إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

اسئلة واجوبة في اية الولاية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #16
    السؤال: الدليل على كون الولاية بمعنى الإمامة
    ما الدليل على أن الولاية المذكورة في آية الولاية بمعنى الإمامة وليست بمعنى النصرة؟
    الجواب:


    لو كانت الولاية بمعنى النصرة لما صح حصرها بأداة الحصر (إنما) بعد الله ورسوله بالذين آمنو المتصفين بكونهم: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55).
    أي طائفة خاصة من المؤمنين، إذ الولاية بهذا المعنى تشمل جميع المؤمنين كما قال الله تعالى: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ )) فعلمنا من قرينة حصر الولاية (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) بمعنى آخر غير النصرة، وإلا لم تكن فائدة م الحصر..
    فظهر أن المقصود من الولاية في قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) من يكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما قال تعالى بحق النبي (صلى لله عليه وآله ): (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (الأحزاب:6).
    أي أحق بتدبيرهم وتصريفهم وأن طاعته عليهم واجبة ، فإذا ثبت ذلك لغير النبي كعلي (عليه السلام) وهو الذي أتى بالزكاة راكعاً باتفاق جميع المسلمين، فلابد أن يكون هو الولي الأولى بالمؤمنين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله ) . وليست ولايته سوى الإمامة، لأن الإمامة هي الرئاسة العامة في أمور الدين والدينا، وذلك هو مفاد كون الولي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فتأمل .






    السؤال: الإيمان بولاية الإمام علي(عليه السلام) يتحصّل من التواتر لا من ظاهر الآية فقط1- إنّنا نستدلّ على خلافة أمير المؤمنين(عليه السلام) بآية الولاية، بأنّ (إنّما) ظاهرة في الحصر، وأنّ باقي المعاني للمولى لا تستقيم مع الحصر.
    ولکن السؤال في أنّ هذا الاستدلال متوقّف على حجّية الظواهر في العقائد، وکيف يجتمع هذا مع أنّا نقول: لا يکفي الظنّ في العقائد، بل اللازم العلم.
    2- ما الوجه في استعمال الجمع في المفرد في هذه الآية؟
    أُريد جواباً واضحاً، مع ذکر المصدر من الکتب البلاغية، أو العلماء البلاغيين.
    الجواب:


    بالنسبة للسؤال الأوّل: فإنّ تمسّكنا بدلالة (إنّما) على الحصر، وأنّه لا يتناسب مع معاني المولى غير الأولى بالأمر (أي الولاية)، ليس من الظهور فحسب، بل من دلالة الروايات المتواترة في شأن نزول الآية، فتواتر الروايات قطعي باختصاص الآية بعليّ(عليه السلام).
    كما أنّ العلم بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) لا يختص بالآية المشار إليها، وهي آية (55 من سورة المائدة)، فقد تعدّدت الآيات اضافة إليها، وتضافرت الروايات وتواترت بهذا المعنى، ونصّ على تواتر جملة منها علماء أهل السُنّة قبل الشيعة، كما هو الحال في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه)، الذي نصّ على تواتره السيوطي في (قطف الأزهار المتناثرة)(1)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)(2)، والكتاني في (نظم المتناثر)(3)، وهكذا غيرهم.
    فالطرق المتعدّدة لهذا المعنى - أي ولاية عليّ(عليه السلام) -. وإن كانت بمفردها يفيد كلّ منها ظهوراً هو حجّة في بابه، أي: في باب الأخبار، فهي بمجموعها تفيد تواتراً يكون حجّة في باب العقائد، فحجّية الإيمان بولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) تتحصّل من مجموع هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسُنّة وليس بمفردة واحدة دون أُخرى.
    وأمّا عن السؤال الثاني، فنقول:
    الجمع الوارد في الآية الكريمة (55 من سورة المائدة) والذي يراد به المفرد وهو أمير المؤمنين(عليه السلام) إنّما ورد بهذه الصيغة للتعظيم، كما وقع في كثير من الآيات والأخبار.
    وعن الشيخ الطريحي في (مجمع البحرين) في بيان معنى مفردات الآية المذكورة أعلاه قال: ((المعنى: الذي يتولّى تدبيركم، ويلي أموركم الله ورسوله والذين آمنوا، هذه صفاتهم: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
    قال الشيخ أبو علي: قال جار الله: إنّما جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً، ليرغب الناس في مثل فعله، ولينبّه أنّ سجيّة المؤمن يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ والإحسان.
    ثمّ قال الشيخ أبو علي: وأقول: قد اشتهر في اللغة العبارة عن الواحد بلفظ الجمع للتعظيم فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه، فهذه الآية من أوضح الدلائل على صحّة إمامة عليّ(عليه السلام) بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا فصل))(4).
    فهذا النصّ الوارد عن هذا اللغوي المعروف الذي يستشهد بكلام اثنين من كبار المفسّرين من الفريقين، وهما الزمخشري والطبرسي، المعروفين بتفسير القرآن وبيان النكات اللغوية والأدبية والبلاغية الواردة فيه، يفيد أنّ المجيء بهذه الصيغة - أي: صيغة الجمع في المفرد - إنّما كان لغرض التعظيم والترغيب في الفعل، على حدّ قول الزمخشري. ولهذا الاستعمال شواهد كثيرة في القرآن والسُنّة وكلام العرب لا تخفى على المتتبّع.




    (1) قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة: 277 حديث(102).
    (2) سير أعلام النبلاء 8: 335 ترجمة المطلب بن زياد (86).
    (3) نظم المتناثر من الحديث المتواتر: 194 حديث (232) من كنت مولاه فعليّ مولاه).
    (4) مجمع البحرين 4: 555، باب (و)، مادة (و ل ي).








    السؤال: الوجه في مجيء (والذين آمنوا) بصيغة الجمعفي آية الولاية, قلنا: أنّ (( الَّذِينَ آمَنُوا )) نزلت في عليّ(عليه السلام)، وقلنا أيضاً: جاء الجمع للتعظيم، فإذا كان لتعظيم العمل، فكلّ من يعمل هذا العمل يدخل في مصداق الآية، وإذا قلنا: لتعظيم الذات، أي: شخص عليّ(عليه السلام)، نقول: لماذا لم يعظّم الله نفسه ولا رسوله وعظّم فقط عليّ(عليه السلام)؟
    الجواب:


    مجيء (( وَالَّذِينَ آمَنُوا )) بهذه الصيغة، أي صيغة الجمع في حقّ عليّ(عليه السلام) عندما تصدّق بخاتمه فيها إشارة إلى أمرين مهمين سوى التعظيم:
    الأوّل: إنّ الذي يستحقّ منصب الولاية العظمى هو من صدّق إيمانه بالعمل الصالح ولم يتخلّف عن الخير والصلاح في كلّ مجالاته المتاحة, فهو الذي يصدق في حقه ما جاء في قوله تعالى في مورد آخر من القرآن: (( إِنَّهُم كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيرَاتِ )) (الأنبياء:90).
    الثاني: الحثّ والترغيب للمسلمين على الاقتداء بهذا العمل، كما نصّ على هذا الأمر الزمخشري في تفسيره (الكشّاف)؛ قال: ((إن قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ(رض) واللفظ لفظ الجماعة؟!
    قلت: جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغّب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه)) انتهى(1).




    (1) الكشّاف 1: 624 قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ... )).










    السؤال: لماذا جيء بلفظ الجمع والمراد شخص واحد‎:
    يحتجّ بعض من أهل السُنّة على أنّ لفظ الجمع في آية الولاية لايدلّ على التعظيم، وأنّه لم يرد في الإمام عليّ(عليه السلام) لتعظيمه، وإلاّ لكان الأحقّ منه بصيغة الجمع لفظ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأشاروا إلى أنّه لم يرد في الآيات الشريفة لفظ الجمع للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا في أحد بخصوصه.
    فما الردّ على هذه الشبهة؟
    أفيدونا يرحمكم الله..


    الجواب:


    نقول: لقد أجاب المفسّر الزمخشري، الذي كتب تفسيره لبيان النكات البلاغية في القرآن الكريم على ذلك، فقال بخصوص هذا الموضوع: ((فإن قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ(عليه السلام) واللفظ لفظ الجماعة؟
    قلت: جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلاً واحداً؛ ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبّه على أنّ سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء، إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخّروه إلى الفراغ منها))(1).
    أمّا الاعتراض بأنّ هذا اللفظ لا يدلّ على التعظيم وإلاّ لكان الأحقّ منه بصيغة الجمع لفظ الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهذا غريب! فالكلام إنّما هو في أصل الجواز لا في كيفيته، وإذا كان هناك اعتراض فينبغي أن يكون في أصل جواز استعمال الجمع في المفرد، فإذا ثبت جوازه لا يحقّ لنا أن نقول أنّه ينبغي أن يأتي الكلام على هذه الكيفية دون هذه، فهذا من ضيق الخناق في المجادلة، وتجاوز الأدب مع المولى سبحانه، فالمولى سبحانه أدرى بكيفية البيان، وعلينا نحن بذل الجهد في معرفة النكتة التي بسببها ورد النزول بهذا الشكل بعد ثبوت جواز ذلك عقلاً واستعمالاً، لا أن نعترض ونتجاوز الأدب.
    وأمّا دعوى أنّ لفظ الجمع لم يرد بخصوص الفرد، فهذا أمر مردود، فهناك جملة من الآيات التي جاءت بلفظ الجمع والمراد منها شخص واحد؛ فراجع على سبيل المثال تفاسير المسلمين عند قوله تعالى: (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم )) (آل عمران:173)، وانظر من القائل الذي جاء ذكره بلفظ الناس!








