إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رحله البقاء الجزء الرابع عشر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رحله البقاء الجزء الرابع عشر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال سعيد : عندما سلك خزان جهنم بي الى طريق طويل في جهنم وشاهدت منظراً يشيب له الرأس لرؤيته رأيتُ بركة تسمى (( ماء الحميم)) يُسمع من على ُبعدٍ فوران مافيها، ورأيت أناسا يشربون منها، فتتورم شفاههم العليا حتى تغطي أنوفهم وأعينهم ، وتتورم شفاههم السفلى حتى تصل إلى صدورهم . وهناك أناس آخرون يشربون من بركة ، ذات رائحة نتنة عفنة مملوءة بعرق الكفار ودمائهم ، تسمى غسّاقا قال تعالى : (( لايذوقون فيها بردا ولاشرابا إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا )) ومررنا من بعيد على مواقع في جهنم ، فرأيت نارا عظيمة مشتعلة ، وملائكة الغضب يُلقون الناس فيها وينادونهم ألم يأتكم نذير ، وكلما ألقوا فيها فوج ازدادت توقدا وسعيرا ، وسُمع لها شهيقاً وزفيراً ، قال تعالى : (( إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما أُلقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير )) وبين مدة وأخرى يُخرَجون منها وقد احترقت جلودهم ، فصارت كالفحم الأسود ، والنار ملتهبة في أحشائهم التي باتت ظاهرة بعد أن انسلخ الجلد منها .
    كنتُ أشاهد توسلهم بالملائكة حين يُخرجون أن لا يلقوهم في النار مرة أخرى ، وأسمع صراخهم وندائهم أن يا مالك ليقض علينا ربك ، فيأتيهم الجواب من خازن تلك النار أن لا فائدة من صراخكم هذا ، إنكم فيها ماكثون.
    قال تعالى (( ونادَوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون )) إزددت خوفا واضطراباً حين شاهدتُ تلك المناظر المرعبة والمشاهد المخيفة ، فسألتُ الملائكة المأمورين معي
    : عمّا يراد فعله بي ، فلم يجبني أحد ! بل لم يلتفت لكلامي حتى يجيبني.
    مضينا إلى حيث يشاء الله لنا ، ولاأعلم أي شئ أراد الله لي ، وإلى أي أمر سيؤول مصيري .....
    مضينا حتى وقفنا عند مجموعة من الملائكة وقد اجتمعوا حول إنسان يعذبوه .
    شاهدت ملكا أتاه فثقب صدره الى ظهره ،وآخر نتف شعر رأسه ، وآخرون كانوا يضربوه بمقامع من حديد مُحمر
    بينما كان ذلك الشخص يصرخ ، ويقول : أما ترحموني ....
    أتاه الجواب من الزبانية : ياشقي ، كيف نرحمك ولايرحمك ارحم الراحمين ، أفيؤذيك هذا؟
    فقال : اشد الأذى
    فأجابوه : ياشقي ، كيف لو قذفنا بك في نار جهنم التي لم تدخلها بعد!
    صرفت نظري عنه بعد أن أصابتني رعشة في بدني من قساوة ماشاهدته ، وشاب شعر رأسي خوفا من أن يكون عذابي مثله .
    لم يمضي وقت حتى سمعتُ ذلك الإنسان وقد صرخ صرخة عظيمة ، فالتفتُ نحوه وإذا به قد قذفوه في أعماق النار....
    توجه أحد الزبانية الذين كانوا يعذبونه إلى الزبانية المأمورين معي
    وقال لهم:لقد هوى في العذاب سبعين ألف سنة ! فماذا عن صاحبكم؟
    أجابوه ، وقالوا له : انه من أمة النبي الخاتم محمد( صلى الله عليه واله وسلم) ونحن قد أُمرنا بإيصاله إلى وادي عذاب الموحدين من أمته قال الملك :إذن صاحبكم ذو حظ عظيم ، وسوف لن يشاهد مراحل العذاب الكبرى في الطبقات السفلى مضينا في مسيرنا مرة أخرى ، ويبدو أن الطبقة الأولى من جهنم أيضا لها دركات مختلفة من العذاب ، وشاهدت في بعضها رجالا تُقطّع ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار ، ثم يرمى بها ، وبعد السؤال علمتُ أنهم كانوا خطباء الناس وشعرائهم الذين يقولون مالا يفعلون.
    وفي بعضها رأيتُ عقارب سوداء حجمها كالبغال، تلسع بعض الناس ، فيهربون منها ، ولكن هيهات لهم الفرار، إذ تستقبلهم حيات سوداء ، مرعبة ضخمة في هيئتها ، طويلة أنيابها ، تخرج النيران من أفواهها لتلسعهم هي الأخرى ، فيصرخون ويهربون منها ليعودوا للعقارب من جديد ، وهم كذلك في دوّارة بين هذه وتلك كان الزبانية معي يعاملوني بقسوة خلال مسيري معهم ، ولكنها كانت في نظرهم جيدة ، رغم الضرب والسياط منهم ، والذي كان يأتيني من كل جانب وبين الحين والآخر
    إذ قال لي أحدهم ذات مرة : إن مأموريتنا إيصالك إلى وادي الموحدين ، لذلك فنحن نُظهر لك احترامنا حتى وصولنا إليه، ولاتخف كثيرا، فإن ما تشاهده في هذه الطبقة من جهنم هو أدنى درجات العذاب فيها ، وسوف لانقودك إلى الطبقات السفلى منها.
