إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

دروس في القواعد الفقهية 11و12و13و14و15

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دروس في القواعد الفقهية 11و12و13و14و15

    الدرس الحادي عشر: قاعدة إخبار ذي اليد
    أهداف الدرس
    - التعرّف على معنى قاعدة حجية إخبار ذي اليد وأدلّتها.
    - القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
    - التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


    149
    المقدّمة
    هذه القاعدة من القواعد الّتي تأتي في سياق تعزيز الثقة بين الناس، بتصديق أقوالهم فيما تحت أيديهم، وترتيب الآثار الشرعية على إخباراتهم حولها. وهي تساهم في تثبيت أركان الانتظام العامّ في المجتمع.

    بيان المراد من القاعدة

    المراد من القاعدة أنّ كلّ من كانت له يد على شيء، فإنّ قوله حجّة فيه، فإذا أخبر عن نجاسته أوطهارته، أو كونه أمانة أو غصباً أومضاربة يقبل قوله فيه، سواء أكان ثقة أم ل, لأنّ الحيثيّة المبحوث عنها في قبول القول من جهة اليد لا في جهة الوثاقة. وحيثيّة الكشف في اليد كون صاحب اليد أبصر وأعلم بما في يده، ومعه لا يفرّق بين كونه مخبراً عن الطهارة والنجاسة، أوعن كون المال غصباً أو مضاربة أو أمانة.

    ولذا نجدهم لا يشكّون إذا قال صاحب الدار أوصاحب الأثاث: إنّه ملكي، أو انتفاعه لي بإجارة ونحوها، في أنّهم ينتفعون به، وإذا قال: إنّه غصب أو وقف، ولست متولّياً ولا مأذوناً، لا يمسّونه، وكذا إذا قال: إنه لحم ميتة، وفي عكسه بأن قال: إنّه مذكّى.


    151
    ولا فرق بين القول والفعل بأن قدَّمه لضيوفه. وهكذا حال الأمّ إذا قالت: أنا أرضعتك العدد المحرّم بشروطه، أوقالت: إنّ الرضاع لم يكن بالشروط. أوقال صاحب المطعم: إنّه لحم غنم، أولحم أرنب، إلى غيرها من الموارد، بل ويأتي في كلّ ذلك قوله عليه السلام: "لَما قام للمسلمين سوق".

    بل نراهم يعتمدون على الأوزان والموزونات والموادّ الغذائيّة المركّبة وما أشبه، كمن قال: إنّه رطل أوصاع أو كرّ، أو من قال: إنّ المعدودات بقدر كذا، فيما يتعارف إعدادها مسبقاً للمشتري، وكذلك الحكم بالنسبة إلى الأدوية المركّبة، مع أنّها قد تكون خطراً على الجسم أوالعضو، فيما إذا كانت خلاف الواقع أومركّبات الأغذية ممّا للإنسان عناية بصحّتها.

    ولا فرق بين قول ذي اليد وفعله وتقريره, لوحدة الملاك، وإطلاق الأدلّة في الجميع.

    بيان مدرك القاعدة

    استدلّ على القاعدة بالسيرة وبجملة من الروايات:
    أوّلاً: الاستدلال بسيرة العقلاء:
    هذه القاعدة، كالعديد من القواعد الفقهيّة، عقلائيّة قبل أن تكون شرعيّة، وفي الحقيقة أمضاها الشارع لا أنّه أسّسها، ويظهرذلك بالرجوع إلى أهل العُرف والعقلاء، فإنّهم يعتمدون على إخبار ذي اليد، سواء أكان مالكاً أم وكيلاً أو أجيراً أو وليّاً، أو غير ذلك من أنحاء التسلّط على المال أو شبه ذلك، ويحتجّون بذلك في المخاصمات، ما لم يكن ذواليد متّهماً في قوله، ولا يشترطون في ذلك العدالة أو الوثاقة المعتبرة في حجّيّة خبرالواحد على نحو العموم، وهذا أمر ظاهر لمن راجعهم واختبر أحوالهم.


    152
    ثانياً: الاستدلال بالروايات:
    الرواية الأولى: عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: "سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جُبّةَ فراءٍ، ولا يدري أذكيّة هي أم غير ذكيّة أيصلّي فيها؟ فقال: نعم، ليس عليكم المسألة، إنّ أبا جعفر كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم، إنّ الدين أوسع من ذلك"1.

    وتقريب الاستدلال أنّ ظاهرها قبول قول المسؤول، وإلاّ لما حصل الضيق في الدين بالسؤال، فالأصل في الأشياء الإباحة والسعة، والضيق آتٍ من جهة السؤال.
    الرواية الثانية: صحيّحة معاوية بن عمّار، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام: "عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج (عُرّبت إلى البختج)، ويقول: لقد طبخ على الثلث، وأنا أعرفه أنّه يشربه على النصف، أفأشربه بقوله، وهويشربه على النصف؟ فقال: لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة، ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث، ولا يستحلّه على النصف، يخبرنا أنّ عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه، وبقي ثلث، يشرب منه؟ قال:نعم"2. والبختخ: معرّب: (بختبه) أي العصير المطبوخ المخمّر.

    وظاهره قبول إخبار ذي اليد مع عدم ما يوجب اتهامه، وظهور أمارات الصدق منه، ولذا قبل قول المخالف ورُدّ قول المؤالف.

    الرواية الثالثة: عن سعد بن إسماعيل، عن أبيه إسماعيل بن عيسى، قال: "سألت أبا الحسن عليه السلام عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل، أيسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلماً غير عارفٍ؟ قال: عليكم أنتم


    153
    أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، وإذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه"3.

    وتقريب الاستدلال بها: ما ذكره السيّد الشهيد رحمه الله من عدم الاحتياج إلى السؤال مع كون البائع مسلماً، ولزوم السؤال مع كون البائع غير مسلم...، وهذا يقتضي تصديقه فيما يخبر به، وإلّا لما أجدى السؤال منه، وهومعنى قبول خبر صاحب اليد، وإذا ثبت أنّ خبره -الكافر- حجّة في إثبات الطهارة، يثبت بالأولويّة العرفيّة أنّه حجّة في إثبات النجاسة, لأنّ صاحب اليد إذا كان يصدق فيما هو في مصلحته من أوصاف الكمال لماله، فتصديقه فيما هو على خلاف مصلحته من أوصاف المال أولى عرفاً، بنكتة أنّ احتمال الكذب أبعد4.

    الرواية الرابعة: عن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام: في حديث: "أنّه سئل عن الرجل يأتي بالشراب، فيقول: هذا مطبوخ على الثلث؟ قال: إن كان مسلماً ورعاً مؤمناً مأموناً فلا بأس أن يشرب"5.

    تدلّ هذه الرواية على قبول قول ذي اليد بشرط الإسلام والورع والإيمان والأمان، ولا إطلاق فيها للكافر، أو لكلّ مسلم ٍ.

    اعتبار العدالة أوالوثاقة في ذي اليد وعدمه

    لا يخفى على الناظر في أخبار الباب أنّ إطلاقها ينفي اعتبار العدالة والوثاقة، وظاهرها قبول قول ذي اليد، سواء أكان عادلاً أم ثقةً أم لا، وهكذا فتاوى الفقهاء مطلقة من هذه الجهة، حتى إنّ بعضهم تردّد في اعتبار الإسلام فيه، واحتمل قبول قوله وإن كان كافراً، بل أفتى بعضهم باعتباره مطلقاً.


