بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
(الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام))
الإمام علي وتربيته في حجر النبي (صلى الله عليه وآله): وأما التربية الروحية والفكرية والأخلاقية فقد تلقاها علي (عليه السلام) في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي الضلع الثاني من أضلاع شخصيته الثلاثة.
ولو أننا قسمنا مجموعة سنوات عمر الإمام (عليه السلام) إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم الأول من هذه الأقسام الخمسة من حياته الشريفة، يؤلف السنوات التي قضاها (عليه السلام) قبل بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).
وإن هذا القسم من حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات، لأن اللحظة التي ولد فيها علي (عليه السلام) لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك، هذا مع العلم بأنه (صلى الله عليه وآله) قد بعث بالرسالة في سن الأربعين. وعلى هذا الأساس لم يكن الإمام علي (عليه السلام) قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالرسالة، وتوج بالنبوة.
إن أبرز الحوادث في حياة الإمام علي (عليه السلام) هو تكوين الشخصية العلوية، وتحقق الضلع الثاني من المثلث الذي أسلفناه بواسطة النبي الأكرم، وفي ظل ما أعطاه (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) من أخلاق وأفكار، لأن هذا القسم في حياة كل إنسان وهذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة، والقيمة جدا، فشخصية الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة بيضاء نقية تقبل كل لون، وهي مستعدة لأن ينطبع عليها كل صورة مهما كانت، وهذه الفترة من العمر تعتبر - بالتالي - خير فرصة لأن ينمي المربون والمعلمون فيها كلما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيبة وصفات كريمة، وفضائل أخلاقية نبيلة، ويوقفوا الطفل - عن طريق التربية - على القيم الأخلاقية والقواعد الإنسانية وطريقة الحياة السعيدة، وتحقيقا لهذا الهدف السامي تولى النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) بنفسه تربية علي (عليه السلام) بعد ولادته، وذلك عندما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها علي (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلقيت من رسول الله حبا شديدا لعلي حتى أنه قال لها: " اجعلي مهده بقرب فراشي " وكان (صلى الله عليه وآله) يطهر عليا في وقت غسله، ويوجره اللبن عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويلاحظه ويقول: " هذا أخي، ووليي، وناصري، وصفيي، وذخري، وكهفي، وصهري، ووصيي، وزوج كريمتي، وأميني على وصيتي، وخليفتي " .
ولقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتم توفير الضلع الثاني في مثلث الشخصية (وهو التربية) بواسطته (صلى الله عليه وآله)، وأن لا يكون لأحد غير النبي (صلى الله عليه وآله) دخل في تكوين الشخصية العلوية الكريمة.
وقد ذكر الإمام علي (عليه السلام) ما أسداه الرسول الكريم إليه وما قام به تجاهه في تلكم الفترة إذ قال: " وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه " .
النبي يأخذ عليا إلى بيته:
وإذ كان الله تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة وأن يأخذ النبي عليا إلى بيته وأن يقع منذ نعومة أظفاره تحت تربية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ألفت نظر نبيه إلى ذلك.
قد ذكر المؤرخون أنه أصابت مكة - ذات سنة - أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة، وكان أبو طالب - رضي الله عنه - ذا مال يسير وعيال كثير فأصابه ما أصاب قريشا من العدم والضائقة والجهد والفاقة، فعند ذلك دعا رسول الله عمه
العباس إلى أن يتكفل كل واحد منهما واحدا من أبناء أبي طالب وكان العباس ذا مال وثروة وجدة فوافقه العباس على ذلك، أخذ النبي عليا، وأخذ العباس جعفرا وتكفل أمره، وتولى شؤونه .
هكذا وللمرة الأخرى أصبح علي (عليه السلام) في حوزة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصورة كاملة، واستطاع بهذه المرافقة الكاملة أن يقتطف من ثمار أخلاقه العالية وسجاياه النبيلة، الشئ الكثير، وأن يصل تحت رعاية النبي وعنايته وبتوجيهه وقيادته، إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي. وهذا هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير إلى تلك الأيام القيمة وإلى تلك الرعاية النبوية المباركة المستمرة إذ يقول: " ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء به ".
(علي في غار حراء )
كان النبي - حتى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوة - يعتكف ويتعبد في غار حراء شهرا من كل سنة، فإذا انقضى الشهر وقضى جواره من حراء انحدر من الجبل، وتوجه إلى المسجد الحرام رأسا وطاف بالبيت سبعا، ثم عاد إلى منزله.
وهنا يطرح سؤال: ماذا كان شأن علي (عليه السلام) في تلك الأيام التي كان يتعبد ويعتكف فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك المكان مع ما عرفناه من حب الرسول الأكرم له؟ هل كان يأخذ (صلى الله عليه وآله) عليا معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه ويفارقه؟ إن القرائن الكثيرة تدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) منذ أن أخذ عليا لم يفارقه يوما أبدا،
فهاهم المؤرخون يقولون: كان علي يرافق النبي دائما ولا يفارقه أبدا، حتى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليا معه .
يقول ابن أبي الحديد: وقد ذكر علي (عليه السلام) هذا الأمر في الخطبة القاصعة إذ قال: " ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري "
إن هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته للنبي في حراء بعد البعثة الشريفة إلا أن القرائن السابقة وكون مجاورة النبي بحراء كانت في الأغلب قبل البعثة، تؤيد أن هذه الجملة، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة علي للنبي في حراء قبل البعثة.
إن طهارة النفسية العلوية، ونقاوة الروح التي كان علي (عليه السلام) يتحلى بها، والتربية المستمرة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كل ذلك كان سببا في أن يتصف علي (عليه السلام) - ومنذ نعومة أظفاره - ببصيرة نفاذة وقلب مستنير، وأذن سميعة واعية تمكنه من أن يرى أشياء ويسمع أمواجا تخفى على الناس العاديين، ويتعذر عليهم سماعها ورؤيتها، كما يصرح نفسه بذلك إذ يقول: " أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): " كان علي (عليه السلام) يرى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت ".
وقد قال له النبي (صلى الله عليه وآله): لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوة، فإن لا تكن نبيا فإنك وصي نبي ووارثه، بل أنت سيد الأوصياء وإمام الأتقياء "
ويقول الإمام علي (عليه السلام): " لقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله)
فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، ثم قال له: " إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير "
هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية بالأخلاق والسجايا الرفيعة.
------------------
آية الله الشيخ جعفر السبحاني: أضواء على عقائد الشيعة الإمامية