الدرس الرابع: قاعدة نفي الحَرَج | ||||||||||||||||||||||
|
إعـــــــلان
تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
دروس في القواعد الفقهية 4و5و6
تقليص
X
-
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد
-
الدرس الخامس: قاعدة سوق المسلمين أهداف الدرس
- التعرّف على معنى قاعدة سوق المسلمين وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.
المقدّمة67
لقد منّ الشارع المقدّس على عباده بمجموعة كبيرة من التشريعات الّتي تكفل العلاقة الإيجابيّة والحسنة بين المسلمين، في تعاملاتهم وعلاقاتهم شبه اليوميّة مع بعضهم البعض، ما يعني انتظام العلاقات، وحفظ الحقوق. وقاعدة سوق المسلمين من جملة القواعد الّتي اعتبر الفقهاء أنّ انتظام السوق وحركة البيع والشراء قائمان عليها، بل إنّ لازم عدم حجيّة سوق المسلمين اختلال نظام الحياة الّذي جاء الإسلام للحفاظ عليه وتشييده.
بيان المراد من القاعدة
يُقصد بقاعدة السوق الحكم بأماريّة السوق على التذكية، فإنّ الحيوان إذا لم يذكَّ لم يجز تناول لحمه ولا الصلاة في جلده، وإذا شكّ في تذكيته حكم عليه بعدمه, تمسّكاً باستصحاب عدمها، فإنّ الحيوان حالة حياته لم يكن مذكّى، فإذا شكّ في حصولها له عند زهاق روحه استصحب ذلك العدم، فالأصل عند الشكّ في تذكية لحوم الحيوانات وجلودها وعدم تذكيتها، هوالحكم بعدم التذكية استصحاباً، حيث يترتّب على الاستصحاب الأثر الشرعيّ من الحرمة، والنجاسة وغيرهما1.
فمعنى القاعدة هوأماريّة سوق المسلمين للطهارة والذكاة عند الشكّ فيهما بالنسبة إلى البضائع الّتي توجد في أسواق المسلمين، من اللحوم والجلود وغيرها، فإن نفس كونها في سوق المسلمين يكفي للطهارة والحلّيّة، وإن كان من يعرضها مجهول الحال، ولا مجال لأصالة عدم التذكية, لحكومة القاعدة عليها وعلى الاستصحاب.69
وبعبارة ثانية: إنّ الأصل عند الشكّ في التذكية وغيرها العدم، وفي قاعدة السوق يراد إثبات الخروج بها عن هذا الأصل، وإمضاء أسواق المسلمين على ظاهرها في الطهارة وغيرها، وعدم لزوم الفحص عن حال البائعين. ولا يراد من خلال قاعدة السوق إثبات خصوص تذكية الحيوان، وطهارته، بل إمضاء السوق كما هي، فمن ابتاع رقيقاً من سوق المسلمين، فادّعى الحرّيّة لم تسمع دعواه، إلّا أن تقوم البيّنة، ومن اشترى من أسواقهم جلداً بنى على طهارته، ولحماً بنى على تذكيته. وبهذا تكون قاعدة سوق المسلمين حاكمة على استصحاب عدم التذكية المعّبر عنه بأصالة عدم التذكية.
مدرك القاعدة
بيان مدرك القاعدة: يمكن الاستدلال على القاعدة بعدّة أدلّة. أهمّها:
الأوّل: الروايات:
1- صحيح الحلبيّ، قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخفاف الّتي تباع في السوق؟ فقال: اشترِ وصلّ فيها حتّى تعلم أنّه ميّت بعينه"2.
2- صحيحة فضيل وزرارة ومحمّد بن مسلم، حيث سألوا أبا جعفر عليه السلام عن شراء اللحوم من الأسواق، ولا يدري ما صنع القصّابون؟ فقال: "كُلْ إذا كان ذلك في سوق المسلمين، ولا تسأل عنه"3.
3- صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: "سألته عن الرجل يأتي للسوق فيشتري جبّة فراء لا يدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة، أيصلّي فيها؟ فقال: نعم ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك"4.70
4- صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الرضا عليه السلام قال: "سألته عن الخفّاف يأتي السوق فيشتري الخفّ، لا يدري أذكيٌّ هوأم لا، ما تقول في الصلاة فيه وهولا يدري؟ أيصلي فيه؟ قال: نعم، أنا أشتري الخفّ من السوق، ويُصنع لي، وأصلّي فيه، وليس عليكم المسألة".5
5- خبر إسماعيل بن عيسى، قال: "سألت أبا الحسن عليه السلامعن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال: "عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه"6.