    154
    قال المحقّق اليزديّ في العروة: "لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أوعادلاً بل مسلماً أو كافراً"6، ويؤيّد ما ذكرنا، بل يدلّ عليه، عدم اعتبار شيء من هذه القيود في بناء العقلاء عليه. نعم، يستثنى من ذلك ما إذا كان ذو اليد متّهماً في مقالته، أويكون هناك قرائن ‌ظنّيّة تدلّ على كذبه، وإن لم تبلغ حدّ الحجّيّة، أو يكون ظاهر حاله مكذّباً لقوله، فإنّ بناء العقلاء على حجّيّة أمثالها بعيد جدّاً، وأخبار الباب أيضاً منصرفة عنها. وذلك مثل ما إذا كان المخبر ممّن لا يبالي في إخباره، أو كان الخبر بالطهارة مثلاً في موارد استصحاب النجاسة يجلب له نفعا كثيراً، وقد علمنا كذبه في مثل هذا الخبر في غير مورد، فإنّ الاعتماد على إخباره مشكل جدّاً، بل ممنوع7.

  • #2
    الدرس الثاني عشر: قاعدة الإلزام
    أهداف الدرس
    - التعرّف إلى معنى قاعدة الإلزام وأدلّتها.
    - القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
    - التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


    161

    المقدّمة
    قاعدة الإلزام "ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم" ممّا اشتهر في كلمات الفقهاء التمسّك بها في أبواب مختلفة، مثل: النكاح والطلاق، وأبواب الميراث وغيرها، ولكن لم تنقّح حقّ التنقيح كساير القواعد الفقهيّة.

    ومن أهمّ فوائد هذه القاعدة وآثارها على الفرد والمجتمع أنّها تنظّم قضايا أساسيّة في الأحوال الشخصيّة بشكل رئيس، بل في غيرها من الأحكام بين الإماميّة وغيرهم من المذاهب والديانات.

    بيان المراد من القاعدة

    تمهيد: لاشكّ أنّه قد تختلف الأحكام الفرعيّة بين المذاهب الإسلاميّة أو حتّى الديانات السماويّة، والقاعدة ناظرة إلى هذا الاختلاف، فقد يكون شخص بمقتضى مذهبه ملزماً بأداء مال أو شيء آخر، ولكن لا يلزم به على مذهبنا، فيأتي الكلام هنا في جواز أخذه منه أم لا؟ والمستفاد من مجموع الأحاديث الواردة في المقام أنّه يجوز إلزام أهل السنة - مثلاً- بمذهبهم وأحكامهم. فهنا صور:


    163

    الأولى: اختلاف مذهب الإماميّة مع أهل السنّة.
    الثانية، اختلاف الإماميّة مع غير المسلمين.
    الثالثة: اختلاف مذاهب أهل السنّة بعضهم ببعض.
    الرابعة: اختلاف مذهب أصحاب الديانات السماويّة مع بعضهم البعض، كاليهوديّ والنصرانيّ.

    والقدر المسلّم والمتيقّن من القاعدة هو الصورة الأولى فقط، أي في حالة اختلاف مذاهب السنّة عن مذهب الإماميّة.
    وعليه يكون مفاد هذه القاعدة إلزام الآخرين بما ألزموا به أنفسهم، فيما لا نقول بصحّته عندنا، فكلّ ما يراه الآخر ملزماً له من ناحية أحكامه الدينيّة، سواء أكان ذلك من المال أم الحقوق أوالاعتباريّات ...، فيُلزم من قبل الإماميّ بما ألزم به نفسه.

    فإنّ غير الإماميّ إذا قام بفعل معيّن يعتقد بصحّته، وكان الإماميّ لا يعتقد بصحّته، فله الحقّ في ترتيب الآثار التي هي في صالحه، بالرغم من عدم اعتقاده بصحّته في مذهبه، إلزاماً للطرف المقابل بما يقتضيه مذهبه. ولا بدّ في مورد إلزام الآخرين من وجود منفعة وسعة لنا.

    مثال: يرى الإماميّة في باب إرث الزوجة أنّها ترث من الأموال المنقولة، وأمّا غير المنقولة - وهي الأرض وما ثبت عليها من بناء وأشجار - فلا ترث الزوجة من الأرض شيئاً، وترث ممّا ثبت عليها من قيمته دون عينه. وأمّا أهل السنة فيرون أنّها ترث من جميع التركة، وعلى هذا فلوكانت الزوجة من الإماميّة بينما بقيّة الورثة من غيرهم، فلها أخذ الربع أوالثمن من جميع التركة بقاعدة الإلزام.


    164

    بيان مدرك القاعدة
    مدرك هذه القاعدة من الإجماع والتسالم والروايات:
    الجهة الأولى: في مستندها من الحديث: الروايات المتعدِّدة الواردة في باب النكاح والطلاق والميراث، منها:
    1- رواية عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن عليه السلام: "المطلّقة على غير السنّة أيتزوّجها الرجل؟ فقال: ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم، وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك"1، فإنّها دلّت بوضوح على أنّ المطلّقة بطلاق فاقد للشروط الشرعيّة عند الإماميّة يجوز الزواج بها، وعلّل عليه السلام ذلك بتعليل عامّ وهو الإلزام بما ألزموا به أنفسهم.

    وروى عبد الرحمن البصريّ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: "امرأة طلّقت على غير السنّة؟ فقال: تتزوّج هذه المرأة، لا تترك بغير زوج"2.
    فإنّه لا يمكن حملها على المعتقد بالبطلان، فهي محمولة على من يطلّق على غير السنّة معتقداً صحّتها، فيلزم الزوج بما التزم به من مذهبه، وتكون المرأة خليّة فتأمّل.

    2- صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام: "سألته عن الأحكام؟ قال: تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلُّون"3، أي أنّ كلّ ما يرونه حلالاً وصحيحاً يكون ممضيّاً عليهم.

    3- ما رواه الكلينيّ بسنده إلى عمر بن أذينة، عن عبد الله بن محرز: "قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل ترك ابنته وأخته لأبيه وأمّه؟ فقال: المال كلّه لابنته


    165

    وليس للأخت من الأب والأمّ شيء. فقلت: فإنّا قد احتجنا إلى هذا والميّت رجل من هؤلاء الناسُ وأخته مؤمنة عارفة؟ قال: فخذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنّتهم وقضاياهم. قال ابن أذينة: فذكرت ذلك لزرارة، فقال: إنّ على ما جاء به ابن محرز لنوراً"4.

    دلّت على أنّ الوظيفة هي المؤاخذة منهم، لما ورد في مذاهبهم، والدلالة تامّة5، فتدلّ الرواية على ثبوت حقّ المقاصّة النوعيّة، وأنّه ما داموا هم يأخذون منكم فأنتم خذوا منهم بالمقابل أيضاً.

    1. ما رواه عبد الله بن طاووس قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: "إنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي، وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق؟ فقال: إن كان من إخوانك فلا شيء
    عليه، وإن كان من هؤلاء فَأَبِنْهَا منه، فإنّه عنى الفراق، قال: قلت: أليس قد رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: إيّاكم والمطلّقات ثلاثاً في مجلس، فإنّهنّ ذوات الأزواج؟ فقال: ذلك من إخوانكم لا من هؤلاء، إنّه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم"
    6، وعموم الحديث نظراً إلى ذيله ظاهر.