    السؤال: مجيء التعظيم بصيغة الجمع متسالم بلاغياً(الذين) في آية الولاية جاءت بالجمع للتعظيم، فهل ذكر الله نفسه في القرآن الكريم بـ (اسم الموصول): الذين، ودلّ على التعظيم؟
    الجواب:


    استعمال (الذين) في المفرد للتعظيم من المتسالم عليه بلاغياً سواء ورد في القرآن هذا الأمر أم لا؛ إذ اللغة وبلاغة العرب هي أمر سماعي, وقد ثبت هذا المعنى في الكتب المختصّة بهذا الشأن، فلا حاجة لإطالة البحث في أمر مسلّم.
    وأمّا لماذا لم يعظّم الله نفسه بلفظة (الذين) في القرآن، فلأنّه لا يصحّ بحسب اللغة العربية أن يعبّر الله عن نفسه بلفظة (الذين)؛ إذ القرآن كلام الله، ولكن جاء في آيات كثيرة تعبير الله نفسه بلفظة (نحن)، كما في قوله تعالى: (( إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) (الحجر:9)، وقوله تعالى: (( نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ )) (يوسف:3)، وقوله تعالى: (( وَمِن أَهلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعلَمُهُم نَحنُ نَعلَمُهُم سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَينِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىظ° عَذَابٍ عَظِيمٍ )) (التوبة:101)، وغيرها كثير في القرآن.






    السؤال: الزكاة من أفراد الصدقةأشکل بعض على دلالة آية الولاية وقضية التصدّق بالخاتم، بأنّ الزکاة في القرآن تستعمل في الزکاة الواجبة، والحال أنّا نعلم أنّ أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام لم يكن عليه زکاة واجبة، ولو کان كذلك لم يكن من حقه تأخيرها ويبدأ بالصلاة.
    الجواب:


    لقد ردّ صاحب (الميزان) عن الاشكال: وهو أنّ كون التصدّق بالخاتم لا يسمّى زكاة بقوله:
    ((وأمّا قولهم: أنّ الصدقة بالخاتم لا تسمّى زكاة، فيدفعه: أنّ تعيّن لفظ الزكاة في معناها المصطلح إنّما تحقّق في عرف المتشرّعة بعد نزول القرآن بوجوبها وتشريعها في الدين، وأمّا الذي تعطيه اللغة، فهو أعمّ من الزكاة المصطلحة في عرف المتشرّعة، ويساوق عند الاطلاق أو عند مقابلة الصلاة انفاق المال لوجه الله.
    كما يظهر ممّا وقع في ما حكاه الله عن الأنبياء السابقين، كقوله تعالى في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: (( وَأَوحَينَا إلَيهم فعلَ الخَيرَات وَإقَامَ الصَّلاة وَإيتَاءَ الزَّكَاة )) (الأنبياء:73).
    وقوله تعالى في إسماعيل: (( وَكَانَ يَأمر أَهلَه بالصَّلاة وَالزَّكَاة وَكَانَ عندَ رَبّه مَرضيّاً )) (مريم:55).
    وقوله تعالى حكاية عن عيسى(عليه السلام) في المهد: (( وَأَوصَاني بالصَّلاة وَالزَّكَاة مَا دمت حَيّاً )) (مريم:31).
    ومن المعلوم أن ليس في شرايعهم الزكاة المالية بالمعنى الذي اصطلح عليه في الإسلام.
    وكذا قوله تعالى: (( الَّذي يؤتي مَالَه يَتَزَكَّى )) (الليل:18), وقوله تعالى: (( الَّذينَ لا يؤتونَ الزَّكَاةَ وَهم بالآخرَة هم كَافرونَ )) (فصلت:7), وقوله تعالى: (( وَالَّذينَ هم للزَّكَاة فاعلونَ )) (المؤمنون:4), وغير ذلك من الآيات الواقعة في السور المكّية وخاصّة السور النازلة في أوائل البعثة، كـ(سورة حم) وغيرها، ولم تكن شُرّعت الزكاة المصطلحة بعد, فليت شعري ماذا كان يفهم المسلمون من هذه الآيات في لفظ الزكاة؟!
    بل آية الزكاة، أعني قوله تعالى: (( خذ من أَموَالهم صَدَقَةً تطَهّرهم وَتزَكّيهم بهَا وَصَلّ عَلَيهم إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهم )) (التوبة:103), تدلّ على أنّ الزكاة من أفراد الصدقة، وإنّما سمّيت: زكاة؛ لكون الصدقة مطهّرة مزكّية مطلقاً، وقد غلب استعمالها في الصدقة المصطلحة..
    فتبيّن من جميع ما ذكرنا أنّه لا مانع من تسمية مطلق الصدقة والإنفاق في سبيل الله: زكاة ))(1).




    (1) تفسير الميزان: 6: 10 قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... )).






    يتبع

    تعليق


    • #17
      السؤال: تصدّق علي(عليه السلام) بالخاتم أثناء الصلاة عبادةسؤالي حول تصدّق الإمام عليّ(عليه السلام) بالخاتم، وهو يصلّي، والمعروف أنّ الإمام إذا صلّى لا تتعلّق روحه في عالم الدنيا، ولكن تسبّح في ملكوت الله، فكيف إذاً كانت حالة الإمام يوم أجاب دعوة الفقير؟
      لا بدّ أنّ هناك يداً خفية في ذلك الوقت، يوم كان الإمام يصلّي من حيث إجابة السائل.
      وبودّي أنّ توضّحوا لي ماذا حدث؟ هل توجد اجتهادات في حقيقة المسألة؟ لأنّ ما يقال: إنّه كان في وقت عبادة، والتصدّق عبادة هو كلام صحيح لا خلاف عليه، لكن هذا الجواب لا يغنيني.
      شاكرين لكم.
      الجواب:


      للجواب على سؤالك نشير إلى عدّة نقاط:
      1- لو كان لهذا الإشكال أدنى مجال، لما عدّت هذه القضية عند الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسائر المؤمنين من مناقب عليّ(عليه السلام).
      2- هذا الالتفات من أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يكن إلى أمر دنيوي، وإنّما كان عبادة في ضمن عبادة.
      3- المعروف عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه جمع في صفاته بين الأضداد، حتّى أنّه لما سئل ابن الجوزي الحنبلي المتعصّب - الذي ردّ الكثير من فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) - عن هذا الإشكال نفسه الذي ذكرتموه أجاب ببيتين:


      يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته ***** عن النديم ولا يلهو عن الناس
      أطاعَهُ ســكرُهُ حتّى تمكّن من ***** فعل الصُحاةِ فهذا واحد الناس
      كما نقله عنه الآلوسي في (روح المعاني)(1).




      (1) تفسير روح المعاني 6: 169.






      السؤال: تصدّقه (عليه السلام) بالخاتم لا يخل بعبادته
      كيف يمكن أن نوفّق بين التفات الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) للسائل أثناء صلاته مع العلم بأنّه يكون في قمّة الخشوع إلى درجة تنتزع السهام من رجله دون أن يشعر؟
      الجواب:


      إنّ حالات العبادة تختلف بحسب الأوضاع والظروف, فرُبّ عبادة يكون التفكّر والتدبّر بالخالق سبحانه وآلائه والحرص على طاعته هو الشغل الشاغل للعابد , وهذا الأمر لا يخلّ بالعبادة، بل يزيدها بهاءً على بهاء، كما ورد في الحديث عن الأئمّة(عليهم السلام): (ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة, وإنّما العبادة كثرة التفكّر في أمر الله)(1).
      ورُبّ عبادة يكون الخشوع فيها والانبهار بجمال الله وجلاله هو الحالة السائدة للعابد, وهذه الحالات المذكورة يمر بها الأنبياء وكذلك الأئمّة(عليهم السلام).
      ومن هنا نوفّق بين حالتي أمير المؤمنين(عليه السلام) حين تصدّق بخاتمه وسمع كلام السائل في المسجد، وقد كان فعله (عليه السلام) في هذا المورد طاعة في طاعة, وبين حالته الأخرى من الخشوع والانقطاع إلى الله سبحانه حتى تأخذه الغشية في الدعاء.




      (1) تحف العقول: 442 من قصار كلمات الإمام الرضا(عليه السلام).








      السؤال: لا تعارض بين تصدّق الإمام ورواية وردت عن الصادق(عليه السلام)
      ما هو الردّ على هذه الشبهة التي كتبها أحد الوهّابيين:- الإمام الباقر يضعّف حديث تصدّق أمير المؤمنين بخاتمه:
      ((علي بن إبراهيم, عن أبيه, ومحمّد بن إسماعيل, عن الفضل بن شاذان جميعاً, عن حمّاد بن عيسى, عن حريز, عن زرارة، قال: قال أبو جعفر(عليه السلام): إذا قمت في الصلاة فعليك بالإقبال على صلاتك, فإنّما يحسب لك منها ما أقبلت عليه, ولا تعبث فيها بيدك, ولا برأسك, ولا بلحيتك, ولا تحدّث نفسك... )).
      والحديث صحيح، كلّهم ثقاة. (الكافى 3 صفحة 300 باب الخشوع فى الصلاة).
      الجواب:


