آية الرضاع
رُوي عن عائشة أنّها قالت:"كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهنّ ممّا يقرأ من القرآن"16.
لقد أوّل بعض المحقّقين خبر عائشة هذا بأنّه ليس الغرض منه أنّ ذلك كان آيةً من كتاب الله، بل كان حكماً من الأحكام الشرعية التي أوحى الله بها إلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير القرآن، وأمر القرآن باتّباعها، فمعنى قولها: "كان فيما أُنزل من القرآن..." كان من بين الأحكام التي أنزلها الله على رسوله وأمرنا باتّباعها في القرآن أن عشر رضعات يحرمن، ثمّ نسخ هذا الحكم بخمس رضعات معلومات يحرمن، وتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا الحكم باقٍ لم ينسخ، فأمّا كونه منزلاً موحى به فذلك لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى، وأمّا كوننا مأمورين باتّباع ما جاء به الرسول من الأحكام فلاَن الله تعالى قال: ((وَمَا آتاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُم عَنْهُ فَانْتَهُوا)) ( الحشر59: 7) وحمله البعض على أنّه ممّا نسخت تلاوته وحكمه فأبطلوه، وهذا الحمل باطلٌ على ما سيأتي بيانه. لكن بعض الشافعية والحنابلة حملوه على نسخ التلاوة، وذلك لا يصحّ لأنّ الظاهر من الحديث أنّ النسخ كان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أمرٌ باطلٌ بالإجماع، وقد ترك العمل بهذا الحديث مالك بن أنس وهو راوي الحديث، وأحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهم، وقال الطحاوي والسرخسي وغيرهما ببطلانه وشذوذه وعدم صحته، ومن المتأخرين الاَُستاذ السايس وتلميذه الاَُستاذ العريض وعبد الرحمن الجزيري وابن الخطيب وغيرهم18.
وهذا الحديث بلفظ "فتوفي رسول الله وهنّ ممّا يقرأ من القرآن" رواه أنس بن مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وقد رُوي عن غيره بدون هذا اللفظ، قال أبو جعفر النحاس: "قال بعض أجلّة أصحاب الحديث: قد روى هذا الحديث رجلان جليلان أثبت من عبد الله بن أبي بكر، فلم يذكرا أنّ هذا فيه، وهما القاسم بن محمد بن أبي بكر ويحيى بن سعيد الأَنصاري"19، وقال الطحاوي: "هذا ممّا لا نعلم أحداً رواه كما ذكرنا غير عبد الله بن أبي بكر، وهو عندنا وهمٌ منه"20.
لكنّ خلوّ الرواية من هذا اللفظ لا يصحّح كونها قرآناً يُتلى ولا ينفيه، قال صاحب المنار: "لو صحّ أنّ ذلك كان قرآناً يتلى لما بقي علمه خاصاً بعائشة، بل كانت الروايات تكثر فيه، ويعمل به جماهير الناس، ويحكم به الخلفاء الراشدون، وكل ذلك لم يكن" وقال: "إنّ ردّ هذه الرواية عن عائشة لاَهون من قبولها مع عدم عمل جمهور من السلف والخلف بها"21.
المصدر
16) صحيح مسلم 2: 1075|1452، سنن الترمذي 3: 456، المصنف للصنعاني 7: 467و 470..
(17) الفقه على المذاهب الإربة 4: 259.
(18) مشكل الآثار 3: 6 ـ 8، الناسخ والمنسوخ: 10 ـ 11، أُصول السرخسي 2: 78، فتح المنان: 223 ـ 230، التمهيد في علوم القرآن 2: 282، الفقه على المذاهب الأربعة 4: 258 ـ 260.
(19) الناسخ والمنسوخ: 10 ـ 11.
(20) مشكل الآثار 3: 7 ـ 8.
(21) تفسير المنار 4: 472.
رُوي عن عائشة أنّها قالت:"كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهنّ ممّا يقرأ من القرآن"16.
لقد أوّل بعض المحقّقين خبر عائشة هذا بأنّه ليس الغرض منه أنّ ذلك كان آيةً من كتاب الله، بل كان حكماً من الأحكام الشرعية التي أوحى الله بها إلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير القرآن، وأمر القرآن باتّباعها، فمعنى قولها: "كان فيما أُنزل من القرآن..." كان من بين الأحكام التي أنزلها الله على رسوله وأمرنا باتّباعها في القرآن أن عشر رضعات يحرمن، ثمّ نسخ هذا الحكم بخمس رضعات معلومات يحرمن، وتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا الحكم باقٍ لم ينسخ، فأمّا كونه منزلاً موحى به فذلك لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى، وأمّا كوننا مأمورين باتّباع ما جاء به الرسول من الأحكام فلاَن الله تعالى قال: ((وَمَا آتاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُم عَنْهُ فَانْتَهُوا)) ( الحشر59: 7) وحمله البعض على أنّه ممّا نسخت تلاوته وحكمه فأبطلوه، وهذا الحمل باطلٌ على ما سيأتي بيانه. لكن بعض الشافعية والحنابلة حملوه على نسخ التلاوة، وذلك لا يصحّ لأنّ الظاهر من الحديث أنّ النسخ كان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أمرٌ باطلٌ بالإجماع، وقد ترك العمل بهذا الحديث مالك بن أنس وهو راوي الحديث، وأحمد بن حنبل وأبو ثور وغيرهم، وقال الطحاوي والسرخسي وغيرهما ببطلانه وشذوذه وعدم صحته، ومن المتأخرين الاَُستاذ السايس وتلميذه الاَُستاذ العريض وعبد الرحمن الجزيري وابن الخطيب وغيرهم18.
وهذا الحديث بلفظ "فتوفي رسول الله وهنّ ممّا يقرأ من القرآن" رواه أنس بن مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وقد رُوي عن غيره بدون هذا اللفظ، قال أبو جعفر النحاس: "قال بعض أجلّة أصحاب الحديث: قد روى هذا الحديث رجلان جليلان أثبت من عبد الله بن أبي بكر، فلم يذكرا أنّ هذا فيه، وهما القاسم بن محمد بن أبي بكر ويحيى بن سعيد الأَنصاري"19، وقال الطحاوي: "هذا ممّا لا نعلم أحداً رواه كما ذكرنا غير عبد الله بن أبي بكر، وهو عندنا وهمٌ منه"20.
لكنّ خلوّ الرواية من هذا اللفظ لا يصحّح كونها قرآناً يُتلى ولا ينفيه، قال صاحب المنار: "لو صحّ أنّ ذلك كان قرآناً يتلى لما بقي علمه خاصاً بعائشة، بل كانت الروايات تكثر فيه، ويعمل به جماهير الناس، ويحكم به الخلفاء الراشدون، وكل ذلك لم يكن" وقال: "إنّ ردّ هذه الرواية عن عائشة لاَهون من قبولها مع عدم عمل جمهور من السلف والخلف بها"21.
المصدر
16) صحيح مسلم 2: 1075|1452، سنن الترمذي 3: 456، المصنف للصنعاني 7: 467و 470..
(17) الفقه على المذاهب الإربة 4: 259.
(18) مشكل الآثار 3: 6 ـ 8، الناسخ والمنسوخ: 10 ـ 11، أُصول السرخسي 2: 78، فتح المنان: 223 ـ 230، التمهيد في علوم القرآن 2: 282، الفقه على المذاهب الأربعة 4: 258 ـ 260.
(19) الناسخ والمنسوخ: 10 ـ 11.
(20) مشكل الآثار 3: 7 ـ 8.
(21) تفسير المنار 4: 472.