وغيرها من الروايات التي لا يبقى معها شكّ في اعتبار السوق أمارة، ولمزيد من التوضيح لا بدّ من ملاحظة عدّة أمور:
منها: الظاهر أنّ المراد بالسوق هو خصوص سوق المسلمين لا مطلق السوق، ولوكان للكافرين, لأنّها وردت في الروايات مُعرّفة بالألف واللام العهدية، ومن المعلوم أنّ المراد به الإشارة إلى أسواق المدن الإسلاميّة, إذ إنّها واردة عن الأئمّة الصادق والباقر والرضا عليه السلام، أعني في زمان كان حافلاً باتّساع رقعة الأرض الإسلاميّة. بل في رواية الفضلاء وردت كلمة السوق مضافة إلى المسلمين في كلام الإمام عليه السلام, فلوصحّ أن تكون روايات السوق مطلقة، ولم يكن هناك عهد
صارف لها لأمكن تقييدها بما ورد في كلماته عليه السلام، بل قد يُفهم من موثّق إسحاق بن عمّار عن العبد الصالح عليه السلام أنّه قال: "لا بأس بالصلاة في الفراء اليمانيّ، وفيما صُنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس"7، فإنّ المدار على كون المسلمين يشكّلون الأغلبيّة على الأرض، سواء أكانت الأرض سوقاً لهم أم لم تكن.71
ومنها: أنّه ليس في كلمات الأعلام بيان الضابط في تحديد سوق المسلمين، وفي موثّق إسحاق بن عمّار المتقدّم جعلُ المدار في الحكم بالذكاة على أغلبيّتهم في الأرض، سواء أكانت سوقاً أم لا، وهومطابق للإطلاق العرفيّ. ثمّ إنّه لا أثر لوقوع البلد تحت حكومة المسلمين أم لا، وإنّما المدار على كونهم يشكّلون أغلب أفراده، سواء أكان الحاكم مسلماً أم كافراً، إذ لا مدخليّة له في تحديد ذلك، ففي يومنا هذا لا مانع من تصوّر سوق المسلمين في بلاد الغرب، إذا فرض أنّهم أغلبيّة عرفيّة فيه، أوسوق الكّفار في بلد المسلمين بالشرط المتقدّم.
هذا وتدلّ صحيحتا البزنطي ورواية إسماعيل بن عيسى على اعتبار السوق مطلقاً، أعني: سواء أسأل عن ذكاته أم لم يسأل، بل ورد النهي عن السؤال.
الثاني: سيرة المتشرّعة:
استقرّت سيرة المسلمين والمؤمنين على أنّهم يدخلون الأسواق ويشترون اللحوم والجلود من دون السؤال عن أنّها ميتة أومذكّاة، حتّى إنّ صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام أيضاً كانوا كذلك، وهذا شيء لا يقبل الإنكار، ولم يرد عنهم عليهم السلام ردع عن هذه السيرة، قال السيّد الخوئي قدس سره: "إنّ اعتبار السوق هوالّذي جرت عليه سيرة المسلمين, لأنّه لم يعهد منهم السؤال عن كفر البائع وإسلامه في شيء من أسواقهم"8.
ويؤيّد ما ذكر من الأدلةإنّ لازم عدم حجّيّة سوق المسلمين اختلال النظام, إذ يلزم أن يذبح كلّ فرد مسلم الحيوان لنفسه، ولا يجوز له شراء اللحم من السوق والأكل منه, لأنّ احتمال عدم تحقّق التذكية بشكلها الشرعي ما دام موجوداً، فبالاستصحاب يثبت عدم تذكية الحيوان المشكوك فيه، وبالتالي عدم جواز تناوله، وبذلك يلزم اختلال نظام الحياة الذي جاء الإسلام للحفاظ عليه وتشييده، ولهذا ورد عنه عليه السلام في رواية حفص بن غياث: "لولم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق"9، وظاهر هذه العبارة أنّ الاعتناء بهذه الاحتمالات - أي احتمال عدم التذكية في اللحوم والجلود، واحتمال كونهم أحراراً في العبيد والإماء، واحتمال كونه مال الغير وأنّه سُرق أوغُصب في سائر الأموال - يوجب تعطيل الأسواق واختلال أمر المسلمين في معاملاتهم، وهذا أمر مرغوب عنه عند الشارع، فعدم الاعتناء بأسواق المسلمين وترتيب الأثر على هذه الوساوس منفور منه.72
ما المقصود بيد المسلم؟
تارة يؤخذ اللحم من سوق المسلمين، وأخرى من يد المسلم بدون فرض مروره بسوق المسلمين. والأوّل محكوم بالتذكية كما تقدّم. وهل الثاني كذلك؟
نعم, لأنّ الروايات وإن عبّرت بسوق المسلمين إلا أنّا لا نحتمل الخصوصية لنفس السوق بما هوبناء خاصّ ذومحلّات محدودة، بل لأنّ المكان إذا ضمّ المسلمين وتواجدوا فيه كشف ذلك عن كون اليد المأخوذ منها يداً مسلمة.
