بسم الله الرحمن الرحيم
النظرية الثانية :
يحمل بعض المفسرين (وعلى رأسهم: الرماني وأبو مسلم وفريق آخر) هذه الآية على: التوحيد الفطري، ويفسرونها بهذا التفسير.
فهم يقولون: يحط الإنسان قدميه في هذه الدنيا، وهو ينطوي على سلسلة من الغرائز والاستعدادات، وسلسلة من الحاجات الطبيعية والفطرية إلى جانب سلسلة من المدركات العقلية.
فهو [أي الإنسان ] عند نزوله من صلب أبيه إلى رحم أُمّه، وعند انعقاد نطفته لا يكون أكثر من ذرة، ولكن هذه الذرة تنطوي على استعدادات وقابليات جديرة بالاهتمام .. ومن جملة تلكم الاستعدادات هي قابليته لمعرفة اللّه التي تنمو وتتكامل مع تكامل هذه الذرة وجنباً إلى جنب مع تكامل سائر استعداداته الأُخرى حتى تنتقل في الم آل من مرحلة «القوة» إلى مرحلة «الفعلية» والكمال.
وبعبارة أُخرى، فإنّ الإنسان يولد وقد أُودعت في كيانه «غريزة معرفة اللّه» والتوجه إلى ما وراء الطبيعة بشكل سر إلهي مزروع في أعماق البشر بحيث لو لم تنله يد خارجية لنمت غريزة «الميل إلى معرفة اللّه» في فؤاد الإنسان ولما انحرف عن جادة التوحيد مطلقاً إلى درجة أنّ علماء النفس اعتبروا «الشعور الديني» هذا أحد أبعاد الروح الإنسانية ووصفوه بمثل هذا البعد، إذ قال أحدهم في تعريف الإنسان بأنّه «حيوان ميتافيزيقي».
وفي الحقيقة أنّ هذا الشعور الديني الغريزي رسم في ضمير الإنسان بقلم التكوين على غرار بقية الغرائز والأحاسيس الموجودة في الإنسان وهي [ أي غريزة الشعور الديني ] تنمو وتنضج مع نمو الإنسان وتكامله.
وبعبارة ـ ثالثة ـ : فإنّ اللّه أخرج أبناء الإنسان من ظهور آبائهم إلى بطون أُمهاتهم وقد جعل تكوينهم بنحو خاص بحيث يعرفون ربهم دائماً، ويحسّون باحتياجهم إليه تعالى.
وعندما يحس الإنسان باحتياجه إلى اللّه، ويجد نفسه غارقاً في التوجه إليه سبحانه فساعتئذ يكون وكأنّه يقال له: ألست بربكم؟ فيقول البشر: بلى أنت ربي.
خلاصة القول: إنّ الإنسان خلق مؤمناً باللّه بمقتضى الفطرة الإلهية السليمة الموهوبة له، وسيظل بمعونة العقل الهادي إلى اللّه يبحث عن اللّه ويطلبه ويسأل عنه، ويظل يواصل هذه المسيرة ما لم يعقه عائق ولم يمنعه مانع.
وعلى هذا فإنّ الميثاق المذكور في الآية لم يكن ميثاقاً تشريعياً وعلى نحو الخطاب والجواب اللفظيين، بل هو ميثاق تكويني فطري، وجوابه ـ كذلك ـ تكويني فطري.
على أنّ مثل هذا النوع من الحوار والاستيثاق شائع جداً في القرآن الكريم وكذا في محاوراتنا اليومية.
ففي المثال يقال: إنّ اللّه أعطانا البصر وأخذ منّا الميثاق بأن لا نسقط في البئر . أو كما يقال: إنّ اللّه أعطانا العقل وأخذ منّا العهد بأن نميّز به الحق عن الباطل. ويقول القرآن الكريم حول السماوات والأرض: (فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهَاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).
وهذا النوع من الكلام وتوجيه الخطاب إلى السماوات والأرض الفاقدة للشعور والإدراك والعقل ليس إلاّ عن طريق التكوين .. فيكون معنى هذه الآية هو أنّ السماء والأرض خاضعتين ـ تكوينياً ـ لمشيئة اللّه وإرادته، وأنّهما تجريان وفق سننه التي شاءها لهما. ونقل من بعض بلغاء العرب وخطبائهم مقال من هذا القبيل إذ قال: «سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك، وأينع ثمارك، فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً».
ولهذا الرأي شاهد قرآني وحديثي:
أمّا الشاهد القرآني فهو قوله سبحانه : (فطرة اللّه التي فطر الناس) الذي يمكن أن يكون مبيناً لهذه الآية .