    استمر مسيرنا في أخف طبقات جهنم كما يزعمون ! حتى انتهينا إلى مجاميع من نسوة كُنَّ يُعذَّبن بألوان العذاب .
    أوقفوني هناك ، وقال لي أحد الملائكة المأمورين معي بعد أن أشار أليهن :لاتظن أنهن من الأمم السالفة ، بل من أمة نبيكم خاتم الأنبياء . تمعنت فيهن فأنكرتُ شأنهن ، وارتعشت فرائصي لعذابهن ،
    إذ رأيتُ امرأة معلقة من شعرها ، ويُسمع صوت غليان دماغها ، وفوران أحشاء رأسها . وأخرى معلقة من لسانها ، والحميم يُصب في حلقها ، وأخرى كانت تأكل لحم جسدها وتقطّعه بأنيابها ، وقد توقدت النار من تحتها .
    ألوان عذاب لايتحملها الناظر لها ، فكيف بمن وقع فيها!
    وجهت نظري نحو مجاميع أخرى ، فوقع نظري على امرأة قد شُدّت رجلاها إلى يديها ، وقد سُلطت عليها العقارب والأفاعي تلدغ بها ، ولفت نظري امرأة أخرى كان رأسها رأس خنزير ، وبدنها بدن حمار ، وهي تُعذب بأنواع لاتحصى من العذاب . وأخرى على صوره كلب والنار تدخل فيها. عندما سأل سعيد أحد الملائكة عن عمل وسيرة النساء في الدنيا حتى يُسلط عليهن هكذا أنواع من العذاب أجابه ، وقال: أما المعلقة من شعرها فإنها كانت لا تستره عن الرجال وأما المعلقة من لسانها فكانت تؤذي زوجها
    وأما التي تأكل جسدها وتقطعه بأنيابها ، فهي التي كانت تزيّن بدنها وتجملّه للناس
    وأما التي شُدّت يداها إلى رجليها ، والعقارب والأفاعي تلدغ بها ، فإنها كانت قذرة في ثيابها ، ولاتراعي وضوئها، ولاتتنظف بالأغتسال من النجاسات التي توجب الغُسل عليها.
    ثم سأل سعيد الملك: وما بال التي رأسها رأس خنزير ، وبدنها بدن حمار؟
    أجاب وقال: هي النمامة الكذابة ،
    والأخرى على صورة الكلب فهي النواّحة المغنّية .
    انطلقنا بعد توقف يسير حتى اقتربنا من شجرة كبيرة جدا تخرج في أصل الجحيم ، فطلبت من الملائكة المأمورين معي الذهاب إليها لأكل بعض الشئ منها ، إذ بلغ بي الجوع مبلغه ، وأصبحت حاضراً لتناول أي شئ أسد به رمقي ، وأطفئ به عطشي ، والغريب أن هذه المرة استجابوا لطلبي ، وقادوني لتلك الشجرة !
    اقتربنا منها أكثر وأكثر ، فإذا بها شجرة مرعبة موحشة في شكلها وطلعها ، إنها شجرة الزّقوم وهي كما قال عنها القرآن الكريم : (( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ))
    عليها سبعون ألف غصن من نار ، وفي كل غصن سبعون ألف ثمرة من نار ، وكل ثمرة كأنها رأس شيطان قُبحا ونتنا، وقد تعلق على كل غصن من الزقوم سبعون ألف من الرجال والنساء ،
    حاولت العودة ، وتوسلت بهم للتراجع عن طلبي ، ولكن لاجدوى ولاسبيل لذلك. أكلت من ثمرها كُرهاً فإذا بها أمرّ من الحنظل ، وانتن من الجيف ، وأحر من الجمر، واصلب من الحديد! وقعت في بطني فأصبحت تغلي في أحشائي كغلي الحميم .
    إلهي ماذا أفعل ، ثمرة واحدة عملت بي ماعملت ، فكيف بمن طعامه الدائم منها!
    رميتُ بنفسي من أعلى الشجرة إلى أودية أسفلها ، لعل وضعها يكون أفضل ، وحرارتها أقل ، ولكنها كانت أودية مذابة من الصفر والنحاس، واشد حرّا
    من النار والزقوم التي هربتُ منها .
    وقعت في تلك الأودية فرأيت فيها أناساً سبقوني السقوط فيها ، وهي تغلي بهم ، ثم ترميهم على حوافها ، حيث هوام النار من الحيات والعقارب والوحوش المرعبة في أشكالها ، إذ رمي بي إلى حافة الوادي ، فراحت العقارب تقترب مني ، والحيات تتراقص فرَحاً بقدومي ....!
    اجتمعت وحوش أخرى من جهة ، والأفاعي والعقارب من جهة أخرى ، وتعلقوا بي ، وراح كل واحد منها يلدغ في بدني ، ثم يمزّقه ويقطعّه ، ثم يفعل فيه مايشاء ، وأنا أصرخ وأستغيث ومامن مغيث......