فالمنصرف من الروايات أنّ كاشفيّة السوق ناشئة من كونه كاشفاً عن إسلام من بيده مشكوك التذكية، باعتبار أنّ الغالب في سوق المسلمين أوفي بلدهم المسلمون، فتكون هذه الغلبة أمارة على إسلام البائع، وتكون يده هي الأمارة على التذكية، وهذا ما ذهب إليه السيّد الخوئيّ قدس سره، حيث قال: "إنّ أماريّة
السوق ليست في عرض أماريّة يد المسلم، إنّما هي في طولها، بمعنى أنّ السوق جُعلت أمارة كاشفة عن يد المسلم، وهي الأمارة على التذكية حقيقة، والسوق أمارة على الأمارة"10. وعليه، فلوأحرزت يد المسلم كانت أمارة على التذكية، ولولم يكن موجوداً في ضمن سوق المسلمين، أوفي ضمن أرضهم، فاعتبار السوق ناشئ من كشفه عن يد المسلم، ولا اعتبار له بما هو سوق.73
شمول القاعدة لجميع المسلمين
هل الحكم بأماريّة سوق المسلمين على التذكية يختصّ بما إذا كان مسلموالسوق من الإمامية؟ كلا، بل يعمّ ما إذا كانوا من الفرق الأخرى11، قال السيّد اليزدي: "مايؤخذ من الجلود من أيدي المسلمين، أومن أسواقهم محكوم بالتذكية، وإن كانواممّن يقول بطهارة جلد الميتة بالدبغ12، إشارة إلى بعض المذاهب الذين يرون طهارة جلد الميتة بالدبغ، وذلك لوجهين:
- إطلاق النصوص وعدم تقييد كلمة "المسلمين" فيها بفرقة دون أخرى.
- إنّ الطابع العامّ على سوق المسلمين، عصر صدور النص، احتواؤها على المذاهب الأخرى من غير الإماميّة، وتخصيصها بهم دون غيرهم يلزم منه تخصيص الأكثر الّذي هومستهجن عرفاً.
حكم ما وُجد مطروحاً في أرض الإسلام
لاشكّ في أماريّة السوق بالنسبة إلى الأشياء الّتي تكون في معرض تصرّف المسلمين، وأمّا إذا كان شيء خارجاً عن ذلك كالجلد الذي كان مطروحاً في الصحاري والأراضي - داخل البلاد الإسلاميّة - فهل يكون من موارد القاعدة،
أولا؟ قال السيّد اليزديّ رحمه الله في العروة: "ما يؤخذ من يد المسلم من اللّحم أوالشحم أوالجلد محكوم بالطهارة وإن لم يعلم تذكيته، وكذا ما يوجد في أرض المسلمين مطروحاً إذا كان عليه أثر الاستعمال، لكنّ الأحوط الاجتناب13، والتحقيق عدم قصور الدليل عن شمول المقام، كما يستظهر من صحيحة إسحاق بن عمّار المتقدّمة".67
-
الدرس السادس: قاعدة الطهارة أهداف الدرس:
- التعرّف على معنى قاعدة الطهارة وأدلّتها.
- القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
- التدرّب على تطبيق القاعدة في موارده.
مقدّمة81
قاعدة الطهارة من القواعد المشهورة والمسلّمة الّتي لم يقع فيها خلاف في الجملة، ولهذا أرسلها الفقهاء في كتبهم إرسال المسلّمات، وقد اتّفقت كلماتهم على مدلول القاعدة، فلا خلاف ولا إشكال فيه بينهم، والأمر متسالم عليه عندهم، بل إنّ مدلول القاعدة من الواضحات العلميّة والضرورات الفقهيّة، وهي من القواعد المهمّة الّتي تعين الفقيه في الحكم على الأشياء بالطهارة، حتّى يعلم بأنّها نجسة أومتنجّسة، فيتمسّك بها في أبواب الطهارات، وحاصلها الحكم بطهارة كلّ شيء ما لم تثبت نجاسته.