وغاية التفاوت ما بين الآيتين هي: أنّ آية (فطرة اللّه) تقول بإجمال: أنّ الشعور الديني عجن بفطرة البشر وخلقته من دون أن تعين الآية زماناً، في حين أنّ الآية ـ المبحوثة هنا ـ تتحدث عن تحقّق هذا السر الإلهي في كيان الإنسان في بدء تكوينه وظهوره، أي أنّ الإنسان كان ينطوي فطرياً وتكوينياً على هذا السر الإلهي
منذ أن كان موجوداً ذرياً صغيراً في رحم أُمّه .. وكأنّ أوّل خلية إنسانية تستقر في رحم الأُم تنطوي على هذه الوديعة الإلهية وهي «غريزة الميل والانجذاب إلى اللّه».
وإذا أردنا أن نتحدث عن ذلك بلغة العلوم الطبيعية لزم أن نقول:
إنّ جينات الخلية لدى كل إنسان تحمل بين جوانحها هذه الخاصية الروحية، وإنّ هذه الخاصية تنمو وتتكامل مع تكامل الخلية ونموها.
هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تنطبق مع ما جاء في حديث معتبر السند من أنّ عبد اللّه بن سنان يقول سألت أبا عبد اللّه ـ الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، عمّا هو المقصود من الفطرة؟ فقال:
«هي الإسلام فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد ، قال: ألست بربكم و فيه المؤمن والكافر».
وإنّ للشريف الرضي كلاماً لعله يشير إلى أنّه اختار هذه النظرية إذ قال:
«إنّه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيباً يدل على معرفته ويشهد بقدرته، ووجوب عبادته، وأراهم العبر والآيات، والدلائل في أنفسهم وفي غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته ـ على الوجه الذي أراده اللّه تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ـ بمنزلة المقر المعترف وان لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ). وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهم جواب، ومثله قوله تعالى: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم وإنّما لما ظهر منهم ظهوراً لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ومثل هذا قولهم: «جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك».
ثم إنّ سيدنا الحجة شرف الدين ممن ذهب إلى هذا المذهب إذ قال رحمه اللّه:
«واذكر يا محمد للناس ما قد وثقوا اللّه عليه بلسان حالهم التكويني من الإيمان باللّه والشهادة له بالربوبية وذلك (إذ أخذ ربّك) أي حيث أخذ ربك جل سلطانه (من بني آدم) أي (من ظهورهم ذرّيتهم) فأخرجها من أصلاب آبائهم نطفاً، فجعلها في قرار مكين من أرحام أُمهاتهم ثم جعل النطف علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأ كلاً منهم خلقاً سوياً قوياً في أحسن تقويم سميعاً بصيراً ناطقاً عاقلاً مفكّراً مدبّراً عالماً عاملاً كاملاً ذا حواس ومشاعر وأعضاء أدهشت الحكماء، وذا مواهب عظيمة وبصائر نيرة تميّز بين الصحيح والفاسد والحسن والقبيح وتفرق بين الحق والباطل فيدرك بها آلاء اللّه في ملكوته وآيات صنعه جل وعلا في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... وبذلك وجب أن يكونوا على بيّنة قاطعة بربوبيته، مانعة عن الجحود بوحدانيته فكأنّه تبارك وتعالى إذ خلقهم على هذه الكيفية قررهم (وأشهدهم على أنفسهم)فقال لهم: (ألست بربكم)وكأنّهم (قالوا بلى شهدنا) على أنفسنا لك بالربوبية .. نزولاً على ما قد حكمت به عقولنا وجزمت به بصائرنا حيث ظهر لديها أمرك ... فلا إله إلاّ أنت خلقتنا من تراب ثم أخرجتنا من الأصلاب فلك الحمد إقراراً بربوبيتك ...
ثم يقول: هذا كلّه من مرامي الآية الكريمة، وإنّما جاءت على سبيل التمثيل والتصوير تقريباً للأذهان إلى الإيمان وتفنّناً في البيان والبرهان، وذلك ممّا تعلوا به البلاغة فتبلغ حد الإعجاز .. ألا ترى كيف جعل اللّه نفسه في هذه الآية بمنزلة المشهد لهم، على أنفسهم وجعلهم بسبب مشاهدتهم تلك الآيات وظهورها في أنفسهم بمنزلة المعترف الشاهد وإن لم يكن هناك شهادة وإشهاد .
وباب التمثيل واسع في كلام العرب ولا سيما في الكتاب والسنّة».
فهم يقولون: يحط الإنسان قدميه في هذه الدنيا، وهو ينطوي على سلسلة من الغرائز والاستعدادات، وسلسلة من الحاجات الطبيعية والفطرية إلى جانب سلسلة من المدركات العقلية.
