إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رحله البقاء الجزء الثاني عشر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رحله البقاء الجزء الثاني عشر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    عندما سأل سعيد الملك عن هذا الشخص السالف الذكر عن حالته التي عليها، وعن أي حق له عنده ، قال الملك: إنه كان يجلس مجالس الغيبة والبهتان عليك، ويشارك فيها ولايدافع عنك ، ولايقوم من مجلسه عندما تُذكر فيه بسوء ، أو تُفترى عليك الأقاويل . انه أحد رفاق جمال الذين لم تتعرف عليهم في دنياك.
    سأله الملك عن سبب مشاركته في مجالس الغيبة والبهتان ، فأنكر ذلك ، وقال : متى كان ذلك ؟ إنني لم أنطق أو أسمع أي غيبة عن هذا الشخص ، لم أسمع أي شئ عنه .....
    أراد أن يبكي بدموع التماسيح ، ولكن فضحه سمعه بشهادته عليه اذ نطق وقال: نعم انه كان يستعملني كثيرا لسماع الغيبة ، بل لسماع افتراءات كاذبة على سعيد ، وكان لايرد على أهل تلك المجالس ، بل يتلذذ بسماعها، ويضحك معهم ، وأنا شاهد على ذلك ، أنه كان غافلا عن الآية الكريمة: ((حتى إذا ماجاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون )) نكس الرجل رأسه للأرض وبكى بكاءا شديدا، وتمسك بأطراف ثيابي متوسلا أن أهبه حقي الذي عنده ، فأليت ذلك . لم يتركني على حالي ، بل راح يتوسل ، ويقّبل يدي مرة وقدمي أخرى ، وفي كل ذلك كنتُ أعرض عنه ولا أقبل منه .
    التفت إلى عملي الصالح ، فقلت له : إنني كلما راجعت نفسي ، ما وجدت في قلبي ذرة تحنن ورأفة عليه أو رقة على حاله ، أيكون ذلك بسبب انحطاط درجته وتدنّي مقامه ؟
    قال العمل الصالح : صحيح ماتقوله ، وصورته وحاله يدلك على ذلك ، ولو كان من المتقين لألقى الله في قلبك حبا له ، ولوهبته مظلمتك التي عنده ، والله يعطيك مثلها من الأجر.
    قال سعيد : أخذت حقي منه ، وانطلقنا نبحث عن مظالم أخرى، ولكن خلال مسيرتنا أقبل علينا شخص مسودّ الوجه ، يصرخ بصوت عال
    :
    أين فلان أين فلان .
    أصغيت جيدا لما يقول .
    عجيب أمره أنه ينادي بأسمي ويطلبني! تُرى ماذا يريد مني ؟
    استوحشت منه أكثر عندما رأيتُ معه ملك مأمور وجمع من ملائكة أخذ المظالم .
    اقترب مني وأراد أن يمسكني من عنقي ، فمنعه الملائكة الذين برفقته ، وكلما حاول ذلك مُنع منه.
    تمعنت في صورته وملامحه أكثر وأكثر حتى تذكرته ، لقد كان صاحب محل صغير بالقرب من محل سكني أيام دراستي في الجامعة ، ولكن ترى ماذا يريد مني الآن ؟! بادرني الملك المأمور معه بقوله: إن لهذا مبلغ لديك لم تؤده إليه في الدنيا ، وهو الآن يريد أخذ مايعادله منك قال سعيد : سألته مستغربا عن زمن ذلك وكيفيته ، فأجاب المأمور: لقد كنت تتسوق منه يوميا مايلزمك للعشاء لك ولرفاقك ، وذات مرة اشتريتَ منه بيضه واحدة ، فأعطيته مبلغا بعملة ذات فئة كبيرة ، فاستحى أن يصرفها لك لأن المبلغ كان زهيدا، لذا قال لك أن لاتثريب في ذلك ، يمكنك إضافتها على الحساب القادم ، ولكنك استحقرتها ولم تؤدها إليه ، فبقي مبلغها في عنقك حتى انتقلتَ من الدنيا للبرزخ بالموت ، وانقطع بك السبيل ، وماكان أحد في الدنيا يعلم بالأمر كي يؤديه عنك .
