
مَنْ هو الحسين؟

الحسين كُلُّ إنسانٍ قد تحرر من عبودية الأنانية والذات، إننا وفي هذه المناسبات العظيمة التي كان لها أثر بالغ في مجرى التأريخ الإنساني، نقف حيارى مذهولي الفكر والعاطفة، معطَّلي الأقلام، معترفين بالعجز أمام هذه المناسبات، التي هي من أعظمها وأكبرها، إنْ لم تكن هي الأعظم، تلك الملحمة الإنسانية الخالدة في يوم العاشر من محرم، يوم عاشوراء الحسين (عليه السلام) التي وقف فيها وأهل بيته وأصحابه موقفهم الخالد ليُرغموا التأريخ أنْ يكتبَ بكلمات العز والشموخ، والقدسية والإباء، عن ملحمة لم يُرِدْ أصحابُها سوى أنْ يكتبوا للإنسانِ مفردات الحقيقة والعبودية لله تعالى بأجلى صورِها، فلم تُكتب تلك المفردات كما هي العادة بمدادِ الأقلام على الصحف والقراطيس، بل كتبوها بدمائهم الزاكية، وأرواحهم الطاهرة، فَسُطِّرت على صفحات القلوب؛ لتبقى خالدة، لا يمكن أن تضيع أو تحور، بل صارت تُتَوارث مع الصفات التي يرثها الإنسان من آبائه ..
إنها المعاني العظيمة الخالدة التي تضمَّنتها ملحمة الحسين .. ملحمة عاشوراء .. ملحمة الخلود .. فالمكان هو كربلاء !! والجماعة هم الحسين وثلة من أهل بيته وأصحابه !! والزمان هو العاشر من محرم عام 61 للهجرة النبوية المباركة .. فهناك وفي ساعات معدودة من ذلك الزمان، وفي بقعة مُعينة من ذلك المكان حيث لا تَعْدوا الأميال، والرجال هم مجموعة ممَنْ عاهدوا الله فلم تُلههم تجارة ولا بيع عن ذكره، فهذه هي مفردات يوم الطف لا غير !! ولكن هل بقيت تلك المفردات كما هي عليه ليسجلها المؤرخون والكُتّاب حالها كأيِّ حدثٍ يكون على هذه البسيطة وينتهي بانتهائه ؟
فهذا هو أعظم سؤال نبحث عنه ونحن نقرأ التأريخ لتلك الواقعة، ونرى أثرها وآثارها في الوجود، وإذا أرادت الأقلام والأفكار أنْ تُجيب عليه بمصداقيةٍ وإنصافٍ، فيجب عليها أنْ تتأمل كثيراً قبل أنْ تقرر النفي أو الإثبات، وبعد كُلِّ التأمل والتفكير والقراءة الموضوعية لسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) منذ ولادته ليوم شهادته، بل من قبل ولادته إلى ما بعد شهادته تجعل المفكر المُنصف أنْ يقول كلمةً للتأريخ والأجيال: إنَّ الحسين قد حَيَّر التأريخَ وأدهشه، فأعجزه بِمَ يكتب؟! وكيف يكتب ؟! ليكون شاهداً على ما جرى عليه، ولكن بعد التأمل وبدون تردد يقول: إنَّ الحسين هو معجزةٌ إنسانيةٌ لم يستطع التأريخ أنْ يحيط بحقيقتها من خلال كلماته وحروفه التي يكتبها، ومداده الذي قد يسوِّدُ صفحات التأريخ أحياناً، ويطفىء نوره وآثار، فإنَّ في باطنِ كُلِّ حرفٍ من سيرته حقيقية وحياة، لا يُمكن للكلمات أنْ تُظهرها، إنْ لم نقف أمامها فنقرؤها قراءةً إنسانيةً لا قراءة تأريخية؛ لأنها واقعة إنسانية عظيمة لذا رأيناها تَعَدَّت مكانَها وزمانَها وأشخاصَها؛ لتصبح كربلاء كُلَّ البقاع، ويكون يوم عاشوراء في كُلِّ يوم، ويكون الحسين هو كُلُّ إنسانٍ قد تحرر من عبودية الأنانية والذات.
الكاتب / عماد الكاظمي
تعليق