إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رحله البقاء الجزء الثالث عشر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رحله البقاء الجزء الثالث عشر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال سعيد: كانت الصلاة أول عقبات الطريق ، وقد مكثت ُ في محطاتها عددا من السنين حتى تم تحميلي بكل ماقصّرتُ بحقها ، كما أن صورة صلاتي الحقّة قد تجسمت وحضرت لتزيل عني بعض أشواك طريق اقتحامها ، وألقت باللوم علي أن لم أراعي أدائها في أوقاتها ، ولم أستحي من ربي حين الوقوف بين يديه فيها ، إذ كان فكري يهرب منه هنا وهناك !
    قلت للصلاة : كلما أحاول أن يبقى تفكيري في الصلاة ، أشعر أن الفكر قد ذهب إلى أمر من أمور الدنيا ، تاركا بدني يقيم الصلاة وحده ، دون حضور القلب معه .
    أجابتني الصلاة وقد أنكرت علي كلامي ، وأبطلت حجّتي : إن القلب إذا تعلق بشئ أَحبه ، يكون ذلك المحبوب قبلة لتوجه فكره حيثما كان ، وأنت ياسعيد ....
    قاطعها سعيد قائلا: إن محبوبي لم يكن سوى الله .
    قالت الصلاة : من أحب الله لم يتركه وهو في حضرته وبين يديه ، أليس كذلك؟
    قال سعيد : ماذا بوسعي أن أقول لها؟ لزمتُ الصمت ، ولم أجبها بشئ .
    قالت : كان حبك للدنيا أكبر من حبك لله وقد أنكرت على نفسك ذلك .
    كما قالت : كنتَ إذا حان وقت الصلاة وكبّرتَ تكبيرة الاحرام مستنفراً كل قواك لأن تكون مع الله، سرعان ما يطير قلبك إلى حب الدنيا ، لتتعلق بها مرة أخرى .
    وصلاتك هذه لم تقربك من مقام الحق تعالى،(( مستدرك الوسائل ج3 ص59، عن النبي (صلى الله عليه واله): إن من الصلاة لما يقبل نصفها، وثلثها وربعها وخمسها إلى العشر، وإن منها لما يُلف كما يُلف الثوب الخلق، فيُضرَب بها وجه صاحبها، وإنما لك من صلاتك ما أقبلتَ عليه بقلبك ))
    ولم تُزيل عن قلبك الظلُمة والكُدورة التي كُنتَ تشكو منها.
    قال سعيد: توقفتْ قليلا لتعطيني فرصة التعليق على كلامها،
    فسألتها: إذن سبب فرار الفكر في الصلاة هو التعلق بالدنيا؟
    قالت الصلاة: نعم.
    قال سعيد: وماذا كان بوسعي أن أعمل كي أتخلص من حالةٍ كهذه.
    قالت الصلاة: كان عليك أن تخلع شجرة حب الدنيا بجذورها من قلبك، بالتفكر والتدبر في حقارتها، وزوالها مقابل عظمة الآخرة وأبديتها، وكان عليك أن تعرف الله، وتستحضر عظمة من تقف بين يديه، وحقارة شأنك أمامه، وكلما ازددت معرفة بالله ازددت حباً له وتوجهاً إليه وتعلقاً به، أما علِمتَ أن أول الدين معرفة الله، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده.
    قال سعيد: كان عملي الصالح يصاحبني أحيانا ويرافقني أخرى، وذات مره سألته عن عقبة مساعدة الفقراء والمساكين
    فتعجب من سؤالي وقال: ما الذي يذكرك بهذه العقبة؟
    قال سعيد: إني لم أحصي جميع العقبات، بل الكثير منها كنت غافلا عنها ولكن عقبة مساعدة الفقراء والمساكين ذُكرت في القرآن الكريم بقوله تعالى ((فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ))سوره البلد ما إن انتهيتُ من تلاوة الآية حتى قال العمل الصالح: لو تمعنت في هذه الآية، لرأيت أنها لم تُذكر فقط عقبة مساعدة الفقراء بل ذُكِرتْ عقبات أخرى كرعاية اليتيم وأداء حقوقه ابتداءً من ذوي الأرحام وانتهاءً بعموم يتامى المجتمع والأخرى مساعدة الفقراء والمساكين وسد حاجاتهم من الطعام وغيره، ثم ذُكِرت عقبة
    الايمان، والصبر، والرأفة بالناس، حيث قوله تعالى ((ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ))سوره البلد قال سعيد: عَلِمتُ أن العقبة القادمة هي عقبة صلة الرحم، فاستحضرت علاقتي بأقربائي وأهل بيتي،
    وقلتُ لعملي الصالح: إنني كنتُ أصل رحمي، وأتفقد القريب والبعيد منهم وأساعد المحتاج منهم وأرشد من يلزم الرشاد.