فهو [أي الإنسان ] عند نزوله من صلب أبيه إلى رحم أُمّه، وعند انعقاد نطفته لا يكون أكثر من ذرة، ولكن هذه الذرة تنطوي على استعدادات وقابليات جديرة بالاهتمام .. ومن جملة تلكم الاستعدادات هي قابليته لمعرفة اللّه التي تنمو وتتكامل مع تكامل هذه الذرة وجنباً إلى جنب مع تكامل سائر استعداداته الأُخرى حتى تنتقل في الم آل من مرحلة «القوة» إلى مرحلة «الفعلية» والكمال.
وبعبارة أُخرى، فإنّ الإنسان يولد وقد أُودعت في كيانه «غريزة معرفة اللّه» والتوجه إلى ما وراء الطبيعة بشكل سر إلهي مزروع في أعماق البشر بحيث لو لم تنله يد خارجية لنمت غريزة «الميل إلى معرفة اللّه» في فؤاد الإنسان ولما انحرف عن جادة التوحيد مطلقاً إلى درجة أنّ علماء النفس اعتبروا «الشعور الديني» هذا أحد أبعاد الروح الإنسانية ووصفوه بمثل هذا البعد، إذ قال أحدهم في تعريف الإنسان بأنّه «حيوان ميتافيزيقي».
وفي الحقيقة أنّ هذا الشعور الديني الغريزي رسم في ضمير الإنسان بقلم التكوين على غرار بقية الغرائز والأحاسيس الموجودة في الإنسان وهي [ أي غريزة الشعور الديني ] تنمو وتنضج مع نمو الإنسان وتكامله.
وبعبارة ـ ثالثة ـ : فإنّ اللّه أخرج أبناء الإنسان من ظهور آبائهم إلى بطون أُمهاتهم وقد جعل تكوينهم بنحو خاص بحيث يعرفون ربهم دائماً، ويحسّون باحتياجهم إليه تعالى.
وعندما يحس الإنسان باحتياجه إلى اللّه، ويجد نفسه غارقاً في التوجه إليه سبحانه فساعتئذ يكون وكأنّه يقال له: ألست بربكم؟ فيقول البشر: بلى أنت ربي.
خلاصة القول: إنّ الإنسان خلق مؤمناً باللّه بمقتضى الفطرة الإلهية السليمة الموهوبة له، وسيظل بمعونة العقل الهادي إلى اللّه يبحث عن اللّه ويطلبه ويسأل عنه، ويظل يواصل هذه المسيرة ما لم يعقه عائق ولم يمنعه مانع.
وعلى هذا فإنّ الميثاق المذكور في الآية لم يكن ميثاقاً تشريعياً وعلى نحو الخطاب والجواب اللفظيين، بل هو ميثاق تكويني فطري، وجوابه ـ كذلك ـ تكويني فطري.
على أنّ مثل هذا النوع من الحوار والاستيثاق شائع جداً في القرآن الكريم وكذا في محاوراتنا اليومية.
ففي المثال يقال: إنّ اللّه أعطانا البصر وأخذ منّا الميثاق بأن لا نسقط في البئر . أو كما يقال: إنّ اللّه أعطانا العقل وأخذ منّا العهد بأن نميّز به الحق عن الباطل. ويقول القرآن الكريم حول السماوات والأرض: (فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهَاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ).
وهذا النوع من الكلام وتوجيه الخطاب إلى السماوات والأرض الفاقدة للشعور والإدراك والعقل ليس إلاّ عن طريق التكوين .. فيكون معنى هذه الآية هو أنّ السماء والأرض خاضعتين ـ تكوينياً ـ لمشيئة اللّه وإرادته، وأنّهما تجريان وفق سننه التي شاءها لهما. ونقل من بعض بلغاء العرب وخطبائهم مقال من هذا القبيل إذ قال: «سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك، وأينع ثمارك، فإن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً».
ولهذا الرأي شاهد قرآني وحديثي:
أمّا الشاهد القرآني فهو قوله سبحانه : (فطرة اللّه التي فطر الناس) الذي يمكن أن يكون مبيناً لهذه الآية .
وغاية التفاوت ما بين الآيتين هي: أنّ آية (فطرة اللّه) تقول بإجمال: أنّ الشعور الديني عجن بفطرة البشر وخلقته من دون أن تعين الآية زماناً، في حين أنّ الآية ـ المبحوثة هنا ـ تتحدث عن تحقّق هذا السر الإلهي في كيان الإنسان في بدء تكوينه وظهوره، أي أنّ الإنسان كان ينطوي فطرياً وتكوينياً على هذا السر الإلهي
منذ أن كان موجوداً ذرياً صغيراً في رحم أُمّه .. وكأنّ أوّل خلية إنسانية تستقر في رحم الأُم تنطوي على هذه الوديعة الإلهية وهي «غريزة الميل والانجذاب إلى اللّه».