    ونكتفي بذكر هذا المقدار من الروايات الّتي يكاد يحصل القطع من خلالها بصدور مفاد القاعدة عن المعصومين عليهم السلام.


    166

    شمول القاعدة للأبواب الفقهيّة
    قد عرفت ممّا مرَّ أنّ جلّ أحاديث الباب وردت في الإرث والنكاح والطلاق. ولكن هل يختصّ الحكم بهذه الأبواب الثلاثة، أو يشمل أبواباً مثل: الوصيّة والوقف والهبة وإحياء الموات والحيازة، ونحوذلك، من الأحكام والحقوق؟.

    والجواب: إنّه لا يوجد أيّ مانع من شمولها لها بعد عموم الأدلّة، وشمول الإطلاقات، وعدم الدليل على تخصيصها. فلوأنّ أحداً من المذاهب الأخرى أوصى بوصيّة صحيحة عنده، باطلة عندنا، تشمل هذه الوصيّة أصنافاً منّا، فأيّ مانع من الأخذ بمقتضى وصيّته، والانتفاع بها، بعد عموم قوله: "ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم"، وقوله: "يجوز على كلّ ذوي دين ما يستحلّه"، وقوله: "من دان بدين قوم لزمته أحكامهم"، وقد مرّ ذكرها جميعاً في طيّ روايات الباب. وكذلك إذا وهب مالاً هبة صحيحة عنده، باطلة عندنا، يجوز التصرّف فيه بعنوان الهبة. وهكذا في أبواب المضاربة والإجارة والمزارعة والمساقاة، يجوز الأخذ بمقتضى ما يلتزمون به من أحكامهم، كما يأخذون منّا بمقتضاها. وكذلك الأمر في أبواب الحيازة وإحياء الموات، فلوأنّ أحداً منهم عمل ما يوافق قواعد الحيازة والإحياء عندنا، ولكنّه لا يراها صحيحة، بحسب أحكامهم، فيتركه من هذه الجهة، لا من باب الإعراض الّذي يوجب الخروج من الملك مهما كان، فلِمَ لا يجوز الأخذ بمقتضى مذهبهم فيما يكون عليهم، كما يأخذون منّا فيما يكون لهم؟ ولكنّ الأصحاب لم يتعرّضوا لهذه الفروع في كلماتهم، ولعلّه لعدم الابتلاء به كثيراً في غير أبواب النكاح والطلاق والإرث، ولكنّ عدم التعرّض لها لا يكون دليلاً على عدم قبولهم لها مع عموم الأدلّة، وإطلاق الفتاوى أحياناً7.


    167

    حدود القاعدة
    وقع البحث في أنّ المراد بالقاعدة هل هو إلزام خصوص أهل المذاهب الأخرى، أو إلزام كلّ فرد بما يعتقد؟ فهل تعمّ القاعدة سائر ذوي الأديان؟ فلوفرض أنّ الكتابيّ طلّق زوجته طلاقاً فاقداً للشروط عند الإماميّة، فهل يجوز الزواج بها؟
    الجواب نعم، لوجوه:
    - إنّ المسلم من غير الإماميّة إذا كان يلزم بذلك، فبالأولى إلزام غير المسلم بذلك.
    - ظاهر قوله عليه السلام: "خذوا منهم ما يأخذون منكم في سنّتهم"، وقوله: "خذهم بحقّك في أحكامهم، كما يأخذون منكم"، في معرض السؤال عن حكم التعصيب، وقوله عليه السلام: "ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم"، في معرض السؤال عن جواز الزواج، وحكم الطلاق، أنّ الإلزام ناظر إلى أهل السنّة.

    - إنّ صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة، قالت: "تجوز على أهل كلّ ذوي دين ما يستحلّون"، وهذا يعمّ غير المسلم أيضاً. فالظاهر أنّ الإلزام لا يختصّ بالمسلمين، بل يلزم أهل كلّ دين بما يعتقدون، فيكون ذكرها بعد السؤال عن التعصيب والطلاق والزواج من باب التطبيق لا الاختصاص، كما هوالمفهوم عرفاً من ذلك.

    وهنا ينبغي أن نشير إلى أنّ ما تقدّم من القول بعموم القاعدة لا يشمل الإماميّ مع الإماميّ، فيما لواختلف المكلّفون في التقليد، لأن لهما مذهباً واحداً، وإن احتمل الخطأ من أحدهما، مع احتمال شموله لهم, لأنّ المراد إلزام أهل كلّ اعتقاد بما يعتقدون، وليس أهل الاعتقاد نفسه مع بعضهم البعض.

    تعليق


    • #3
      الدرس الثالث عشر: قاعدة الاشتراك في التكليف
      أهداف الدرس
      - التعرّف على معنى قاعدة الاشتراك في التكليف وأدلّتها.
      - القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
      - التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


      173

      المقدّمة
      الأصل أن يشترك جميع المكلّفين في التشريعات والتكاليف الصادرة عن الشارع المقدّس, التزاماً بمبدأ عالميّة الدين الإسلاميّ، وتعميماً لجميع الأحكام الّتي صدرت في مناسبات مختلفة في صدر الإسلام، على جميع المكلّفين في الأزمنة التالية.

      بيان المراد من القاعدة

      المراد من القاعدة اشتراك جميع المكلّفين في التكليف في الأحكام الشرعيّة، وعدم اختصاص هذه الأحكام بجماعة دون جماعة، فهي تعمّ الحاضرين والغائبين والعالمين والجاهلين أجمعين، فلا اختصاص بزمان أومكان أو طائفة أو شخص أوجنس.

      وذلك كما إذا صدر في واقعة ما حكم شرعيّ موجَّه إلى طائفة أوشخص معيَّن، فهذا الحكم سيكون مشتركاً بين جميع المكلَّفين، الرجل والمرأة، الحاضر والغائب، العالم والجاهل، والمراد به توسعة الخطاب أوالمخاطب. هذا إذا لم يكن هناك ما يدلُّ على مدخليَّة خصوصيَّة لا تنطبق إلاَّ على شخصٍ خاصٍّ، أوطائفة خاصَّة، أو زمان خاصّ، كزمان حضور الإمام عليه السلام فالحكم


      175

      سيكون مشتركاً بين جميع المكلَّفين إلى يوم القيامة، سواءً أكان ثبوته بخطاب لفظيّ، أم بدليل لبِّيّ من إجماعٍ وغيره.1

      وهنا، لا بدّ من بيان أمور وتوضيحها:
      أ- لا يُراد من الاشتراك اتّحاد جميع المكلَّفين في الأحكام بأيّ صفة كانت وعلى أيّ حال من الأحوال, لأنَّ هذا باطل بالضرورة، ولا إشكال في اختصاص بعض المكلَّفين دون بعض عند الضرورة وعدمها، وعند المرض وعدمه، وغيرها من القيود والشروط والاستثناءات.