      أولاً: الرواية المذكورة ليست في صدد بيان صحّة أو بطلان الصلاة، وإنّما تنهى عن العبث في أثناء الصلاة؛ تنـزيهاً واعتناءً بشأن الصلاة.
      وعلى كلّ حال، فالحركة اليسيرة لا تضر بصحّة الصلاة، ولذا أفتى الفقهاء من الفريقين بصحّة الصلاة مع الحركة اليسيرة، ورووا في ذلك روايات تدلّ على إباحة العمل اليسير.
      ثانياً: إنّ الحركة اليسيرة غير المقصود بها العبث، فضلاً عن كونها قد تكون عبادة، كما في المورد، لا تضرّ بكمال الصلاة..
      ففي (أحكام القرآن) للجصّاص قال: (( وقد روي عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبار في إباحة العمل اليسير فيها, فمنها: أنّه خلع نعليه في الصلاة.
      ومنها: أنّه مسّ لحيته, وأنّه أشار بيده. ومنها: حديث ابن عبّاس أنّه قام على يسار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأخذ بذؤابته وأداره إلى يمينه. ومنها: أنّه كان يصلّي وهو حامل أمامه بنت أبي العاص بن الربيع, فإذا سجد وضعها, وإذا رفع رأسه حملها.
      ثمّ قال: فدلالة الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة؛ لأنّه إن كان المراد: الركوع، كان تقديره: (الذين يتصدّقون في حال الركوع), فقد دلّت على إباحة الصدقة في الحال, وإن كان المراد: وهم يصلّون, فقد دلّت على إباحتها في سائر أحوال الصلاة, فكيفما تصرفت الحال فالآية دالّة على إباحة الصدقة في الصلاة ))(1).
      ومنه يظهر: عدم صحّة النقض على رواية الصادق(عليه السلام) بتصدّق أمير المؤمنين(عليه السلام) في صلاته؛ لأنّه ينقض بفعل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) سواء كان مراده من النقض بطلان الصلاة, أو معارضة الفعل القليل للتوجّه في الصلاة والانقطاع إلى الله, أو معارضته لكمال الصلاة كما تدلّ عليه رواية الصادق(عليه السلام).
      ومنه يعلم أيضاً: أنّ فعل عليّ(عليه السلام) لم يكن من العبث, بل كان عبادة في عبادة, وبالتالي فلا تعارض بين رواية الصادق(عليه السلام) وبين روايات تصدّق عليّ(عليه السلام) في صلاته.
      كما يظهر أيضاً: عدم إمكان جعل فعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) اليسير في الصلاة من العبث أيضاً, أو منافٍ لكمال الصلاة؛ لأنّه بعيد عن ساحتهما معاً، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ(عليه السلام).




      (1) أحكام القرآن 2: 507.
















      السؤال: الآية عامّة والعام يتحقق بوجود مصداقه في الخارج فكيف تخصص؟
      إنّنا نستدلّ على ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) بآية الولاية، ولکن هناك إشكال يقول: إنّ الآية عامّة والعام يتحقّق بوجود مصداقه، فإذا فعل فرد تلك الأعمال المذکورة في الآية فهو الإمام، والظاهر أنّه أوّل من فعل تلك الأعمال عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، ولکن الظاهر أيضاً أنّه تصدّق بعد ذلك عمر وهو راکع، فلعلّه أُنزلت فيه آية فتحقّق أيضاً بفعل عمر مصداقاً للآية، کيف نجيب عن هذا السؤال؟
      وإن قلت: إنّ الملاك يتحقّق في أوّل من فعل.
      قلت: ما الدليل على ذلك؟
      وإن قلت: الدليل عليه أنّه إن لم يكن کذلك، لفعل ذلك العمل کلّ مكلف وأصبح إماماً، وهذا لا يناسب حکمة الله تعالى.
      قلت: فکيف نستدلّ بحديث يوم الدار وفيه أيضاً هذه المنافاة؟
      وإن قلت: إنّ علم الله تعالى السابق بالمصداق يدفع الإشکال.
      قلت: فکذلك نقول في آية الولاية؟
      الجواب:


      نجمع الجواب على شكل نقاط:
      الأول: إنّ الآية جاءت بصيغة الجملة الخبرية لا الإنشائية، وما يقرّب ذلك: إثبات الولاية لله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ للذين آمنوا، ولا يصحّ إنشاء الولاية لله؛ فإنّها ثابتة وإنّما يُخبر عنها، بل إثباتها لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً؛ لأنّه من المفروض أنّ ولايته قد ثبتت قبل هذه الآية بثبوت الرسالة، فليكن إثباتها للذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون كذلك.
      وبعبارة أُخرى: إنّ الآية إرشادية بالنسبة لولاية الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإرشاد إلى علامة يعرف ويُميز بها الوليّ من الذين آمنوا، وهي: التصدّق أثناء الركوع، وهذه الميزة والعلامة فارقة للوليّ عن غيره من الذين ثبت لهم الإيمان المنصوص عليه في الآية. فتكون الآية على نحو القضية الخارجية المحقّقة الموضوع، لا القضية الحقيقية المقدّرة الموضوع الغالبة في الأحكام الشرعية.
      فليس كلّ المؤمنين أولياء، وإنّما الوليّ يكون من المؤمنين حصراً، وبالتالي فلا وجود لإنشاء حكم شرعي يثبت الولاية لكلّ من يتصدّق وهو راكع في الآية، فضلاً عن كونه غير معقول؛ فلاحظ!
      الثاني: إنّ الآية أخبرت بثبوت الولاية لمن هو متأخّر في المرتبة عن الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) طولاً، عن طريق ذكر صفات على شكل قيود بصيغة الجمع، فإنّ (( الَّذِينَ آمَنُوا )) جمع، ولكنّه يخرج غير المؤمن عن الولاية، و((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) قيد آخر يخرج من ليس فيه هذه الصفة، ولكنّه بصيغة الجمع أيضاً.
      وبعبارة أُخرى: إنّ صيغ الجمع في الآية الدالّة على العموم غير مخصّصة، ولكنّها من جهة كونها قيود يترتّب أحدها على الآخر مقيّدة لإطلاق الموضوع، أو لنقل: إنّ إطلاق جمل القيود الواردة بصيغة الجمع مقيّد، فكلّ جملة يقيّد إطلاقها بالجملة التي تأتي بعدها وإن كانت بصيغة الجمع. وهو يرجع بالحقيقة إلى التخصّص في الموضوع لا التخصيص حتى يلزم على القول به تخصيص الأكثر، وهو قبيح.
      إذ قبح تخصيص الأكثر مسلّم عندما يكون مصبّ التخصيص، الأفراد الخارجية الداخلة تحت العموم فرداً فرداً، كما لو قال: كُل جميع الرمّان، وكان هناك مئة رمانة، ثم استثنى منها رمانة رمانة حتى تبقى واحدة، لا فيما إذا كانت القيود واقعة على المفهوم الكلّي حتى تضيّق نطاقه بمصداق خارجي واحد، كما لو قال: أكرم العالم العادل الفقير الزاهد الورع حتى لا يبقى إلاّ واحد.
      وقد قرّر العلاّمة المظفّر الإشكال بما يأتي: إنّ (( الَّذِينَ آمَنُوا )) صيغة جمع فلا تصرف إلى الواحد إلاّ بدليل، وقول المفسّرين: (( نزلت في عليّ )) لا يقتضي الاختصاص، ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنية على جعل (( وَهُم رَاكِعُونَ )) حالاً من ضمير (( وَيُؤتُونَ ))، وليس بلازم، بل يحتمل العطف؛ بمعنى: أنّهم يركعون في صلاتهم لا كصلاة اليهود خالية من الركوع، أو بمعنى: أنّهم خاضعون(1).
      وأجاب: وفيه أنّ (الحالية) متعينة لوجهين:
      الوجه الأوّل: بُعد الاحتمالين المذكورين؛ لاستلزام أوّلهما التأكيد المخالف للأصل، لأنّ لفظ (( الصَّلاةَ )) مغن عن بيان أنّهم يركعون في صلاتهم؛ لتبادر ذات الركوع منها، كما يتبادر من الركوع ما هو المعروف، فيبطل الاحتمال الثاني أيضاً.
      الوجه الثاني: إنّ روايات النزول صريحة بـ(الحالية)، وإرادة الركوع المعروف... ثمّ ذكر عدّة روايات، إلى أنّ قال: إلى غير ذلك من الأخبار التي لا تحصى، الصريحة في الحالية وإرادة الركوع المعروف الدالّة على أنّ المراد تعيين أمير المؤمنين(عليه السلام) لهذه الأوصاف، كما لا ريب بإرادة المفسّرين اختصاص الآية بأمير المؤمنين(عليه السلام)؛ لأنّ تفسيرهم مأخوذ من هذه الروايات ونحوها(2).
      وأنت تلاحظ تصريحه بالاختصاص دون التخصيص.
      الثالث: وبملاحظة أنّ المراد من الولاية في الآية هي: ولاية الأمر، بمعنى منصب الحكومة (وإثبات ذلك في محلّه)، وأنّ العقل لا يجوّز ثبوتها لأكثر من واحد في وقت واحد عرضاً، مع تجويزه لذلك طولاً (وهو مفاد آخر للآية)، وملاحظة ورود الآية بصيغة الخبر، وذكر عدّة قيود متراتبة تضيّق الموضوع، خاصّة مع ورود لفظة (( وَلِيُّكُمُ )) مفردة في الآية، ودخولها على لفظين مفردين (الله ورسوله)، ثمّ العطف بالجمع (( الَّذِينَ آمَنُوا )) وما فيه من المقابلة بين الإفراد والجمع، يؤدّي إلى أن يفهم المخاطبين اختصاص الآية بواحد متعيّن، وأنّه لا بدّ من وجود قيد أو قيود تشخّصه في الخارج ولم تذكر اسمه لحكمة، وهو ما فهمه الصحابة على ما ورد في بعض الروايات وطلبوا من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر هذه القيود المشخّصة، وذلك بأن سألوه تعيين هذا الشخص الذي تثبت له الولاية من الآية في الخارج، وهو ما فعله النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
      فقد نقل صاحب (تفسير البرهان) عن الصدوق بإسناده: (( عن أبي الجارود، عن أبي جعفر(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا )), قال: إنّ رهطاً من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن ياسين وابن صوريا، فأتوا النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقالوا: يا نبيّ الله! إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيّك يا رسول الله؟ ومن وليّنا بعدك؟ (لاحظ سؤالهم عن شخص معيّن).
      فنزلت هذه الآية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )), قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (قوموا). فقاموا وأتوا المسجد، فإذا سائل خارج، فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا سائل! هل أعطاك أحد شيئاً؟) (لاحظ فهم أهل اللغة من إرادة واحد معيّن في الآية).
      قال: نعم، هذا الخاتم.
      قال: (من أعطاكه؟).
      قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلّي.
      قال: (على أيّ حال أعطاك؟) (لاحظ السؤال عن الحال المفهم من أنّ الواو في (ويؤتون) حالية).
      قال: كان راكعاً. فكبّر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكبّر أهل المسجد، فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (عليّ وليّكم بعدي). (وهذا تصريح بالاختصاص).
      قالوا: رضينا بالله ربّاً وبمحمد نبيّاً وبعليّ بن أبي طالب وليّاً.
      فأنزل الله عزّ وجلّ: (( وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ )) (المائدة:56) ))(3).
      ومن الواضح فهم الصحابة للاختصاص من هذه الآية بعد معايشتهم الحال وسماع اللفظ، حتى أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) احتجّ عليهم بهذا في حديث المناشدة المشهور عن أبي ذرّ في يوم الشورى، كما أورده الشيخ في المجالس(4)؛ فراجع!
      ومع أنّا لا نحصر بيان هذا القيد المشخّص للمعنيّ في الخارج عن طريق النقل؛ إذ لا يمنع معرفته عن طريق العقل، وذلك بعد إدراك أنّ الولاية لا تثبت إلاّ للمعصوم، فلا بدّ أن يكون هو المعنيّ بالآية، ولكن ذلك قد يكون لازم غير بيّن من الآية، ومن البعيد أن يتعبد الشارع جمهور المكلفين به وحده؛ فإنّ إدراك ذلك قد يقصتر على القليل منهم ويخفى على جمهور المكلّفين، فتمسّ الحاجة إلى البيان النقلي الصريح وعدم الاكتفاء بدلالة العقل، وهو ما فعله النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالتصريح باسم عليّ(عليه السلام)، وتشخيصه في الخارج وأمام الناس في المسجد، حسب ما ورد في الروايات، بحيث لم يبق مجال للمنكر إلاّ الجحود والمكابرة.
      الرابع: ونستطيع أن نقول: أنّه لو كان كلامنا في الآية بلحاظ عالم الثبوت، فإنّ العقل، بل حكم العقلاء، لا يجوّز ثبوتها لأكثر من واحد في وقت واحد عرضاً، وإن جوّزه طولاً، إنّ هذا الواحد لا بدّ أن يتّصف بالعصمة مع أنّ العصمة ملكة باطنية لا تُعلم إلاّ بالإخبار، فإدراك هذا المعنى من قبل بعض ذوي الفطنة أو عن طريق الفطرة يؤدّي بهؤلاء إلى البحث عنه والمطالبة بالدلالة والنص عليه، ويكفيهم في هذا انطباق الصفة والعلامة الواردة على شكل معرف جمعي في الآية، أي: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )).
      وأمّا لو كان كلامنا بلحاظ عالم الإثبات، الذي هو الطريق الأقرب إلى أكثر الناس، فإنّ النصّ من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على انطباق الآية على عليّ(عليه السلام) يكون القيد الأخير المشخّص والمعيّن من سلسلة القيود المذكورة في الآية، والتي تعالج ناحية الإطلاق وإن بقي العموم على عمومه في هذه القيود لنكتة سوف نشير إليها، فيكون الدليل مقيّداً بقيدين: قيد من نصّ القرآن، وقيد من السُنّة، وهو ما ورد من أحاديث اختصاص عليّ(عليه السلام) بهذه الآية.
      وورود أخبار أو إنشاء (تشريع) في آيات القرآن على شكل معرّف جمعي، أو قيد جمعي، ولا يكون له إلاّ مصداق واحد في الخارج ليس بعزيز في الكتاب الكريم.
      وقد ذكر بعضهم أنّ النكتة في ورود اللفظ بصيغة الجمع، هي: لبيان أنّ مثل هذه المقامات العالية لا يمكن الحصول عليها إلاّ بالمجاهدة والإخلاص في العمل، أو: للترغيب في مثل هذا العمل.
      ولعلّنا نستقرب نكتة أُخرى، وهي: إدخال بقية الأئمّة(عليهم السلام) في الآية، كما ورد في بعض الروايات من أنّهم كلّهم تصدّقوا في أثناء الصلاة، ويكون النصّ عليهم هنا أيضاً مقيّداً للإطلاق في الآية بهم(عليهم السلام)، فالإطلاق الشامل للبعض، وهو: المؤمنين المتصدّقين ورد في القرآن، وتقييده لبيان الأشخاص المستحقّين للولاية يكون من السُنّة؛ فتأمّل!
      والكلام نفس الكلام في حديث الدار من ورود قيود عديدة ثمّ ذكر القيد الأخير لها على لسان النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن قام عليّ(عليه السلام) وقبل النصرة له، مع وضوح الأمر أكثر فيه؛ لأنّه لم يرد المعرّف فيه على صفة الجمع، إذ قال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من يؤازرني...) الحديث..
      ومع ملاحظة معقولية كون القيود المذكورة فيه علّة تامّة لتسنّم منصب الإمامة، بخلافه في الآية: إذ أقصى ما يمكن تعقّله كون التصدّق في أثناء الركوع جزء العلّة؛ فتأمّل!