    خاطبتُ الرجل ملتمسا إياه : ألا تهبها لي ؟ إني بأمس الحاجة إلى حسنة واحدة ، وأنت تريد أن تأخذ مني حسنات
    لم يعبأ الرجل بكلامي ، وقال: ألا ترى بدني يتوهج من شدة حرارته ؟ إنني أريد أن أضع اصبعي في بدنك فلعله يبرد قليلا ... ولو للحظة واحدة . قال سعيد : نظرت إلى أصبعه فرأيته متوقدا محمرا كالجمرة الحمراء ! لم يترك لي فرصة النطق بكلمة واحدة ، إذ مد يده نحوي وغرز إصبعه في عنقي ، ولشدة حرارته أحدث ثقب فيه ، وصهر ماحوله، صرخت صرخة عظيمة من شدة الألم سمعها من في المحشر، وبقيت أتلوى ألما وحرقة ، وبكيت بكاءً عظيماً فلا أدري على أي شئ أبكي أبكي لعظيم ألمي أم لحرقة بدني أم لندامتي على غفلتي واستحقاري لهذه وغيرها من تبعات عالم الدنيا. مضت مدة طويلة وأنا أتألم مما أحدثه هذا الرجل في بدني ، بل أُضيفت فوقه تبعات أخرى ومظالم عدة ماكانت في الحسبان ، بل ماكنت أتوقع يوما أن يأتي أصحابها وينتزعوا مايعادلها مني ، وذلك لتفاهة قيمتها كما كنتُ أتصور في دار الدنيا ذات مرة أتاني شخص ماكنت أعرفه ، وقال إن مظلمته عندي ، مظلمته هي انه كان يشتري خبزا ، وكنت أنا أيضا واقفا لشراء الخبز ، عمال الشركة قدموني عليه باعتباري مهندس فيها ، فامتعض من فعلي هذا ، وجاء اليوم ليأخذ حقه مني ، وقد أخذه وذهب بحاله . فعلي هذا ، وجاء اليوم ليأخذ حقه مني ، وقد أخذه وذهب بحاله . الأول من صلاة الجماعة ، عندما اردت صلاة الجماعة في دار الدنيا قدمني أحد المصلين وطلب من هذا الشخص القيام وأحل محله ، فقام دون رضاه ، وقبلت أنا ذلك لغفلتي أني قد أخذت حق أسبقيته في المكان
    وعندما اخذ حقه مني الآن نكست نكسة كبيرة وانكسار عظيم .
    النكسة والأنكسار التي أصابت سعيد ان نوره قد ضعف ، وثقل سيئاته قد كبر ، وكفة حسناته قد خفت ، وبياض وجهه قد خالطه السواد .......
    قال سعيد : أصبحت أرتجف كلما أرى شخصا يُقبِل نحوي أو يناديني ، التفت الى عملي الصالح ،
    وقلت له : انطلقنا لنبحث عن مظالم تنفعنا ولكني أرى حصول خلاف ما تأملناه .
    قال لي عملي الصالح: المشكلة انك تبت إلى الله توبة صادقة في الدنيا، ولكنك غفلت عن أداء حقوق الناس التي بقيت في عنقك ، والتوبة لاتكون كاملة إلا بإرجاع كل حق إلى صاحبه وإن صغر ، وأنت تعلم أن كل إنسان في المحشر بأمسّ الحاجة إلى زيادة رصيده من الحسنات ، ولو كان بمقدار ذرة أو أقل منها ،
    (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولافي السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين(
    يونس ٦١
    قال سعيد : وماذا أفعل الآن ، وماهو حلك لهذه المشكلة؟
    قال العمل الصالح : كان الحل بيدك في الدنيا ، وهو ان تذهب الى كل واحد من هؤلاء وتطلب منه براءة ذمة أو توفيه حقه. على كل لا تحزن ، فانك لازلتَ ضمن حدود درجة المؤمنين، ولم تبتعد عنها كثيرا.
