، ابدانهم عراة لايغطيها ولايسترها شئ، وهم في حالة يكاد الخجل يذيبهم ، والذلة والحسرة تقتلهم ، ولاملاذ لهم فيستترون فيه ، او يحتجبون به عن انظار غيرهم .
لنتابع ماهي الصور الأخرى التي هم عليها ...........
من الصور الأخرى التي كان عليها البشر في يوم الحشر ،
كان البعض منهم على صورة القردة، وآخرين على صورة الخنازير،
وبعضهم منكسون على وجوههم وقد علت ارجلهم رؤوسهم وهم يسحبون عليها،
وبعضهم عمي يترددون،
وبعضهم صم وبكم ،
وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاّت على صدورهم ، ويسيل القيح من أفواههم فيتقذرهم أهل المحشر،
وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ،
وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ،
وبعضهم أشد نتنا من الجيفة ،
بينما هناك آخرون ملبّسون جبابا سابغة من قطران نار لاصقة بجلودهم
سأل معاذ بن جبل رسول الله ( ص ) عن قوله تعالى : يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) ، فقال ( ص ) يامعاذ
سألت عن عظيم من الأمر ، ثم أرسل عينيه ثم قال : تُحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا ، قد ميزهم الله تعالى من المسلمين وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القِرَدة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، و......
وفي الوقت نفسه كنت أرى البعض الآخر على صور جميلة متفاوتة ، كل حسب درجته وكماله الذي اكتسبه في عالم الدنيا ، وهم يرتدون ألبسة متغايرة فيما بينها.
قلت : سبحان الله ! ماهذا التفاوت في خلقه؟
وتساءلتُ مستغربا عن أي أرض أو سماء يمكن لها ان تسع كل هذا الحشر العظيم ؟!
قال سعيد : التفت نحوي شخص يبدو أنه من أهل الإيمان ، وكتابه القرآن ،
فقال : أما قرأتَ في القرآن
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار ))
قال سعيد: بهرني نور وجهه المشع،
فسألته : أخبرني ، كم سيطول وقوفنا في عرصة المحشر؟
أجاب قائلا: إن للقيامة خمسون موقفا، وكل موقف يستغرق ألف سنه أما قرأت في القرآن
تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين الف سنه ))
وأهوال هذه المواقف وشدتها مرتبط بدرجتك التي حُشرتَ عليها
لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ))
صمت قليلا ثم قال: أراك وقد حُشرتَ على هيئة إنسان ، ولباس التقوى يسترك، ولكني ألاحظ نورك ضعيف ، قد لايهديك في ظلمات القيامة والصراط.
أصابني هول مما سمعته منه ، وحسرة على ماقصرت به في عالم الدنيا ، إذ لم أرفع درجتي بأعمالي وملَكاتي ، ولم اوصلها إلى مراتب الإنسان الكامل الذي يشع نوره بين العباد في يومٍ يجمع الله به الأولين والآخرين.
بكيت بكاءا شديدا ، فاختلطت دموعي مع العرق الذي راح يجري جريانا من بدني ،
إذ أصبحت الشمس محرقة بعد أن اقتربت شيئا فشيئا فوق رؤوس العباد ، وانشغل كل واحد بهمه وغمه ، وأصبح لا يبالي بغيره.
وإذ أنا في ذلك الوضع من الحزن والقلق وبّختُ نفسي
وقلت لها: يا نفسي أصبحتِ كما قال إمامي زين العابدين في دعائه
أنظر مرة عن يميني وأخرى عن شمالي ، إذ الخلائق في شأنٍ غير شأني ، لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يُغنيه
، وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة ٌ مستبشرة ، ووجوه يومئذٍ عليها غَبَرة ترهقها قَتَرة ))
قال سعيد : لفت نظري مخلوق كان حسن الوجه ، جميل المنظر
. اقترب مني والأبتسامه على وجهه ، ثم نادى باسمي !