      ب- الاشتراك لا ينافي اختصاص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ببعض الأحكام, لامتيازه صلى الله عليه وآله وسلم من سائر البشر، وبلوغه أعلى مراتب الكمال. ولهذا لا يستشكل على بعض استثناءات القاعدة كاختصاصات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يستشكل أيضاً بالأحكام الخاصَّة بالرجل كالجهر دون المرأة، أوبالعكس ككون إرثها نصف إرث الرجل، في كثير من الأحيان, وذلك لأنّ الأصل الاشتراك، والخارج يحتاج إلى الدليل.

      بيان مدرك القاعدة

      تمهيد: إنَّ ذكر الدليل على اعتبار قاعدة الاشتراك كان من باب العمل بسيرة المحقِّقين، وإلاَّ فلا تحتاج هذه القاعدة إلى الاستدلال, لأنَّها من ضروريّات الفقه، ولا يكون فيها أيَّ شبهة وأدنى ريب عند المسلمين. "فالآيات والروايات الكثيرة دالَّة على اشتراك الأحكام الواقعيَّة بين العالم والجاهل، وإن شئت فعبِّر عنها بقاعدة الاشتراك، فإنَّها من ضروريات المذهب"2.

      ومع هذا يمكن الاستدلال على اعتبار القاعدة بأمور، هي:


      176

      الأوّل: إطلاق خطابات الكتاب:
      يدلّ عليها من الكتاب الخطابات الشفهيّة، مثل:
      ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُï´¾، وï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ...ï´¾، وما أشبه، ممّا لا إشكال في اتّحاد مفادها مع مفاد سائر الأحكام الّتي لم تصدر بهذه الجمل، مثل: ï´؟كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُï´¾3، ï´؟وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ...ï´¾4،ï´؟وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم...ï´¾5، ï´؟وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِï´¾6، وما أشبه من غير فرق بين أن يكون للتكليف أو للوضع، مثل: ï´؟يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ...ï´¾،7 إلى غيرها.

      واختصاص الخطاب بالمشافهين، أو الحاضرين دون الغائبين والقادمين، لقبح خطاب غير الحاضر أو المعدوم، إنّما يتمّ إذا لم يكن التشريع للجميع، كما يفهم كلّ أصحاب الأديان والقوانين، فإنّها على نحوالقضايا الحقيقيّة.

      نعم، إذا كان على نحو القضايا الخارجيّة مثل "جهّزوا جيش أسامة"،8 لم يشمل حتّى غير المعنيّين، فكيف بغيرهم؟

      الثاني: ويدلّ عليها من السنَّة الشريفة:

      1- الحديث النبويّ المشهور: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"9. وهويدلُّ على أنَّ الحكم الشرعيّ لا يختصُّ بفرد خاصّ، بل يعمُّ الجميع، بعد معرفة أنَّ المراد بالجماعة هوالعموم، لا جماعة خاصَّة.

      2- صحيحة زرارة عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "حلال محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرام محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم حرام أبداً


      177

      إلى يوم القيامة"10.

      بعد وضوح أنَّ المراد "من الحلال والحرام" هو الأحكام والتشريعات الإلهيّة، دلَّ الحديث على أنَّ الحكم الشرعيّ لا يختصُّ بزمان ولا بشخص أو طائفة، بل يشمل الجميع، فيشترك جميع المكلَّفين في الحكم في مختلف الأعصار.

      الثالث: الأدلَّة الأوَّليَّة:

      إنَّ الأدلَّة الّتي تبيّن الحكم تكون على قسمين:
      1- الإنشاء العامّ بنحو القضيّة الحقيقيّة، كقوله تعالى:
      ï´؟...وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً...ï´¾11، هذا القسم بظهوره يشمل الجميع, لأنَّ مفاده تحقُّق الحكم في فرض تحقُّق الموضوع، بلا فرق بين الحاضر والغائب.

      2- الخطابات الشفاهيّة: مثل قوله تعالى:
      ï´؟...وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ...ï´¾ وغيره، هذا القسم بالأسلوب الأوَّليّ، منصرف إلى الحاضرين، ولكن قُرّر في أصول الفقه عدم اختصاصه بالحضور، كما قال المحقّق صاحب الكفاية: "ضرورة وضوح عدم اختصاص الحكم في مثل ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ...ï´¾، ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ...ï´¾، بمن حضر مجلس الخطاب، بلا شبهة ولا ارتياب، ويشهد لما ذكرناه صحَّة النداء بالأدوات مع إرادة العموم من العامّ الواقع تلوها بلا عناية"12.

      الرابع: بناء العقلاء:

      إنّه بناء كافّة العقلاء، في جميع الأمصار والأدوار، هذا بالإضافة إلى الارتكاز والسيرة.


      178

      وعليه فلا خصوصيّة للرجل أو المرأة، والصبيّ أو الصبيّة، سواء أكان الخطاب ونحوه للأوّل أم للثاني، مع حفظ القيود والشروط في الموضوع، وبالعكس، ولذا لوسأل زرارة أو أمّ فلان، الإمام الصادق عليه السلام أنّ ثوبه أو ثوبها أصابه بول؟ فقال: اغسله في الماء الجاري مرّة، لم يشكّ في أنّه لا خصوصيّة لمن يسأل، كما لا يشكّ في أنّه لا خصوصيّة لأهل المدينة محلّ السؤال، أو للنهر الّذي أشارإليه الإمام عليه السلام مثلاً بقوله: اغسله فيه.

      ولذا لم يشكّ الفقهاء قديماً وحديثاً ـ باستثناء المستند ـ في أنّ قوله عليه السلام: "انظروا إلى من معكم من الصبيان"13، يشمل البنات أيضاً.

      حدود توسعة الاشتراك في التكليف

      يمكن توسعة الخطاب الموجَّه للرجل، في ضوء القاعدة، للمرأة أيضاً، كما في قوله تعالى:
      ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ...ï´¾، فيكون الخطاب شاملاً للرجل والمرأة معاً، ويكون الخطاب كأنَّه: يا أيّها الذين آمنوا واللواتي آمنَّ.

      وممَّا يراد بالقاعدة اشتراك الكفَّار مع المؤمنين في التكاليف الإنشائيَّة والفعليَّة، بمعنى أنَّه كما يكون المسلم مبعوثاً إلى مثل الصلاة، كذلك يتوجَّه البعث إلى الكافر أيضاً من دون فرق، وكما يكون المسلم مزجوراً عن مثل شرب الخمر، كذلك يتوجَّه الزجر إلى الكافر أيضاً بنفس ذلك الخطاب.14 على تفصيل في محلّه. ولكن يوجد رأي آخر يقول بعدم توجّه التكليف بالفروع إلى الكافي...

      تعليق


      • #4
        الدرس الرابع عشر: قاعدة الإقرار
        أهداف الدرس
        - التعرّف على معنى قاعدة الإقرار وأدلّتها.
        - القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
        - التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


        185

        المقدّمة
        حدّدت الشريعة المقدّسة مجموعة من الحقوق الّتي تنفذ بإقرار المكلّف على نفسه، واعتبرت إقراره جائزاً، بل حجّة يترتّب عليه الأثر، إن كان لصالح الآخر، كما هوالغالب، وقد اعتمد الفقهاء عليها في العديد من الأبواب الفقهيّة، قال العلّامة الحلِّيّ في صيغته: "هي اللفظ المتضمّن للإخبار عن حقّ واجب، كقوله لك عليّ، أوعندي، أوفي ذمّتي، أو ما أشبهه، ويصحّ الإقرار بغير العربيّة اضطراراً واختياراً. وإطلاق الإقرار بالموزون ينصرف إلى ميزان البلد، وكذا المكيل، وكذا إطلاق الذهب أو الفضة، ينصرف إلى النقد الغالب في بلد الإقرار"1.

