- الإخبار عن الغيب:
تحدّى القرآن الكريم بالإخبار عن بعض الغيب بآيات كثيرة، ما كان للناس أن يعلموها ولا من شأنهم أن يطّلعوا عليها لولا إخبار القرآن الكريم بها، ومن هذه الإخبارات الغيبية:
أ- إخبار القرآن عن بعض الحوادث الماضية الخافي أمرها وحقيقتها عن الناس، منها:
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي نوح عليه السلام وقومه: ï´؟تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَï´¾1.
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي يوسف عليه السلام وأخوته ï´؟ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَï´¾2.
- قوله تعالى بعد سرد قصة مريم عليها السلام: ï´؟ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾3.
ب- الإخبار عن بعض الحوادث المستقبلية الخافي أمرها وحقيقتها عن الناس، منها:
- قوله تعالى في انغلاب الروم ثمّ غلبتهم: ï´؟غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَï´¾4.
- قوله تعالى في رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة بعد الهجرة: ï´؟إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍï´¾5، وقوله تعالى: ï´؟لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًاï´¾6.
إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن حقائق علمية مجهولة للناس زمن نزول القرآن، كشف عنها العلم الحديث في عصرنا الحاضر، أو أخبار تنبّئ عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمّة الإسلامية أو الدنيا عامّة بعد نزول القرآن7.
2- الكشف عن حقائق علمية:
كشف القرآن الكريم عن معارف وحقائق كونيّة وقوانين طبيعية لا سبيل إلى معرفتها في زمن نزول القرآن إلا عبر الوحي الإلهي، وبعض هذه الحقائق لم يتّضح للناس إلا بعد توافر العلوم وتقدّم البشرية وتطوّرها في فترة متأخّرة، وبعضها الآخر لا يزال مجهولاً بالنسبة إليهم حتى الآن. ومن هذه الحقائق التي كشف عنها الوحي الإلهي، وتنبّه لها العلم الحديث، ما يلي8:
أ- دور الرياح في تلقيح النبات والأشجار: قال تعالى: ï´؟وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ...9ï´¾، حيث أثبت العلم الحديث أنّ النباتات والأشجار تحتاج إلى اللقاح لكي تثمر، وعملية التلقيح هذه تحصل بواسطة الرياح التي تحمل اللقاح من مكان إلى آخر.
ب- ظاهرة الزوجية: قال تعالى: ï´؟وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَï´¾10، ï´؟سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَï´¾11،ï´؟...وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ...ï´¾12، حيث تصرّح هذه الآيات بعموميّة ظاهرة الزوجية التكوينية لكلّ شيء أوجده الله تعالى في هذا الكون.
ج- حركة الأرض ودورانها: قال تعالى: ï´؟الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا...ï´¾13، حيث تصوّر هذه الآية الأرض على شكل مهد بالنسبة لمن عليها، وهذه الحالة ناجمة عن الحركة الموضعية والانتقالية للأرض، ومثلما تكون حركة المهد سبباً لسكينة الطفل ونموه, كذلك تؤدّي حركة الأرض إلى تكامل الإنسان وتطوّره.
د- كرويّة الأرض: قال تعالى: ï´؟وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...ï´¾14، ï´؟فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَï´¾15، ï´؟رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِï´¾. حيث إنّنا لو فرضنا أنّ الأرض مسطّحة, فلا يمكن أن يكون لها أكثر من مشرق ومغرب في وقت واحد, إلا على فرض كرويّتها وتبدّل أوضاعها وحالاتها بالنسبة إلى الشمس.
3- الفصاحة والبلاغة (البيان):
من أبعاد إعجاز القرآن فصاحته وبلاغته، حيث تحدّى بهما العرب الذين بلغوا مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدّمة عليهم أو المتأخّرة عنهم، ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم, في كمال البيان، وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق16:
قال تعالى: ï´؟أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَï´¾17.
وقال تعالى: ï´؟أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَï´¾18.
وقد طالت مدّة التحدّي، وتمادى زمان الاستنهاض, فلم يجيبوه إلا بالتجافي، ولم يزدهم إلا العجز، ولم يكن منهم إلا الاستخفاء والفرار: ï´؟أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِï´¾19.
ويمكن الإشارة إلى بعض خصائص هذا الإعجاز20، في ما يلي:
أ- دقيق تعبير القرآن ورقيق تحبيره: حيث وضع القرآن كلّ لفظٍ موضعه الأخصّ، إذا أُبدل بغيره جاء منه فساد معنى الكلام أو سقوط رونقه، من قبيل: تقديم السمع على البصر في قوله تعالى: ï´؟وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَï´¾21, لأنّ السمع أرقى وأعقد وأدقّ وأرهف من جهاز البصر.