    أشار لهم خازن النار بالأبتعاد عني، فابتعدوا لكن بأي حال تركوني ....
    تركوني ممدودا على الأرض ، لاأعلم أي الآلام أشكوها ، وأي الجروح أداويها ، فكل بدني سموم وجروح وقروح .
    فتحت عيني بعد جهد كبير ، وإذا بكلاب ضخمة كالجمال ، سوداء في لونها ، مخيفة في هيئتها ، إنها كلاب من نار ، تنتظر أمر الحملة على هذا العبد المسكين ! وقد جاءها الأمر بذلك ، فحملت حملة واحدة ، وراح كل واحد منها يقطع قطعة من بدني ، فتسيل الدماء منه ، ثم يُدفع بتلك القطعة في حلقي لتمزق أمعائي بحرارتها مع ما بها من رائحة نتنة عفنة ، وتتكرر ذلك حتى لن يبق لجلدي وجود ، وانكشفت أحشائي ، فراحت الكلاب تدوس على عظامي وتنهشها ، آه ليت في النار عدم وفناء ... ظهر خازن النار وسط هذه الغبرة وهو يشير نحوي ،
    ويقول: أتأكل لحم أخيك في الدنيا وتطلب الفناء الآن ، أتسمع الغيبة على المؤمنين ولاترد عليها .
    ناديته بما لدي من طاقة وقوة ضعيفة : متى كان ذلك ؟ إني تركت الغيبة وفررتُ منها كفراري منكم الآن .
    وبعد هذه المدة الطويلة جاءني الجواب من خازن النار،
    وقد أعطى الأمر للجميع بالأنصراف : في يوم كذا أُغتيب في حضرتك فلان فلم تنصره ، ولم تنطق بكلمة واحدة تدافع بها عنه مع قدرتك على ذلك ، وفي يوم كذا مرّ فلان أمامك فغيّرت َ ملامح وجهك ، وأشرتَ اليه بيدك اشارة فهم الحاضرون منها استحقارك له. لم يكن لي سبيل لإنكار ماذكره ، ولكني اعترضت عليه من جهة أخرى ، وقلت : ثلاث سنين طول مدة العذاب لأجل هذا الذنب الصغير ؟
    غضب الملك وقال: أما علمت في الدنيا أن الغيبة اشد من الزنا؟ في الخصال (( عن النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) أنه قال: الغيبة أشد من الزنى ، فقيل يارسول الله ولما ذلك ، قال: صاحب الزنى يتوب فيتوب الله عليه ، وصاحب الغيبة يتوب فلايتوب الله عليه حتى يكون صاحبه الذي يحلّه(( نكست رأسي ، وأجبته : نعم قد علمت ذلك ، ولكن هل جزاءه ثلاث سنين من العذاب ، وبهذا الشكل منه ؟ أمن العدل ذلك ؟ أم هل هناك تناسب بين العمل والجزاء الذي تعذبون به عباد الله؟
    رفع الملك كل أنواع العذاب عني ، وأزال آلامي ، فتمكنت من الجلوس والتحدث معه ، حينها قال لي : إن عذابك عندي قد انتهى .
    اردت منه تعليقا وجوابا على ما اعترضت عليه ، لكنه لم ينطق بشئ، فبادرته هذه المرة بالشكوى منه .
    قال له سعيد : إني أشكوك الى الله الواحد القهار الذي لايظلم عباده مثقال ذرة ، ولايجازي أحدا بأكثر من ذنبه .
    توجه نحوي ، وقال: أي أمر تعني.
    :
    إني لم أعصِ الله إلا لحظات ، ولم أجلس في مجالس الغيبة إلا ساعات ، فلماذا هذا العذاب ثلاث سنين ؟ لماذا لايكون ساعات أيضاً؟
    أطرق الملك قليلا ، ثم أجاب: أما رأيتَ في الدنيا إنسانا قذف بنفسه من جبل ، فتكسّرت أعضائه ، وأصبح عاجزا عن المشي والحركة طوال حياته في دنياه ؟ لماذا لم تقل إن الخطأ كان لحظات فقط ، فلماذا حُرِم من الحركة عمراً بأكمله ؟ وهل أن أحدا عاقبه بهذا الجزاء في العجز عن الحركة ، أم أنه كان جزاء وأثر طبيعي لعمله هذا؟
    لم أجبه لان كلامه لاشائبة فيه ،
    ثم استمر في حديثه : إن كل ما لاقيته في جهنم وستلاقيه ، إنما هو أثر أعمالك السيئة ، وأنت صنعته لنفسك ، وليس لك الحق في الأعتراض عليه ،
    لم يبق لي أي مجال في محاججته ، لذا سلك فكري طريقاً آخر ،
    وذهب خيالي إلى مسألة الشفاعة والتوسل بها، ولكن الملك بادرني سريعاً بقوله : حتى الشفاعة التي تتأملها من أهل المقامات العالية ، إنما هي اثر لارتباطك بهم ، وسلوكك طريقهم ، كما إنها لاتتحقق لك إلا إذا كنتَ قد هيأتَ شروطها في عالم الدنيا ، ورفعتَ موانعها.