        بيان المراد من القاعدة

        المقصود من القاعدة أنّ كلّ عاقل إذا اعترف بشي‌ء هو في غير صالحه، كان ملزَماً باعترافه، فلو اعترف قائلاً بأنّ الدار الّتي أسكن فيها ليست هي لي، بل لزيد، أُخذ باعترافه وكان ملزماً به. وهكذا لو قال: إنّي لم أدفع المهر


        187

        لزوجتي، وهو بعدُ في ذمّتي، كان ذلك منه اعترافاً على نفسه، وكان ملزماً به.

        أمّا إذا قال: الدار الّتي يسكن فيها زيد هي ليست له، بل قد غصبها منّي، لم يكن ذلك منه مقبولاً، بل احتيج في تصديقه إلى إثبات بالبيّنة, لأنّه ليس اعترافاً على نفسه، بل هوادّعاء في صالح نفسه ونفعها، والادّعاء المقبول هو ما كان في ضرر المدّعي، لا ما كان في صالحه.

        توضيح مفردات القاعدة:

        "على": ومنه يتّضح أنّ كلمة "على" المذكورة في لسان القاعدة يُراد بها الإشارة إلى حيثيّة كون الادّعاء في ضرر المدّعي، فهوعليه وليس له.

        "جائز": المقصود من كلمة "جائز" الواردة في لسان‌القاعدة، هو الجواز بمعنى النفوذ والإلزام، وليس بمعنى الإباحة أو الجواز، في مقابل الحرام، فمعنى الإقرار على النفس جائز يراد به أنّ الإقرار على النفس نافذ وماض وتكون ملزمة به.

        "الإقرار": والإقرار لغةً وعرفاً، عبارة عن جعل الشيء ذا قرار وثبات، فمتى أقرَّه على شغله: أي جعله ثابتاً في ذلك الشغل. والمراد من الإقرار هنا (في الفقه) هواعتراف المقرّ بما في ذمّته من الدَين أوالحقّ أوالضمان وغيرها، والإقرار هوأقوى الطرق لإثبات الحكم على المكلَّف، أونفيه عنه، وهومقدّم على الطرق الأُخرى، ولا شكّ في نفوذ الإقرار وترتُّب الأثر عليه.

        وعليه فإذا اعترف المكلَّف بشيء وأقرّه على نفسه يثبت ما اعترف به قطعاً، كما إذا أقرَّ شخصٌ بكونه مديناً لشخص آخر كان ذلك الإقرار حجَّة قطعيّة، ويثبت عليه الدَين بإقراره، فيُلزم بإعادته إلى المالك الحقيقيّ، ويترتّب على هذا الإقرار أنَّ الإنكار بعده يسمع، فلوأقرّ بأنَّه مديون، لزمه ولوادَّعى بعد ذلك


        188

        الإيفاء، طُولِب بالبيِّنة.2

        ومن المعلوم أنَّ مورد الإقرار إنَّما هو في الأمور الّتي تكون ضرريَّة وكلفة بالنسبة إلى المقرّ نفسِه - كما هوحاله عند الإقرار بالدين -، فعليه لا يكون الاعتراف بالأمر الّذي ينتفع به المقرّ نفعاً دنيويّاً ونحوه حجَّة له، بل لا يطلق الإقرار على ذلك الاعتراف بحسب الاصطلاح.

        بيان مدرك القاعدة

        الأصل في شرعيَّة الإقرار، بعد الإجماع من المسلمين أو الضرورة، السنَّة المقطوع بها من طرق المسلمين، وقد خصّص الحرّ العامليّ في الوسائل كتاباً خاصّاً جمع فيه الروايات الخاصّة بالإقرار3.

        وقد تحقَّق التسالم عند الفقهاء بالنسبة إلى نفوذ الإقرار ولا إشكال فيه ولا خلاف، فالأمر متسالم عليه عندهم. قال الشيخ الأنصاريّ في مقدمة رسالته الّتي ألّفها في القاعدة المذكورة: "اشتهر على ألسنة الفقهاء، من زمان الشيخ قدس سره إلى زماننا، قضية كليّة يذكرونها في مقام الاستدلال بها، على ما يتفرّع عليها كأنّها بنفسها دليل معتبر أو مضمون دليل معتبر، وهي أنّ من ملك شيئاً ملك الإقرار به ..."4.

        ومع هذا، يُستدلّ على حجّيَّة القاعدة بالأدلَّة الآتية:
        الأوّل: الكتاب: يمكن الاستدلال على القاعدة بقوله تعالى:
        ï´؟كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْï´¾5. فهي تدلّ على أنّ الإنسان يجب أن يشهد بالحقّ ولوكان ذلك في غير صالح نفسه.

        189

        وغاية ما يقتضيه هذا أنّ ما ثبت كونه‌حقّاً تلزم الشهادة به، وبالالتزام العرفيّ تدلّ على وجوب قبوله، ولا تدلّ على أنّه لوشهد شخص على نفسه بشي‌ء، واحتملنا كونه مشتبهاً، يلزم قبول ذلك أيضاً.

        وبكلمة أخرى:
        هي تدلّ على أنّ الحقّ إذا شهد به يلزم قبوله، وهذا أمر مسلّم به، غير قابل للشك وإلّا لم يكن الحق حقّاً، ولا تدلّ على أنّ كلّ ما شهد به، ما دام هوعلى النفس، يلزم قبوله حتّى ولو لم يحرز كونه حقّاً.

        الثاني: الروايات:
        وهي الواردة في مختلف الأبواب وتبلغ درجة التواتر.
        منها: صحيحة عبد الله بن مغيرة، عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "في رجلين كان معهما درهمان، فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني وبينك، قال: فقال أبوعبد الله عليه السلام: أمَّا الذي قال هما بيني وبينك فقد أقرّ بأنَّ أحد الدرهمين ليس له فيه شيء، وأنَّه لصاحبه ويقسّم الثاني بينهما نصفين"6. دلَّت على نفوذ الإقرار ومؤاخذة المقرّ على ما أقرّ به.

        ومنها: النبويّ المشهور بين الفريقين وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إقرار العقلاء على أنفسهم جائز"7.

        ولا إشكال في دلالة الحديث، واعتماد الفقهاء عليه، حتّى في إطلاقه على اسم القاعدة، ولكنّ المشكلة في السند، فهوكما قال صاحب الوسائل: "رواه جملة من علمائنا في كتبهم الاستدلاليّة من دون أن يعرف له مستند غير ذلك"8. نعم، رواه الأحسائيّ في كتابه عوالي اللئالي، ناسباً إيّاه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم9، والكتاب المذكور ليس مورداً للاعتماد. وأمّا شهرة العمل به -


        190

        على تقدير كونه حديثاً- فهي لوتمّت كبرى وصغرى فلا يمكن التعويل عليها في المقام, لاحتمال أنّ استنادهم إليه ليس لثبوت حجّيّته لديهم كحديث, بل لأنّ مضمونه مضمون عقلائيّ لا يحتاج إلى رواية.