    قال سعيد: كنتُ لا أبخل عن مد يد العون إلى أي شخص يطلبها مني.........
    قاطعه العمل الصالح بقوله: إذا كنت كذلك فلماذا أراكَ قد اصطحبت الخوف معك، فهل كان يُخالط أعمالك رياء، وحبّ سمعة بينهم؟
    قال سعيد: الله يشهد أني كنتُ مراقباً لنفسي في كل أعمالي، كنتُ أحادث نفسي وأُصارعها، وفي آخر المطاف أُقنعها بأن الفضل أولا وآخرا لله تعالى، فهو المتفضل عليّ برزقه وهو الذي أعطاني العافية بالجوارح لعيادتهم وتفقدهم، وهو الذي وهبني العزة والكرامة بينهم، فأي فضل لي عليهم؟
    قال العمل الصالح: إذن لم تخبرني عن أي شيء يُخيفك في تجاوز واقتحام هذه العقبة.
    أكملنا جميع متطلبات العبور واقتربنا من الخروج منها و .....
    يا إلهي ماذا أرى؟!
    عندما قال سعيد : ياإلهي ماذا أرى؟! إني أرى والدتي ، هي بعينها !
    اقتربت منها أكثر فرأيتها
    جالسة تبكي ، قد بدا عليها أثر إرهاق وألم شديدين .
    ناديتها باسمها فالتفتتْ نحوي ، وفوجئتْ واضطربتْ كثيرا حينما رأتني واقفا أمامها
    أحسست أن الخجل والحياء الشديدين قد خالجاها وقد ترددتْ في جوابي
    فناديتها مرة أخرى : أماه أنا سعيد ، ابنكِ في الدنيا ، هل تعرفيني ؟
    رفعتْ رأسها ، وأجابتني بصوت ضعيف : كيف لاأعرفك ياسعيد
    : أراكِ شاحبة الوجه ، سيئة الحال، فما الذي حدث ؟
    تحسرتْ ، وجرت دمعتها من عينيها، وقالت : أتذكر خالتك ياسعيد ؟
    نعم أذكرها ، أعلم أنكِ لمدة يسيرة كنتِ لاتتحدثين معها .
    ارتفع بكائها ، وقالت : ليتني ماقطعت علاقتي معها وهي أختي ، ليتني ماأصغيت للشيطان الذي كان يمنعني من الوصول إليها ، ليتني قبّلت ُ قدميها بدلا عن الإعراض عنها حينما أتتني إلى منزلي تريد المصالحة ، وتحذّرني من عواقب الآخرة
    صمتت قليلا، ثم عادت تقول والحسرة تحرقها ، والندامة تكاد تميتها لولا خلود الحياة في عالم القيامة
    : ليتني أصغيتُ لكلامها ياسعيد يوم أخذتَ بيدي تجرها وتقول لنذهب إلى بيت خالتي نصالحها ، ونزيل الكدورة بينكِ وبينها ). آه ... ليتني سحقتُ تكبّري ، وذهبتُ معك يوم ذاك وقبّلتُ قدميها قبل يديها.
    كنت أعلم أن تأنيبها لنفسها هذا لايزيدها إلا عذابا فوق عذابها ولكن ماذا عساي أن افعل لها. ابتعدت عنها ، وتركتها تتلوى ألما ، وراحت تجر بشعرها ، وتقطّعه ، وتنادي
    : لاتتركني ياسعيد ، أنا أمك، ألستُ أنا التي تحملتُ العناء من أجلك ، وسهرتُ الليالي في رعايتك ؟
    قال سعيد: تألمت من كلامها ، وعدتُ إليها لأقول لها: أماه ، إن كل إنسان هنا رهين عمله .قال تعالى ((كل نفس بما كسبت رهينه ))، وأنا هنا رهين عملي لا أتمكن من التقدم خطوة واحدة إلا إذا كانت أعمالي وملكاتي تؤهلني لذلك، ولكن لعلي أتمكن من الشفاعة لك في المواقف الأخيرة إن كانت درجتي آنذاك تسمح لي ، ودرجتكِ تجيز لكِ استقبالها.