    لم تمض فترة طويلة حتى أتاني مجموعة من زبانية جهنم ، فأصابني خوف عظيم منهم ، وارتعش كل بدني حين رأيتهم .
    امسكوا بي وسحبوني بقسوة ، فقلت لهم : إلى أين هذه المرة ؟
    فقال أحدهم : إن في جهنم واديا تعوذ منه النار كل يوم أربعمائة مرة ، أُعدّ للمرائين من القرّاء، ويسمى وادي جب الحزن في كتاب جامع السعادات (( قال ( صلى اله عليه واله وسلم ) استعيذوا بالله من جب الحزن ، قيل وماهو يارسول الله ؟ قال: واد في جهنم أُعد للقراء المرائين ))
    ولكني لم أكن من قراء المنابر على الناس .
    قال ملك آخر : كنتَ تقرأ على زملائك النصائح والمواعظ حتى يُقال عنك أنك إنسان تحب الخير لهم ، ولاتبغي إلا رضوان الله فيهم وكنت تنصح رياءً بما لم تفعله ، كنتّ تظن أن عملك هذا لله ، ولكن لو تمعنت فيه قليلا لوجدته للناس قبل أن يكون لله .
    في تلك الأثناء مرّ بنا مجموعة كبيرة من الملائكة ومعهم آلاف مؤلفة من الناس المسودة وجوههم ، المحترقة أبدانهم ، يصرخون ويستغيثون، وقد شدت في أعناقهم سلاسل غليظة من نار. انهم المتكبرون على الناس وعلى الله والمكذبون لرسوله ، وهم المخلدون في النار ، والآن يساقون إلى وادي سقر ، وهل تعلم ما وادي سقر ؟
    قال سعيد : كلا ، لا أعلم .
    قال الملك :إنه وادي يفوق جميع وديان جهنم في حرارته ، وأنه دار عذاب للمتكبرين .
    بعد ذلك سيق بي الى وادي المرائين فرأيت فيه مد البصر من البشر ما لاتحصى أعدادهم ، والكل يبكي وينادي بالويل على نفسه .
    استقبلتني الزبانية بأسواط مؤلمة ، ومقامع من نار ملتهبة ،
    ثم قال لي أحدهم : يا شقي هل تريد ثواب أعمالك الصالحة التي عملتها في الدنيا ؟
    استغربت من سؤاله هذا ، فأجبته : نعم أريدها ، فلعلها تنجيني من شر هذا الوادي وعذابه ؟
    ضحك ساخرا من كلامي ، وقال: ياخاسر ، لقد عملتَ بما أمر الله عز وجل، ولكنك أردتَ به غيره ، ورغبت في مدح سواه . وياشقي لقد حبط عملك ، وبطل أجرك ، ولاخلاق لك اليوم ،
    فالتمس ثوابها ممن كنت تعمل له ، وهيهات لك ذلك في الكافي (( قال ابو عبدالله ( عليه السلام) : كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس ، ومن عمل لله كان ثوابه على الله)) قال كلامه هذا ، وألقى بي من أعلى الوادي ، ولم أصل إلى أسفله إلا وأنا مكسر الأضلاع ، مهشم العظام ، وقد دخلت الأشواك في جميع أنحاء بدني ، وما أن وصلت حتى استقبلتني زبانيته وأنا في هذه الحال لتقودني إلى النار ، وأنواع من العذاب...
    قال سعيد : بقيت في هذا الوادي سنين عدة ، وأي سنين ! كل لحظة فيها كانت تعادل ألف عام أو تزيد عن ذلك لقسوتها ، وشدة ألم العذاب فيها ، حتى جاء اليوم الذي أتتني فيه ملائكة الغضب الذين ساقوا بي إلى هنا ليخرجوني منه وينقلوني إلى مكان آخر .
    سألتهم عن أي مكان يراد بي ،
    فجاءني الجواب : إلى وادي عذاب الموحدين من أصحاب الذنوب الكبيرة .
    اعترضت عليهم إنني لم ارتكب في الحياة الدنيا ذنوبا كبيرة . إن كنتم على صواب ، فقولوا لي اي ذنوب كبيرة قد عملتها؟
    جاءني الجواب برفقة سوط من أحدهم : هناك الكثير من الذنوب الكبيرة عملتها وتظن انها صغيرة ، ثم أما علمت أن الأستهانة بصغائر الذنوب ، والإصرار عليها يُعد من الكبائر؟
    قال سعيد : دخلنا وادي الموحدين ، فإذا به من البشر مالايحصى عدده ، وكلهم من أصحاب الكبائر من الموحدين الذين ماتوا على كبائرهم ، غير تائبين منها .
    كنتُ ضمن مجاميع الموحدين من أمة النبي الخاتم (صلى الله عليه واله وسلم )
    فسألتُ أحدهم حين الدخول معهم : كم سيكون المكث هنا ؟
    فقال: بعضهم من يمكث فيها شهراً ثم يخرج ، ومنهم من يمكث سنة ، وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ خُلقت إلى أن فنيت !