        ومنها: خبر جرَّاح المدائنيّ عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا أقبل شهادة الفاسق إلاَّ على نفسه"10، وهذا الخبر يدلُّ على نفوذ الإقرار على النفس، وإن كان فاسقاً.
        وبالمجموع دلّت هذه الروايات - بعد إلغاء الخصوصيّة عن المورد - على كون الإقرار طريقاً لإثبات متعلّق الإقرار على المقرّ.

        خلاصة الكلام:
        إنّ الروايات الصادرة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام في الموارد الخاصّة الدالّة على نفوذ إقرار كلّ عاقل على نفسه، كثيرة جدّاً، ومن راجع كتب الحديث من الفريقين- باب القصاص، وباب الحدود، وباب الديَات، وباب الغصب، وباب الإقرار، وباب القضاء منها ـ وأمعن النظر، لا يتأمّل في أنّ ذكر الموارد لأجل تطبيق الكبرى الكلّيّة عليها، أو لأجل الجواب عن القضايا الشخصيّة، وإلّا فلا خصوصيّة لها، بل الحكم عام، أي مفاد تلك الأخبار نفوذ إقرار كلّ عاقل على نفسه في أيّ مورد كان، ويكون حكماً كليّاً لإقرارات جميع العقلاء في جميع الموارد.

        الثالث: السِّيرة:
        استقرَّت السِّيرة العقلائيَّة منذ بداية التاريخ، وفي جميع الملل والأديان، على نفوذ إقرار كلِّ عاقل على نفسه، فإنَّ معظم المعاملات عند العقلاء يبتنى على أساس الإقرار، ويترتَّب عليه الأثر، وهو طريق مثبت لما أقرَّ به عندهم جميعاً ولم ينكره أحدٌ.


        191

        هل يختصّ الإقرار بالبالغ؟
        لا ريب في صحَّة إقرار البالغ، وأمَّا بالنسبة إلى إقرار الصبيّ فإنَّ أدلَّة الإقرار لا تشمل إقرار الصبيّ قطع, ولا أقلّ من أنَّها منصرفة من الصبيان، فلا شكَّ في أنَّ ما دلّت عليه الأدلّة هوالبالغ، وأنّ المراد من قولهم: "إقرار العقلاء" هم البالغون دون غيرهم. فلا ينفع ذلك في إقرار الصبيّ فيما له أن يفعله11, وذلك للفرق الواضح بين المقامين.

        استثناءات من قاعدة قبول الإقرار

        تقدّم أنّ قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز هي من القواعد الّتي انعقدت عليها سيرة العقلاء، بيد أنّه يُستثنى من ذلك بعض الموارد، كموارد الاتّهام، كما لو فرض أنّ شخصاً أقرّ بكونه سارقاً، واحتملنا أنّ غرضه من وراء ذلك قطع يده، ومن ثمّ إعفاؤه من الخدمة العسكريّة، فإنّ الإقرار في مثل ذلك لا يكون نافذ, لأنّ مدرك حجّيّته على ما تقدّم هوالسيرة العقلائيّة، وهي خاصّة بموارد عدم الاتّهام.

        الفرق بين قاعدة الإقرار وقاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به

        أوضحنا المراد من قاعدة الإقرار، وأمّا قاعدة: "من ملك شيئاً ملك الإقرار به" فالمقصود منها أنّ كلّ من كان من حقّه القيام بتصرّف معيّن، فمتى ما أخبر عن تحقّق ذلك التصرّف قُبِلَ إخبارُه من دون مطالبة بإثبات ذلك، فلوأخبر الزوج الّذي من حقّه طلاق زوجته متى ما شاء: إنّي طلّقت زوجتي، قُبِلَ منه الإخبار المذكور، وحكم بتحقّق طلاق الزوجة بدون أن يُطالب بإثبات ما أخبر عنه من خلال البيّنة.

        وهكذا الحال لوأوكلنا تصرّفاً معيّناً إلى شخص فقلنا لأحد أصدقائنا: أنت


        192

        وكيلي في شراء الدار الفلانية، فجاء بعد مدّة مخبراً بأنّي اشتريتها بسعر كذا، قُبل منه ذلك بدون أن يطالَب بالإثبات.

        ومن هذا يتّضح أنّ المقصود من جملة: "ملك شيئاً" السلطنة على التصرّف المعيّن. كما وأنّ المقصود من جملة: "ملك الإقرار به" نفوذ الإخبار عن تحقّق ذلك التصرّف المعيّن بلا مطالبة بالحجّة على تحقّقه. واتّضح أيضاً من خلال كلّ ما ذكرناه أنّ معنى كلمة الإقرار في القاعدة الأولى والقاعدة الثانية متغاير، ففي القاعدة الأولى يُراد منها الاعتراف في غير صالح النفس، بينما في القاعدة الثانية يُراد منها الإخبار عن تحقّق التصرّف المعيّن.

        من خلال ما ذكرناه في معنى القاعدتين يتّضح أنّ القاعدتين‌لا ترجعان إلى قاعدة واحدة، بل لكلّ واحدة معنى يغاير المعنى المقصود من الثانية12. ومع هذا يمكن القول: إنّ القاعدتين متغايرتان مفهوماً، بيد أنّهما قد تلتقيان مورداً. فإذا أخبر شخص بأنّي قد أوقفت داري على الفقراء، أوأوصيت بها إليهم، قُبل منه، وكان ذلك مورداً لكلتا القاعدتين.

        الفرق بين البيّنة والإقرار

        الفرق بين البيِّنة والإقرار، أنَّ البيِّنة جعلها الشارع طريقاً نزّل مؤدَّاها منزلة الواقع، فإذا شهدت البيِّنة بطهارة ماء كان نجساً صار الماء بمنزلة ما لوطهَّرته بنفسك، فتشربه وتتوضَّأ به، أمَّا الإقرار فلا نظر في أدلَّة اعتباره إلى الواقع، بل غايته أنَّ المقرَّ يُلزم بإقراره، أمَّا غير المقرّ فلا يُلزم به. فلوأقرّ زيد بزوجيّة هند له وأنكرت هي، فإنَّه يُلزم بآثار الزوجيَّة من مهر نفقة وغيرهما، ولا تُلزم هي بشيء من آثار زوجيّته، أمَّا لو أقام البيِّنة عليها، أوحكم الحاكم، فإنَّها تُلزم بجميع الآثار، ولا يبقى أيّ أثر لإنكارها.
        13
        هوامش
        1- الحلّي، نجم الدين جعفر بن الحسن: شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تعليق السيد صادق الشيرازي، ط2، طهران، انتشارات استقلال؛ مطبعة أمير، 1409هـ.ق، ج‌3، ص690.
        2- كاشف الغطاء، محمّد حسين: تحريرالمجلَّة،لاط، النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية، 1359هـ.ق، ج1،ص51.
        3- انظر: العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج23، كتاب الإقرار.
        4- الرسالة الملحقة في آخر كتاب المكاسب للشيخ الأنصاريّ قدس سره.
        5- النساء: 135.
        6- العاملي، وسائل الشيعة، م.س، ج13، باب9 من كتاب الصلح، ح1، ص169.
        7- م.ن، ج16، باب3 من كتاب الإقرار، ح1، ص11.
        8- العاملي، وسائل الشيعة، ج16، باب3 من أبواب الإقرار،ح2.
        9- الإحسائي، ابن أبي جمهور: عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، تقديم السيد شهاب الدين النجفي المرعشي، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقي، ط1، قم المقدّسة، مطبعة سيّد الشهداء عليه السلام، 1403هـ.ق/ 1983م، ج3، ص223.
        10- الكليني، الكافي،م.س، ج7،باب مايراد من الشهود،ح5، ص395؛ العاملي، وسائل الشيعة،م.س، ج16، باب6 من كتاب الإقرار،ح1، ص112.
        11- الأنصاري، المكاسب، م.س، الخيارات، ص368.
        12- الإيرواني، محمّد باقر: دروس تمهيديّة في القواعد الفقهيّة، ج‌2، ص173.
        13- الإيرواني، محمّد باقر: دروس تمهيديّة في القواعد الفقهيّة، ج‌2، ص173.
        14- اللنكراني، القواعد الفقهيَّة، م.س، ج1، قاعدة الإقرار، ص73.