    غادرتها هذه المرة دون عودة ، وابتعدت عنها رغم سماعي لصراخها وندائها لي .
    خرجت من عقبة صلة الرحم ، ودخلت في عقبة المسؤولية ، دخلت فيها ولامناص من الدخول ، ولامجال للفرار منها....
    تلقتني ملائكة الغضب بأشكالها المخيفة المرعبة وهيئتها الموحشة! فأصابني خوف عظيم منهم ، وأصبح بدني يرتجف لرؤيتهم ، ويرتعش كلما نظرتُ إليهم .
    ضربني أحدهم بسوطه فوقعت أرضا ، وانشل بدني عن الحركة ، نظرتُ لما حولي أبحث عن عملي فلم أجده ، بل رأيتُ آلاف من الخلق قد سقطوا أرضا ، وحال بعضهم مثل حالي ، والكثير منهم أسوء مني . وبجهد جاهد ، رفعت رأسي لعلي أجد من يسعفني ويترحم على حالي ، ولكني رأيت شخصا قبيحا ، أسود اللون من أعلاه لأسفله ، قائم الشعر مكشرا ، قد برزت أنيابه الصفراء ، ونزلت إلى نصف بدنه ، وهو ينظر إلي ويقهقه بصوت عالي ، وما أن رفعت رأسي ، واستقر في مكانه حتى لطمه برجله ، ولم يكتفي بذلك بل راح يضغط على وجهي ويسحقه
    ويقول: هل ظننتَ أنك لاتقع في مخالبي مرة أخرى، أين عملك الصالح لينجيك ؟ لقد هرب ولاترى له أثرا ، وبقيتَ وحيدا في قبضتي .
    ماكان لدي القدرة على الكلام معه كي أسأله من يكون، ولكني ظننتُ أنه خلاصة أعمالي السيئة ، وقد كان كما ظننت .
    قال لي مستهزئا: كانت تأخذك نشوة الرئاسة عندما يقال لكَ مدير مشاريع، وتفرح كثيراً بهذا الأسم ، وتحس بالعلو على غيرك ممن دونك في المسؤولية والوظيفة.
    أحسست بزيادة ضرب الأقدام على وجهي وصدري ، ولاأعلم أين ذهب ملائكة الغضب ، إذ لم أعد أسمع لهم صوتا ، ولاأحس لهم أثرا ، وأصبحتُ عاجزاً تماماً عن أداء أي شئ، حتى عن رؤيتهم والتكلم معهم......
    مضت فترة طويلة وأنا بهذه الحالة ، حتى أتى الوقت الذي أحسستُ فيه بأن شخصاً ما يجرني ، وجهتُ نظري نحوه وإذا بهم ملائكة الغضب قد عادوا ،
    : فسألتهم عما يريدون فعله بي،
    :فجاء الجواب أنه يُراد بي إلى غرفة المحاسبة التي كثيرا مادخلتها في العقبات السابقة .
    دخلتُ غرفة المحاسبة وقد حضر الجميع من متهم ، وشهود ، وقضاة، ومحامين ......
    محكمة الآخرة لاتتصوروها كمحكمة عالم الدنيا في مصاديقها ، بل في مفاهيمها فقط، فالمتهم أنا، ولكن ليس كمتهمي محاكم الدنيا ، إذ كل سمات بدني تشير إلى تهمتي ،
    والشهود ليس كشهود الدنيا يُحتمل فيهم الصدق والكذب ، بل لامجال للكذب والخداع هنا ،
    ونفس أعضاء بدني تشهد ، والأرض تشهد ، والملكان المرافقان لي في الدنيا على يميني وعلى يساري يشهدان ، وقادة الأمة يشهدون من الأئمة والأولياء .
    أما المحامين فهم أعمالي الصالحة وملكاتي الحسنة !
    أما القضاة فهم من الملائكة الذين لايأخذون رشوة ، ولاتؤثر فيهم قرابة أو صداقة ، وهم موكّلون من الله تعالى الحاكم المطلق الذي هو شاهد على أعمال الخلائق ، بل على خواطر أفكارهم ، وهمسات قلوبهم ونياتهم ، قبل أن يشاهد الشهود ما وقع.