      (1) شرح المقاصد 2: 289، شرح تجريد العقائد: 369.
      (2) دلائل الصدق 4: 308 تعيين إمامة عليّ(عليه السلام) بالقرآن.
      (3) تفسير البرهان 3: 423 سورة المائدة، قوله تعالى: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... )).
      (4) أمالي الطوسي: 545 حديث (1168) مجلس يوم الجمعة السادس والعشرين من محرّم سنة سبع وخمسين وأربعمئة.










      السؤال: (إِنّما) فيها أداة حصر
      الإخوة المسؤولين عن الموقع المحترمين..
      لدي سؤال أرجو مساعدتي في الإجابة عليه، وجزاكم الله خير الجزاء:
      إنّ آية الولاية التي جاءت في القرآن الكريم، جاءت مقيّدة بأداة (إِنَّمَا)، والسؤال هو: هل أداة (إنّما) تستخدم أحياناً لأغراض أُخرى عدا الحصر؟ وما هي هذه الأغراض؟
      الجواب:


      (إِنَّمَا) أداة حصر على ما يظهر من تصريح أهل اللغة، بل عن بعضهم أنّه لم يظهر مخالف فيه، وعن آخر دعوى إجماع النحاة عليه، وهو المنقول عن أئمّة التفسير، ويقتضيه التبادر؛ إذ لا إشكال في ظهورها في انحصار المتقدّم بالمتأخّر.
      قال العلاّمة الطباطبائي(قدس سره): (( إنّ القصر في قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... )) لقصر الإفراد، كأنّ المخاطبين يظنّون أنّ الولاية عامّة للمذكورَين في الآية وغيرهم، فأفرد المذكورين للقصر، ويمكن بوجه أن يُحمل على قصر القلب(1).
      وعلى كلّ حال فالأداة (إِنَّمَا) أداة حصر هنا بل دائماً - كما ذكرنا آنفاً - عندما تكون متكوّنة من (إنَّ) المشبّهة بالفعل و(ما) الكافّة، وهي تفيد قصر صفة على الموصوف أو العكس.




      (1) الميزان في تفسير القرآن 6: 14.










      السؤال: الحصر الموجود في الآية وكيفية استفادة الولاية لباقي الأئمّة(عليهم السلام)


      قال لي أحد المخالفين: إنّ معنى (إنّما) في قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا... )) (المائدة:55) تفيد الحصر, وهذا يعني إنّ مَن تجب ولايته في هذه الآية، أي: يقصد آية الولاية، هم: الله والرسول والذين يؤتون الزكاة وهم راكعون, فكيف نثبت الولاية لباقي الأئمّة الأطهار؟
      الجواب:


      لقد فُسّرت الآية الكريمة بالأئمّة الاثني عشر من آل البيت(عليهم السلام)، كما يروي ذلك الشيخ الصدوق بسند صحيح عن سليم بن قيس الهلالي، عمّا رآه وسمعه من عليّ(عليه السلام) من حديث المناشدة، وفيه:
      (إنّ الناس سألوا النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن هذه الآية لمّا نزلت: أهي خاصّة في بعض المؤمنين أم عامّة لجميعهم؟ فأمر الله عزّ وجلّ نبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يعلمهم ولاة أمرهم, وأن يفسّر لهم من الولاية ما فسّر لهم من صلاتهم, وزكاتهم, وصومهم, وحجّهم... إلى أن يقول: فقالا: يا رسول الله: هذه الآيات خاصّة بعليّ؟ قال: بلى فيه وفي أوصيائه إلى يوم القيامة)(1).
      وروى الكليني: عن بعض أصحابنا، عن محمد بن عبد الله، عن عبد الوهّاب بن بشر، عن موسى بن قادم، عن سليمان، عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ )) (البقرة:57)؟
      قال: (إنّ الله تعالى أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من أن يظلم، ولكنّه خلطنا بنفسه، فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته، حيث يقول: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا... )) يعني الأئمّة منّا).. ثمّ قال في موضع آخر: (( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ ))، ثمّ ذكر مثله(2).
      وروى أيضاً: عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: ذكرت لأبي عبد الله(عليه السلام) قولنا في الأوصياء: أنّ طاعتهم مفترضة، قال: فقال: (نعم، هم الذين قال الله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59)، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا... )) )(3).
      وغيرها من الروايات الكثيرة.
      فإذا سلّمنا بهذا وأخذنا بتفسير النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للآية بالأئمّة(عليهم السلام) جميعاً، عرفنا أنّها تعني النصّ على إمامة عليّ(عليه السلام) والأئمّة من ولده..
      وعرفنا أيضاً معنى الروايات التي وردت بحصول هذا الفعل - التصدّق عند الركوع - من بقية الأئمّة(عليهم السلام)(4).




      (1) كمال الدين وتمام النعمة: 276 الباب الرابع والعشرون.
      (2) الكافي 1: 146ح11 باب النوادر.
      (3) الكافي 1: 187ح7 باب فرض طاعة الأئمة.
      (4) الكافي 1: 288ح3 باب ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمة واحداً فواحد.