من يكون هذا المخلوق ؟؟؟
عندما قال سعيد : لقد لفت نظري شخص حسن الوجه
قال لسعيد : ألا تعرفني ؟
قال سعيد : نظرت إليه ، وهو أول من ينادي باسمي في ساحة المحشر ، ولكني لم اتعرف عليه ،
لذا أجبته مستغربا: كلا، إن أهوال القيامة أنستني كل شئ، فمن تكون ؟
قال له: أنا الذي كنت من البعث إلى المحشر أُنجيك كلما صرتَ تحت أقدام العباد، أنا الذي كنتُ أنير لك الطريق كلما دخلت في الظلام ، أنا الذي كنتُ أزيل عنك اليأس ، وأبشرك بالجنة ، وادعوك الى ترك القنوط من رحمة الرحمن،
في الكافي ، قال ابو عبد الله( ع) في حديث طويل : إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدِم أمامه ، وكلما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لاتفزع ولاتحزن وأبشر بالسرور والكرامة من الله عز وجل ))
شكر سعيد الشخص الجميل المنظر وقال له لولاك لكنت في أسوء حال قل لي بالله عليك من أنت ، فإني أحب ان تكون دائما برفقتي .
قال ذو الوجه الحسن : سأكون كذلك إنشاء الله ، إلا في المواضع التي لايسمح لي بتجاوزها.
تمعنت فيه جيدا وقلت له مترددا : هل أنت عملي الصالح؟
قال: نعم .
قال سعيد : كادت روحي تحلّق من فرحة لقائه ، فعانقته طويلا ،
ثم نظرت إليه مستغربا تَغَير صورته عما عهدتها عليه في عالم البرزخ وسألته عن ذلك ،
أجاب : في البرزخ كانت تظهر بعض تجسمات حقائق أعمالك ، وكنت أنا خلاصة لها ، أما في عالم القيامة فتظهر جميع أعمالك ، ودقائق إحساساتك ، وملكاتك التي كانت معك في الدنيا ،
أمَا قرأت في القرآن : يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )) قال سعيد : اذا من كلامك إني سألاقي الكثير من تبعات أعمالي السيئة ومصائبها.
قال ذو الوجه الحسن: نعم ياسعيد ومما يزيد الطين بلّه أن القيامه ليست كالبرزخ ، اذ لم يبق مخلوق في الدنيا حتى يتصدق نيابة عنك ، أو يذكرك بذكر أو دعاء ، بل تلاشت الدنيا ومافيها ، وأنت الآن في نشأة أخرى لها نظامها الخاص بها، وقوانينها التي تميزها عن غيرها ، وهذه القوانين الجديدة مما لم ترها من قبل ، بل لم تكن قادرا على تخيلها إن سمعتَ عنها.....
مضت أربعون عاما وحالة أغلب من في المحشر سيئة للغاية
إذ زادت حرارة الشمس باقترابها ، ولشدة حرارتها أصبح العرق يجري من أبداننا
أما الأرض فتكلمت ، وأخبرت من في المحشر أنها أُمرت بعدم السماح لعرَق العباد أن ينفذ فيها ، مما زاد ضجيج أهل المحشر واستيائهم .
واشتدت حرارة الشمس أكثر وأكثر بركوبها فوق رؤوسنا، وهي ليست كشمس الدنيا ، بل أشد وأقسى ، ولايمكن التستر أو التهرب منها
وبلغ العرق لدى البعض منا حتى قدميه ، وازداد الصراخ والعويل ومامن مغيث.....
في الأثناء خطر على فكري أمر الشفاعة ، ولكن شفاعة في هذا الوقت ولجميع أهل المحشر تحتاج إلى شفيع يكون أهل لها، وذي درجة عالية من المنزلة والقرب من الله.
فمن هذا الشفيع ياترى ؟؟؟؟؟؟
سنعرف ذلك في الجزء القادم ان شاء الله ........