    قال سعيد : طأطأت رأسي الى الأرض ،
    وقلت له : إني أخاف فقدان حتى هذه الدرجة وما سيؤول اليه مصيري . وجرت دموعي مرة أخرى أسفا وحزنا على تقصيري وغفلتي في عالم الدنيا ،اذ كنت غافلا عن ان حق الناس لايسقط بالتوبة فقط ، وصحيح أني تركت المعاصي ورعاية حقوق الخلق ، والتزمت بكلامي بيني وبين الله بعد اعلان توبتي ، لكني نسيت تبعات الماضي ولم أسعى لتصفيتها مع خلقه.
    بقيت على هذه الحال مدة طويلة ، أرى كل شخص مشغول بنفسه عن غيره ، بل يفر حتى من أهله وأخوته ، ويهرب من أمه وأبيه ، وزوجته وبنيه
    قال تعالى في سورة عبس: ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (
    أما أنا فكنت أعيش بين الخوف من قلة الحسنات ، وبين الأمل بالنجاة.....بل حتى ذلك الأمل صار ضعيفا

    فوجئت بلقاء زوجتي في المحشر!
    نعم كانت تقصدني وتبحث عني ، ولم يكن حالها أفضل من حالي .
    تمعنت فيها جيدا وتيقنت ُ من شخصها ..... أجل هي آمنة أم مرتضى بعينها ، والتي فارقت الدنيا أثر حادث السيارة ، كان مرتضى صغيرا لم يتجاوز الرابعة من عمره .
    سلمت عليها ، وسألتها عن حالها ،
    فأجابتني : ليت الموت أعدمني الحياة يا سعيد ، وليتني لم أُخلق في الدنيا لأعيش حسرتها الآن ، وليت ال.......
    لم تتمكن من إكمال جملتها ، حتى جرت دموعها بغزارة، وارتفع صوت بكائها ،
    وما أن هدأت حتى سألتها : ولكن مالذي تطلبيه مني ؟ ولماذا تبحثين عني في صحراء المحشر ؟
    كانت مترددة في الجواب ، وقد طغى على وجهها الخجل والحياء ، ولكنها تغلبت عليه ،
    وقالت : كنت أبحث عنك كي أأخذ حقي منك .
    :
    وماهو حقك عندي ؟
    قالت: إن الله جعل للزوجة حقوقا على زوجها ، وأنت لم تراعي الكثير منها ، فهل كنت غافلا عنها ؟ أم أنك انجرفت مع العُرف السائد في مجتمعنا يوم ذاك ، والذي يفرض على المرأة واجبات لم يفرضها الله عليها.
    لم تعطني فرصة السؤال عن أي حقوق تتكلم، واسترسلت في كلامها،
    وقالت : أتذكر ياسعيد يوما دعوت فيه أصدقائك للعشاء في بيتنا ، وتعذرت لأني كنت متعبة وجلبت الطعام من السوق وبعدها أعرضت عني ولم تكلمني ليومين وقد جرحتني كثيرا بكلامك لي بعده ، مع أن الأسلام اعتبر خدمات المرأة في بيت زوجها تطوعا وإيثارا منها لاوجوبا عليها.