      تعليق على الجواب (1)
      عظيم جدّاً ما ذكرتم ..
      لكن المشكلة أن الخصم لا يعتبر هذه المصادر حجّة عليه..فهل أفدتمونا بمصادر من المخالفين حتى نلزمهم بها، فانهم يحتجون بنفس الحجة.. وهذا قولهم: ((ان سلمنا جدلاً أن الآية في عليّ فما وجه إثبات إمامة الحسن والحسين والتسعة من أولاد الحسين)).
      الجواب:


      لو سلّم المخالف جدلاً بنزول الآيه في عليّ(عليه السلام)، فهذا يعني ثبوت ولايته بنص القرآن الكريم، فصارت الإمامه أو الولاية منصباً إلهياً مشاراً إليه في القرآن، ولا يحق لغيره ممن لم ينزل فيهم النص الإلهي ان يتصدّا للخلافه أو الإمامه، فتسقط خلافة الثلاثه السابقين وخلافة اللاحقين الذين لم ينص عليهم الخليفه الشرعي وهو عليّ(عليه السلام)، فتثبت الخلافه لمن نص عليه الخليفه الشرعي، وقد نصّ عليّ(عليه السلام) بإجماع المسلمين للإمام الحسن(عليه السلام)، ونصّ الحسن للحسين(عليهما السلام) في بنود الهدنه مع معاويه.. ومن خلال حديث الاثني عشر خليفه يثبت أنّ الولايه هي للاثني عشر خليفه الذين أشار إليهم الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فارجع الى الموقع/ الاسئلة العقائدية / حديث اثني عشر خليفه/النصوص المعرفه بهم في كتب السنة.










      السؤال: بيان المراد من آية الولاية والآيات المكتنفة بها ردّاً على دعوى وحدة السياق


      تفاسير الشيعة وتأويلاتهم للقرآن الكريم التي يوظّفونها لتأييد مذهبهم كلّها مغالطات عجيبة تلوي النصوص ليّاً وتصادم اللغة العربية والعقل مصادمة واضحة.
      وإليكم بيان هذا القول مفصّلاً نقطة نقطة حول ما سُمّي: آية الولاية:
      1- موضوع الولاية أو الولاء أو الموالاة لم تكن بداية الكلام عنه في هذه الآية، وإنّما هذه الآية، وهي برقم (55) من سورة المائدة، وردت وسط سياق موحّد الموضوع، واضح الاتّصال، وجاءت ما قبل الآيتين الخاتمتين للموضوع، أي: الآيتين (56 و57).
      هذه واحدة.
      2- ما هي الآية التي بدأت السياق المتعلّق بهذا الموضوع؟
      سياق الموضوع ابتدأ في الآية (51)، التي تقول بصراحة ووضوح لا يحتاجان إلى تفسير، فضلاً عن التأويل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاء بَعضُهُم أَولِيَاء بَعض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللّهَ لاَ يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ )).
      إذاً الآية ذكرت كلمة (( أَولِيَاء )) مرّتين، وهي جَمع مفردها: (وليّ)، وهما متبوعتان بالفعل المضارع (يتولّى).
      وكلمة (وليّ) هي نفس الكلمة التي ستذكر في ختام السياق، أي: في الآيات (55 و56 و57).
      3- ماذا أفادت الآية (51)؟
      الآية كما هو واضح تنهى المؤمنين عن أمر ما.
      فهل هذا الأمر المنهي عنه هو: اتّخاذ اليهود والنصارى أولياء، بمعنى تنهى المؤمنين أن يجعلوا بينهم وبين اليهود والنصارى مودّة ونصرة وإخلاصاً وغيرها من المظاهر التي تدلّ على الولاء، أم تنهاهم أن يتّخذوا ويُنصّبوا اليهود والنصارى أئمّة عليهم؟
      الجواب طبعاً أوضح من أن يبيّن.
      4- ثمّ ما الذي تبع الآية (51)؟
      الآيتان (52 و53): وتتحدثان عن المنافقين الذين يبررون مسارعتهم ومبادرتهم للارتماء في أحضان اليهود والنصارى وموالاتهم، بأنّهم يرجون العون والمساعدة من هؤلاء الكفّار خشية نازل ينزل بهم من حرب أو فقر أو جائحة، أو غير ذلك من النوازل والمصائب، وتفضحانهم وتبينان حبوط عملهم وخسرانهم عقب تلك الموالاة:
      (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأتِيَ بِالفَتحِ أَو أَمرٍ مِّن عِندِهِ فَيُصبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِم نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقسَمُوا بِاللّهِ جَهدَ أَيمَانِهِم إِنَّهُم لَمَعَكُم حَبِطَت أَعمَالُهُم فَأَصبَحُوا خَاسِرِينَ )).
      5- ثمّ تأتي الآية (54) لتبيّن للمؤمنين خطر موالاة اليهود والنصارى على الدين، وأنّ من يقترفونها فقد ارتدّوا عن دينهم، وأنّ الله سيخلفهم بقوم آخرين خير منهم.
      في ماذا يختلف هؤلاء القوم الذين يأتي بهم الله عن المرتدّين الذين والوا الكفّار؟
      إنّهم يختلفون عنهم بالتحديد في مسألة (الموالاة)، التي عبّرت عنها الآية بكلّ وضوح بـ:محبتهم لله (أي: تولّيهم له)، ومحبّة الله لهم (أي: توليه لهم)، ومحبّتهم لإخوانهم المؤمنين وتذلّلهم لهم (أي: تولّيهم لهم)، وعزّتهم على الكفّار (إظهار عكس الولاء لهم، أي: البراءة منهم)، أي: يتّصفون بخلاف ما اتّصف به هؤلاء الذين بادروا بموالاة الكفّار: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِهِ فَسَوفَ يَأتِي اللّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَومَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضلُ اللّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم )).








      يتبع

      تعليق


      • #18
        6- الآية (55)، وهي بيت القصيد في نهاية السياق - قبل ختامه بالآيتين (56 و57) - وهو السياق الذي استهلّ بالنهي عن موالاة اليهود والنصارى، جاءت لتحدّد حصراً: من هم الذين تجب موالاتهم؟ وبنفس اللفظ المعبر به للنهي عن موالاة اليهود والنصارى، وهو هنا في الآية (55) لفظ: (وليّ) وهو مفرد جمعه: (أولياء)، الذي ورد في بداية السياق في الآية (51).
        إذاً هل يفهم أنّه بعد النهي عن اتّخاذ اليهود والنصارى أولياء، الذي اتّضح معناه في بداية السياق، يتغيّر من دون سبب مدلول لفظ (وليّ) في هذه الآية ليصير دالاً على الإمارة أو الإمامة؟
        وهل يصحّ تقدير الآية بناء على هذا المعنى كالآتي: إنّما (إمامكم أو أميركم) الله ورسوله والذين آمنوا...
        طبعاً هذا من جهة لا يصحّ عند أي عاقل، ومن جهة أُخرى لا يتوافق مع السياق الموحّد الذي يتحدّث عن الوَلاية (بفتح الواو)، وليس عن الوِلاية (بكسر الواو)، التي تعني: الإمارة.
        7- ثمّ تأتي بعدها مباشرة الآية (56) مواصلة السياق لتزيد الوضوح وضوحاً وتأكيداً، وقد ورد فيها الولاء بصيغة الفعل المضارع (يتولّى): (( وَمَن يَتَوَلَّ )) مبيّنة أنّ من يتولّون الذين حدّد الله وجوب وَلايتهم حصراً، وهم: الله ورسوله والذين آمنوا، هم حزب الله، وهم أهل الغلبة، فلا داعي ولامبرّر لتولّي غيرهم: (( وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ )).
        8- ثمّ تأتي الآية (57) الخاتمة لسياق الوَلاية (بفتح الواو طبعاً) لربط آخر السياق ببدايته، فتعود إلى نفس النهي الذي ابتُدئ به السياق، ولكن ليس للتكرار، ولكن لتضيف تعليلاً وجيهاً تذكر به المؤمنين لعدم اتّخاذهم اليهود والنصارى وعموم الكفّار أولياء، مع التنويه إلى أنّ الآية عمّمت النهي على موالاة عموم الكفّار؛ لاشتراكهم في استهزائهم بدين الإسلام.
        9- إذاً الآية (55) حدّدت وحصرت من يجب ولاء المؤمنين لهم، وهم: الله ورسوله وعموم الذين آمنوا، ثمّ اتّبعت الذين آمنوا بوصف يميّزهم ويظهر إخلاصهم بنعتهم أنّهم: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.
        سؤال وجيه:
        قد ذُكرت إقامة الصلاة كصفة للمؤمنين فلماذا يعاد وصفهم في نفس الجزء من الآية بـ (( وَهُم رَاكِعُونَ ))؟
        (وهي حال) مع أنّ الركوع جزء من الصلاة المذكورة؟
        هل هذا تكرار أم أنّ في الأمر شيء آخر؟
        طبعاً بلاغة القرآن الكريم التي فاقت كلّ بلاغة تنزّهه عن تكرار بدون فائدة ولا مبرر.
        إذاً هل (راكعون) هي تعبير عن هيئة الركوع في الصلاة؟
        إذاً كان الأمر كذلك فإنّ المعنى سيصير وصف الذين آمنوا بأنّهم هم أولئك الذين يقيمون الصلاة ويؤدّون زكاتهم حال ركوعهم في الصلاة.
        وهذه في الحقيقة هيئة في منتهى الغرابة لأداء الزكاة.
        وإذا علمنا أنّ المنسوبة له هذه الهيئة هو عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) فإنّ الغرابة والعجب يزدادان! لأنّه (رضي الله عنه) أجدر وأولى أن يحوّل استغراقه في الخشوع في صلاته وهو راكع، واضع كفّيه على ركبتيه دون الالتفات إلى أي شيء آخر، والاشتغال به عن الصلاة.
        أضف إلى ذلك: أنّ التصدّق سواء أكان على سبيل النفل أو الفرض يمكن إرجاؤه إلى حين الفراغ من الصلاة، وليس هناك داعٍ للاستعجال على حساب الخشوع في الصلاة.
        ثمّ إنّه من المعروف المشهور أنّ عليّاً(رضي الله عنه) لم تكن تجب عليه زكاة؛ لفقره، ولأنّ المذكورة في الآية هي الزكاة وليست صدقة النفل، حيث أنّ الزكاة يصحّ تسميتها بالصدقة، كما ورد ذلك في القرآن، أمّا صدقة التطوّع فلم ترد تسميتها بالزكاة التي تعني حصراً الزكاة كركن.
        فما المقصود بالركوع إذاً؟
        إذا عرفنا أنّ معنى الركوع مثله مثل السجود لغة، هو: الخضوع والانقياد، أدركنا أنّ اللفظ في الآية مستعمل بمعناه اللغوي لا بالمعنى الذي اشتهر به، وهو هيئة الركوع في الصلاة، وبهذا ينجلي أمامنا معنى هذا الجزء من الآية بوضوح فيكون تقديرها:
        ...والذين آمنواالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راضون خاضعون خاشعة قلوبهم منقادون لأمر الله.
        أي يؤتون الزكاة عن حب وإيمان وطيب خاطر وخشوع.
        وهذا ما تؤيده الآية: (( وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ أَنَّهُم إِلَى رَبِّهِم رَاجِعُونَ )) (المؤمنون:60).
        10- (الذين يقيمون الصلاة) (و يؤتون الزكاة) (وهم راكعون) جمل وردت في صيغة جمع الغائب وعليّ(رضي الله عنه) مفرد.
        وأمّا من قال أنّ الجمع جاء على سبيل التعظيم، فهذه مغالطة لا يمكن لها أن تصمد لحظة واحدة.
        نعم، يمكن استعمال الجمع ولكن لمخاطبة المفرد على سبيل التعظيم، أمّا استعمال جمع الغائب للكلام عن المفرد الغائب فليس في ما عرف من كلام العرب الفصيح ما يثبت ذلك، إلاّ أن يأوّل كلام في صيغة الجمع الغائب على أنّه يشير إلى من اشتهر بقول أو فعل، ولكنّه لم ينفرد بذلك، بل يشاركه غيره في ذلك القول أو الفعل.
        وهذا كاف لينهدم أي احتجاج بهذه الآية كنصّ من القرآن على خلافة عليّ(رضي الله عنه) ممّا يغنينا عن الدخول في أي جدال حول ما قيل عن سبب نزول الآية سواء أكان بحقّ أو بغير حقّ.
        أنا في انتظار نشر التعليق وردّكم.