    عرض القاضي علي كثيرا مما قصرتُ به في مسؤولياتي تجاه عائلتي والمجتمع الذي كنت فيه ، وحسبت على ذلك حسابا دقيقا ،
    حتى وصل المطاف بنا إلى فترة تحمّلتُ فيها مسؤولية إدارة قسم المشاريع في الشركة التي كنتُ أعمل فيها ، وليتني ماتحملتها ولاقبلتُها .

    ماذا سأل القاضي سعيد في محكمة الآخرة ؟ وماذا أجاب سعيد ؟ أخذ القاضي بطرح الأسئلة الدقيقة التي لم تترك منها صغيرة ولا كبيرة ، وبدأت الأسئلة

    قال سعيد : سألني القاضي عن سبب قبولي في إدارة المشاريع في الشركة عند سفر مديرها لمدة شهرين
    أجبته: لقد أصر المدير علي كثيرا على قبول طلبه وعدم رفضه ، لأنه لم يجد رجلا نزيها يعتمد عليه ، فاستحييت منه ولم ارفض طلبه.
    القاضي : ماشعورك بهذا الأمر هل هو تقربا إلى الله ، ام لبروز نشوة حب الرئاسة لديك ؟
    قال سعيد: لم أجبه .
    فأذن القاضي لأحد الملكين اللذين كانا يرافقاني قي الدنيا ، فقال الملك الأول بعد أن توجه نحوي
    : نحن الملكان اللذان كنا معك في الدنيا حيثما كنتَ، أحدنا على يمينك ، والآخر على يسارك ، نراقب أعمالك ، ونسجّل خواطرك، ولايفوتنا شئ عنك، نحن الذين قال الله عنا(( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد مايلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )) سوره ق قال سعيد: سبحان الله ، كيف يخفى على الله شئ وأنتما ترافقاني في الدنيا اينما ذهبت و خلوت .
    أجاب الملك الآخر : الله لا يخفى عليه شئ في السماوات ولا في الأرض ، سواء كنا معك ام لم نكن فهو يعلم ما في نفسي ونفسك ، وقد محى عنك الكثير مما ثبتناه عليك من الذنوب والخطايا ، وأنسانا إياها لأنك تبتَ منها إذ سترها عليك في دار الدنيا وفي الآخرة ، ولايعلم بها الآن أحد غيره .
    إذن فما وجه مرافقتكما لي مع ان الله يعلم كل شئ بدونكما؟
    أجاب الملك : إن الله أراد أن نكون عليك حجة وشهودا على أعمالك ونياتك .
    قال سعيد أخذتني العبرة ، وسالت دموعي أسفا على معصيتي لربي ، ربي الذي ستر علي عيوبي وذنوبي التي تبتُ منها ، وكم كان يناديني في القرآن ، ويدعوني في التوبة ، ويوعدني بالغفران والجنان ، وسِتر الذنوب ، وتبديل السيئات حسنات .... لقد صدق ربي وعده ولم يخلفه.
    طلب القاضي من الرقيب الاستمرار في حديثه
    قال الرقيب : لقد استحضر سعيد ذكر الله تعالى في قلبه ، لكنه تخيل نفسه يجلس خلف طاولة الإدارة والمهندسون حوله فأحس بسعادة ورغبة فيما تخيله ، وهذا الذي دفعه لقبول المنصب .
    توجه القاضي للملك الآخر، وسأله : هل كان لديه أيضا لحظة القبول قصد إصلاح وضع المشاريع ، والحد من السرقات والفساد فيها؟
    : نعم كان في قلبه ذلك أيضا.
    القاضي: وماكانت غايته وراء قصده هذا؟ هل كان قصد إصلاح المشاريع خالصا لله وطلبا للآخرة ، أم كان لأجل أن يقال له أنه مهندس نزيه مخلص ؟ أم لأجل أن يرضى عليه مدير شركته ؟
    كنت مندهشا من دقة السؤال والجواب الذي يدور بين القاضي والملك الرقيب الذي أجابه بقوله
    : كانت نسبة إخلاصه لله في لحظة الموافقة 71، اختلط معها حب الرئاسة بدرجة 42، وحب السمعة بدرجة15 وإرضاء مدير شركته بدرجة 31.
    قال القاضي وهل كانت هناك نيات أخرى في قلبه؟
    أجاب الملك سريعا: نعم كان لديه طموح في زيادة راتبه أيضا.
    القاضي : وكم كانت درجة هذه النية لديه؟
    الملك: أحد عشر درجة.
