إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الوجيز في علوم القران 1و2و3و4

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الوجيز في علوم القران 1و2و3و4

    ظاهرة الوحي
    v الوحي في اللغة

    الذي يستفاد من تتبع الاستعمالات وأقوال أهل اللّغة أن للوحي معنى واحداً وهو الخطاب الخفي. والخفاء يكون على إنحاء متعددة، فتارة يكون خفياً في نفسه يسره المتكلم إلى المخاطب، وأخرى يكون خفاؤيه من جهة كونه يعبر عنه بالإشارات والإيماءات التي تخفى على غير المقصود بالخطاب، أو يخفى مدلولها عنه.

    v الوحي في القرآن الكريم

    ليس هناك ثمة اصطلاح خاص للوحي في القران الكريم، وما ورد فيه استعمل بمعناه اللغوي

    قال تعالى: ï´؟إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ...ï´¾16.

    وقال: ï´؟أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَï´¾17.

    فالوحي هنا بلا شك هو الوحي الرسالي النازل على الأنبياء، لكن ورد في القران الكريم استعماله في غير الرسالي أيضاً.

    قال تعالى: ï´؟وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ï´¾18.
    ï´؟وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا...ï´¾19.

    8
    ï´؟وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ..ï´¾20.
    ï´؟إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ...ï´¾21.
    ï´؟وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي...ï´¾22.
    ï´؟وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ..ï´¾23.
    ï´؟فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّاï´¾24.
    لكن لكثرة استعماله في خصوص الوحي الرسالي صار ينصرف إليه عند الإطلاق.


    v أقسام الوحي

    ينقسم الوحي بالقسمة الثنائية إلى الرسالي وغيره.

    1- الوحي الرسالي:

    هو وسيلة الاتصال بين الباري عزّ وجلّ وبين سفرائه إلى خلقه، فعن طريقه يتم تلقي المعارف والأحكام وغير ذلك من شؤون الرسالة.

    وهذا الوحي الرسالي النازل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله كان يأتي لأغراض عدّة ومضامين شتّى.

    1- فمنها: الذكر الحكيم والقران الكريم الذي هو نص كلام اللّه سبحانه وتعالى المنزل على رسوله بهذا الاسم، وهو المتصف بالإعجاز، والوحي النازل به قد يختص باسم الوحي القرآني.

    2- ومنها: تأويل وتفسير كلام اللّه تعالى الوارد في القرآن الكريم.

    3- ومنها: ما يطلق عليه اصطلاحاً اسم الأحاديث القدسية التي لا تدخل في الوحي القرآني.

    4- ومنها: تفاصيل الشريعة وأحكامها ومعارفها وما يتعلق بها.

    5- ومنها: ما يرتبط بشؤون الإمامة والتدبير وشؤون الحكم مما يحتاجه الرسول في مهمته القيادية.


    9
    6- ومنها: ما يرتبط بأخبار العالم والمغيبات والحوادث السابقة واللاحقة، وهذا أيضاً يدخل في دائرة علوم الرسول صلى الله عليه وآله التي قد تقتضيها رسالته وقيادته الاصلاحية على مستوى عمر الدنيا.

    × أساليب الوحي الرسالي

    والوحي الرسالي بشكل عام له أساليب متعدّدة ورد ذكرها في القران الكريم والسنّة النبوية الشريفة المنقولة لنا عن طريق الرواة الثقاة، أو الواصلة إلينا عبر أئمة الهدى من أهل بيت النبوة ومن هذه الأساليب ما يلي:

    الأول: التكليم المباشر دون توسط الملائكة

    وهذا يتم حال اليقظة، كما حصل لادم عليه السلام : ï´؟وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِï´¾25 .
    و إبراهيم عليه السلام :ï´؟وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا..ï´¾26.
    وموسى عليه السلام : ï´؟وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا...ï´¾27.
    ï´؟وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَï´¾ 28.
    ï´؟وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ï´¾ 29.

    الثاني: الايحاء بواسطة الملك

    وهذا الاسلوب له شواهد عديدة جداً، ولعله الاسلوب الأكثر شيوعاً والأغلب وقوعاً.
    قال تعالى: ï´؟فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ï´¾30.
    ï´؟مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ...ï´¾31.
    ï´؟نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ...ï´¾32.

    الثالث: الرؤيا في المنام.
    فإن "رؤيا الأنبياء وحي" 33 كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وورد عن عبيد بن عمير مقطوعاً 34.


    10
    ولهذا الاسلوب من الوحي في القران الكريم شواهد عدةّ منها:

    قوله تعالى في قصة إبراهيم: "قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين..."35.

    فقول إسماعيل عليه السلام :

    ï´؟يا أبت افعل ما تؤمرï´¾ يكشف لنا أن رؤياه تلك كانت وحياً وأمراً إلهياً بُلّغ إياه عن طريق الرؤيا، وما كان إبراهيم ليقدم على ذبح ولده لمجرد رؤيا لو لم تكن تلك الرؤيا وحياً وأمراً إلهياً لازماً بالنسبة إليه.

    الرابع: الإلهام.
    وقد يعبر عنه بالالقاء في الروع، وهو مغاير لما يصطلح عليه الناس من الالهام. فقد يعبّرون بأن فلاناً ملهم، ويقولون: أُلهمتُ القيام بالأمر الفلاني إذا وجد الشخص في نفسه الدافع نحو ذلك، فهو هنا يجد أن القرار والتصميم كان بيده وأن الفكرة وليدة نفسه، وقد لا يحصل له اليقين بالنتيجة. وهذا على خلاف الوحي الإلهامي الذي لا يغاير بقية أنحاء الوحي من حيث النتيجة ومن حيث اليقين والاطمئنان بمصدر الالهام، وإن غايرها من حيث الاسلوب والشكل.

    وقد صرحت النصوص بأن الإلقاء في الروع كان أحد أساليب الوحي الرسالي، منها ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله أنه قال: " ألا إن الروح الأمين نفث في روعي إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب..."36.

    ويمكن إدخال الإلهام و النفث في الروع في القسم الثاني الذي هو الايحاء بواسطة ملك. فإن ايحاء الملك يكون على أنحاء: فتارة يكون بسماع الصوت ومشاهدة الصورة، وأخرى بسماعه من دون مشاهدة، وثالثة بالإلقاء في الروع دون توسط صوت، فتصتبح أساليب الوحي ثلاثة لا أربعة، وقد جُمِعَتْ في قوله تعالى: ï´؟وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌï´¾37.