        الجواب:


        لا يوجد في تفسير الشيعة لهذه الآية تأويلات، وإنّما هو استدلال بالظاهر وبالروايات مقابل شبهات يثيرها المخالفون. فراجع معنى التأويل وفرقه عن التفسير لتعرف ما نقول. ولقد أجبنا عمّا ذكرت وأكثر منه في ردّنا على ما قاله الآلوسي في السؤال السابق، اقرأه بتمعّن وتركيز حتى تفهم ما كتبنا، ولا ترجع وتكرّر ما أرسلته لنا.
        ومع ذلك سنعيد الجواب على ما ذكرته من نقاط باختصار:
        1- إنّ معظم ما ذكرته يدورحول نقطة واحدة وهي الاستدلال بالسياق، ولكنّك لم تذكر منه سوى الدعوى من دون دليل؛ فانظر إلى قولك: (( وردت وسط سياق موحّد الموضوع واضح الاتّصال )) فهو لا يخرج عن مجرد الدعوى، بل دعوى الوضوح لهذه الدعوى.
        نعم، إذا كنت تريد أنّها جاءت بترتيب واحد في القرآن فقولك صحيح، ولكن هذا لا يعني وحدة السياق؛ فإنّ السياق المراد هو النزول، وإثبات ذلك دونه خرط القتاد.
        بل حتى في هذا الترتيب الموجود في القرآن لا توجد وحدة للموضوع بين الآيات؛ فإنّ موضوع النهي عن موالاة اليهود والنصارى يبدأ من الآية (51)، وينتهي بنهاية الآية (53)، ثمّ يبدأ موضوع جديد في الآية (54) متعلّق بالارتداد، ويبدأ بـ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) وينتهي بنهاية الآية (56)، وآية الولاية، وهي الآية (55) من ضمن هذه الآيات، ثمّ يأتي موضوع آخر في الآية (57) ويبدأ أيضاً بـ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))، فأين وحدة السياق فضلاً عن وحدة الموضوع واتصاله؟
        وإن تنزّلنا عن ذلك فإنّ السياق ليس بحجّة إذا قام الدليل على خلافه عند الكلّ، وخاصّة إذا كان من أسباب النزول.
        2- قبل الكلام عن مجيء لفظة (الولي) بمعنى واحد في جميع الآيات، يجب الكلام عن معناها في اللغة، ومن ثمّ النظر في أنّها هل جاءت بمعنى واحد في الآيات أو لا.
        إنّ معنى (الوليّ) هو: الأولى والأحقّ، وهو متّحد مع (المولى)، قال الفرّاء: (( إنّ الوليّ؛ والمولى في لغة العرب واحد، وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: إنّ المولى: الوليّ، والمولى: الأولى بالشيء، وحكى الأخطل عن أبي العبّاس المبرّد أنّه قال: الوليّ: الذي هو الأحقّ والأولى، ومثله: المولى ))(1).
        و(الأولى) هو أصل المعنى الذي ترجع إليه باقي المعاني، فكلّها متضمّنه لمعنى: الأولى؛ لأنّ المعنى لو كان مالك الرق فهو أولى بتدبيرعبده، ولو كان هو المعتق كان أولى بالميراث، وبالعكس كان أولى بتحمّل جريرته، ولو كان ابن العم لكان أولى بالنصرة، ولو كان الناصر فقد اختص بالنصرة فهو أولى بها، ولو كان الحليف والجار كانا أولى بالنصرة والمعونة، ولوكان بمعنى الإمام كان الأولى بالرعية.
        وكانت هذه المعاني ترجع إلى الأولى لما تضمّنت من القرب وعدم الفصل، توسعةً للقرب من حيث المكان.
        قال الراغب في (المفردات): (( الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعداً، حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد ))(2).
        ومن هنا يعلم أنّ معنى المولى والوليّ يتحدّد بحسب متعلّقه، وقد جاءت في قوله تعالى: (( لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاء )) (المائدة:51) مطلقة، ولكن قوله تعالى بعده: (( بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ )) (المائدة:51) يحدّد أنّ المراد منها ولاية المحبّة والمودّة؛ لأنّها هي التي تجعل اليهود والنصارى بعضهم من بعض، وذلك من جهة المحبّة القومية والدينية لا التحالف والنصرة.
        وكذلك قوله تعالى: (( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم )) (المائدة:51)؛ لأنّ ولاية النصرة لا تجعله منهم، بل ولاية المحبّة والمودّة تجعله كأنّه منهم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاءَ تُلقُونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَد كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِنَ الحَقِّ )) (الممتحنة:1)، مع ما في معنى النصرة من مناقضة لذكر النصارى في الآية؛ فإنّه لم يكن للنصارى وجود في المدينة.
        3- ومن هنا يظهر أنّ ما جَمعته من المعنيين (المودّة والنصرة) وأنّهما المرادان من الولاية في الآية (51) غير صحيح، كما بيّناه آنفاً، وأنّ المعنى المراد والمنهي عنه هو: ولاية المحبّة، والذي هو أحد مصاديق معنى الأولى.
        وأنت تلاحظ أنّنا لم نستعمل التأويل لبيان معنى الآية هنا! وإنّما اعتمدنا على أقوال أهل اللغة في بيان المعنى المراد من الولي، وهو ما يسمّى بالتفسير.
        4- وأمّا قولك بأنّ الآية (52) والآية (53) تتحدّثان عن المنافقين، فغير صحيح؛ لأنّ القرآن جاء فيه: (( الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ )) وهم غير المنافقين، كيف وقد قال الله تعالى: (( وَإِذ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا )) (الأحزاب:12)؟ فجمع بينهما وهو دلالة المغايرة، وجاء ذلك في آيات أُخر أيضاً.
        ومرض القلب يتناسب مع المحبّة كما لا يخفى؛ لأنّ المحبّة شيء جوانحي موضعه القلب.
        5- وأمّا الآية (54) فهي تتكلّم عن موضوع جديد كما بيّنا: وهو: الارتداد، ولا يكون الارتداد إلاّ بنوع ردّ ورفض لأمر من أوامر الله ورسوله، وهو ما تبيّنه الآية التي بعدها وهو الولاية لله ورسوله والذين آمنوا.
        فجعلك هذه الآية (54) مرتبطة سياقاً بما قبلها لا يخرج عن الدعوى، ولم تأت بدليل عليه سوى الرغبة بردّ كلام الشيعة.
        كيف وفي الآية نصّ على محبّة الله لهم؟ وهي محبّة مطلقة لم تقيّد في الآية بجهة من الجهات، وهذهِ المحبّة المطلقة لا تكون بسبب عدم محبّة اليهود والنصارى فقط ومن دون أدنى ريب، وإنّما تكون لمن له المكانة السامية والمنزلة العظيمة، ومنهم الأئمّة(عليهم السلام)، وهل يشكّ أحد في أنّ محبّة الله لا تكون لمن كره اليهود والنصارى وإن كان عاصياً من جهة أُخرى ؟!!
        وقد وردت الروايات الكثيرة عندنا بأنّ المراد من هذه الآية: عليّ(عليه السلام) وأولاده الأئمّة(عليهم السلام) ومن تبعهم.
        ولا نعرف كيف غاب عنك معنى النصرة هنا واقتصرت على معنى المحبّة! إذ قلت: بمحبّتهم لله (أي: تولّيهم له)، ومحبّة الله لهم (أي: تولّيه لهم)، ومحبّتهم لإخوانهم المؤمنين وتذلّلهم (أي: تولّيهم لهم)، أليس كان من الأجدى لك أن تقتصر على معنى المحبّة فقط من البداية؟!
        6- وأمّا بخصوص الآية (55)، أي: آية الولاية مورد البحث، فقد ذكرنا سابقاً أن لا سياق يجمعها مع الآيات السابقة، وما هو إلاّ مجرّد دعوى، بل هناك دعوى مقابلها على أنّها منفردة خارج السياق المفترض، ومع هذه الدعوى الثانية دليل، ألا وهو الروايات المتواترة بشأن نزولها في عليّ(عليه السلام)..