    لم أكن أفهم مايقصدوه من هذه الأرقام والدرجات ، وكنت مبهورا من دقة الأسئلة وتشعبها،
    وقلت في نفسي : الويل لي ، هذه المحاكمة كلها عن قبولي على موافقة تحمل المسؤولية ، فكيف سيكون الحساب على ساعات وأيام مابعد تولي هذه المسؤولية؟!
    عاد القاضي يسأل اذ توجه نحوي وسألني عن هدفي من زيادة راتبي وأين صرفتها وكيف كنت أدير المشاريع ، وكيف اتعامل مع المهندسين والعمال وغيرهم، ومن قبيل حالات التكبر التي كانت تراودني
    وسألني عن الأموال هل صرفت في موردها الصحيح ، وهل تم إعطاء العمال والمقاولين حقوقهم بصورة عادلة ، وفي كل ذلك كان هناك شهود على الأفعال ، إذ شهدت الأرض على بعضها ، وفي الأخرى ختم على فمي ، ونطقت أعضاء بدني لتقول الذي تماهلت ُ عن أدائه في الدنيا، ولم أعطه تمام حقه.
    وأخيرا وبعد جهد جاهد ، وعناء كبير ، ومدة طويلة دامت سنين وسنين من الألم والحرقة ، تجاوزتُ عقبة المسؤولية ، وسُجّلت لي نتيجتها الأخيرة لتضاف الى العقبات السابقة واللاحقة ، إذ على ضوء مجموعها سيكون الحكم النهائي ، وتحديد مصير كل إنسان أهو للجنة والنعيم ، أم للنار والعذاب الأليم ....
    انتهت العقبات وماكادت ان تنتهي لولا أعمالي الصالحة. وملكاتي الحسنة التي كنتُ استغيثُ بها عند كل شدة وبلاء .
    أخبروني أن نتيجة كل هذه العقبات سوف تكون في آخرها ، ولكني لا أرى شيئا يدل عليها ،
    ترى أين أجدها ؟ سألت أحد الملائكة عن هذا الأمر
    فقال ((اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا))سوره الاسراء قلت له متسائلا: إنني لا أرى كتابا حتى أقرأه ، فأين هو ؟
    قال الملك : إن نفسك هي كتاب أعمالك ، كما إنها سوف تظهر حين عبورك الصراط الذي يمر في وسط جهنم ، وأنت الآن على مشارفه ، ولايتخلف أي إنسان عن عبوره ، حتى الأولياء والمؤمنين ، فضلا عن الكافرين والفاسقين ، من كان مصيره الجنة يسلكه دون السقوط في الهاوية ، وأما من كان مصيره النار فسوف يقع ويمكث فيها.
    التفت إلى عملي الصالح بعدما أصابتني رجفة وخوف عظيم، ورحت أنظر إليه قلقا مضطربا فقال ((وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا )) سوره مريم عظم خوفي واضطرابي ، وأمسكت بعملي الصالح ملتمسا إياه أن لايتركني وحدي ، فإني أرى الصراط حاد كالسيف ، وأرى جهنم سوداء مظلمة تحته .

    ماذا حدث لسعيد عندما شاهد الصراط المستقيم ؟؟

    عندما شاهد سعيد الصراط المستقيم قال:كنت أُشاهد العديد قد ركبوه بأمل العبور إلى الضفه الأخرى، ولكن انحرفوا عنه ، وسقطوا في جهنم التي كانت تلتهم كل من يسقط فيها، فتأكله نارها ، وتغمره ظلمتها، حتى لا نرى له اثراً إلا صراخه وعويله ،
    وبين فترةٍ وأخرى ينادي المنادي لجهنم
    ((هل امتلأتِ)) فتجيب وتقول)) هل من مزيد))(( يوم نقول لجهنم هل امتلأتِ وتقول هل من مزيد)) سوره ق
    في مقابل ذلك كنت اشاهد ايضاً أناس تمكنوا من العبور الى الضفة الاخرى، ولم يزلوا عن الصراط، رغم تفاوت فترات عبورهم وصعوبة نجاتهم ، فكان البعض تلفحه النار بعد مساسها له ، وهم على الصراط وبعضهم من احترق اطرافهم فيصرخون، وبعض من يعبر الصراط بسرعة فلا يحس بتاتاً بحرارة ما تحته...