    11
    فالوحي هو الإلهام ومن وراء حجاب هو التكليم المباشر، وإنما سماه من وراء حجاب لأنه بواسطة صوت دون رؤية المصدر، وإرسال الرسول هو الإيحاء من خلال.

    وربما كان تخصيص النحو الأول باسم الوحي هنا لأنه أشد خفاءً من الثاني فهو بالنسبة إليه مختص باسم الوحي.

    فملاحظة الخفاء أمر نسبيّ قد يلاحظ بالنسبة لغير النبيّ، وقد يلاحظ بالنسبة لبعض حواس النبي دون بعض.



    2- الوحي غير الرسالي:

    الأساليب الثلاثة من الوحي لا تختص بالأنبياء، ولا بوحي النبوة، بل هي تجري مع غير الأنبياء وفي الأغراض الأخرى غير الرسالية، كما هو الحال بالنسبة لأم موسى، ومريم بنت عمران، وامرأة إبراهيم، في صريح القرآن الكريم:
    ï´؟وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ّ...ï´¾ 38.
    ï´؟وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ï´¾39.
    ï´؟فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ...ï´¾ 40.
    ï´؟إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة..ï´¾41.
    ï´؟ووَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى... وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ...َالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ...ï´¾42.

    ومن الواضح أن هذه الأغراض لم تكن رسالية ولم يلزم من نزول الملائكة فيها نبوة المخاطب والمنزل عليهم، وقد عبّر القران الكريم في بعض الموارد عن الأوامر التكوينية أو التدبيرية بالوحي أيضاً، كما في قوله تعالى: ï´؟وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَاï´¾ 43، ï´؟يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ï´¾44.
    وورد أيضاً التعبير به عن إيداع الأمور الفطرية والغريزية لدى الحيوانات وإلهامها


    12
    ما ينبغي لها، كما في قوله تعالى: ï´؟وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَï´¾45.

    كما أن ابلاغ الأوامر التدبيرية إلى الملائكة وحي أيضاً في نص القران الكريم، قال تعالى: ï´؟إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ...ï´¾46.

    وعليه فالوحي لا يلازم النبوة ولا يختص بالأمور الرسالية بل يتعدى إلى كثير من الأغراض والموارد الأخرى.


    v رسول اللّه صلى الله عليه وآله والوحي

    الذي يتحصل من مجموع النصوص الواردة في كيفية نزول الوحي عليه، أنه صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه بكل أساليب الوحي المتقدّمة ولمختلف الأغراض.


    1- الرؤيا في المنام:
    ففي بعض النصوص أنه صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه عن طريق الرؤيا في المنام في الفترة الأولى من نبوته قبل نزول جبرئيل عليه السلام ، فعن محمد بن علي بن النعمان الأحول قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرسول والنبي والمحدَّث، قال عليه السلام : "الرسول الذي يأتيه جبرئيل قُبُلاً فيراه ويكلّمه، فهذا الرسول، وأما النبي فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيمعليه السلام ونحو ما كان رأى رسول اللّه صلى الله عليه وآله من أسباب النبوة قبل الوحي حتى أتاه جبرئيل عليه السلام من عند اللّه بالرسالة، وكان محمد صلى الله عليه وآله حين جمع له النبوة وجاءته الرسالة من عند اللّه يجيئه بها جبرئيل ويكلمه بها قبلاً، ومن الأنبياء من جمع له النبوة ويرى في منامه ويأتيه الروح ويكلّمه ويحدّثه، من غير أن يكون يرى في اليقظة. وأما المحدَّث فهو الذي يحدَّث فيسمع، ولا يعاين ولا يرى في منامه "47.

    والرؤيا لم تنقطع عنه صلى الله عليه وآله بعد نزول جبرئيل على قلبه وبعد أن نزل عليه الوحي المباشر كما سيأتي فإن القران الكريم يشير إلى حصول ذلك فيما بعد أيضاً.

    قال تعالى: ï´؟وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ...ï´¾48.


    13
    وقال: ï´؟لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُï´¾49.
    وقال: ï´؟إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ...ï´¾50.

    2- الايحاء بواسطة الملك:
    وأما المرحلة الثانية فكانت مرحلة نزول الوحي بواسطة الروح الأمين جبرئيل على قلب الرسول صلى الله عليه وآله، قال تعالى: ï´؟نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِين * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَï´¾51.
    ï´؟قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ...ï´¾52.

    وقد وردت بعض الروايات بأن جبرئيل عليه السلام كان ينزل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله بصورة إنسان جميل الطلعة فيحدثه ويقرأ عليه القران الكريم، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله يأنس به، وقد راه رسول اللّه صلى الله عليه وآله على صورته الحقيقية الملائكية مرتين تحدثت عنهما سورة النجم: ï´؟إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىï´¾53.

    فالمرة الأولى رآه صلى الله عليه وآله في بدء الوحي ï´؟ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىï´¾ فسدّ ما بين المشرق والمغرب.
    ï´؟ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىï´¾ فيما روي أنه صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عليه السلام أن يريه نفسه مرة أخرى على صورته التي خلقه اللّه عليها، فأراه صورته فسدّ الأفق أيضاً54.

    3- التكليم المباشر:
    روي أن الإمام الصادق عليه السلام سئل عن الغشية التي كانت تأخذ النبي صلى الله عليه وآله أكانت عند هبوط جبرئيل؟
    فقال: " لا، إن جبرئيل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله لم يدخل عليه حتى يستأذنه وإذا دخل عليه قعد بين يديه قعدة العبد، وإنما ذاك عند مخاطبة اللّه عزّ وجلّ إياه بغير ترجمان وواسطة "55.


    14
    v كيف يعلم النبي صلى الله عليه وآله أن ما نزل عليه هو وحي

    ويحسن الإشارة هنا إلى أن البعض مما يروى في كيفيّة نزول الوحي عليه صلى الله عليه وآله ومن حالة الهلع التي أصيب بها، ومن لجوئه إلى خديجة التي هدأت من روعه واكتشفت هي نبوّته قبل أن يعرف ذلك هو، أو عرضت أمره على ورقة بن نوفل أو غيره من الأحبار أو الرهبان فأخبروها بأنه نبي، كل ذلك مما لا يمكن القبول به، ولا يتصور النبي صلى الله عليه وآله شاكاً في نبوته ولا جاهلاً بالوضع الذي هو عليه حتى يحتاج إلى من يطمئنه من أمثال هؤلاء، هذا بالإضافة إلى تهافت تلك النصوص وتضاربها، وضعف أسانيدها وإن رويت في كتب أطلق عليها اسم الصحاح.