        يتبع

        تعليق


        • #5
          الدرس الخامس عشر: قاعدة القرعة
          أهداف الدرس
          - التعرّف إلى معنى قاعدة القرعة وأدلّتها.
          - القدرة على الاستدلال على حجّيّة القاعدة.
          - التدرّب على تطبيق القاعدة في مواردها.


          199

          المقدّمة
          قاعدة القرعة من القواعد المعمول بها في كثير من أبواب الفقه، عند اشتباه حال الموضوعات، وعدم معرفتها على ما هي عليه، وهي برغم شدّة ابتلاء الفقيه بها لم تنقّح في كلماتهم حقّ التنقيح، ولم يُبحث عنها بحثاً وافياً بها، ولذا يُرى في العمل بها تشويشٌ واضطرابٌ ظاهرٌ، فيُعمَل بها في موارد، وتُترك في موارد أخرى مشابهة لها ظاهراً، من دون أن يبيّنوا لهذه التفرقة دليلاً يُعتمد عليه1. ولكن لعلّ ذلك لعدم الحاجة إليه, لوجود أدلّة أخرى مثبتة، ولأنّ القرعة آخر الأدلّة.

          بيان المراد من القاعدة

          يقصد بالقاعدة المذكورة أنّ الواقع، إذا أشكل في مورد ولم يمكن تشخيصه من خلال أمارة أو أصل، فيمكن المصير في تعيينه إلى الاقتراع، وذلك بكتابة قطع متعدّدة وسحب واحدة منها. فيكون المراد من القرعة هنا، هوالاقتراع لتعيين المطلوب في الأمور الشرعيّة المشتبهة، فإذا اشتبه الأمر ولم يكن أيّ طريق إلى كشفه فيتوسّل بالقرعة ويتعيّن بها المطلوب. وقد تسالم الفقهاء على كون القرعة طريقاً لحلّ المشكل الفقهيّ (الشبهة)، وعليه قالوا: "القرعة لكلّ أمر مشكل".


          201

          بيان مدرك القاعدة
          يمكن الاستدلال على حجّيّة القرعة بعدّة أدلّة من الكتاب والسنّة، إضافة إلى السيرة:
          الأوّل: من الكتاب:
          قوله تعالى:
          ï´؟وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَï´¾2، بتقريب أنّ يونس لمّا خرج من قومه غاضباً عليهم، ركب سفينة لم تتمكّن من مواصلة سيرها، إمّا لاعتراض الحوت لها وعدم اندفاعه إلّا بإلقاء واحد له ليلقمه, أو لزيادة وزنها الذي يحتاج معه إلى إلقاء واحد من الركاب، وبالتالي تمّ الاتّفاق على الاقتراع لتعيين ذلك الشخص، وخرجت القرعة باسم يونس، ووافق على نتيجة القرعة، فإنّ ذكرها في القرآن الكريم واشتراك النبي يونس عليه السلام بها وقبوله لنتيجتها يدلّ على حجّيّة القرعة، وإلّا لَمَا اشترك يونس عليه السلام الّذي هومعصوم في ذلك.

          وقوله تعالى:
          ï´؟وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾3، وهي واردة في قصّة ولادة مريم عليها السلام، وما رامته أمّها امرأة عمران، حيث إنّها بعد ما وضعتها أنثى لفّتها في خرقة وأتت بها إلى المعبد ليتكفلّها عبّاد بني إسرائيل، وقد مات أبوها من قبل، فقالت دونكم النذيرة4، فتنافس فيها الأحبار, لأنّها كانت بنت إمامهم عمران، فوقع التشاحّ بينهم فيمن يكفل مريم حتّى قد بلغ حدّ الخصومة ï´؟إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾، فما وجدوا طريقاً لرفع التنازع إلّا القرعة، فتقارعوا بينهم، فألقوا أقلامهم الّتي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء، وقيل: ألقوا قداحهم للاقتراع، جعلوا عليها

          202

          علامات يعرفون بها من يكفل مريم، فارتزّ5 قلم زكريّا ثمّ ارتفع فوق الماء، ورسبت أقلامهم، وقيل ثبت قلم زكريّا وقام طرفه فوق الماء كأنّه في الطين، وجرت أقلامهم مع جريان الماء، فوقعت القرعة على زكريّا - وقد كانوا تسعة وعشرين رجلاً - فكفلها زكريّا، وكان خير كفيل لها وقد كان بينهما قرابة, لأنّ خالة أمّ مريم كانت عنده. هذا، ولكنّ في الآية نفسها إبهام, فإنّ كون جملة ï´؟إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْï´¾ بمعنى الاقتراع غير واضح، إلّا أنّ بعض القرائن الداخليّة والخارجيّة رافعة للإبهام عنها، كقوله تعالى: ï´؟أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَï´¾، وقوله: ï´؟إِذْ يَخْتَصِمُونَï´¾، وغير واحدة من الروايات الواردة في تفسير الآية الّتي تأتي الإشارة إليها.

          وبالنتيجة، في الآية دلالة على أنّ القرعة كانت مشروعة لرفع النزاع والخصومة في الأمم السالفة، ويمكن إثباتها في هذه الأمّة أيضاً بضميمة استصحاب الشرايع السابقة، مضافاً إلى أنّ نقله في القرآن من دون إنكار، دليل على ثبوتها في هذه الشريعة أيضاً، وإلّا لوجب التنبيه على بطلانها في هذه الشريعة.