    وهكذا كان الحال لمن سبقوني ، اذ كل حسب عمله ودرجته التي خرج بها من الحساب.
    تملكني الخوف والقلق العظيم الذي احاط بي ، فجلست ابكي بكاءً شديداً، ورفعت يدي متضرعاً الى الله ، داعياً إياه
    :"ربي ها انا ذا بين يديك خاضعٌ ذليل، إن تعذبني فإني لذلك أهل و هو يا ربِ منك عدلٌ، وإن تعفو عني فقديماً شملني عفوك ، وألبستَني عافيتك ، فأسألك اللهم بالمخزون من اسمائك ، وبما وارته الحجب من بهائك ، الا رحمْتَ هذه النفس الجزوعة، التي لا تستطيع حرَّ شمسك فكيف تستطيع حر نارك، والتي لا تستطيع صوت رعدك فكيف تستطيع صوت غضبك" .
    قال سعيد : جاءني النداء من العلي الأعلى فكان معناه : "أي عبدي، إني خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلي ، بمشيأتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت انت الذي تريد لنفسك ما تريد ، وبظل نعمتي عليك قويت على معصيتي ، وبسوءِ ظنك بي قنطت من رحمتي، لم أدع تحذيرك ولم اكلفك فوق طاقتك ، ولم احملك من الأمانة إلا ما قدرت عليه ".
    ارتفع بكائي بعد سماعي خطاب الجليل لي ، فناديته معترفاً بكل ما اقترفته من المعاصي والذنوب أن يا ربي
    : "أنا الصغير الذي ربيته، وأنا الجاهل الذي علمته، وأنا الضال الذي هديته، وأنا الوضيع الذي رفعته، وأنا الخائف الذي آمنته... أنا ياربي الذي لم استحيك في الخلاء ، ولم أراقبك في الملاء ، أنا صاحب الدواعي العظمى ، أنا الذي على سيده أجترى ، أنا الذي عصيت جبار السماء ، أنا الذي أعطيت على معاصي الجليل الرشا ،أنا الذي حين بشرت بها خرجت إليها أسعى ، أنا الذي أمهلتني
    فما ارعويت، وسترت علي فما استحييت، وعملت بالمعاصي فتعديت، وأسقطتني من عينك فما باليت".
    جاءني النداء مرة اخرى : عبدي ماذا تريد مني ؟
    : أي ربي أنت تعلم ما في نفسي ولا أعلم مافي نفسك ، أريد النجاة من النار.
    تأخر الجواب هذه المرة من العلي الأعلى ، فخشيت أن يكون قد أعرض بوجهه الكريم عني ، فناديته
    : " إلهي لم اعصك حين عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد، ولا بأمرك مستخف ، ولا لعقوبتك متعرض ، ولا لوعيدك متهاون ، لكن خطيئة عرضت وسوَّلت لي نفسي، وغلبني هواي وأعانني عليها شقوتي ، وغرني سترك المرخى علي ".
    ما أن اكملت مناجاتي حتى اطرق وجودي كله جواب الملك القدوس
    : "إني اكرمت اوليائي بأن اعطيتهم مقام الشفاعة لخلفي ، فالتمس شفعاتهم، وأنا أشفع الشافعين".
    قم من مقامي بسم الله الرحمن الرحيم، متوكلاً على الحي القيوم ، ملتمساً النجاة بحبي واتباع للنبي وآله، فخطوت خطوة بعد خطوة نحو الصراط، واخذت عملي الصالح بأن اعمالي وملكاتي أوصلتني لهذا المقام والدرجة، وإني سأمضي أملا من شفاعة محمد وآله ، ولا اظن أنهم يبخلون بشفاعتهم لي ، لأني ما برحت أمشي على هداهم في الدنيا، واخطو خطاهم ، وما خلى قلبي من حبّهم.
    تقدمت لأضع القدم الأولى على الصراط، فسمعت نداءا من عملي الصالح ينادي باسمي ،
    ويقول :سعيد، احذر أعمالك السيئة أن تزلك على الصراط، فتقع في هاوية العذاب .
    إلتفت إليه و أجبته: إن شاء الله.
    قال سعيد : عزمت على المضيُ،
    فسمعته ينادي مرة أخرى: سعيد ، لا تخدعك المظاهر، وانظر إلى حقائق الأمور ، ولا تغرنك الدنيا بمغرياتها وزينتها.