    بل الثابت أنه صلى الله عليه وآله كان منذ اللحظة الأولى على بيّنة من أمره، وهل يختار اللّه لرسالته وثقلها إلاّ من صنع على عينه وهيّ‏ء لحملها؟!

    وقد كانت الكرامات الكثيرة التي ظهرت له ورويت عنه تشكل إرهاصات للنبوة، بحيث أنه لما نزل عليه الروح الأمين كان على بينة من أمره وعلى بصيرة ثابتة ويقين مما جاءه، وإلى هذا تشير عدة روايات وردت عن أئمة أهل البيت عليهم السلام .

    فعن زرارة أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام : "كيف لم يخف رسول اللّه صلى الله عليه وآله فيما يأتيه من قبل اللّه أن يكون مما ينزغ به الشيطان؟ فقال: إن اللّه إذا اتخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار فكان الذي يأتيه من قبل اللّه مثل الذي يراه بعينه "56.
    ومثل هذا الكلام يجري في اسطورة الغرانيق وأمثالها مما لا نشك ببطلانه واستحالته ونعتقد أنه مما دسّ في الأخبار لغرض التشكيك والطعن والتشويه، شأنه شأن الكثير من الإسرائيليات_57
    هوامش
    1- الأسراء:9
    2- إبراهيم:1
    3- ال عمران:138.
    4- المجلسي، بحار الأنوار، 6- 89.
    5- الحديث متواتر رواه خمسة وثلاثون صحابياً راجع مصادره في خلاصة عبقات الأنوار الجزء الأول والثاني.
    6- الشريف الرضي: نهج البلاغة الخطبة 891. بحبوحته: وسطه، وأثافيّ: جمع أُثفيّة، وهي ما يوضع عليه القِدْر، فالمراد أنه قواعد الإسلام وبنيانه. غيطانه: المستقر من الأرض. الماتحون: الذين ينزحون الماء من البئر أو العين. لا يغيضها: لا ينضبها، غيض الماء: جفّ ونضب. معقلاً: ملجأ، ذروته: أعاليه. فلَجاً: الفلَج هو الظَفَر والغلبة، استلأم: لبس اللأمة أي الدرع، والجُنّة: الوقاية، فهو وقاء لمن أراد أن يدّرع ليقي نفسه الأخطار.
    7- سورة محمد:24.
    8- ابن كثير، فضائل القران، ص15.
    9- ري شهري، ميزان الحكمة 8, 8د.
    10- الكليني، الكافي،2-607.
    11- الحر العاملي، وسائل الشيعة 189- 6 ط ال البيت
    12- الكليني، الكافي، 36- 1.
    13- الكليني، الكافي، 60-9-2.
    14- الفرقان، الاية/1.
    15- الكليني، الكافي، 630- 2.
    16- النساء:163.
    17- يونس:2.
    18- النحل:68.
    19- فصلت:12.
    20- القصص:7.
    21- الأنفال:12.
    22- المائدة:111.
    23- الأنعام:121.
    24- مريم:11.
    25- الأعراف:22.
    26- الصافات: الاية/104.
    27- النساء:164.
    28- الأعراف:143.
    29- مريم: 52.
    30- ال عمران: 39.
    31- البقرة:97.
    32- الشعراء: 193.
    33- راجع لسان العرب لابن منظور الأفريقي مادة وحى، وغيره من كتب اللّغة.
    34- المصدر السابق.
    35- الصافات: 105- 102.
    36- المجلسي، بحار الأنوار: 64- 11.
    37- الشورى: 51.
    38- القصص: 7.
    39- ال عمران: 42.
    40- مريم: 17.
    41- ال عمران: 45.
    42- هود: 73- 69.
    43- فصلت:12.
    44- الزلزلة:5 - 4.
    45- النحل: 68.
    46- الأنفال: 12.
    47- البخاري، الجامع الصحيح، الباب الخامس من أبواب الوضوء، ج44- 1.
    48- الإسراء: 60.
    49- الفتح: 27.
    50- الأنفال: 43.
    51- الشعراء: 193.
    52- البقرة: 97.
    53- النجم: 14- 4.
    54- المجلسي، بحار الأنوار، 260- 18 الصدوق، كمال الدين 58 محمد هادي معرفة، التمهيد، 64- 1.
    55- معرفة، التمهيد في علوم القران، 76- 1.
    56- معرفة، التمهيد في علوم القران، 76- 1.
    57- للمزيد راجع، جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم، 380- 287- 2، ط. بيروت



    يتبع

  • #2
    نزول القرآن

    v ما نزل من القرآن

    القران الكريم نزل من عند اللّه بألفاظه نفسها التي قرأها الرسول صلى الله عليه وآله على الناس، وهذا يجعل لتلك الألفاظ قدسية، يتعبّد بتلاوتها، ولا يجوز تبديلها بغيرها، ولا التصرف بها، حتى بالمرادفات. وهذا هو الرأي الصحيح وهو الذي عليه عامة أهل التحقيق. وبه يفرّق بين القران الكريم والحديث القدسي الذي نزل معناه دون لفظه، وعبر عنه الرسول صلى الله عليه وآله بلسانه ولغته، ولأجل ذلك كان اللفظ القراني يتصف بالاعجاز البلاغي، ولو كان من صياغة النبي صلى الله عليه وآله لما اختلف عن الحديث القدسي صياغة، ومن وجهة نظر بلاغية على الأقل، ولما اختلف عن مطلق الحديث الذي تحدث به الرسول صلى الله عليه وآله ، مع أن كلاً منهما له من الخصائص والأسلوب ما يميزه عن الاخر.

    ويشهد على كون القران نازلاً بلفظه من عند اللّه تعالى، توجيه الخطاب في كثير من ايات القران إلى النبي صلى الله عليه وآله بعبارة
    ï´؟قلï´¾ حيث تكررت في أكثر من ثلاثمائة مورد، مما يدل على عدم تدخل النبي صلى الله عليه وآله في صياغة الوحي، فهو مخاطب به لا متكلم، حاكٍ لما يسمعه لا معبّر.

    ï´؟لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ*فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهï´¾1.وعليه فلا وجه لما ذكره الزركشي نقلاً عن السمرقندي من أن الأقوال في المنزل من القران ثلاثة:

    1- أنه اللفظ والمعنى، وأن جبرئيل حفظ القران من اللوح المحفوظ ونزل به.

    2- أنه نزل بالمعاني خاصة على الرسول صلى الله عليه وآله ، فعبر عنهاالرسول صلى الله عليه وآله بلغة العرب.