    في تفسير الميزان : ( عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم كلها الذين ماتوا على كبائرهم ، غير نادمين ولاتائبين ، ....... فمنهم من تأخذه النار إلى قدميه ، ومنهم من تأخذه النار إلى عقبيه ، ومنهم من تأخذه النار إلى فخذيه ، ومنهم من تأخذه إلى حجزته ، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم ..) جزعت من جوابه ، فما أصبرني على العذاب فيه !
    مضت فترة ونحن بانتظار أمر الجليل فينا ، حتى أتى الوقت الذي جاءنا فيه (( مالك )) خازن كل النار وهو يحمل أمر العزيز الجبار .
    لم يمض وقت حتى أتى مالك، وهو ملك عظيم الخلقة ، مهيب الشكل ، مرعب الوجه ، قاطب عابس ، له من الهيبة والعظمة بدرجة أن زبانية النار لايتجرؤون على الكلام معه ، إلا من أذن له .
    توجه مالك نحو بعض من الملائكة ، وسألهم: من هؤلاء؟ ما ورد علي من الأشقياء أعجب منهم ، لِمَ لمْ تسود وجوههم ، ولم توضع السلاسل والأغلال في أعناقهم ؟
    تكلم احد الملائكة ، ويبدو انه رئيس مجموعة فيهم ،
    فقال: هكذا أتونا ، فسقناهم إلى هنا بانتظار أمركَ فيهم.
    توجه مالك نحونا، فارتعشت أبداننا رهبة منه ، ثم قال: يامعشر الأشقياء من انتم ؟
    أجاب جمع منا وكنتُ معهم: نحن ممن أُنزل علينا القرآن ، ونحن ممن كنا نصوم شهر رمضان ، ونحج بيت الله الحرام ، و....
    قال مالك : ما نزل القرآن إلا على النبي الخاتم محمد قال سعيد : سمعنا اسم محمد( صلىى لله عليه واله ) فصحنا وصاح الجميع معنا
    : نعم ، نحن من أمة النبي الخاتم محمد.
    قال:أما كان لكم في القرآن زاجراً عن معاصي الله ، أما كان لكم في رسول الله وعترته أسوة حسنة إن كنتم ترجون الله واليوم الآخر ؟
    أصابتنا الخيبة من كلامه ، ونكسنا رؤوسنا إلى الأرض خجلاً واستحياءً منه، وارتفعت أصواتنا بالبكاء ، حتى لم تبق لعيوننا دموعا بعد جفافها، فبكينا دماً!
    إستغرب مالك منا ذلك ،
    فقال: أتبكون دماً ، فما أحسن لو كان هذا في الدنيا من خشية الله ، ولو كنتم كذلك ما مستكم النار اليوم .
    توجه نحو الزبانية ، وقال لهم : ياخزنة جهنم ، ألقوهم في النار ، فإنهم قد عصوا أمر الجبار ، ويا نار خذيهم .
    ضج الجميع ، وعلت الأصوات ، والكل ينادي ((لاإله إلا الله )) حتى تراجعت النار عن موضعها ، فتوجه مالك نحوها
    وقال: يانار أمرتكِ بإحراقهم ، فافعلي ماتُأمرين به .
    ارتعشت النار خوفا من مخالفة أمر مالك ،
    ثم قالت: كيف أأخذهم يامالك وهم يقولون (( لاإله إلا الله))
    قال مالك لها: نعم خذيهم ، فبذلك أمر رب العرش .
    لم ترفض النار أمر مالك بعد أن علمت أن الأمر من العلي الأعلى، فبدأت تأخذ بنا كل حسب منزلته، ولاسبيل للفرار والتخلف عنها ، فمنّا من أخذته إلى قدميه ، ومنا من أخذته إلى ركبتيه ، ومنا من أخذته إلى عنقه ، أما أنا فقد أتتني النار لتأخذني ، فهربت منها ولحقتني حتى حُجزتُ في موضع لامجال للفرار منه، حينها وقفت النار أمامي وفرائصي ترتعش منها ،
    وقالت : يا شقي ، أما علمتَ أن لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الأستغفار ؟
    قلت لها : إني تبتُ من كل ذنب كبير ، والصغائر كنت غافلاً عنها ، فلماذا احترق بكِ؟
    اشتد لهيبها وكأنها غضبت من كلامي ، ثم قالت : هي الغفلة يا شقي ،هي الغفلة .
    قالت ذلك وارتفع شهيقها، وقفزت نحو قدمي ، فصرخت ألما من حرارتها ،
    وناديت بأعلى صوتي : لا، لاتحرقي قدمي ، لاتحرقيها ....
    لم تسمع ندائي ، ولم ترحم صراخي ، فلصقت بهما حتى احترق جلديهما ، وراحت تتوغل في أحشائهما وعظامهما.......
    العجب كل العجب أني سمعت شخصاً بجنبي قد أخذته النار إلى فخذيه يحسدني على حالي ، ويقول لي : ليتني كنت مثلك ، ليت النار لم تحرق إلا قدمي ! أرادت النار أن تأخذ وجوه بعض من في الوادي
    فصاح بها مالك : لاتحرقي جباههم فلطالما سجدت للرحمن عليها ، ولاتحرقي قلوبهم فلطالما عطشت في شهر رمضان ، ولاتحرقي لهم السنة فلطالما تلو بها القرآن .