بيان معنى القاعدة
يقصد بقاعدة الطهارة، الحكم بالطهارة على كلّ شيء يشكّ في طهارته ونجاسته بنحوالحكم الظاهري المغيّى بالعلم بالنجاسة، وهذا الحكم على إجماله مجمع عليه بين الفقهاء، كما ذكر صاحب الحدائق بقوله: "إنّ أصل الحكم المذكور ممّا لاخلاف فيه ولا شبهة تعتريه"،1 فمتى ما تحقّق العلم
بالنجاسة ارتفع الحكم بالطهارة، ومتى لم يتحقّق لم يرتفع وكان باقياً. فالأصل في كلّ شيء شُكّ في طهارته هوالطهارة.وليس المقصود الحكم بالطهارة على الأشياء في مرحلة الواقع، بل في مرحلة الظاهر، أي ما دام يُشكّ في طهارة الشيء واقعاً، محكوم بها ظاهراً لا واقعاً2.83
بيان مدرك القاعدة
بالإمكان أن يُستدلّ على القاعدة بوجوه:
الأوّل: موثّقة عمّار، فعنه عن أبي عبد الله عليه السلام في حديثٍ قال: "كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك شيء"3.
فقد دلّت على طهارة كلّ شيء شُكّ في طهارته دلالة كاملة تامّة، واستدلّ عليها غير واحد من الفقهاء، كما قال السيّد الخوئي قدس سره: "ومن جملة أدلّتها (الطهارة) قوله عليه السلام في موثّقة عمّار: "كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر..."4، وهكذا استدلّ مشهور العلماء على قاعدة الطهارة.
الثاني: قاعدة الطهارة متصيّدة من مجموعة روايات، القاسم المشترك بينها عدم الاعتناء بالشكّ وإلغاء احتمال النجاسة، وهي طائفة من الأخبار، نورد منها ما يأتي:
1- عن حفص بن غياث عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ عليه السلام قال: "ما أبالي أبولٌ أصابني أوماء إذا لم أعلم"5.
2- عن موسى بن القاسم، عن عليّ (جعفر) بن محمّد، سألته عن الفأرة والدجاجة والحمام وأشباهها تطأ العذرة، ثمّ تطأ الثوب، أيغسل؟ قال: "إن كان استبان من أثره شيء فاغسله، وإلّا فلا بأس"6.84
3- عن عمّار بن موسى الساباطي، أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يجد في إنائه فأرة، وقد توضّأ من ذلك الإناء مراراً، أواغتسل منه، أوغسل ثيابه، وقد كانت الفأرة متسلّخة؟ فقال: "إن كان رآها في الإناء، فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء، ويعيد الوضوء والصلاة، وإن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك، وفعله، فلا يمسّ من ذلك الماء شيئاً، وليس عليه شيء, لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه. ثمّ قال: لعلّه أنّ يكون إنّما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها"7.
وتقريب الاستدلال بكلّ هذه الروايات أنّها تدلّ على أنّ مجرّد إبداء الشكّ في النجاسة كاف للتأمين عنها، فالإمام عليه السلام حينما يصرّح بعدم مبالاته بالنجاسة إذا لم يعلم، أوينفي البأس مع عدم الاستبانة، أويبرز الشكّ في احتمال تقدّم وقوع الفأرة، أويعلّم طريقة لإيجاد الشكّ في النجاسة تخّلصاً من لزوم الغسل، يفهم العرف من كلّ ذلك أن الميزان في التأمين هومجرّد عدم العلم بالنجاسة، دون النظر إلى خصوصيّات الموارد، وهوالمعنى المراد من قاعدة الطهارة.
الثالث: التمسّك بالاستصحاب، بأن يقال: نشكّ في جعل النجاسة للشيء المشكوك، ومقتضى الأصل عدم جعلها.
شمول القاعدة للشبهة الحكميّة85
وقع الكلام بين الفقهاء في شمول القاعدة للشبهات الحكميّة وعدمه.
ولتوضيح ذلك نقول: إنّ الشكّ بالطهارة على أنحاء ثلاثة:
1- أن يكون الشكّ بها ناشئا ً من الشكّ في طروالنجاسة وعدمه، كما لو شكّ في إصابة النجاسة لثوبه أوبدنه.
2- أن يكون الشكّ ناشئاً من الجهل في اندراج هذا الموضوع الخارجيّ تحت أيّ القسمين، كما لوعلم أنّ هذا بول، ولكنّه يشكّ أنّه بول إنسان، أوبول مأكول اللحم (كالغنم)، أوعلم أنّ هذا دم، ولكنّه لا يدري هل هودم إنسان أم دم سمك أوأفعى، أولا يدري أنّ هذا السائل هل هو خمر نجسة ـ على تقدير النجاسة ـ أم ماء طاهر.