        وقد بيّنا أيضاً أنّ معنى الوليّ هو: الأولى بالأمر والأحق، وأنّ معناها يتحدّد حسب المتعلّق بها، وهنا جاء لفظها مفرداً (وليّكم)، ومتعلّقها مفرداً (الله ورسوله)، وولاية (الله ورسوله) مطلقة فلا يناسبها من مصاديق معنى الولاية إلاّ: الأولى بالأمر والأحقّ، ثمّ عطف عليها (الذين آمنوا)، الموصوفون بالصفة المذكورة، (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))، وهم بعض المؤمنين قطعاً لا كلّهم، وإلاّ لانتفت فائدة الوصف، فأثبتت الآية الولاية لهؤلاء البعض بعد الله ورسوله، وهو ما لا يتوافق مع الحصر لو كان المراد من الولاية: الولاية العامّة، أي: المحبّة؛ فولاية المحبّة عامّة لكلّ المؤمنين لا للبعض، فلا يصحّ ما لوّحت به من معنى الآية بأنّها جاءت لتحدّد حصراً من هم الذين تجب ولايتهم، أي: ما عدا اليهود والنصارى حسب السياق المدّعى، الذي تحاول التمسّك به جاهداً!
        ومعنى الولاية في الآية ليس الإمامة والإمارة كما ظننت، وإنّما: الأولى به والأحقّ به، وهو ينطبق على الله ورسوله وعلى الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ويتحدّد معنى الوليّ حسب متعلّقه، فيكون أحد مصاديق معناه: الإمامة والإمارة للموصوفين في الآية.
        وأمّا ادّعاءك أنّ المراد في الآية (الوَلاية) بالفتح دون (الوِلاية) بالكسر فهو دعوى مثل دعاويك السابقة؛ لأنّهما مشتقّان من أصل واحد، وهو (وليّ) أي: الولاء، وقد جاءت في القرآن بلفظة (وليّكم) ولم تأت بـ (الوَلاية) ولا (الوِلاية)؛ قال الراغب الأصفهاني: (( ولي: الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعداًَ، حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد.
        والولاية: النصرة، والولاية: تولّي الأمر، وقيل: الوِلاية والوَلاية، نحو: الدِلالة والدَلالة، وحقيقته: تولّي الأمر، والوليّ والمولى يستعملان في ذلك، كلّ واحد منهما يقال في معنى الفاعل، أي: الموالي، وفي معنى المفعول، أي: الموالى ))(3).
        7- أمّا الآية اللاحقة وهي الآية رقم (56)، فهي مرتبطة بما قبلها، وتبيّن أنّ النصر والغلبة ستكون للذين تولّوا مَن أمر الله بولايتهم خاصّة؛ إذ فيها إشارة للحزب، ولا بدّ للحزب من إمام، فضلاً عن ورود الروايات بأنّ المعني بها: عليّ(عليه السلام) وشيعته.
        8- وأمّا الآية (57) فقد شرعت بخطاب جديد للذين آمنوا، فهي مرتبطة بالآية التي بعدها رقم (58) لا بالتي قبلها، إذ فيها إدخال للكفّار مع اليهود والنصارى، ولم يذكروا في تلك الآيات، وفيها إشارة إلى حقيقة أهل الكتاب والكفّار بأنّهم: (( اتَّخَذُوا دِينَكُم هُزُوًا )) (المائدة:57)، ولم ترد إشارة من ذلك في الآيات السابقة، ثمّ تتبعها آيات تُعدّد مساوئ ومثالب أهل الكتاب والكفّار؛ فهي نازلة في غرض آخر جديد غير غرض الآيات التي سبقتها.
        9- إذاً الآية (55) حصرت الولاية بمعنى: (الأولى بالأمر)، بالله ورسوله والذين آمنوا، ثمّ بيّنت المراد من (الذين آمنوا)، بذكر وصف خاص لهم، وهو: اقامتهم للصلاة وإعطاءهم الزكاة حال الركوع، وهذا الوصف يكون قيداً اضافيّاً يضيّق المعنى المراد، ويحدّد المصداق؛ فليس المراد كلّ المؤمنين قطعاً، وإنّما من يتّصف بهذه الصفة، والمراد من الركوع في الآية: ركوع الصلاة، بما ينطبق على المعنى اللغوي والشرعي، وقد بيّناه في السؤال السابق بما لافائدة من التكرار هنا.
        وهو وإن كان فيه هيئة غير معتادة لاعطاء الزكاة، لكنّ الغرض منه في الآية هو: لتمييز وتحديد من هذا فعله ليوالى، وليدلّ على شدّة مسارعتهم لفعل الخيرات حتى في حال ركوع الصلاة، ولم يُذكر الركوع وحده ليكون تكراراً، وإنّما ذُكر كحال لإعطاء الزكاة، فلا تكرار.
        وأمّا إشكال الجهّال بأنّ إعطاء الزكاة على هذه الحال منافٍٍ لخشوع عليّ(عليه السلام) في الصلاة، فكان الأجدر بمن يورده أن يراجع سيرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في صلاته، كما بيّناه مكرّراً في عدّة أسئلة سابقة، ولكن أعماه غرضه من الردّ على الشيعة عن ذلك.
        والإشكال بأنّه كان بإمكان عليّ(عليه السلام) أن يرجئ إعطاء زكاة النفل حتى الفراغ من الصلاة، فيه غفلة عمّا ورد من أسباب النزول في الآية، من أنّ السائل رفع يده للدعاء وطلب الشهادة من الله بأنّه لم يعطه أحد في مسجد المسلمين، كما فيه غفلة عمّا ورد من الحثّ على المسارعة في الخيرات..
        والغفلة نفسها تأتي في الإشكال بعدم وجوب الزكاة على عليّ(عليه السلام) في ذلك الوقت؛ لأنّ كلّ الروايات أجمعت على أنّ عليّ(عليه السلام) أعطى صدقة، أي: زكاة نافلة.
        وأمّا الادّعاء بأنّ الصدقة لم تسمّ زكاة في القرآن، فهو من العجب العجاب!!
        فأين ذهب قوله تعالى في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: (( وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ )) (الأنبياء:73)، وقوله تعالى في إسماعيل: (( وَكَانَ يَأمُرُ أَهلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرضِيًّا )) (مريم:55)، وقوله تعالى حكاية عن عيسى: (( وَأَوصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمتُ حَيًّا )) (مريم:31)؟! ولم تكن زكاة ركنية في شرائعهم كما هي موجودة في شريعة الإسلام.
        وأمّا دعواك أنّ معنى الركوع لغة هو: الخضوع، فليتك ذكرت أنّه معنىً مجازي، والحمل على المعنى الحقيقي المطابق للشرعي أولى وأظهر وأصحّ.
        10- وأمّا الإتيان بلفظ الجمع والمراد: واحد، فقد بيّنا في الأسئلة السابقة صحّة إعطاء حكم كلّي، أو الإخبار بمعرّف جمعي بلفظ الجمع ولا يكون المصداق إلاّ واحد في الخارج، وإلاّ ماذا تقول في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاءَ تُلقُونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ )) (الممتحنة:1)، وقد أجمع المفسّرون أنّ المراد به: واحد، وهو: حاطب بن أبي بلتعة؟!
        وقوله تعالى: (( يَقُولُونَ لَئِن رَجَعنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ )) (المنافقون:8)، والقائل هو: عبد الله بن أبّي بن سلول؟!
        وغيرها من الآيات بصيغة الجمع للغائب، ولا يوجد أصدق من القرآن شاهد !
        والقول كما قلت بأنّه: يؤوّل (( على أنّه يشير إلى من اشتهر بقول أو فعل، ولكنّه لم ينفرد بذلك، بل يشاركه غيره في ذلك القول والفعل )) لا يفيد؛ لأنّه:
        أوّلاً: يدلّ على جواز استعمال الجمع للغائب لنكتة ما مجوّزة، فلتكن في قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) نكتة مجوّزة، وهي: الإشارة إلى أنّ الولاية الثابتة في الآية لم تُعط جزافاً لبعض دون بعض، وإنّما تتبع الإخلاص والمسارعة والسبق في العمل، وأنّ هناك آخرين مشاركين في هذه النكتة، وهم الأئمّة الاثني عشر من أهل البيت(عليهم السلام).
        وثانياً: تأويل باطل، خاصّة بالنسبة للآيات المتقدّمة، فإنّه وإن احتملنا رضا الآخرين بفعل حاطب وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ولكن من كتب الكتاب ومن قال القول واحد لا غير، وهما: حاطب، وابن أُبيّ بن سلول.
        وأمّا قولك في النهاية: (( وهذا كاف لينهدم أي احتجاج بهذه الآية كنصّ من القرآن على خلافة عليّ(رضي الله عنه ) )) غير كاف، بل خطأ واضح، وعناد سافر؛ إذ حتى لو سلّمنا بكلّ ما قلت من أوّله إلى آخره، ثمّ جاء الدليل من الروايات القطعية على سبب النزول، لكان الواجب حسب القواعد تقديم مدلولها على كلّ ما حاولت ليّه من معاني الآيات القرآنية.
        وقد أجبنا على مضمون هذا الإشكال بصورة أكثر علمية وصناعة تحت عنوان: (آية الولاية/الآية عامّة والعام يتحقّق بوجود مصداقه في الخارج فكيف تخصّص؟!)، فليراجع!




