إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ماقاله العلامة السبحاني في عالم الذر 2

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ماقاله العلامة السبحاني في عالم الذر 2


    بسم الله الرحمن الرحيم


    وفيما يلي عرض للآراء المطروحة حول هذا المطلب :
    النظرية الأُولى المستندة إلى الأحاديث

    وتقول هذه النظرية ـ والتي لها سند حديثي ـ إنّ اللّه أحضر أبناء آدم عند خلقه، من صلبه على هيئة كائنات ذرية صغيرة الحجم جداً وأخذ منهم الميثاق
    قائلاً لهم: «ألست بربكم؟ فقالوا: بلى» ثم أعادهم إلى صلب آدم ـ عليه السَّلام ـ ، وقد كانت هذه الكائنات الدقيقة الحجم ذات شعور وعقل كافيين آنئذ، وقد سمعت ما قال اللّه لها وأجابت على سؤاله، وقد أخذ هذا الإقرار من بني آدم ليغلق عليهم باب الاعتذار والتعلّل يوم القيامة.
    وهذه النظرية اتخذت باعتبار أنّ لفظة «ذرية» مشتقة من مادة «ذر» واختارها جمع من المفسرين.

    انتقادات على هذه النظرية :

    1. انّ أوضح دليل على قصور هذه النظرية هو عدم موافقتها للمدلول الظاهري للآية، لأنّ ظاهر الآية ـ كما قلنا في النقطة الخامسة ـ يفيد أنّ اللّه أخذ من ظهور كل أبناء آدم ذرّيتهم، لا من آدم وحده . ولأجل هذا قال سبحانه : (من بني آدم) ولم يقل من آدم.
    كما أنّ الضمائر جاءت في صيغة الجمع: (من ظهورهم) ، (ذرّيتهم) لا المفرد.
    وعلى هذا الأساس لا تطابق هذه النظرية مفاد الآية في هذه الناحية.
    2. إذا كان قد أخذ هذا الميثاق من بني آدم وهم في كامل وعيهم، فلماذا لا يتذكره أحد منّا؟
    وأجيب عن هذا الإشكال بأنّ ما هو منسي ومغفول عنه هو «وقت هذا الميثاق والإقرار» وليس نفس الميثاق والإقرار والاعتراف، بدليل ما يجده كل إنسان في ذاته من ميل فطري إلى الإذعان بوجود اللّه وربوبيته، ولا شك أنّ هذا هو امتداد طبيعي لذلك الإقرار المأخوذ في عالم «الذر».
    لكن هذا الجواب ليس بوجيه جداً كما تصوّر أصحابه، لأنّه ليس من المعلوم أنّ ما نجده من «الميل الفطري» إلى اللّه في ذواتنا يرتبط حتماً بمثل ذلك الميثاق.. بل ربما يكون نتيجة «فطرية وجود اللّه وربوبيته» وبداهتهما. وما يقال من أنّ الفاصل الزمني الطويل هو الذي كان سبباً لنسيان الميثاق المذكور ليس بصحيح كما يظهر.
    لأنّ طول هذا الفاصل لا شك أقل ـ بكثير ـ من طول الفاصل الزمني بين الإنسان في الدنيا ويوم القيامة على حين نجد أنّ الإنسان لا ينسى ما شاهده من حوادث في الدنيا فهاهم أهل الجنة ـ مثلاً ـ يقولون لأهل النار: (أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتُّم مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ).
    ونظير ذلك قول بعض أهل الجنة: (إنّي كَانَ لِي قَرينٌ [أي في الدنيا] * يقول ءَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ).
    ومثله قول بعض أهل النار: (وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ [أي في الدنيا ]مِنَ الأشْرَارِ).
    وغير ذلك من الآيات الدالة على تذكر أهل القيامة لما جرى لهم في العالم الدنيوي ممّا يدلّ على عدم نسيان الحوادث رغم طول الفاصلة الزمنية.
    3. انّ الهدف من أخذ الميثاق ـ أساساً ـ هو أن يعمل الأشخاص بموجب ذلك الميثاق، والعمل فرع للتذكّر، فإذا لم يتذكّر الشخص أي شيء من هذا الميثاق، فكيف ترى يصح الاحتجاج به عليه، وكيف يمكن دفعه إلى العمل وفقه؟
    على أنّنا بعد أن كتبنا هذا، وقفنا على كلام للعلاّمة الشريف المرتضى في (أماليه) وهو ينص على ما ذكرنا حيث أبطل هذا الرأي إذ قال:
    «وقد ظن بعض من لا بصيرة له ولا فطنة عنده، أنّ تأويل هذه الآية : أنّ اللّه استخرج من ظهر آدم ـ عليه السَّلام ـ جميع ذريته وهم في خلق الذر، فقررهم بمعرفته وأشهدهم على أنفسهم.
    وهذا التأويل ـ مع أنّ العقل يبطله ويحيله ـ مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأنّ اللّه تعالى قال: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم) ولم يقل من آدم وقال: (من ظهورهم)ولم يقل: من ظهره، وقال: (ذرّيّتهم) ولم يقل: ذريته.
    ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة أنّهم كانوا عن ذلك غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم، وأنّهم نشأوا على دينهم وسنتهم».
    ثم يقول الشريف المرتضى:
    «فأمّا شهادة العقول فمن حيث لا تخلو هذه الذرية ـ التي استخرجت من ظهور آدم ـ عليه السَّلام ـ فخوطبت وقررت ـ من أن تكون كاملة العقول مستوفية لشروط التكليف أو لا تكون، فإن كانت بالصفة الأُولى وجب أن يذكر هؤلاء بعد خلقهم وإنشائهم، وإكمال عقولهم ما كانوا عليه في تلك الحال، وما قرّروا به واستشهدوا عليه، لأنّ العاقل لا ينسى ما جرى هذا المجرى وأن بعد العهد وطال الزمان وليس أيضاً لتخلل الموت بين الحالتين تأثير .
    على أنّ تجويز النسيان عليهم ينقض الغرض في الآية، وذلك لأنّ اللّه تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم وأشهدهم لئلاّ يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك وسقوط الحجة عنهم فيه، فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة وزوالها، وإن كانوا على الصفة الثانية من فقد العقل وشرائط التكليف قبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم وصار ذلك عبثاً قبيحاً يتعالى اللّه عنه».
    4. انّ هذه النظرية تؤول إلى نوع من القول بالتناسخ الذي بطلانه من ضروريات الدين، لأنّه يعني ـ على أساس هذه النظرية ـ أنّ الإنسان أتى إلى هذه الدنيا قبل ذلك، ثم بعد العيش القصير ارتحل ثم عاد بصورة تدريجية إلى هذه الدنيا مرة ثانية .. وهو التناسخ الذي أبطله المحقّقون والعلماء المسلمون.
    ويبقى ها هنا سؤال وهو : إذا كانت هذه النظرية تواجه تلك الإشكالات وتعاني من هذا القصور، فما هو مصير الأحاديث والروايات التي تسند هذه النظرية؟! وسيوافيك حق المقال فيها
    .
يعمل...
X