          الثاني: من السنّة:

          الرواية الأولى: صحيحة محمّد بن حكيم: "سألت أبا الحسن عليه السلام عن شيء؟ فقال لي: كلّ مجهول ففيه القرعة. قلت له: إنّ القرعة تخطئ وتصيب؟ قال: كلّ ما حكم الله به فليس بمخطئ"6. ووجه الاستدلال بالرواية، لناحية عدم تخصيص الحكم هنا بالمنازعة ونحوها، بل عنوانه "كلّ مجهول". وأما إبهام كلمة "شيء" واحتمال كون السؤال عن شيء خاصّ متنازع فيه، فالحقّ أنّه لا يضرّ بإطلاق قوله: "كلّ مجهول ففيه القرعة", لأنّ ورود السؤال في مورد


          203

          خاصّ لا يضرّ بعموم الحكم إذا كان اللفظ عامّاً. وأمّا قوله: "كلّما حكم الله به فليس بمخطىء"، فقد ذكر فيه احتمالان:
          أحدهما: أن يكون المراد خروج سهم المحقّ واقعاً، فهوردع لقول السائل إنّ القرعة تخطىء وتصيب، وإثبات لعدم خطئها، وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الرواية.
          ثانيهما: وهو الأنسب بظاهرها أن يكون المراد عدم الخطأ في الحكم بحجّيّة القرعة، فإنّه لو لم يكن هناك مصلحة في العمل بالقرعة والحكم بحجّيتها، لما حكم به الله، فالمعنى أنّ خطأ القرعة عن الواقع، أحياناً، لا يمنع من كون نفس الحكم بحجّيّتها صواباً ومشتملاً على المصلحة، فحكم الله ليس بخطأ. والذي يؤيّد هذا المعنى بل يدلّ عليه أنّ قوله: "كلّ ما حكم الله به" بمعنى نفس الحكم، فعدم الخطأ فيه لا في متعلّقه الّذي هو القرعة. هذا، مضافاً إلى أنّ العلم بوقوع الخطأ في كثير من الأمارات الشرعيّة، مع أنّها ممّا حكم الله به، يمنع من حمل الحديث على هذا المعنى، لوفرض ظهوره فيه بادئ الأمر.

          الرواية الثانية: صحيحة إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام: "رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهوحرّ فورث ثلاثة؟ قال: يقرع بينهم، فمن أصابته القرعة أُعتق. قال: والقرعة سنّة"7، فإنّ ذيلها "والقرعة سنّة" يمكن أن يُستفاد منه حجّيّة القرعة في جميع الموارد. وهذا الحديث، وإن كان وارداً في مورد خاصّ، ولكنّ قوله: "القرعة سنّة" يدلّ إجمالاً على عموم الحكم، وعدم اختصاصه بالمقام.

          الرواية الثالثة: ما رواه الصدوق بإسناده عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام إلى اليمن،


          204

          فقال له، حين قدم: حدّثني بأعجب ما ورد عليك، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاني قوم قد تبايعوا جارية، فوطئها جميعهم في طهر واحد، فولدت غلاماً، فاحتجّوا فيه، كلّهم يدّعيه، فأسهمت بينهم فجعلته للذي خرج سهمه وضمنته نصيبهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس من قوم تقارعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى الله إلّا خرج سهم المحقّ"8.

          ورواه في التهذيب والاستبصار، عن عاصم بن حميد، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر عليه السلام، إلّا أنّه قال: "ليس من قوم تنازعوا ثم فوّضوا..."، ولعلّه الأصحّ, فإنّ التفويض إلى الله إنّما يكون بعد التنازع وقبل القرعة كما في هذه النسخة، لا بعد القرعة، كما في نسخة الفقيه.

          وعلى كلّ حال، هذه الرواية عامّة في جميع موارد التنازع والمشكلات، وموردها يكون من الأمور المشكلة الّتي لها واقع مجهول يراد كشفه، كما أنّ ظاهر الفقرة الواردة في ذيلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كون القرعة - مع شروطها، ومع التفويض إلى الله - كاشفة عن ذلك الواقع المجهول، وعلى هذا تكون منسلكة في سلك الأمارات، لوكان خروج سهم المحقّ غالبيّاً، ولوكان دائميّاً كانت القرعة أعلى من الأمارات المعمولة، وهذه الرواية المصحّحة المرويّة عن الكتب الأربعة من أحسن ما ورد في هذا الباب9.

          هذا وهناك روايات خاصّة مبثوثة في مختلف أبواب الفقه تؤيّد عموم القاعدة وعدم اختصاصها بمورد معيّن، وإن لم يكن فيها تصريح بالعموم، ولكن ورودها وانبثاثها في تلك الأبواب المختلفة من المؤيّدات القويّة على المقصود، وقد أعرضنا عن ذكرها اختصاراً.10


          205

          الثالث: السيرة العقلائيّة: إنّ العقلاء يعملون بالقرعة عند تمشكل الأمر، فلو زاد عدد الطلّاب عن الحدّ المقرّر للقبول في المدرسة، أو زاد عدد من تقدّم بطلب الحجّ عن الحدّ المقرّر، أُقرع بينهم. والسيرة المذكورة حيث لا يحتمل حدوثها جديداً ولم يرد عنها ردع، تكون حجّة, لإمضائها.

          اختصاص القرعة بالشبهات الموضوعيّة

          المستفاد من مجموع الأدلّة والروايات الواردة في مورد القرعة اختصاصها في الشبهة الموضوعيّة الّتي تكون مقرونة بالعلم الإجماليّ، كالشبهة الواقعة في قطيع الغنم ومثلها، ولا أقلّ من أنّ القدر المتيقّن في التمسّك بها هوتعيين الموضوع. كما قال الشهيد الأوّل قدس سره: "ولا تُستعمل (القرعة) في العبادات في غير ما ذكرنا، ولا في الفتاوى والأحكام المشتبهة إجماعاً"11.

          عموم القرعة لما لا تعيّن له واقعاً

          إنّ الشيء المجهول هنا يُتصوّر على نحوين:
          الأوّل: أن يكون متعيّناً واقعاً ومبهماً ظاهراً، كمن أعتق عبداً معيّناً من عبيده، ثمّ اشتبه عليه بعد ذلك.
          والثاني: أن لا يكون له تعيّن حتّى واقعاً، كما لوأعتق، من البداية، عبداً غير معيّن من عبيده، ثمّ أراد الاقتراع لترجيح أحدهم.

          والقدر المتيقّن من أدلّة حجّيّة القرعة هوالأوّل. أمّا إذا كان الشيء مبهماً واقعاً أيضاً فقد قيل بعدم شمولها له. وقرّب ذلك الشيخ العراقيّ بالقصور في المقتضي, وأنّ عنوان "المجهول" الوارد في أدلّة حجّيّة القرعة لا يصدق عرفاً إلّا على ما هومتعيّن واقعاً، وقد اشتبه وخفي ظاهراً12.


          206

          عموم القرعة لغير باب التنازع
          المورد الّذي يراد فيه الرجوع إلى القرعة تارة يكون مشتملاً على التنازع ويحتاج في رفعه إلى القضاء، وأخرى لا يكون كذلك. فإذا اختلف شخصان في طفلٍ، كلٌّ منهما يدّعي أنّه ولده، كان مثالاً للأوّل.

          أمّا إذا فرض أنّ كلّ واحد منهما يقول: لا أدري هو ولدي أو لا، مع فرض علمهما بأنّه لا يعدوهما وهوابن لأحدهما جزماً، كان ذلك مثالاً للثاني. والقدر المتيقّن من دليل حجّيّة القرعة هو المورد الأوّل، الّذي فيه نزاع وخصومة وقد وقع الاختلاف في شموله للثاني.

          والمناسب الحكم بالشمول, فإنّ صحيحة إبراهيم المتقدّمة ناظرة للمورد الثاني، وقد حكم الإمام عليه السلام فيه بالقرعة، بل وقوله عليه السلام في ذيلها: "القرعة سنّة" يدلّ على حجّيّة القرعة فيما شابه المورد المذكور، ممّا ليس فيه نزاع، ولا يختصّ به13. هذا، مضافاً إلى عموم السيرة العقلائيّة وعدم اختصاصها بحالة النزاع.

          تعليق

          يعمل...
          X