    أنفذ الله حكمه فينا، وبقينا على هذه الحالة ماشاء الله لنا من المدة الطويلة ، وبرغم تلك الآلام العظيمة، والمصيبة الجسيمة، وشدة الزحام وضيق المكان
    وبرغم صراخ المعذبين وصياح المحترقين ، وجدت لي موضع جلوس في الوادي فجلست للتفكير والدعاء للجبار ،
    وقلت في نفسي : أليس كل عمل في الدنيا يظهر باطنه هنا، فأين بواطن دعائي في ليالي الجمعة ؟ ومناجاتي بدعاء الجوشن الكبير ليلة القدر ، وأين تجسمات دموعي خوفا من ناره وطمعا في جنته ؟
    ناديت ربي بجمل من دعاء كميل بأقدام محترقة ودموع جارية
    عندما قال سعيد : مضت فترة ونحن ندعو الله ونتوسل اليه ، ونطلب منه أن يأذن بشفاعة نبينا محمد فينا، حتى وصلتنا الأخبار من الملأ الأعلى تقول بأن الله سأل جبرائيل : مافعل العاصون من أمة محمد ؟
    فقال جبرائل : (( إلهي أنت أعلم بهم))،
    فقال عز وجل : (( انطلق ياجبرائيل وانظر ماحالهم ((.
    بعد انطلاقه الى مالك وجده جالسا على سرير من نار وسط جهنم
    فقال له : يامالك ، ماحال العصابة من أمة محمد خاتم الأنبياء؟
    أجابه مالك، وقال: ما أسوء حالهم ، وأضيق مكانهم ، قد أحرقت النار أجسامهم ، وأكلت لحومهم ، وبقيت وجوههم وقلوبهم يتلألأ فيها الإيمان . يا جبرائيل أنت تعلم أني لو خالفتُ العزيز الجبار قيد أنملة فيهم لاحترقتُ .
    سمع جبرائيل منه ذلك فطلب منه أن يرفع الطبق عنا لينظر الينا .
    بعد ان رفع الطبق عنا، وإذا بأنظارنا تقع على مخلوق في غاية الجمال والهيبة بين صفوف الملائكة
    تمعنت فيه فعلمت أنه ليس من ملائكة العذاب ، وهو يستبشر كل من يشاهده وينظر إليه ، تسائلنا فيما بيننا عمن يكون، لم نر مخلوق من قبل أحسن منه وجها ، واجمل منه صورة .
    نادى مالك ليخبرنا أن الذي أمامكم هو جبرائيل الكريم على الله الذي قال الله تعالى بشأنه في القرآن)) ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين)) ، فهو أمين الوحي على نبيكم الخاتم محمد ، فهل عرفتموه؟
    ضج الجميع ، وراح الناس يتسائلون فيما بينهم عن سبب مجيئه
    قال سعيد : أما أنا فاستبشرت كثيرا بقدومه ، ولعل ذلك مقدمة لنجاتنا .
    تقدمتُ نحوه بصعوبة بالغة ، إذ كنتُ أحسنهم حالا رغم أن النار أحرقت قدماي ، وكلما تقدمتُ أكثر أصطحبت أُناسا هم في درجتي حتى وصلناه ، فانبهرنا أكثر من عظمة خلقه.
    اضطربتُ عندما توجه نحوي جبرائيل وأنا في حالة يرثى لها ،
    فقال لي: كيف حالكم وماذا تريدون ؟
    أجبته بلسان من يتلكأ في كلامه : ياجبرائيل ، يامن حمل أعظم أمانة إلى أكمل إنسان خلقه الله، يامن هو في الملأ الأعلى مطاع ثم أمين ، اقرأ نبينا محمد منا السلام ، وأخبره أن معاصينا قد فرّقت بيننا وبينه ، وأخبره بسوء حالنا وأننا بانتظار شفاعته فينا .