    استغربت من كلامه، فعن أي دنيا يتحدث، فقد ولّت وادبرت؟! لا اعلم! على كل حال،
    وضعت القدم الأولى ولساني يردد:"يا محمد يا علي، يا علي يا محمد، إكفياني فإنكما كافيان ، وانصراني فإنكما ناصران".
    قال سعيد: اصبحت لي جرأة على التقدم والعبور، فوضعت القدم
    الثانية، وأنا اتلو الآية الكريمة ((وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )) سوره الانعام ايه 153
    وضعت القدم الثالثة ، وقدمت الرابعة أملاً في المضي اكثر ، إذ رأيت نفسي لا تزال بخير، ولم أزلّ عن الصراط حتى الآن
    ولكن...!
    فوجئت بظهور القبيح الأسود أمام..!ي . آه إنه خلاصة أعمالي السيئة ظهر مرة اخرى ليوقعني في الهاوية. يا إلهي ، انه يقف في مسيري ، ولا مجال للفرار منه ،تقدم نحوي، ووقفت أنا في مكاني مثل خشبة يابسة أنظر إلى الصراط فأراه شعرة في دقته ، وسيف في حدته ، وأنظر لما تحته ، فأرى جهنم سوداء مظلمة ملتهبة ، تنادي هل من مزيد.
    وصل بالقرب مني فسألته : ماذا تريد مني في هذا الموقف؟
    : أريد أن اوقعك في النار لتحترق فيها
    : لماذا؟
    : إسأل نفسك قبل أن تسألني الآن .
    : وكيف؟
    : أما كنت تعلم أن عمل السيئات يدخلك النار ، ألم يقل لك ربك
    (( ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون )) سوره النمل ايه 90 إذن فلا تلومني ولوم نفسك ، وإنما معاملتي هي طبق القانون التكويني الذي وضعه الله لخلقه ، وقد أرسل لكم في الأرض من يبلغكم به ، ويحذركم منه.
    قال سعيد: أبرز أنيابه الصفراء مقهقهاً بصوت عالٍ ، فخرجت منه رائحة كريهة نتنه . تنفرت منه ،
    وقلت : سبحان الله هذا من صنع نفسي!

    ماذا فعل القبيح الأسود بسعيد وهو على الهاوية
    ؟ بعد أن تقرب القبيح الأسود من سعيد قال سعيد : أخرج سوطه ، وراح يضربني به حتى تحركت قدمي وزلت عن موضعها ، وأصبحت على وشك الوقوع ، فناديت بأعلى صوتي : يازهراء ........ بصعوبة بالغة أرجعت قدمي إلى موضعها بعد أن لفحتني جهنم ببعض نيرانها ، وقفت حائرا بين العودة إلى ماكنت عليه ، وبين السير والتقدم للأمام . نظرتُ أمامي ، وإذا بامرأة حسناء جميلة واقفة على الصراط ! تمعنت فيها جيدا فرأيتها قد لبست أنواع من الحلي ، ولوّنت وجهها بألوان متباينة!
    أما القبيح فلم يغادرني ، بل راح يحثني على النظر إليها ، والتمتع بجمالها ، وكدت أفعل ذلك ، لولا تذكري كلام عملي الصالح حين غادرته ،
    إذ قال لي : (( لاتخدعك المظاهر ، وأنظر إاى حقائق الأمور...))،
    فيا ترى ما هي حقيقة هذه المرأة ، وماهو باطنها وغايتها؟ أتكون كالأفعى ظاهرها ناعم أملس ، وباطنها سم قاتل ؟ لاأعلم.
    رفعت رأسي فوقع نظري عليها مرة أخرى وهي تبتسم لي وتدعوني للأقبال عليها ، فبقيت حائرا في أمرها ، وإذا بالقبيح يقول لي بأعلى صوته ، لاتضيع هذه الفرصة ، تقدم نحوها وتمسك بها ، سوف تأخذك بأمان إلى الضفة الأخرى .
    سألته مستغربا من كلامه : كنت دائما تتوعدني بالعذاب والنار ، فلماذا هذه المرة تدعوني للسعادة والنعيم ؟!
    أجاب سريعا : إن أعمالك الصالحة وملكاتك الحسنة لم تترك لي مجالا لذلك ، فيئست منك، لذا إردت إرشادك في نهاية مسيرتك إلى مايسعدك ، لعلك تذكرني بخير فيما بعد.