وإذا أردنا أن نتحدث عن ذلك بلغة العلوم الطبيعية لزم أن نقول:
إنّ جينات الخلية لدى كل إنسان تحمل بين جوانحها هذه الخاصية الروحية، وإنّ هذه الخاصية تنمو وتتكامل مع تكامل الخلية ونموها.
هذا مضافاً إلى أنّ هذه النظرية تنطبق مع ما جاء في حديث معتبر السند من أنّ عبد اللّه بن سنان يقول سألت أبا عبد اللّه ـ الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، عمّا هو المقصود من الفطرة؟ فقال:
«هي الإسلام فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد ، قال: ألست بربكم و فيه المؤمن والكافر».
وإنّ للشريف الرضي كلاماً لعله يشير إلى أنّه اختار هذه النظرية إذ قال:
«إنّه تعالى لما خلقهم وركبهم تركيباً يدل على معرفته ويشهد بقدرته، ووجوب عبادته، وأراهم العبر والآيات، والدلائل في أنفسهم وفي غيرهم كان بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم وكانوا في مشاهدة ذلك ومعرفته ـ على الوجه الذي أراده اللّه تعالى وتعذر امتناعهم منه وانفكاكهم من دلالته ـ بمنزلة المقر المعترف وان لم يكن هناك إشهاد ولا اعتراف على الحقيقة، ويجري ذلك مجرى قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ). وإن لم يكن منه تعالى قول على الحقيقة ولا منهم جواب، ومثله قوله تعالى: (شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) ونحن نعلم أنّ الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم وإنّما لما ظهر منهم ظهوراً لا يتمكنون من دفعه كانوا بمنزلة المعترفين به ومثل هذا قولهم: «جوارحي تشهد بنعمتك وحالي معترفة بإحسانك».
ثم إنّ سيدنا الحجة شرف الدين ممن ذهب إلى هذا المذهب إذ قال رحمه اللّه:
«واذكر يا محمد للناس ما قد وثقوا اللّه عليه بلسان حالهم التكويني من الإيمان باللّه والشهادة له بالربوبية وذلك (إذ أخذ ربّك) أي حيث أخذ ربك جل سلطانه (من بني آدم) أي (من ظهورهم ذرّيتهم) فأخرجها من أصلاب آبائهم نطفاً، فجعلها في قرار مكين من أرحام أُمهاتهم ثم جعل النطف علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ثم كسا العظام لحماً ثم أنشأ كلاً منهم خلقاً سوياً قوياً في أحسن تقويم سميعاً بصيراً ناطقاً عاقلاً مفكّراً مدبّراً عالماً عاملاً كاملاً ذا حواس ومشاعر وأعضاء أدهشت الحكماء، وذا مواهب عظيمة وبصائر نيرة تميّز بين الصحيح والفاسد والحسن والقبيح وتفرق بين الحق والباطل فيدرك بها آلاء اللّه في ملكوته وآيات صنعه جل وعلا في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ... وبذلك وجب أن يكونوا على بيّنة قاطعة بربوبيته، مانعة عن الجحود بوحدانيته فكأنّه تبارك وتعالى إذ خلقهم على هذه الكيفية قررهم (وأشهدهم على أنفسهم)فقال لهم: (ألست بربكم)وكأنّهم (قالوا بلى شهدنا) على أنفسنا لك بالربوبية .. نزولاً على ما قد حكمت به عقولنا وجزمت به بصائرنا حيث ظهر لديها أمرك ... فلا إله إلاّ أنت خلقتنا من تراب ثم أخرجتنا من الأصلاب فلك الحمد إقراراً بربوبيتك ...
ثم يقول: هذا كلّه من مرامي الآية الكريمة، وإنّما جاءت على سبيل التمثيل والتصوير تقريباً للأذهان إلى الإيمان وتفنّناً في البيان والبرهان، وذلك ممّا تعلوا به البلاغة فتبلغ حد الإعجاز .. ألا ترى كيف جعل اللّه نفسه في هذه الآية بمنزلة المشهد لهم، على أنفسهم وجعلهم بسبب مشاهدتهم تلك الآيات وظهورها في أنفسهم بمنزلة المعترف الشاهد وإن لم يكن هناك شهادة وإشهاد .
وباب التمثيل واسع في كلام العرب ولا سيما في الكتاب والسنّة».