    لم يطل بقائه فينا حتى غادرنا وأُغلق طبق جهنم علينا ، ولم نعلم بعدها ماذا حدث ، حتى وصلنا خبر يقول
    : بعد أن ذهب جبرائيل وقام بين يدي الله ، قال الله تعالى له : (( ياجبرائيل كيف رأيت العصاة الموحدين من أمة محمد؟))
    فأجاب جبرائيل : (( يارب أنت أعلم بهم ، ما أشد حالهم وأضيق مكانهم ، تركتهم يستغيثون بنبيهم ، ويطلبون شفاعته فيهم ((
    قال الله تعالى : (( هل سألوك شيئا؟))
    فقال جبرائيل : (( نعم يارب ، سألوني أن اقرأ على نبيهم السلام واخبره بسوء حالهم))
    فقال الله تعالى : (( انطلق الى حبيبي محمد وابلغه ذلك))
    انطلق جبرائيل ودخل على النبي محمد (صلى الله عليه واله) وهو في خيمة من درة بيضاء ، ولها أربعة آلاف باب ، ولها مصراعان من ذهب ، فقال له بعد السلام عليه : (( يامحمد جئتك من عند العصاة الموحّدين من أمتك ، وقد تركتهم يُعذَّبون في النار ، وهم يقرءوك السلام ، ويقولون : ما أسوء حالنا ، وأضيق مكاننا، فأين نبينا ليشفع فينا
    )) في كتاب عالم مابعد الموت ، للفيض الكاشاني))
    لم يترك النبي الحال كما هو ، وهو مظهر رحمة الله، إذ أتى عند العرش وخر ساجدا ، وأثنى على الله ثناءً لم يثنه أحد مثله ،
    فقال الله عز وجل : (( ارفع رأسك يامحمد ، واسأل تعطى، واشفع تُشفَّع))
    فقال النبي(ص) : (( يارب ، إن الأشقياء من أمتي قد أنفذتَ فيهم حكمك ، وأنت أرحم الراحمين ((
    فقال الله تعالى : (( قد شفعتك فيهم يامحمد ، فأت النار وأخرج منها من قال لااله إلا الله ، وكان أهلا لشفاعتك قال سعيد : بلغ شوقي أشده لرؤية النبي الخاتم وأهل بيته بعد علمي بما حدث ، فهم شهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء .
    تعقّبتُ أخبار النبي وآله ، فعلمتُ أنهم قد وصلوا إلى مالك ، وحين نظر إليهم قام لهم تعظيما لمقامهم ،
    فقال النبي الخاتم ( صلى الله عليه واله ) بعد السلام عليه : (( يامالك ماحال أمتي من الأشقياء ؟))
    فقال مالك: (( هم في حالة سيئة جدا، قد أحرقتهم ذنوبهم حتى وصلت لدى بعضهم إلى أعناقهم، وهم يستغيثون ويصطرخون ، ولشفاعتك يتألمون))
    قال الخاتم (ص) : (( يامالك افتح الباب ، وارفع الطبق عنهم ((
    فتح الباب ، ورُفع الطبق عنا......
    :
    ياإلهي ماذا أرى ، إنهم خمسة أنوار يحيط بهم الملائكة من كل جانب ، إنهم أصحاب الكساء الخمسة ، نعم ، هم فاطمة وأبيها ، وبعلها وبنيها ، هم أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، ومهبط الوحي ، ومعدن الرحمة......
    أجل ها هو رسول الله يتقدمهم ، وقد أضاء الوادي من انعكاس أنوارهم بعد ان كان معتماً شديد الظلمة، وقامت الملائكة اجلالاً ، وأمروا الناس بالقيام إكراما للنبي وآله .
    : حاول جمع من المعذبين التوجه نحو خاتم الأنبياء والأقتراب منه ، فلم يتمكنوا من ذلك ، إذ هم لايطيقون نوره عن قرب ، ومقامهم لايسمح بنيل ما يرمون إليه، لذا نادوه من مكان بعيد ، وطلبوا شفاعته فيهم ونجاتهم مما أصابهم .
    قال لهم الخاتم ( صلى الله عليه واله ) : (( ياأهل هذا الوادي من أمتي، أجيبوني ماذا فعلتم بالثقلَين من بعدي؟))
    في الكافي ، (( قال أبو جعفر ( عليه السلام ) قال رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : أنا أول وافد على العزيز الجبار يوم القيامة وكتابه وأهل بيتي ثم أمتي ، ثم أسألهم مافعلتم بكتاب الله وبأهل بيتي))
    صمت الجميع ولم يجبه ، وأصابتهم دهشة شديدة من سؤاله منهم .
    تعالت الأصوات وهي تقول: يارسول الله ، وما الثقلين ؟
    أجابهم خاتم الأنبياء مستنكرا سؤالهم ، إذ قال : ألم أقل لكم : (( إني قد تركت فيكم الثقلين ماإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأحدهما من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))
    اجتمع أصحاب الأصوات المتفرقة في مكان واحد ، ودار الحديث بينهم وبين الخاتم ( صلى الله عليه واله)
    اذ قالوا له: أما كتاب الله فقد عملنا به ، وأما عترتك فلم نعرفهم يارسول الله .
    رد الرسول معترضا على جوابهم ، فقال: (( كيف تدّعون أنكم عملتم بكتاب الله دون العترة ، وقد أخبرتكم أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وقد فرقتم بينهما ، انتم لم تعرفوا اسرار القرآن لأنكم لم تعرفوا عترتي حتى يعرفوكم به وهل يمكن العمل بالشئ دون معرفته؟))
    قالوا : إن علماؤنا لم يعرفونا بعترتك ، ولم يذكروها في كتبهم ونحن تبعناهم ، من أجل الوصول الى الجنة .