        (1) العمدة: 113، الفصل الرابع عشر.
        (2) مفردات غريب القرآن: 533 مادة (ولي).
        (3) مفردات غريب القرآن: 533 مادة (ولي).






        تعليق على الجواب (1) عطفاً على ما سبق..
        نكتة لطيفة جدّ هامّة..
        لو كانت الآية نزلت في عليّ وحده بسبب أنّه آتى الزكاة وهو راكع، فهل (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ )) هم جميع المؤمنين، أم فقط عليّ(رضي الله عنه)؟
        لو كان عليّ هو وحده المعني بهذا الوصف: (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) والذي هو الوصف المزعوم لحال خاصّة به، ألم يكن أولى وأجدر أن تقتصر الآية على هذه الميزة الاستثنائية الخاصّة به والكافية لتعريفه، من أن يوصف أيضاً بـما يشترك فيه بداهة جميعُ المؤمنين: (إقامة الصلاة)، وهي أصلاً ركن من أركان الإسلام؟
        حيث - لو تنّزلنا وقلنا بجواز الكلام عن المفرد الغائب بصيغة جمع الغائب، وغضضنا أيضاً الطرف عن كون الفعل المضارع يفيد الحاضر والاستمرار، أي: بما يعني في الآية أنّ فعل إيتاء الزكاة يتكرر ويتعدّد - كان يكفي ويلزم أن تأتي الآية على التقدير الآتي: (إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون).
        لأنّ إقامة الصلاة هي من الصفات المعروفة لجميع المؤمنين، الملازمة على الأقل لجميع المخلصين منهم، فما الداعي لذكرها والمقام - جدلاً - ليس مقام ذكر صفات، أو واحدة من الصفات المشتركة بين جميع المؤمنين، وإنّما مقام نعت وتمييز من تعيّن أن يكون أميراً للمؤمنين بصفة وميزة خاصّة به لم يشترك فيها معه أحد منهم؟
        فهل كان ذكر إقامة الصلاة ضرورياً لتمييز عليّ(رضي الله عنه)؟ أي: ألم يكن ذكر ما تميّز به من صفة استثنائية كافياً لنعته وأولى لتعيينه؟
        إذاً ألا تكفي هذه النكتة لكلّ غافل أو مستغفَل عاقل كي ينتبه أنّ المعنيّين بالآية هم: جميع المؤمنين، وأنّها وصفت المؤمنين بأنّهم: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))، كإرشاد إلى الصفات الظاهرة لتمييز المؤمنين الصادقين المخلصين المستحقّين حصراً للولاء بجميع مظاهره، من مودّة، ونصرة، ونصيحة (أي: إخلاص)، وما إلى ذلك، من المنافقين الذين هم أيضاً (يُصلون) ولكنّهم لا يقيمون الصلاة، وإنّما: (( ... إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً )) (النساء:142)، و (( لاَ يَأتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُم كُسَالَى )) (التوبة:54)، وهم أيضاً ينفقون أموالهم ولكنّهم: (( ... لاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُم كَارِهُونَ )) (التوبة:54)، عكس المؤمنين الصادقين الذين ينفقون ويؤتون زكاتهم كما وصفهم الله تعالى في آية أُخرى: (( وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُم وَجِلَةٌ أَنَّهُم إِلَى رَبِّهِم رَاجِعُونَ )) (المؤمنون:60)، أي: يؤتون الزكاة في حال من الخضوع والانقياد لله تعالى والخشوع والإيمان واليقين.
        وهذا ما يتّفق مع صفة إيتاء المؤمنين الصادقين للزكاة الواردة في الآية (55) من سورة المائدة.
        هذا، والله يقول الحقّ وهو يهدي السبيل.




        الجواب:


        أوّلاً: إنّك تجاهلت جوابنا على ما ذكره الآلوسي، والذي كان جواباً لك في الوقت نفسه، ولم تعلّق عليه بشيء، ولم تعلّق على جوابنا لك بالخصوص أيضاً، وبدلاً عن ذلك أرسلت لنا الآن ما تعدّه دليلاً آخر, وهذا ليس من أسلوب البحث العلمي، ولا من أدب الحوار.
        ثانياً: في تعليقك السابق استدللت بالسياق لتشخيص معنى الولاية الواردة في الآية، وقد أرشدناك إلى جوابه بما أجبنا الآلوسي وبما أجبناك.
        وهنا في هذا التعليق تريد أن تستدلّ - زعماً منك - بظاهر اللغة، وبالقرائن الداخلية في الكلام، على أنّ المراد والمصداق الذي تنطبق عليه الآية هم: جميع المؤمنين، وقد أجبنا عن ذلك أيضاً في جوابنا على الآلوسي، من أنّ ظاهر اللغة العربية لا يمنع صحّة استعمال لفظة الجمع وإرادة المفرد.
        فإنّ للفظة الجمع استعمالان في اللغة العربية: أحدهما: حقيقي، وهو: إرادة الجمع، والآخر: مجازي، للتعظيم أو لنكتة أُخرى، وهو: إرادة المفرد، ولو كنّا نحن وظاهر الآية فقط لكان الأولى الأخذ بالظاهر الحقيقي، وهو: إرادة الجمع، لا لأنّ الاستعمال في المفرد خطأ، ولكن لأنّه مجازي يحتاج إلى قرينة للعدول عن الحقيقي, فإذا جاءت القرينة من الخارج، وهي: الروايات المشخّصة للمصداق، وأنّه: عليّ(عليه السلام) وحده، قدّمت على الظاهر اللغوي وعلى السياق أيضاً؛ لأنّهما دلالتان ظنّيتان.
        فتأمّل هنا جدّاً، ولا يختلط عليك مرتبة ومصب حجّية كلّ دليل؛ فإنّ سبب النزول مقدّم في جميع الموارد على السياق، وعلى الظاهر؛ لأنّ سبب النزول نصّ, وإذا كان قطعي الصدور فأحرى, ومن ذلك أمثلة كثيرة في القرآن.
        ثالثاً: إنّ جواب ما ذكرته من نكتة يتّضح من الإجابة على هذا السؤال, وهو: هل أعطى عليّ(عليه السلام) الزكاة وهو راكع، أي: منحني الظهر، بدون صلاة؟
        فإنّ لهذا المعنى وجه ظاهر لو كانت الآية مقتصرة على (( يُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))؛ لظهور (راكعون) بإنحناء الظهر لغة, ولكان هناك وجه في قولكم: أنّ معنى (راكعون) أي: خاشعون، وإن خالف الظهور اللفظي.
        ولكن بما أنّ القرآن يريد أن يبيّن أنّ اعطاء الزكاة كان في ركوع الصلاة لا أي ركوع لزم الإتيان بقوله: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ))، ومن بعده: (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))؛ لأنّها قيود (صفات) متعدّدة كلّما كثرت ضيّقت المصداق حتى اختص بواحدٍ، وهو: عليّ(عليه السلام).
        فلاحظ: أنّ قوله تعالى: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ )) يمكن أن ينطبق على جميع المؤمنين، وكذلك (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ ))، ولكن (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) لا ينطبق إلاّ على واحد، وهو: عليّ(عليه السلام)..
        وكان لكلّ لفظة هنا فائدة ومعنى زائد مفيد للسامع، ولا يكفي أن يقتصر على قوله: (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))؛ لما أشرنا إليه أوّلاً من احتماله لمعانٍ غير مرادة.
        وأمّا ادّعاءك أنّه جاء للتمييز بين المؤمنين الذين يقيمون الصلاة بإخلاص وبين المنافقين الذين يقيمونها من دون إخلاص، فغير صحيح؛ لأنّ المنافقين قد خرجوا سابقاً بقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا ))، فالمنافقين ليسوا مؤمنين وإنّما مظهرين للإيمان.
        ولا يشتبه عليك الحال وتظنّ أنّنا لا نلتزم بحجّية الظاهر في هذه الآية، الدالّ على أنّ إعطاء الزكاة كان حال وقوع ركوع الصلاة, ولكنّنا نقدّم سبب النزول على ظهور الجمع ما دام استعماله في المفرد ممكن وصحيح، أي: نقدّم سبب النزول؛ لتشخيص المصداق الخارجي, وأمّا ادّعاءكم ظهورات أُخرى من كون الركوع بمعنى الخشوع أو غيره، فلا قرينة عليه.










        السؤال: آية محكمةما الدليل على أن آية الولاية آية محكمة ؟؟
        برجاء أن يكون الجواب من كتب علماء السنة ...
        هذا مع ملاحظة أن آية الله العظمى السيد عبدالحسين شرف الدين قده قال في كتابه المراجعات :
        (( نعم أتلوها عليك آية محكمة من آيات اللّه عزّوجلّ في فرقانه العظيم، ألا وهي قوله تعالى في سورة المائدة: (( إنما وليّكم اللّه ورسوله والّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ..... )) ))
        فما الدليل على أنها آية محكمة من كتب السنة وكذلك كتبنا نحن الشيعة الإمامية ...
        مع العلم أن العلامة الطوسي يقول عن المحكم : (( المحكم هو ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه، نحو قوله: (( إن الله لا يظلم الناس شيئا )) وقوله: (( لا يظلم مثقال ذرة )) لانه لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل . ))
        أجيبونا في القريب العاجل للحاجة الملحة لأهمية المسألة
        الجواب:


        اختلف علماء الاسلام في معنى المحكم والمتشابه اختلافات كثيرة ربما تبلغ الأقوال في ذلك إلى عشرين قولا . والذي جرى عليه عملهم من العصر الاسلامي الأول حتى العصر الحاضر وعليه الاعتماد هو :
        1- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها .
        2- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه ب‍ التأويل لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها . هذا قول مشهور عند إخواننا علماء السنة وهو المشهور أيضا عند الشيعة (القران في الاسلام للطباطبائي ص33)
        ومن خلال هذا يتضح ان آية الولاية لا تحتاج الى تأويل بل المقصود واضح من ظاهرها فهي بذلك محكمة .

        تعليق

        يعمل...
        X