    كما إنك كنت تتعامل معي كخادمة في بيتك ، تأمرني بجلب الطعام والأوراق ، والأعظم من ذلك إنك كنت تغضب علي إذا تأخرت في جلبها ، هل هذا كان يتوافق مع الأسلام الذي كنت تعتنقه وتدافع عنه؟
    قال سعيد : نكست رأسي ولم أتمكن من الدفاع عن نفسي ، فبأي جواب أرد عليها ؟ وبأي كلمة أجيبها؟ وكل كلامها كان صحيحا ، لذا التزمت الصمت ثم استأنفت حديثها
    وقالت : كنت افتقد منك العون ببعض أعمال المنزل اذ ان كبرياءك يمنعك من ذلك واستحيائك من الناس يحول بيني وبينك. ولا أعلم أي عيب فيه ، ألم يساعد إمامنا زوجته فاطمة في منزلها بأعمال الطبخ وتربية الأطفال وغيرها؟ ألم تسمع قول نبينا ( صلى الله عليه واله ) لأمير المؤمنين بعد أن رآه ينقي العدس ، وفاطمة جالسة قرب القدر إذ قال له)) : مامن رجل يعين امرأته في بيتها إلا كان له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها، وأعطاه الله من الثواب مثل ماأعطاه الصابرين(( ……. جامع احاديث الشيعه ج17/ص139
    ياسعيد ، أين كنت من كل هذا الثواب وأنت الآن في أشد الحاجة إليه ، وأراك تبحث عن الحسنة من هنا وهناك ، ومن فلان وفلان .
    إحترق قلبي ألما وحسرة لما ضيعته من الثواب العظيم في الدنيا ،ولما قصرتُ به من حُسن العشرة مع الأهل والعيال، ولم تكتفي آمنة من عتابها لي ، بل استأنفت كلامها مرة أخرى
    قال سعيد : استأنفت آمنة كلامها مرة أخرى لتوقد شعلة الندم والحسرة أكثر في قلبي
    فقالت: ياسعيد إن كل واحد منا الآن يتمنى لو أفدى بدنياه ومافيها مقابل ان تزيد حسناته ولو واحدة ، أو تطفئ نيران سيئاته ولو للحظات ، وأنت ضيعتَ الكثير الكثير ، أين كنت من وصية خاتم الأنبياء لعلي إذ قال له )) ياعلي، خدمة العيال كفارة للكبائر، وتطفئ غضب الرب، ومهور حور العين، وتزيد في الحسنات والدرجات(( مستدرك الوسائل ج13 ص49
    اعترفت لها بتقصيري معها ، اذ لامجال لنكران الحقيقة ، أو التهرب منها ،
    ولكني سألتها عما إذا كانت نادمة على خدمتها في بيتها طوال حياتها معي
    فأجابت : إنني غير نادمة قط ، ولولا هذه الخدمات لما رأيت نوري بالدرجة التي تراها الأن، بل انني متأسفة على عدم المزيد منها ، ونادمة على أني لم أتلقى بجد تلك الأحاديث التي كانت توعد بالثواب العظيم للمرأة التي تخدم زوجها ، وأن هذه الخدمة تغلق عنها أبواب النيران وتفتح لها ابواب الجنان
    كتاب ميزان الحكمة ، عن الأمام الباقر ( ع ) : أيما أمرأة خدمت زوجها سبعة أيام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار ، وفتح لها ثمانية أبواب الجنة تدخل من أيها شاءت .
    أو تلك التي توعد بالغفران للمرأة التي تسقي زوجها شربة ماء، وأن هذا العمل خيرٌ لها من صيام نهارها وقيام ليلها
    وسائل الشيعة، عن الأمام الباقر ( ع ) ما من أمراة تسقى زوجها شربة من ماء إلا كان خيرا لها من عبادة سنة صيام نهارها وقيام ليلها ، ويبني الله لها بكل شربة تسقي زوجها مدينة في الجنة وغفر لها ستين خطيئة .
    توقفت عن الكلام، وجرّت حسرة طويلة
    ثم قالت : لافائدة من التأسف والندم الآن ، فقد انتهى التكليف وهيهات العودة الى الدنيا مرة أخرى
    قال سعيد : تأثرت كثيرا من كلامها ، واحسست بالخجل العظيم أمام الملائكة الذين كانوا برفقتها ، لذا حاولت أبراز جانب الإيجاب مني معها
    اذ قلت لها : لم أنكر خدماتك لي في المنزل ولك الحق في كل ماقلتيه ، كان يجب عليّ حسن العشرة والخلق معكم ، وكان الأجدر بي أن أشكرك بدلا من اظهار عدم الرضا عليكِ.