ب- طرافة سبك القرآن وغرابة أُسلوبه: فسبكه جديد، وأُسلوبه فريد، لا هو شعر كشعر العرب، ولا هو نثر كنثرهم، ولا فيه تكلّف أهل السجع والكهانة، على أنّه جَمَع بين مزايا أنواع الكلام الرفيع, فيه أناقة الشعر، وطلاقة النثر، وجزالة السجع الرصين، وجميع آيات القرآن تشهد بذلك.
ج- عذوبة ألفاظ القرآن وسلاسة عباراته: حيث تبتهج له الأرواح وتنشرح له الصدور، في رونق جذّاب وروعة خلاّبة, حتى أنّ بعض الألفاظ الغريبة في نفسها, إذا ما استعملها القرآن الكريم بدت غاية في الحسن في النظم، من قبيل: لفظة "ضِيزَى" في قوله تعالى: ï´؟تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىï´¾22، حيث إنّ الآية في معرض الإنكار على العرب بجعلهم الملائكة والأصنام بنات لله - والعياذ بالله - مع وأدهم البنات، فقال تعالى: ï´؟أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىï´¾23، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة هذه القِسمة التي أنكرها عليهم، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصوّر في هيئة النطق بها، الإنكار في الأُولى والتهكّم في الأُخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة.
د- تناسق نظم القرآن وتناسب نغمه: حيث يجد السامع لذّةُ، بل وتعتريه نشوةٌ, إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن، من قبيل قوله تعالى: ï´؟وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىï´¾24. فهذه فواصل متساوية في الوزن تقريباً ـ على نظام غير نظام الشعر العربي ـ متّحدة في حرف التقفية تماماً، ذات إيقاع موسيقي متّحد نابع من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومردّه إلى الحسّ الداخلي والإدراك الموسيقي، الذي يَفرق بين إيقاع موسيقي وآخر.
هـ- تجسيد معاني القرآن في أجراس حروفه: حيث تتواءم أجراس حروفه مع صدى معانيه، ويتلاءم لحن بيانه مع صميم مراميه, مِن وعد أو وعيد، وترغيب أو ترهيب، من قبيل قوله تعالى: ï´؟مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُï´¾25، وكأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج، تَنسف وتُدمّر كلّ شيء, فتُصوّر وقع عذاب شديد ألمّ بقوم ظالمين.
يتبع
تحدّى القرآن الكريم بالإخبار عن بعض الغيب بآيات كثيرة، ما كان للناس أن يعلموها ولا من شأنهم أن يطّلعوا عليها لولا إخبار القرآن الكريم بها، ومن هذه الإخبارات الغيبية:
أ- إخبار القرآن عن بعض الحوادث الماضية الخافي أمرها وحقيقتها عن الناس، منها:
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي نوح عليه السلام وقومه: ï´؟تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَï´¾1.
- قوله تعالى بعد سرد قصّة النبي يوسف عليه السلام وأخوته ï´؟ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَï´¾2.
- قوله تعالى بعد سرد قصة مريم عليها السلام: ï´؟ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾3.
| |
231 |
|
- قوله تعالى في انغلاب الروم ثمّ غلبتهم: ï´؟غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَï´¾4.
- قوله تعالى في رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة بعد الهجرة: ï´؟إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍï´¾5، وقوله تعالى: ï´؟لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًاï´¾6.
إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّن حقائق علمية مجهولة للناس زمن نزول القرآن، كشف عنها العلم الحديث في عصرنا الحاضر، أو أخبار تنبّئ عن الحوادث العظيمة التي تستقبل الأمّة الإسلامية أو الدنيا عامّة بعد نزول القرآن7.
2- الكشف عن حقائق علمية:
كشف القرآن الكريم عن معارف وحقائق كونيّة وقوانين طبيعية لا سبيل إلى معرفتها في زمن نزول القرآن إلا عبر الوحي الإلهي، وبعض هذه الحقائق لم يتّضح للناس إلا بعد توافر العلوم وتقدّم البشرية وتطوّرها في فترة متأخّرة، وبعضها الآخر لا يزال مجهولاً بالنسبة إليهم حتى الآن. ومن هذه الحقائق التي كشف عنها الوحي الإلهي، وتنبّه لها العلم الحديث، ما يلي8:
| |
232 |
|
ب- ظاهرة الزوجية: قال تعالى: ï´؟وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَï´¾10، ï´؟سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَï´¾11،ï´؟...وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ...ï´¾12، حيث تصرّح هذه الآيات بعموميّة ظاهرة الزوجية التكوينية لكلّ شيء أوجده الله تعالى في هذا الكون.