    17
    3- أن المعاني ألقيت على جبرئيل، فألقاها إلى الرسول صلى الله عليه وآله بلغة العرب بتعبيره، وأن أهل السماء يقرؤنه بالعربية 2.
    وقد ظهر أن المتعيّن هو الأوّل، وسيأتي في بحث الإعجاز ما يدعم هذه النتيجة ويحققها.


    v أول ما نزل من القرآن

    ورد في الكثير من النصوص المروية عن أهل البيت عليهم السلام وغيرهم أن أول ما نزل من القران الكريم هو قوله تعالى:
    ï´؟اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْï´¾ 3.

    وقيل: أول ما نزل الفاتحة اعتماداً على أنه صلى الله عليه وآله بعد نزول الوحي عليه صلى في اليوم التالي هو وخديجة وعلي، والصلاة إنما تكون بفاتحة الكتاب، فلا بد أن تكون الفاتحة هي أول ما نزل من القران الكريم.

    لكن هذا الاستدلال غير تام، لإمكان نزول الفاتحة بعد ايات سورة العلق الخمسة، وإمكان أن تكون صلاتهم انذاك بلا فاتحة الكتاب، وقبل أن تشرّع الصلاة بها.

    وتسميتها بفاتحة الكتاب يمكن أن يوحي بأنها أول سورة كاملة نزلت كما يمكن أن يكون ناشئاً من جعلها في مفتتح المصحف بأمر من الرسول صلى الله عليه وآله وإن تأخر نزولها.


    v متى بدأ نزول القرآن

    لا خلاف في أن بدء نزول القران كان في شهر رمضان المبارك والايات الكريمة التي صرحت بنزول القران فيه متعدّدة:

    قال تعالى:ï´؟إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرï´¾ 4.
    وقال:
    ï´؟إِِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَï´¾ 5.
    وقال:
    ï´؟شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ï´¾ 6.

    18
    وقد ذهب البعض إلى تحديده في السابع عشر منه وقال اخرون في الثامن عشر وقال قوم في الرابع والعشرين، وكلها أقوال لا حجة واضحة عليها.

    فقد استدل أصحاب القول الأول بقوله تعالى:
    ï´؟وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ َï´¾ 7.

    بدعوى أن نزول القران كان يوم التقى الجمعان وهو يوم بدر السابع عشر من شهر رمضان. إلاّ أن هذا الاستدلال فيه أكثر من هفوة، فإن ظاهر الاية أن النازل من عند اللّه كان في نفس اليوم الذي وقعت فيه معركة بدر، ومن المسلم به أن بين بدء نزول القران الكريم ومعركة بدر نحو خمسة عشر سنة.

    كما يظهر أيضاً من سياق الايات السابقة واللاحقة أن المراد بما أنزله اللّه تعالى هو الملائكة والايات التي تثبّت قلوب المسلمين المجاهدين فلا دليل على أن النازل هو القران، وتسمية ذلك اليوم بيوم الفرقان لأنه كان يوم الفصل ويوم النصر.

    فالصحيح أن نزول القران بدء في شهر رمضان في ليلة القدر.


    v النزول الدفعي والتدريجي

    قد يظهر من الايات المتقدمة التي تتحدث عن نزول القران في شهر رمضان أن نزول القران الكريم كان دفعياً وأنه نزل بتمامه في شهر رمضان. وهذا يخالف ما هو ثابت بالتواتر من أن القران نزل نجوماً متفرقة على رسول اللّه صلى الله عليه وآله في الفترة ما بين بعثته ووفاته، وهو أمر يصرح به القران الكريم نفسه في ايات أخرى حيث يقول:
    ï´؟وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً َï´¾ 8.

    ï´؟
    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًاَï´¾ 9.

    ولحل هذا التنافي الظاهري هناك أقوال:

    1- أن القران بدأ نزوله في شهر رمضان المبارك ثم توالى النزول بعد ذلك في


    19
    فترات مختلفة، فإنه يصح أن يقال نزل الغيث في الوقت الفلاني مع أنه ينزل تدريجياً، لأن بدء نزوله كان في ذلك الوقت. ومن جهة أخرى فإن القران اسم جنس يطلق على الكل وعلى البعض، وكل اية منه فهي قران، فلا نحتاج إلى التجوّز في إطلاق القران على الايات الأولى النازلة في ليلة القدر. وقد تؤرخ الحوادث الواقعة في فترة ممتدة بأوّل حدوثها وبتاريخ شروعها، كالمعارك الطويلة الأمد فيقال أن الحرب الفلانية وقعت في اليوم الفلاني مع أنها تستمر بعد ذلك عدة سنوات.

    2- أن القران الكريم له نزولان، أحدهما دفعيّ والثاني تدريجي، واستشهد لهذا القول بأن ظاهر اختلاف التعبير في القران الكريم بين
    ï´؟أنزلناهï´¾ ، و ï´؟نزّلناهï´¾ ذلك، فإن الانزالظاهر في الدفعي، والتنزيل ظاهر في التعدد والتدريجي.

    وايات نزول القران في شهر رمضان كلّها عبّرت ب
    ï´؟أنزلناهï´¾ وï´؟أُنزلï´¾ .

    ثم اختلفوا في النزول الدفعي على قلوين:
    الأول: أنه كان إلى البيت المعمور أو السماء الدنيا، وقد ذهب إليه الشيخ الصدوق رضوان الله عليه 10 وروي في مضمونه رواية عن الإمام الصادقعليه السلام 11 وروايات أخرى عامية.
    ولكن الشيخ المفيد رحمه الله لم يرتض هذا القول ووصف الرواية بأنها شاذة لا توجب علماً ولا عملاً 12.
    الثاني: أن النزول الدفعي كان على قلب النبي صلى الله عليه وآله
    ï´؟ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ َï´¾ 13.
    وقد تم تصوير هذا القول تارة بأن القران نزل على الرسول صلى الله عليه وآله دفعة واحدة في شهر رمضان لكنه لم يؤذن له بتبليغه إلا بعد نزول جبرئيل به بعد ذلك تدريجياً. وقد أولوا الايات التالية بذلك.
    قوله تعالى:
    ï´؟لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِï´¾ 14.
    وقوله تعالى:
    ï´؟ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ًï´¾ 15.

    20
    وقد فسرت الاية الأخيرة بأن اللّه سبحانه نهى النبي صلى الله عليه وآله عن قراءة القران قبل أن يؤذن له ويوحى إليه، وهو دليل على أنه كان معروفاً عنده، وليس ذلك إلا من خلال النزول الدفعي.