    كان الجميع ينصت لكلامي ويترقب نتيجة الحوار بيننا، ولم أجد من يقاطعني
    فاستأنفت الحديث بقولي: لقد رفع الله درجتي ونوري بين أهل المحشر بسبب إخلاصي له تعالى في كدّي عليكم ، ولولا ذلك لما كان نوري بالدرجة التي ترينها قال رسول الله ( صلى الله عليه واله ) ( الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله .بحار الانوار.ج100/ص13
    وأسفي أن لم أكن حَسنَ الخلُق معكِ كما أوصى نبينا به ، وقد عُذّبتُ عظيم العذاب في البرزخ لأجله ،وخوفي الآن أعظم من آثاره في عالم القيامة الكبرى .
    نويت لطلب منها أن تهبني ظلمي لها ، ولكني قبل أن أعرض عليها ذلك
    قلت لها: إن من واجبات الزوجة في العشرة مع زوجها أن تطيعه ولاتعصيه ، ولاتخرج من بيتها إلا بإذنه ولو إلى أهلها ، وأيما أمرأة باتت وزوجها ساخط عليها في حق ، لم تقبل منها صلاة حتى يرضى عنها
    جواهر الكلام ج31/ص147 ((ومن حقه عليها أن تطيعه ولاتعصيه ولاتتصدق من بيته إلا بإذنه ولاتصوم تطوعا إلا بإذنه ، ولاتمنعه نفسها، ولو كانت على ظهر قتب ، ولاتخرج من بيتها إلا بإذنه ولو إلى أهلها ولو لعيادة والدها أو في عزائه وأن تطيب بأطيب طيبها ، وتلبس أحسن ثيابها ، وتتزين بأحسن زينتها ، وتعرض نفسها غدوة وعشية ))
    فهل عملتِ بما فرضه الله عليكِ ، أم كنتِ غافلة عنه؟
    ولقد ذكر لها موارد كثيرة كانت مقصرة فيها لعدم الرغبة منها في السفر معه وغيرها من الأمور التي يجب طاعتها له .
    قال سعيد : التزمت الصمت الذي يدل على اعترافها بأخطائها . حينها رأيت الوقت المناسب لعرض طلبي منها ،
    فقلت لها : أطلب منك يا آمنة أن تهبي لي ظلمي لك ، وأنا أهب لكِ تقصيركِ معي
    في بحار الأنوار ، عن سيد العابدين ( ع ) قال: حدثني أبي أنه سمع أباه علي بن أبي طالب ( ع ) يحدث الناس ، قال: إذا كان يوم القيامة .... ولايجوز هذه العقبة عندي ظالم ولأحد عنده مظلمة إلا مظلمة يهبها لصاحبها وأثيبه عليها ، وآخذ له بها عند الحساب .
    عسى الله أن يعف عنا ، ويتجاوز علينا ، وهو ارحم الراحمين . لم تمانع طلبي منها ، بل استقبلته بلهفه وترحيب طمعا برحمة العزيز الغفار ، ولعل عفوي عنها يخفف عنها شيئا من أهوال المحشر ومابعده ، ثم حان الوداع ، وآن الفراق ، ليشق كل منا طريقه المجهول ومضيت مرة أخرى في صحراء المحشر ، ولشدة حرارة الموقف أحسستُ بجفاف بدني ويبوسته ، وضعف في جوارحي .
    أصبحتُ أقوم وأقع ، وأمشي وأتعثر ، ولم تعد لي طاقة على الحركة والأنتقال ، ومما زاد في الطين بلة أنه أتاني مخلوق قبيح الشكل ، أسود اللون ، يتلفت يمينا ويسارا ، وكأنه يخاف من شئ ما، فأمسك بيدي ،
    وقال لي بلهجة ساخره قال المخلوق القبيح لسعيد: أبشرك بالنار ياسعيد ، أبشرك بالنار ، سوف تدخلها لا محالة في ذلك ، وإني أرى مستقبلك أسوء وأخزى بكثير مما أنت فيه الآن !