    أجابهم الخاتم بقوله : (( إن علمائكم الذين عرفوا الحقيقة، واستيقنوا بها ، ثم جحدوها وحجبوها عنكم ، إنما هم الآن في الدركات السفلى من النار . أما أنتم فهلاّ سألتم عن الثقل الأصغر الذي لايفارق كتاب الله من هم؟ وهلاّ حاسبتم علمائكم عن سبب تركهم لهم
    استمر كلام الخاتم (صلى الله عليه واله) ليقول: (( ثم كيف تقولون أنكم عملتم بكتاب الله، وكتاب الله يقول لكم : (( ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )) ، وقد بين القرآن من هم ولاة أمركم ، كما بينت أنا لكم ذلك ، فلا أطعتم الله ، ولارسوله فيكم ، ولاأطعتم ولاة أمركم))
    استأنف الرسول عتابه لهم وقال: الم أقل لكم: (( إن مثَل أهل بيتي فيكم مثَل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق))
    ألم أقل لكم : (( النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من الأختلاف))
    ضج الناس جميعا بالبكاء على اثر عتاب الرسول الخاتم لهم، ولكنه استمر في كلامه وقال
    : إن أحاديثي هذه وعشرات أمثالها موجودة في كتب مذهبكم لو تفحصتم وتعقبتم لعرفتم ، لكنكم أسلمتم رقابكم لأئمتكم ، واتبعتموهم دون تحكيم عقل ، أو تدقيق أمر قال سعيد : أصبحنا لانسمع إلا أنين وبكاء وطغى صراخ جمع من النساء والرجال ، ودعائهم على انفسهم بالويل والثبور، وهناك أصوات أخرى تنادي رسول الله أن
    نستميحك العذر ياخاتم الأنبياء
    توجه رسول الله (صلى الله عليه واله) نحو علي ( عليه السلام) وأشار إليه ، ثم خاطب الناس ،
    وقال : ثم مالكم اختلفتم من بعدي في علي وذريته ، وقد أخبرتكم في أول بعثتي أن (( هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم))
    وأمرتكم بالسمع والطاعة له ، لكنكم قطّعتم دينكم إلى فرق ومذاهب ، وتركتم حبل الله المتين ، فبقي القرآن وحيداً غريبا يفقد صاحبه ، ومفسّره ، ومَن يعلم تأويله وبواطنه.
    وفي موطن آخر قلتُ لكم: (( من أراد أن يحي حياتي ويموت ميتتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي، فليتول علي ابن ابي طالب ، فانه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة))
    طال الحديث بين الطرفين حتى لم يبق للناس حجة على رسول الله ، حينها أعرض عنهم ، وأشار إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ، وقال للناس الكلام الأخير في حقهم : (( إن الله تعالى خلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين في عالم الملكوت قبل أن يخلق أبيكم آدم (عليه السلام) بألفي عام ، حين لاسماء مبنية ، ولا أرض مدحية ، ولاجبال مرسية ، ولابحار مجرية ، ولارياح مسرية ، ولاشمس مضيئة ، ولاقمر منور، ولاظلمة ولانور ، ولاجنة ولا نار
    قال خاتم النبوة كلامه هذا ، ثم أشار لعلي وفاطمة أن اشفعوا في أمتي لمن ترونه لائقا لشفاعتكم ، متّبعا لولايتكم.
    قال سعيد : غمرتني فرحة كبيرة حين علمتُ بذلك ،
    لذا جمعت عددا من المؤمنين بولايتهم ، والسائرين على نهجهم ، وتوجهت بهم نحو النفوس العارفة ، والأنوار المنيرة .
    تمكنا من الدنو منهم ، حتى توقفنا عند الحد الذي لايجوز لنا تخطّيه، فناديتهم بقلب عاشق لهم ، وأديتُ التحية بخطابي إياهم ،
    والجمع يردد معي ما أقول : (( السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي ، ومعدن الرحمة ، وخزّان العلم ، ومنتهى الحلم ، وأصول الكرم ، وقادة الأمم))
    السلام عليكم يا من هم: (( الصراط الأقوم ، وشهداء دار الفناء ، وشفعاء دار البقاء ، والرحمة الموصولة ، والآية المخزونة ، والأمانة المحفوظة ، والباب المبتلى به الناس ، من أتاكم نجا ومن لم يأتكم هلك ، إلى الله تدعون وعليه تدلون))
    قال سعيد : توقفت عن مدحتي لهم ، وساد صمت بين جموع الناس في الوادي ، فقام الجميع إجلالا للنبي وآله بعد علمهم بمقامهم ومنزلتهم عند الله، وتغيرت ملامح معظم الناس ، خجلا مما جهلوه عن نبيهم وأوصيائه ، وبين دهشة البعض وخجل الآخر ، وبين بكاء الباكين أسفا وحسرة المتحسرين ندما ,
    تقدمت الزهراء بنورها البراق ....
    نعم ، تقدمت الزهراء بعد أن أوحى الله عز وجل لها أن يافاطمة : سليني أعطك وتمني أُرضك ،
    قالت فاطمة ( عليها السلام) ..
    لنتابع في الجزء القادم والاخيرماذا قالت فاطمة لله الأعز الأجل الأكرم ؟؟؟؟؟؟
    ملاحظه : إن كلام وخطابات خاتم الأنبياء (صلى الله عليه واله) والتي ذكرناها في هذه الأحداث من الرواية ورَد معناها في الأحاديث والروايات والكتب المعتبرة ، وليس بالنص الحرفي منه(صلى الله عليه واله)



يعمل...
X