ج- حركة الأرض ودورانها: قال تعالى: ï´؟الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا...ï´¾13، حيث تصوّر هذه الآية الأرض على شكل مهد بالنسبة لمن عليها، وهذه الحالة ناجمة عن الحركة الموضعية والانتقالية للأرض، ومثلما تكون حركة المهد سبباً لسكينة الطفل ونموه, كذلك تؤدّي حركة الأرض إلى تكامل الإنسان وتطوّره.
د- كرويّة الأرض: قال تعالى: ï´؟وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...ï´¾14، ï´؟فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَï´¾15، ï´؟رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِï´¾. حيث إنّنا لو فرضنا أنّ الأرض مسطّحة, فلا يمكن أن يكون لها أكثر من مشرق ومغرب في وقت واحد, إلا على فرض كرويّتها وتبدّل أوضاعها وحالاتها بالنسبة إلى الشمس.
| |
233 |
|
من أبعاد إعجاز القرآن فصاحته وبلاغته، حيث تحدّى بهما العرب الذين بلغوا مبلغاً لم يذكره التاريخ لواحدة من الأمم المتقدّمة عليهم أو المتأخّرة عنهم، ووطئوا موطئاً لم تطأه أقدام غيرهم, في كمال البيان، وجزالة النظم، ووفاء اللفظ، ورعاية المقام، وسهولة المنطق16:
قال تعالى: ï´؟أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَï´¾17.
وقال تعالى: ï´؟أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَï´¾18.
وقد طالت مدّة التحدّي، وتمادى زمان الاستنهاض, فلم يجيبوه إلا بالتجافي، ولم يزدهم إلا العجز، ولم يكن منهم إلا الاستخفاء والفرار: ï´؟أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِï´¾19.
ويمكن الإشارة إلى بعض خصائص هذا الإعجاز20، في ما يلي:
أ- دقيق تعبير القرآن ورقيق تحبيره: حيث وضع القرآن كلّ لفظٍ موضعه الأخصّ، إذا أُبدل بغيره جاء منه فساد معنى الكلام أو سقوط رونقه، من قبيل: تقديم السمع على البصر في قوله تعالى: ï´؟وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ
| |
234 |
|
ب- طرافة سبك القرآن وغرابة أُسلوبه: فسبكه جديد، وأُسلوبه فريد، لا هو شعر كشعر العرب، ولا هو نثر كنثرهم، ولا فيه تكلّف أهل السجع والكهانة، على أنّه جَمَع بين مزايا أنواع الكلام الرفيع, فيه أناقة الشعر، وطلاقة النثر، وجزالة السجع الرصين، وجميع آيات القرآن تشهد بذلك.
ج- عذوبة ألفاظ القرآن وسلاسة عباراته: حيث تبتهج له الأرواح وتنشرح له الصدور، في رونق جذّاب وروعة خلاّبة, حتى أنّ بعض الألفاظ الغريبة في نفسها, إذا ما استعملها القرآن الكريم بدت غاية في الحسن في النظم، من قبيل: لفظة "ضِيزَى" في قوله تعالى: ï´؟تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىï´¾22، حيث إنّ الآية في معرض الإنكار على العرب بجعلهم الملائكة والأصنام بنات لله - والعياذ بالله - مع وأدهم البنات، فقال تعالى: ï´؟أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىï´¾23، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة هذه القِسمة التي أنكرها عليهم، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصوّر في هيئة النطق بها، الإنكار في الأُولى والتهكّم في الأُخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة.
د- تناسق نظم القرآن وتناسب نغمه: حيث يجد السامع لذّةُ، بل وتعتريه نشوةٌ, إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن، من قبيل قوله تعالى: ï´؟وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى
| |
235 |
|
هـ- تجسيد معاني القرآن في أجراس حروفه: حيث تتواءم أجراس حروفه مع صدى معانيه، ويتلاءم لحن بيانه مع صميم مراميه, مِن وعد أو وعيد، وترغيب أو ترهيب، من قبيل قوله تعالى: ï´؟مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُï´¾25، وكأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج، تَنسف وتُدمّر كلّ شيء, فتُصوّر وقع عذاب شديد ألمّ بقوم ظالمين.
يتبع

تعليق