    بينما صور اخرون هذا القول بشكل اخر، فذهبوا إلى أنّ النزول الدفعي كان نزولاً لمعانيه الكلية دون التفصيل الذي عليه القران في النزول التدريجي. فلا يرد عليه ما يرد على التصوير الأول من كون القران الكريم في الكثير من اياته نزل في حوادث خارجية لم تكن حادثة عند النزول الدفعي فكيف تحكيها وتتحدث عنها؟! ففي هذا التصوير لا يرد الاشكال لأن النازل دفعة هو حقائق القران الكلية.وقد تبنى هذا الرأي الأخير السيد محمد حسين الطباطبائي16.

    والحقيقة أن التنافي بين الايات التي وردت في نزول القران في شهر رمضان وبين النزول التدريجي هذا التنافي غير موجود كما تقدم في القول الأول.كما أن التفريق بين الإنزال والتنزيل لا واقع له، فإن القران نفسه استعمل الإنزال والتنزيل دون تفريق.فقال تعالى:
    ï´؟وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِï´¾17.وقال: ï´؟وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًاًï´¾18.
    وقال:
    ï´؟وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَï´¾19.

    وقد استعمل القران الكريم لفظ التنزيل في النزول الدفعي في قوله تعالى:
    ï´؟وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةًï´¾20.

    فلو كان التنزيل ظاهراً في التدريجي لكان الأولى هنا استعمال لفظ " أُنزِل" بدلاً من " نُزِّل" واللّه العالم.

    وتعدد النزول في كلا التصويرين يتوقف على الدليل النقلي، وما أورد من الأدلّة لو تم سنداً ودلالة لأمكن الاعتماد عليه لذا فلا يعدل عن الثابت من النزول التدريجي بالنص والتواتر إلا بدليل ثابت.


    21
    v بين البعثة ونزول القرآنروي عن أهل البيت عليه السلام أن بعثة النبي صلى الله عليه وآله كانت في السابع والعشرين من رجب، وقد نقل المجلسي اتفاق الإمامية عليه 21، وروي عن غير الشيعة أيضاً 22.

    ولكن الكثير من العامة لم يرتضوا هذا القول، فذهب بعضهم إلى أنه ولد في شهر ربيع الأول وبعث وقد تمت له أربعون سنة من العمر، فيلزم أن تكون بعثته فيه أيضاً، ولكن هذا القول ضعيف فإن بعثته صلى الله عليه وآله بعد أن تم له أربعون لا يستوجب هذا النحو من الدقة البعيدة عن النهج العرفي، ولعل ذلك مبنيّ على التسامح، ويكفي شاهداً على هذا التسامح ما ورد في تاريخ بعثته بطرق صحيحة أنها في السابع والعشرين من رجب.

    وذهب اخرون منهم إلى أنه صلى الله عليه وآله بعث في شهر رمضان اعتماداً على أنه صلى الله عليه وآله إنما بعث بالقران وقد نزل القران أول ما نزل في شهر رمضان، فيلزم منه أن تكون البعثة في شهر رمضان أيضاً.

    وهذا القول أيضاً ضعيف، لأن التلازم بين البعثة ونزول القران ليس عليه من دليل إلاّ ما رواه البخاري في كيفية بدء الوحي، وهذه الرواية ساقطة عن الاعتبار متناً وسنداً. فهي مروية عن عددٍ من الضعفاء والكذابين المشهورين بذلك من جهة، وتتضمن أموراً لا يمكن الالتزام بها لمخالفتها للأصول الاعتقادية، وقد قدمنا الإشارة إلى ذلك عند الكلام عن كيفية نزول الوحي على رسول اللّه صلى الله عليه وآله .

    وعليه فلا تلازم بين البعثة ونزول القران، ومع انتقاء الملازمة لا يبقى هناك مانع من الالتزام بما ورد عن أهل بيت النبوة عليهم السلام من أنه صلى الله عليه وآله بعث نبياً في السابع والعشرين من شهر رجب، وأن القران نزل عليه في شهر رمضان، وفيما بينهما كان نبياً دون أن يكون معه قران. ويؤيده ما ورد في بعض النصوص من أن نزول القران الكريم كان في السنة الثالثة من البعثة الشريفة، وأن فترة النزول استمرت مدة عشرين سنة، عشر منها في مكة وعشر في المدينة 23 .


    22
    وسواء ثبت نزول القران في السنة الأولى للبعثة أو ثبت كون بدء نزوله في السنة الثالثة، فإن النتيجة عدم التلازم بين تاريخ البعثة ونزول الوحي عليه وبين تاريخ نزول القران.

    تعليق


    • #3
      المكي والمدني
      رافق نزول القران حياة رسول اللّه صلى الله عليه وآله الرساليّة، ونزلت اياته وسوره لتلبّي احتياجات المرحلة التي كانت تعيشها الرسالة، وتتناسب مع الظروف والتطورات التي رافقت الدعوة الإسلامية، وقد شكلت هجرة الرسول صلى الله عليه وآله إلى المدينة المنورة نقطة تحول رئيسية قسمت الحياة الرسالية للرسول صلى الله عليه وآله إلى مرحلتين متمايزتين، المرحلة المكية والمرحلة المدنية، مرحلة الدعوة التي لم تتجاوز الأفراد ومرحلة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. وقد تبع ذلك تغيّر في طبيعة السور القرانية النازلة بعد الهجرة.

      وقد عني الباحثون بدراسة المكي والمدني من السور، نظراً لما يترتب على ذلك من فوائد وثمرات يُستفاد منها في التفسير وفي استنباط الأحكام الشرعية. وسيأتي في بحث الناسخ والمنسوخ، أن معرفة الناسخ من المنسوخ يتوقف غالباً على معرفة زمان النزول، ضرورة كون الناسخ متأخراً نزولاً عن المنسوخ، وقد يُستفاد من معرفة المكي والمدني في محاكمة أسباب النزول التي قد يتلاعب بها لمصالح سياسية معينة.

      وهناك معياران في تحديد معنى المكي والمدني:

      الأول: زماني، حيث يطلق المكي على ما نزل قبل الهجرة إلى المدينة المنوّرة وهي المرحلة المكية، وأما المدني فيطلقونه على النازل بعد الهجرة ويدخل فيه ما نزل بمكة عام الفتح أو في حجة الوداع أو في غير مكة والمدينة أثناء الغزوات التي خاضها الرسول صلى الله عليه وآله لو ثبت نزول شي‏ء من القران أثناءها. وهذا الاصطلاح هو الأصح والأدق وهو الأشهر استعمالاً. وهو النافع في معرفة الناسخ من المنسوخ.