    صعقني بكلامه وقلت له : وماذا يجب علي فعله حتى أنجو مما تقوله؟
    ضحك مستهزئا من قولي ، ثم قال: لاسبيل لنجاتك ، وكل ماعليك فعله أن تتحمل أحقابا في نار جهنم ، قد تكون آلاف من السنين ، إن لم تكن ملايين !
    صرخت في وجهه ، وحاولت إبعاده عني فما تمكنت من ذلك
    حتى أتى عملي الصالح ، حينها ولى هاربا بعيدا عني , لا أعاده الله لي ،
    قلت لعملي الصالح : من يكون ذلك الذي أرعبني ، وقد ولى هاربا حين حضورك؟
    أجابني بقوله: إنه خلاصة أعمالك السيئة ، ولكن لا عليك به ، فإنه ضعيف ولا يتمكن منك إلا في بعض المواضع، إنه يستثمر أوقات الدنيا التي كنت َ بعيدا فيها عن الأعمال الصالحة فيأتي فيها الآن ليرعبك ويؤذيك ، ولكن عليك الحذر منه عند عبورك الصراط ، إذ سيكون لك في المرصاد ، ويستخدم كل ما لديه من قوة وسلطان كي يزلك عنه ، ويوقعك في الهاوية .
    ومضت آلاف من سنين المحشر ، وفي عرصته التي لا ظل فيها ولا ظليل ، ومررت فيها بمواقف عسيرة غير يسيرة ، وفترات مريرة طويلة جدا لقيتُ فيها ما لقيت من مرارة وآلام ، وفي بعضها ذلة وانكسار ، ولماء وجهي خزي واندثار.
    كنت أخجل كثيرا ، وتحرقني العبرة والحسرة عندما أرى أفراد من أقربائي في الدنيا ، وقد نالوا درجات عليا ونور عظيم ، وهم الآن في مقامات عالية
    والعجيب أنني كنت ُ أحسبهم أناس بسطاء ، إذ لم يكن ظاهر للناس قربهم من الله في دار الدنيا ، ولاتحس لأعمالهم الصالحة ضجيجا ، ولا لخيراتهم إلى الناس حسيسا.
    سألت أحدهم وقد كنتُ أنا الذي حثثته على التوبة في الدنيا ، وتعاهدنا سويا على أن تكون توبتنا خالصة لله
    سألته عن أي شئ أوصله إلى هذا المقام ؟
    فأجاب : لاتظن أنني نلت هذا المقام من عمل وجهاد مع النفس و....
    قاطعته ، وقلت له : هل تذكر أنا الذي فاتحتك بالتوبة إلى الله ، وقد تعاهدنا عليها ، وبدأنا بها في وقت واحد ، فبماذا افترقنا؟
    :
    صحيح ماتقول ، لكنك لم تجاهد نفسك كما ينبغي ، ولم تمنعها من الرياء الذي كان يخالط الكثير من أعمالك . كنتَ تعمل قربة إلى الله ، لكنك لم تكن تراجع باطن قلبك ، وتتفحص حقيقة نيتك ، ولو فعلتَ ذلك وحاسبتها في وقتها ، لوجدت أن عملك مشوب ، ونيتك غير خالصة ، ولرأيت هدفا آخر قد لصق به ، واخترق صدق خلوصه .
    :
    شكوت إليه طول الفترة التي مضت في المحشر ،
    فتعجب من كلامي ، وقال: لقد كانت مدة قصيرة ولم أحس بطولها كما تقول ، فعن أي شئ تتحدث؟
    إستغربت من جوابه ، وقلت له : أتحدث عن الفترة من أول الحشر حتى ساعتنا هذه .
