بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
صلاحيات الولي الفقيه
ومن هذا البيان كله نستطيع الآن أن نحدد صلاحيات الولي الفقيه أو الحاكم الشرعي على مذاق سيدنا الشهيد السعيد (رضوان الله عليه) وهو الصحيح، وهي:
الأولى: هو المطبّق للأحكام الشرعية مطلقاً سواءٌ أكانت من الأحكام الخاصة أم العامة لدلالة قوله (عليه السلام): (فإذا حكم بحكمنا) وهو حكم الله سبحانه وتعالى.
الثانية: هو المفتي العام وتكون فتواه هي القانون لو كان هو أعلم الأحياء ويجب تقليده لو تصدى لذلك وأمر الناس بالرجوع اليه، وقد بيّنا ذلك في بداية هذا الشرح الشريف.
الثالثة: له حق ممارسة القضاء الشرعي وتطبيق نتائجه وتطبيق حدوده الشرعية وعقوباته وأخذ الحقوق، ودليله واضح بعد التمسك بصحيحة عمر بن حنظلة بعد تصحيح سندها ودلالتها، لأن من يقوم بالقضاء لازمه ان يقوم بالتطبيق والتنفيذ صوناً لكلام الشارع من العبثية واللغوية، بل لا معنى للقضاء من دون التطبيق وهذا هو المطابق للإرتكاز المتشرعي وللتباني العقلائي العام، وهو الموافق للسيرة القطعية لمن مارس القضاء من ائمتنا (عليهم السلام) وهي تمثّل سنة قطعية.
الرابعة: له حق الإشراف على جميع المصالح العامة الموكولة اليه شرعاً وتطبيقها في ساحة الفراغ كبناء المؤسسات الدينية والإجتماعية وإدارة الحوزات العلمية ونحوها، بدلالة جعل الولاية له ليملأ الفراغ الموكول اليه شرعاً، بدلالة قوله (عليه السلام): (إنظروا الى رجل منكم عرف حلالنا وحرامنا) وما ورد بهذا المضمون.
الخامسة: له الولاية على الآخرين ولكن لا على نحو الاطلاق بل في حدود ما دل عليه الدليل الشرعي وهي:
أ- الولاية على الممتنع وهو الخصم الممتنع عن أداء الحق كالمديون الممتنع عن أداء دينه، والزوج الممتنع عن نفقة زوجته ونحو ذلك ومعنى ولايته أي يجوز له أن يأخذ من أموال هؤلاء بالإجبار ويعطيها لمستحقيها.
ب- الولاية على الغائب وهو الذي لا وجود له في البلد ولا يمكن استقدامه معجلاً، فيحق للفقيه أن يأخذ من اموال الغائب ليسدّ بها أداء الحقوق المترتبة عليه.
ج- الولاية على من لا ولي له وهو الشخص القاصر المحتاج الى الولاية عليه وادارة شؤونه كالطفل والمجنون الذي لا ولي ولا وصي لهما.
السادسة: له حق الولاية الحسبية العامة وهي الولاية على ما يكون خالياً من الولاية وتعلقت بها المصلحة العامة كالولاية على الاوقاف وعلى القاصرين والأيتام والمجانين وبناء المؤسسات الاجتماعية العامة، والدليل على ذلك هو عموم دليل عدول المؤمنين والفقيه هو أعلاهم وأرفعهم إن لم نقل بالولاية العامة.
السابعة: له الولاية على كل الاموال العامة قبضاً وصرفاً سواءٌ أكان منسوباً للامام (عليه السلام) كحق الامام والأنفال وميراث من لا وارث له، أم كان منسوب لغيره كالزكاة وحق السادة من الخمس والخراج وسائر الكفارات وموارد النذور.
اما قبض وصرف أموال الامام (عليه السلام) فنقول:
إن هذه الاموال هي ليست ملكاً شخصياً للامام (عليه السلام) كما هو الصحيح، ولكنه الولي الفعلي عليها وهو المتصرف شرعا بها ولم تنتقل الولاية منه الى غيره إلاّ إذا قلنا بالولاية العامة للفقيه، فلا يجوز التصرف فيها الاّ بما يُحرز رضا الامام (عليه السلام) فالتصرف هنا لابد أن يكون في حدود اذن الولي على المال.
واما وجوب دفع هذه الاموال للفقيه أو تعيّن صرفها من قبل الفقيه أو بإذنه فان قلنا بالولاية المطلقة للفقية فاتجه الكلام حينئذ، وإن لم نقل بها فلا يوجد أي دليل على وجوب دفعها اليه، ولا يختلف الفقيه في ذلك عن غيره من المكلفين الذي يقع مال الامام تحت يده، فان كل أحد ومنهم الفقيه يتصرف فيه بما يحرز رضا صاحب المال،
نعم: يبقى الدليل على وجوب التصرف فيها من قبل الفقيه بما اثبتناه من نحو من أنحاء الولاية بصحيحة عمر بن حنظلة المتقدمة.
واما الأموال العامة كحق السادة والزكاة، فان قلنا بالولاية العامة فلابد من اطاعة الفقيه لو طلب المال ودفعها اليه أو الى وكيله، ولكن المكلف إذا أعطاها من دون اذن الفقيه فقد عصى ولكنه بريئ الذمة من العمل ولا يجب عليه التعويض نعم إذا لم يطلبها الفقيه جاز للمكلف أن يعطيها الى مستحقيها مطلقاً قلنا بالولاية أم لم نقل، وإن لم نقل بالولاية العامة فالأمر سهل، ويجوز التصرف فيها مطلقاً وإيصاله الى مستحقيه حاله حال أي مال له مستحق بيد شخص آخر.
الثامنة: له الولاية على الموارد العامة الخالية من الأولياء الشرعيين كالمساجد القديمة والاوقاف والمشاهد المشرفة والعتبات المقدسة بل وجميع المزارات، ودليلها واضح فهي من الأمور الحسبية.
التاسعة: له الحق أن يأمر بالجهاد للدفاع عن بيضة الإسلام وبالإعلان عن الحرب المقدسة، وهذا لا يحتاج الى دليل خاص أو عام لأنه مع الخوف على بيضة الاسلام من الاعداء فهناك وجوب كفائي بالضرورة على كل مستطيع للحرب والجهاد أن يتصدى له، وهذا عام شامل للفقيه ولغيره.
العاشرة: له الولاية العامة على الأموال مجهولة المالك قبضاً وتصرّفاً، فان قلنا يثبوت الولاية العامة فلا اشكال، وان لم نقل بها فلا يوجد دليل صالح للتصرف فيها من قبل الفقيه لأنها غير مشمولة بأدلة عدول المؤمنين، لأنه لا ولاية لهم على هذه الاموال، فلا مصحح لها الاّ القول بالولاية العامة.
وهذه الصلاحيات هي الحقيقية للحاكم الشرعي سواءٌ أكان دليلها هو دليل الولاية العامة أم دليلاً أخص منه، وهي كلها تحت تصرّفه اما مباشرة بنفسه أو بوكيله أو بإيعاز منه الى الغير للقيام بها كلياً أو جزئياً ما عدا الفتوى فانها لا تكون لا بالوكالة ولا بالإيعاز، بل بالمباشرة بنفسه، والحمد لله أولا وآخراً
(فاضل البديري 21صفر1433هـ)