      الثاني: مكاني، وهو يطلق المكي على النازل في مكة سواء كان قبل الهجرة أو بعدها، وما عداه فهو مدني، وعليه فيكون ما نزل في مكة عند الفتح وفي حجة الوداع مكيّاً رغم


      24
      كونه بعد الهجرة بل في اخر حياة الرسول صلى الله عليه وآله . ولعل الاختلاف الذي نلاحظه أحياناً في مكية السورة أو مدنيتها يرجع إلى الاختلاف في المعيار ويتبعه اختلاف في الاصطلاح


      v كيف نميز بين المكي والمدني

      هناك امور اعتبرت علامات تشير إلى زمن نزول الاية وهل أنها مكية أم مدنية ، ومن هذه العلامات:

      فعلامات المكي هي:
      1- كل ما نزل فيه
      ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُï´¾، فهو مكي. بناءً على أن طبيعة المرحلة المكية هي الخطاب العام لكل الناس.

      إلاّ أن هذا العنصر أو هذه السمة لا تصلح أن تكون ضابطة تمييز بين المكي والمدني نظراً لورود اياتٍ ثبت مدنيّتها تخاطب الناس بالخطاب العام مثل قوله تعالى:
      ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَï´¾ 1.
      ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ...ï´¾2.
      ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...ï´¾ 3.

      2- قول بأن ما نزل من القران فيه ذكر الأمم فإنما نزل بمكة.
      وهذه الضابطة أيضاً غير دقيقة، لوجود قصص الأمم في سور مدنية قطعاً، ويكفي مثالاً على ذلك سورة البقرة التي تحدثت عن قصة موسى وبني إسرائيل مفصلاً، وقد استثناها بعضهم.

      3- فمنها: أن الحروف المقطعة في أوائل السور من سمات السور المكية عدا سورتي البقرة وال عمران وفي سورة الرعد خلاف.

      4- أن كل سورة فيها سجدة فهي مكية (طبعاً المراد الأعم من السجدات المستحبة والواجبة).

      5- أن كل سورة فيها لفظ (كلاّ) فهي مكية.


      25
      وعلامات المدني:

      1- ما فيه
      ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْï´¾ فهو مدني فقد تكون المجتمع الإيماني الذي بدأت تخاطبه الايات ب ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْï´¾ ، في المدينة بعد الهجرة. لذلك ربما لا نجد فيما نصّ على أنه مكيّ خطاباً ب ï´؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْï´¾ .

      2- ما كان من الفرائض والسنن و تفاصيل السنن والحدود والأحكام.فإنما نزل بالمدينة.

      3- كل سورة فيها ذكر للمنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت، وقيل أن أولها إلى اخر الاية مدني أيضاً وما عداها فهو مكي، وفي هذه الايات ذكر الجهاد والمنافقين.

      4- كل سورة فيها أذن بالجهاد أو ذكر له وبيان أحكامه فهي مدنية، أو خصوص الايات المتضمنة لذلك.

      5- كل سورة فيها محاججة لأهل الكتاب فهي مدنية.

      والحقيقة أن هذه السمات المميزة مبنية على ملاحظة السور والايات واستقرائها، وهي جميعها في موارد ثبت بالنقل مكية السورة أو مدنيتها. وعليه فلا يكون هناك ثمرة كبيرة في دراسة هذه المميزات.

      وقد بالغ المفسرون أحياناً في تشخيص المكي والمدني، فعدّوا بعض الايات الواردة في السور المكية مدنياً، وبالعكس، اعتماداً على وجوه واعتبارات استحسانية لا يصح الاعتماد عليها.


      عدد ما نزل في مكة وما نزل بالمدينة من السور:

      عد الزركشي خمساً وثمانين سورة نزلت في مكة وتسعاً وعشرين نزلت بالمدينة، وذكر الاختلاف حول بعض السور مثل:
      ï´؟وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَï´¾ فقيل أنها اخر ما نزل بمكة وقيل أنها مدنية.

      ومثل: سورة الفاتحة، التي ذهب بعضهم إلى أنها أول سورة نزلت كاملة في مكة، وقيل نزلت بعد المدثر وقيل أنها نزلت بالمدينة، والأشهر أنها مكية، وربما قيل بتكرر نزولها.


      26
      v مصحف علي عليه السلام

      لقد ذكر في نصوص عديدة أن مصحف أمير المؤمنين عليه السلام كان يمتاز بعدة أمور منها أنه رتّبه على ترتيب النزول فقدّم المتقدم نزولاً وأخّر المتأخر نزولاً. ولكن المصاحف التي دوّنت بعد ذلك وخاصة عندما تم توحيد رسم المصاحف زمان عثمان بن عفان لم تراعِ الترتيب بحسب النزول وإنما اعتمدت ترتيباً قريباً إلى حدٍّ مّا ما هو عليه المصحف المتداول اليوم.

      ويمتاز مصحف علي عليه السلام بأنه دوّن فيه التأويل والتفسير كما أملاه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وأسباب نزول الايات، وبيّن فيه المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، بالإضافة إلى ما ذكر من إثبات أسماء أهل الحق وأهل الباطل والمنافقين في المناسبات التي نزلت الايات فيها.

      وإلى هذا المعنى تشير النصوص الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام في أنهعليه السلام جمع القران كما أنزل، أي كما أنزل ترتيباً وتأويلاً وتفسيراً.

      وبقي هذا المصحف عند أمير المؤمنين عليه السلام وتوارثه الأئمة عليهم السلام مع بقية ودائع النبوة وفي بعض النصوص أنه محفوظ عند الإمام الحجة المنتظر عجل اللّه فرجه الشريف 4.

      تعليق


      • #4
        القراءات القرانيّة
        لا يكاد يخلو كتاب تفسير من التعرض لذكر القراءات المتعددة للكثير من مفردات القران، وهذه القراءات تنسب إلى قراءٍ معينين، وقد احصي منها عشرة مشهورة أو سبعة هي الأشهر وإلاّ فإن عدد القراءات الشاذة تزيد عن ذلك بكثير فكيف نشأت هذه القراءات؟ وكيف يمكن التعامل معها في القراءة خاصة في الصلاة؟.

        v منشأ القراءات

        هناك اتجاهان في شأن نشوء القراءات القرانية ومصدرها:

        الأول: أن المصحف حتى المصحف العثماني قد كتب مجرداً عن التنقيط والحركات الاعرابيّة، وهذا أدّى إلى الاختلاف في قراءته، نتيجة عدم حفظ المعلّمين القراءة الصحيحة بدقة، واعتماد الرسم الذي يحتمل عدة وجوه لخلوّه من الإعجام والإعراب.