3- أن يكون الشكّ فيها ناشئاً من الشكّ في الحكم الشرعيّ، كما لوكان جاهلاً بأنّ الخمر نجسة أم لا؟ وهكذا.
ويسمّى القسمان الأوّلان بالشبهة الموضوعيّة، والقسم الثالث بالشبهة الحكميّة. ولا خلاف بين الأعلام في شمول الطهارة للقسمين الأوَّلين.
قال في الحدائق: "إنّ القدر المتيقّن فهمه من الخبر المذكور، هوما وقع الاتّفاق عليه، إذ الظاهر أنّ المراد من هذا الخبر وأمثاله إنّما هودفع الوساوس الشيطانيّة والشكوك النفسانيّة بالنسبة إلى الجهل بملاقاة النجاسة، وبيان سعة الحنفيّة السهلة بالنسبة إلى اشتباه بعض الأفراد غير المحصورة ببعضٍ، فيحكم بطهارة الجميع حتّى يعلم الفرد النجس بعينه"8.
وإنّما محل الكلام في شمولها للقسم الثالث (الشبهة الحكميّة)، فهنا قولان:
الأوّل: نقل في الحدائق أنّ الأمين الأسترابادي اختار عدم جريان القاعدة في الشبهة الحكميّة، ومال الشيخ يوسف نفسه إلى ذلك أيضاً، وقرّب ذلك بأنّ المتيقّن من موثّقة عمّار أنّ احتمال إصابة النجاسة للشيء الطاهر لا يعتني له, دفعاً للوساوس الشيطانيّة والشكوك النفسانيّة، وأمّا تطبيقها في حالة الجهل بالحكم الشرعيّ فلا يخلومن الإشكال والجرأة9.86
وفيه: إنّ إطلاق الموثّقة حجّة، تنتفي معه الجرأة والإشكال.
الثاني: ذهب جملة من الأعلام إلى شمولها لكلتا الشبهتين، الموضوعيّة والحكميّة.
بل ذكر السيّد الخوئيّ أنّه لا خلاف في ذلك، فقال: "طهارة ما يُشكّ في طهارته ونجاسته من الوضوح بمكان، ولم يقع فيها خلاف، لا في الشبهات الموضوعيّة، ولا في الشبهات الحكميّة"10.
وقال السيّد اليزديّ رحمه الله: "كلّ شيء مشكوك طاهر، سواء كانت الشبهة لاحتمال كونه من الأعيان النجسة (الشبهة الحكمية)، أولاحتمال تنجّسه مع كونه من الأعيان الطاهرة (الشبهة الموضوعية)"11.
فالصحيح أنّه مع تماميّة سند موثّقة عمّار المتقدّمة فلا بأس بالقول بشمول القاعدة لموارد الشبهة الموضوعيّة والحكميّة معاً. نعم، لوقيل: إنّ مدرك القاعدة الروايات المتعدّدة التي يُتصيَّد من مجموعها عدم الاعتناء باحتمال الشكّ في الطهارة وحدها، فلا بُدّ من الالتزام باختصاصها بالشبهة الموضوعيّة, لأنّ الروايات المتعدّدة واردة في هذا المقام، كقوله عليه السلام: "أَبْولٌ أصابني"، و"الحمامة تطأ العذرة ثمّ تطأ الثوب" وغيرهما.
هوامش 1 البحراني، يوسف: الحدائق الناضرة، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشرالإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، لات، ج1، المقدّمة الحادية عشرة، ص134.
2 الإيرواني، دروس تمهيدية في القواعد الفقهية، م.س، ج2، ص44.
3 العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج3، الباب 37 من أبواب النجاسات، ح4.
4 الخوئي، شرح العروة الوثقى- الطهارة- موسوعة الإمام الخوئي قدس سره، م.س، ص148.
5 العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج3، الباب37 من أبواب النجاسات، ح5 .
6 م.ن، ح3.
7 العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج1، الباب 4 من أبواب الماء المطلق، ح1.
8 البحراني، الحدائق الناظرة، م.س، ج1، ص135.
9 م.ن.
10 الخوئي، شرح العروة الوثقى- الطهارة- موسوعةالإمام الخوئي قدس سره، م.س، ص148.
11 اليزدي، العروة الوثقى، م.س، ص20.
12 الشيرازي، القواعد الفقهية، م.س، ج2، ص425.
تعليق
تعليق