    أطرق قليلا ، ثم قال : أنت صادق فيما تقول ياسعيد ، إن طول مواقف القيامه تختلف من شخص لآخر ، وكلٌ حسب درجته ومقامه ، فبعض يحس به آلاف بل ملايين السنين ، وبعضهم لايحس به كذلك ، بل يمر عليه وكأنه نهر يقطعه ، أو جسر يعبر فوقه ، والخلق بهذا الأمر في تباين كبير........
    سكنت الأصوات ، وساد الصمت بين العباد حينما سمعوا نداءا كان معناه
    يامعشر الخلائق إن العزيز الجبار يقول: يابني آدم اكثر من الزاد الى طريق بعيد وخفف الحمل فالصراط دقيق واخلص العمل فان الناقد بصير واخر نومك الى القبور وفخرك الى الميزان ولذاتك الى الجنه وكن لي اكن لك ..... المصدر الجواهر السنيه في الاحاديث القدسيه ص80
    كان لكل واحد من أهل المحشر أمل بتجاوز عقبات الوصول إلى جنة الخلد ، والذي زاد من ذلك أن الجنة بدت للجميع فرأوها واشتاقوا لها
    ولولا خلود عالم القيامة لمات الجميع شوقا لها!
    إنطلق الجميع أملاً باقتحام عقبات الجنة وتجاوزها ، وانطلقت أنا معهم ....
    ياله من أمر عجيب ! ومنظر غريب ! جلب أنظار الخلق أجمعين ، دهشت أنا مما شاهدته
    وسألت عملي الصالح عن أولئك الأشخاص ذوي الأنوار العظيمة الذين اقتحموا العقبات ، ثم قطعوا الصراط كالبرق الخاطف في سرعتهم ، ليقفوا على أبواب الجنان ، ثم يتعالون ويستقرون فوق أعرافها
    فقال: أول تلك الأنوار هو الرسول الخاتم ( ص ) وتبعه أوصيائه بعده ، ثم الأنبياء أولوا العزم وسائر الأنبياء ثم أوصيائهم ، وتلك سيدة نساء العالمين يحاذي نورها نور خاتم الأنبياء . وتلك مريم العذراء مع مجموعة من النساء اللواتي كُنَّ من أفضل نساء عالم الدنيا في المرتبة بعد الزهراء البتول.
    سأل سعيد العمل الصالح : ماهذا المكان المرتفع الذي وقفوا فوقه؟
    قال العمل الصالح : إنه مكان من الجنان ، يشرف على الجنة والنار ، ويقال له الأعراف ....
    قاطعه سعيد مستغربا: الأعراف ؟! وماذا يفعلون في مكان كهذا؟
    قال العمل الصالح : انه مقام وهبه الله لهم ، وقد أوكل إذن ورود الجنة لهم، فهم الشهداء على أفعال الخلق ، ويعرفون ظواهرهم وبواطنهم .
    قال سعيد : أطرقت قليلا ، ثم استأنفتُ الحديث معه بسؤالي منه أيكونوا هم من قال الله تعالى عنهم: ((وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم )) نعم ، فهم الرجال الذين يعرفون أهل النار بسيماهم ، وأهل الجنة بسيماهم ، ولهم حق الشفاعة ولاينالها إلا من ارتبط بهم في دنياهم وعرفهم وعرفوه ، واتبع سبيلهم ، وخطى بخطاهم .
    قال سعيد: كنت أرى بعد الوجبة الأولى أُناس يقتحمون عقباتهم بسهولة بالغة ويعبرون فُراداً فرادا، ويصلون إلى الجنان ، ولكن ليس بمرتبة رجال الأعراف .
    على كل حال ، لابد من البدء بالرحيل .... كانت الصلاة أول عقبات الطريق

    لنتابع في الجزء القادم ماهي العقبات التي تعرض لها سعيد ؟؟؟؟؟




يعمل...
X