    تقدمت نحوها خطوة بعد خطوة وأنا في حيرة عظيمة من أمري ، مترددا بين الخوف منها ، وبين الأمل بالنجاة بواسطتها ، دنوت ثم دنوت ، حتى وقفت أمامها، فارتفع صوت القبيح مقهقها فرحا، فقلت في نفسي : عجبا أن يفرح هذا القبيح لسعادتي!
    قررت تركها وعدم الذهاب معها إن طلبت مني ذلك ،
    لذا قلت لها : افتحي الطريق أمامي كي أسلكه وحدي ، فإني لستُ بحاجة إليك .
    قالت ، وهي ضاحكة ساخرة مني : هيهات لك ذلك ، كيف أتركك
    وقد وقعتَ في مخالبي ؟! قلت لها : من أنتِ؟ قالت : أنا الدنيا وماذا تفعلين هنا؟ لقد انتهى دوركِ بعد أن غرزتي بزينتك الكاذبة ما لايحصى من خلق ربي.
    ((في
    نهج البلاغة ، من كتاب له ( ع ) الى سلمان الفارسي : أما بعد فإنما مثل الدنيا مثل الحية : لين مسها، قاتل سمها ، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة مايصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها وتصرف حالاتها ، وكن آنس ماتكون بها أحذر ماتكون منها ، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور اشخصته عنه إلى الغرور )) ضحكت مرة أخرى وقالت : وخدعتك أنت أيضا ، أليس كذلك ؟
    لا أظن ذلك ، وليس لديك دليل عليه . أعظم دليل هو إقبالك نحوي الآن ، وهذا الإقبال إنما هو تعلقك بعالم الدنيا ، بعد أن خدعتك وجذبتك وأنت على الصراط.
    قال سعيد : وماذا تريدين فعله معي ؟
    إن كل من يتعلق بي ، ويخلد الى الأرض ، ويعمل لأجلي ، ظنا منه أني دار مقر لاممر ، سوف يسقط في الهاوية ، وتكون النار مستقرا له في الآخرة ، ومقدار العذاب فيها إنما يتبع درجة تعلقه بي.
    قالت ذلك ودفعت بي جانبا ، فزلّت قدمي عن موضعها ، وتحركت الأخرى ، وخرجتُ عن الصراط لأسقط في هاوية النار...
    لحظات لاتنسى ، إنها لحظات السقوط من الصراط متجها نحو جهنم....
    نعم إنها لحظات الوقوع في النار ، وقد بلغت فيها حسرتي وندامتي ذروتها، وملامتي لنفسي قمتها،
    فقلت لها يانفسي : أما كنت تعلمين أن من تغره الدنيا وزينتها يكون مصيره الآن ما أنا سائر إليه ؟ أما كان الأجدر بكِ أن تستثمري ساعات الدنيا القصيرة بما ينجيك من ذلة وعذاب مواقف القيامة التي مضت ، وماينتظرك ِ أقسى وأمر؟ أما وضعتِ القدم الثابتة على صراط جسر الدنيا الذي أرشدكِ أهل الدين إليه ؟ يانفسي ذوقي عذاب النار ، فما أصبرك عليها.
    وصلت الطبقة الأولى من جهنم ، فجرني خزانها اليهم ، وسحبوني نحوهم. ، قيدوني بالسلاسل
    فقلت لهم : لِمَ تعاملوني بهذه المعاملة القاسية ؟ إني كنتُ سيد جنة في عالم البرزخ بعدما تطهرتُ فيه ، فأين ذهب كل ذلك ؟
    أجابني أحدهم برفقة سوط شلّني عن الكلام ،
    فقال: انك لم تحاسب في البرزخ إلا على الجزء اليسير من أعمالك وعقائدك ، فتطهرتَ منها ودخلت جنته ، ولكن في عالم القيامة يكون الحساب شامل ودقيق على كل أعمالك وعقائدك ، وأفكارك، وملكاتك ، صغيرها وكبيرها ، مما لم تحاسب عليها في البرزخ . لم ينفعني ذلك معهم ، إذ حملوني وسلكوا بي طريقا طويلا في جهنم ، وخلال ذلك شاهدت مناظر يشيب الرأس لرؤيتها ، فكيف بمن هو مستقر فيها......

    ماهي المناظر التي يشيب الرأس لرؤيتها
    ؟؟ سنتعرف على ذلك في الجزء القادم ان شاء الله .......
يعمل...
X