        فالقراءات على هذا الوجه تكون اجتهادية محضة أو مرويّة عن القّراء المشهورين، دون أن يعلم الزمن الذي حصل فيه الاختلاف وكيف بدأ.

        الثاني: اتجاه يزعم أن القراءات مروية بالأسانيد عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله بغض النظر عن كتابة المصحف الشريف. وقد ادعى البعض تواتر القراءات السبعة المشهورة1.فبناءً على هذا هناك اتجاه يذهب إلى أن القراءات بين ما هو اجتهاد من القارى‏ء وبين ما هو منقول بخبر الواحد. مع اعترافه بأن القران نزل على قراءة واحدة، بينما الاتجاه الثاني يدعي أنها كلها قران وأنه نزل بقراءات متعددة ومتواترة.


        36
        × أدلة الإتجاه الأول

        يدل على الإتجاه الأول: ما ورد في أخبارنا عن الإمامين الباقر والصادق عليه السلام في أن القران نزل على حرف واحد:
        منها ما روي عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام : أن الناس يقولون إن القران نزل على سبعة أحرف فقال عليه السلام : " كذبوا أعداء اللّه ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد " 2.

        ومنها ما روي الإمام الباقر عليه السلام : " أن القران واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجي‏ء من قبل الرواة "3.

        ومنها ما روي عن سليمان بن صرد عن الرسول صلى الله عليه وآله : " أتاني جبرئيل فقال: اقرأ القران على حرف واحد " 4.

        ويدل عليه ايضاً: أن عثمان جمع الناس على قراءة واحدة كما يقولون فهو اعتراف ضمني بأن القران واحد نزل بقراءة واحدة وإلا لما كان له أن يمنع القراءات الأخرى ويحمل الناس على قراءة واحدة.وقد تبنى هذا الإتجاه أكثر من واحد من مصنفي أهل السنّة وصرحّوا بأن سبب الاختلاف في القراءات هو خلو المصاحف الأولى من النقط والشكل. فقد نقل ذلك عن ابن أبي هاشم 5، وابن جرير الطبري6وغيرهما.
        × أدلة الإتجاه الثاني

        استدلوا على الإتجاه الثاني بما رووه عن النبيصلى الله عليه وآله7من أن القران الكريم نزل على سبعة أحرف8، فزعموا أن الأحرف السبعة هي القراءات السبعة المشهورة.

        حتى أن بعضهم يدّعي ان عثمان بن عفان فرّق هذه القراءات على المصاحف التي


        37
        دوّنها لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند اللّه تعالى وكما سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، وهذا هو سبب اختلاف رسوم مصاحف أهل الأمصار9.

        والاستدلال برواية الأحرف السبعة على ما ذكر غير تام: فإن هذه الرواية معارضة بما روي عن أئمة أهل البيت عليه السلام وهم أعلم بما نزل فيه من أن القران واحد نزل من عند الواحد، على حرف واحد وأن الاختلاف يأتي من قبل الرواة كما تقدم.
        ومن جهة ثانية لا دليل على أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبعة، فإن بعض الروايات فسّرت الأحرف بأنها أساليب القران من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والجدل والأمثال والقصص10، ويظهر من روايات أخرى أن الأحرف إشارة إلى معاني القران وتأويلاته، فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: " تفسير القران على سبعة أوجه، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، تعرفه الأئمة "11.

        ومن جهة ثالثة فإن روايات أحرف القران متضاربة، فبعضها يقول أنها سبعة وبعضها يقول أنها خمسة وبعضها يقول أنها أربعة وربما ثلاثة فلا يعلم الصحيح منها.

        والنتيجة أن مقولة تفسير الأحرف السبعة بالقراءات غير مقبولة ولا يصح الاعتماد عليها.

        v اختلاف مصاحف الأمصار

        تصرح بعض النصوص أن عثمان بن عفان لما أتي بالمصحف بعد أن فرغوا منه، نظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى فيه شيئاً من لحن ستقيّمه العرب بألسنتها 12.

        وهذا يدل على أن الدقّة التي توخاها كتبة القران انذاك لم تكن مانعة من وقوع بعض اللّحن غير المهم في طريقة الرسم القراني، ولذا اعتمدوا على أن العرب ستقومها بألسنتهم، ولو كان ذلك على مستوى الاختلاف الجذري لما كان يسكت عليه.

        بالإضافة إلى أن المصاحف تلك كانت خالية عن النقط والحركات الإعرابية كما تقدم مما جعل إمكانية اختلاف قراءتها على مستوى عالٍ، ونحن لا ندري مقدار هذا الاختلاف


        38
        المزعوم في المصاحف العثمانية، وما نقل في المقام لا يخلو أن يكون مجرّد دعاوى غير مدعّمة بأدلة قاطعة، وهذا مما لا يجوز الوقوف عنده أمام النص المتواتر والقراءة المتواترة.


        v سند القراءات

        أما دعوى كون القراءات مرويّة عن الرسول صلى الله عليه وآله ، فهنا لا بد من التعرض لأمرين:

        الأول: أنّ القران لا يثبت بأخبار الاحاد وإنما بالتواتر الموجب للاعتقاد اليقيني بأنه هو كلام اللّه النازل على رسوله صلى الله عليه وآله ، وعليه فأي قراءة لا بد من إسنادها بأسانيد متواترة ولا يكفي مجرد الرواية بسند واحد أو سندين بما لا يخرجها عن الاحاد. وهذا أمر مسلّم لا يناقش فيه أحد.

        الثاني: إن القراءات المنقولة في كتب التفسير وغيرها كلها غير متواترة، وقد كفانا البحث السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره ) في كتاب " البيان " 13، وقد أورد ترجمة القراء السبعة وأثبت أن قراءتهم غير متواترة بل بعضها لم تثبت بسند صحيح أصلاً.

        والقراء السبعة هم:

        1- عبد اللّه بن عامر الدمشقي، ولد سنة 8ه وتوفي سنة 118هـ ، قيل قرأ على المغيرة.

        2- ابن كثير المكي ولد سنة 45هـ وتوفي سنة 120هـ ، قيل أنه قرأ على ابن السائب.

        3 عاصم بن بهدلة الكوفي توفي سنة 127 أو 128هـ ، وقيل أنه قرأ على زر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي عمرو الشيباني، ومن أشهر من روى عنه حفص بن عمر.

        4- أبو عمرو البصري ولد سنة 68هـ وتوفي 154هـ ، أكثر القراء شيوخاً.

        5- حمزة الكوفي ولد سنة 80هـ وتوفي سنة 156هـ قرأ على سليمان الأعمش وحمران بن أعين وغيرهما.

        6- نافع المدني مات سنة 169هـ ، أخذ عن جماعة من تابعي أهل المدينة.

        7- الكسائي الكوفي مات سنة 189هـ ، أخذ القراءة عن حمزة الزيات.


        39
        ومن تصفح حال القراء وتراجمهم يظهر أن قراءاتهم تلقوها عن مشايخهم بطرق الاحاد، وكثير من القراء أنفسهم لم يكن ثقة أو أن شيوخه لم يكونوا ثقات. والمهم هو عدم إمكان الركون إلى شي‏ء منها. ولا يكفي أن يدعى تواتر القراءة إلى القراء أنفسهم فإن المطلوب التواتر عن الرسول صلى الله عليه وآله وهو غيرها.

        ثم إن احتجاج كل واحد من القراء على صحة قراءته وإعراضه عن قراءة غيره دليل على أن القراءات لم تكن متواترة عن الرسول صلى الله عليه وآله ولم تكن متعددة في الأصل وإلا لم يكن هناك حاجة لكل ذلك فإن التعدد يكون عندئذ هو الطبيعي.

        ومهما يكن فإن عدم تواتر القراءات لا يضر بتواتر القران لعدم الملازمة بينهما، كما ان تواتر القران لا يستلزم تواتر القراءات، لأن الاختلاف في كيفية الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها. ومع اتفاق اراء جمهور الفصحاء والبلغاء وأرباب النحو على قراءة عاصم الكوفي، وحيث أن أدق رواته هو حفص دون سائر تلامذته فقد تداول المسلمون هذه القراءة واتفقوا عليها، ومع ملاحظة أخبار أهل البيت عليهم السلام التي سيأتي ذكرها لا يبقى اشكال في الأخذ بها حينئذ لخروجها عن الشاذ والنادر.
        v نمط اختلاف القراءات

        من يتتبع القراءات المختلفة يصل إلى حد الاطمئنان بأنها أخطاء في القراءة نشأت من اختلاف الرسم أو اختلاف اللهجات أو عدم وجود النقاط الاعجامية للحروف وعدم وضع الحركات الاعرابية، ولتقريب ذلك إلى الذهن أكثر نأتي بأمثلة:1- قوله تعالى: ï´؟يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍï´¾قرى‏ء بكسر الكاف وبضمها وقال الطبرسي: هما لغتان. وهذا يدل على أن منشأ الاختلاف هنا هو اختلاف اللهجة العربية من قبيلة لأخرى، وكل قرأ بلغته.2- ومثله قوله تعالى:ï´؟يضارّï´¾ قرى‏ء بفتح الراء وبضمها.3- قوله تعالى: ï´؟فيَقْتُلون ويُقْتَلُونï´¾ قرى‏ء بالبناء للمفعول في الأول وللفاعل في الثاني وبالعكس. وهذا يبدو أنه من عدم الحفظ، واحتمال الرسم للقراءتين، واتحاد المعنى.

        40
        4-ï´؟مُجراها ومُرساهاï´¾قرأ ابن مسعود بفتح الميمين.5-ï´؟حتى يطهُرنï´¾قرى‏ء يطّهّرن بالتشديد، وهذا ناشي من عدم الحركات الإعرابية.6-ï´؟ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدï´¾ قرى‏ء المجيد بالرفع والجر وهذا من الاختلاف بالتفسير وعدم حفظ القراءة.7-ï´؟بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَاï´¾ قرى‏ء باعد على وزن الفعل الماضي وفعل الأمر.8- ï´؟يعرشونï´¾ قرى‏ء بضم الراء وبكسرها.9-ï´؟ولكنّ الشياطين كفرواï´¾ قرئت لكن بالتشديد والتخفيف ويتبع ذلك رفع الشياطين ونصبها.
        10-
        ï´؟فتبيّنواï´¾قرى‏ء فتثبتوا، وهذا نوع من الاختلاف ناشى‏ء من عدم وجود نقط الاعجام.11- يعلمون وتعلمون في أكثر من موضع اختلف في قراءتها بالياء والتاء على الخطاب والغيبة.12-ï´؟لم تروهاï´¾قرى‏ء لم يروها في الموضعين من التوبة.13-ï´؟ننشزهاï´¾قرى‏ء ننشرها. وهذا كله لعدم التنقيط.14- ï´؟ويقص الحقï´¾قرى‏ء ويقضي الحق وهذا مثال لتشابه الرسم والخطأ في التشخيص.

        هذه نماذج يسيرة وأغلب الاختلافات من هذا القبيل.

        وهناك اختلافات في زيادة كلمة ونقصانها، واستبدال حرف جر باخر وأمثال ذلك مما ينشأ من سهو الحافظ.

        وهناك اختلافات ناشئة من الخلط بين التفسير والتأويل ومتن القران فيتوهم أن ما ورد على الألسنة للتفسير أنه من أصل القران.

        ونحن لا ننفي بعض المحاولات العمدية للتحريف خاصة إذا عرفنا أن بعض أهل الكتاب كان يطلب منه نسخ المصحف وهو لا يؤتمن من التلاعب والزيادة والتحريف. ومن هذا القبيل ما ورد أن عبد الرحمن بن أبي ليلى كتب له نصراني من أهل الحيرة


        41
        مصحفاً بسبعين درهماً 14، ومنذ سنوات قليلة حاول يهود العصر في إسرائيل تحريف القران في الايات التي ترتبط بهم وباءت محاولتهم بالفشل كما فشلت كل المحاولات السابقة وبقي القران الكريم محفوظاً بعيداً عن كل ريب.وفي الختام لا بد من الإشارة إلى ما ورد عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من الأمر بالقراءة " كما يقرأ الناس" أو " كما علمتم " والنهي عن متابعة القراءات الشاذة.

        روي أنه قرأ رجل على أبي عبد اللّه عليه السلام حروفاً من القران ليس على ما يقرؤها الناس فقال أبو عبد اللّه عليه السلام " كف عن هذه القراءة إقرأ كما يقرأ الناس..." 15.
        وروي عنه عليه السلام أنه قال: " اقرؤوا كما علّمتم " 16.

        وقد استفاد بعض فقهائنا من هذه النصوص جواز القراءة بكل قراءة مشهورة بين الناس في عصر الإمام عليه السلام . ولكننا نقول أنه لم يعلم أن المشهور والذي كان يقرؤه الناس وأمر به الإمام عليه السلام هو أكثر من قراءة واحدة. وعليه فيشكل القراءة بما خالف المصحف المتداول وهو المتواتر في الصلاة وغيرها.

        تعليق

        يعمل...
        X