إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الوجيز في علوم القران 5و6و7و8

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الوجيز في علوم القران 5و6و7و8

    سلامة القران من التحريف
    1- القرآن ونفي التحريف

    قال تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ 1.
    هذه الاية الشريفة تدلّ دلالة تامة على سلامة القران الكريم، وأنه محفوظ من التغيير والتحريف اللفظي، قال العلامة الطباطبائي في تفسيرها: " ... فهو ذكر حيّ خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله، مصون من الزيادة عليه بما يبطل به كونه ذكراً، مصون من النقص كذلك، مصون من التغيير في صورته وسياقه بحيث يتغيّر به صفة كونه ذكراً للّه، مبيناً لحقائق معارفه، فالاية تدل على كون كتاب اللّه محفوظاً من التحريف، بجميع أقسامه بجهة كونه ذكراً للّه سبحانه، فهو ذكر حيّ خالد " 2.

    ويقول السيد أبو القاسم الخوئي: " فإن في هذه الاية دلالة على حفظ القران من التحريف، وأن الأيدي الجائرة لن تتمكن من التلاعب فيه " 3. وقريب من هذا الكلام صدر عن الفخر الرازي والفيض الكاشاني والشيخ الطبرسي وغيرهم.

    والمراد من الذكر في الاية المحكي بهذا القران الملفوظ أو المكتوب وهو المنزل على رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، والمراد من حفظه صيانته من التلاعب والتغيير والضياع، ولا شك أن مثل هذا الحفظ لا يصح إلاّ مع بقائه بمتناول أيدي البشر عامة الذين نزل لهدايتهم. ولا يصح اطلاق مثل هذا الحفظ على بقائه بأيدي جماعة خاصة مع عدم إمكان وصول الناس إليه، ولذا صح أن يقال أن بني إسرائيل حرّفوا التوراة والإنجيل مع بقائها مكتومة عند أفراد معينين.

    43
    2- نفي التحريف في السنة

    وردت روايات عديدة تقتضي سلامة القران وحفظه من أيدي التحريف:

    الطائفة الأولى:

    ما ورد من الأمر بعرض الأخبار على كتاب اللّه بهدف تمييز الصحيح منها عن الموضوع، ومع فرض عدم سلامة القران فكيف يصحّ الأمر بالعرض عليه وكيف يتم جعله مقياساً لذلك.

    فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال: " تكثر لكم الأحاديث بعدي، فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فاقبلوه وما خالف فردّوه " 4.

    وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: " كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف " 5.

    قال الفيض الكاشاني رحمه اللّه: " وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب اللّه لتعلم صحته بموافقته له، أو فساده بمخالفته، فإذا كان القران الذي بأيدينا محرّفاً فما فائدة العرض " 6.

    الطائفة الثانية:

    الرواية المتواترة التي تأمر بالتمسك بالثقلين: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي " 7 وما في معناها من الروايات الامرة بالتمسك بالقران واتخاذه إماماً والتي تصفه بأنه نور وهداية وناصح وأنه لا عوج فيه وأنه عصمة للمتمسك به ونجاة للمتعلق به وأمثال ذلك.

    وهذه النصوص كلها تقتضي سلامته وحفظه على تلك الصفة. ولو كان محرفاً لما كان لها أي معنى حينئذ.


    3- تواتر القرآن الكريم

    تقدم في بحث جمع القران الكريم أن القران الكريم متواتر حفظاً وتدويناً، فعلى


    44
    صعيد التدوين، تقدم أن الرسول صلى الله عليه وآله استخدم في كتابة الوحي عشرات الكتّاب وانتشر التدوين بصورة واسعة جداً وأن عدداً من الصحابة كان يمتلك نسخاً كاملة من القران الكريم في حياة الرسول صلى الله عليه وآله ، وعلى صعيد الحفّاظ فقد كان عددهم بالمئات بل الألوف، وقد استمر هذا التواتر في كل الأجيال وجميع العصور حتى يومنا هذا.

    فلا يعتنى بدعاوى التحريف التي تخالف القطع وظاهر الكتاب والسنّة النبوية الثابتة.


    4- شواهد تاريخية أخرى

    توجد عدة شواهد تاريخية على أن تحريف القران لم يكن متيسراً حتى لمن كان يرغب بذلك.

    فمن ذلك قول عمر بن الخطاب: " لولا أن يقول الناس إن عمر زاد في كتاب اللّه لكتبت اية الرجم بيدي " 8.

    ومن ذلك أن عثمان أراد حذف الواو من اية الكنز ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة...﴾ ولكن الصحابة اعترضوا عليه ومنعوه من ذلك حتى أن أبيّ قال له: لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي، فألحقوها 9.

    واتفق مثل ذلك مع الخليفة الثاني في " واو " ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ 10.

    وسواء فسر ذلك بأنه سهوٌ وقلة حفظ أو أنها محاولات هادفة فإنّ المسألة لم تكن متيسرة لهم، وقد سخر اللَّه سبحانه من يحفظ القران الكريم من التغيير والتبديل.


    × دعاوى التحريف

    يستعمل لفظ التحريف ويراد منه أحد معنيين:

    الأول: التحريف المعنوي، وذلك بحمل الألفاظ على غير معانيها وتأويلها بما لم تنزل فيه بلا دليل لغوي ولا رواية صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام .


    45
    وهذا النمط من التحريف وقع بلا شك من قبل الكثير من المذاهب وأهل الأهواء والمقالات الفاسدة الذين حاولوا الاستفادة من الكتاب لنصرة مقالاتهم الباطلة، ولأجل ذلك نهى أمير المؤمنين عليه السلام عن مجادلة الخوارج بالكتاب عندما بعث إليهم ابن عباس فقال له: " لا تخاصمهم بالقران فإن القران حمّال ذو وجوه تقول ويقولون ولكن خاصمهم بالسنّة فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً " 11.

    وذلك لأنهم كانوا يؤولون الايات التي يمكن أن يخاصمهم بها لالزامهم بوجوب طاعة أمير المؤمنين على وفق أهوائهم وارائهم. بخلاف نصوص السنّة الصحيحة والصريحة بالمطلوب.

    الثاني: التحريف اللفظي، ويراد منه تحريف ألفاظ القران الكريم بالزيادة أو النقصان أو التبديل، وهذا هو المقصود من البحث، وما قدمناه من أدلة على سلامة القران يقصد سلامته من هذا النوع من التحريف. لكن المؤسف أن بعض المحدثين الشيعة خدعوا بالأخبار المتفرقة التي تدل على وقوع التحريف بالقران أو التي توهموا دلالتها على ذلك، وهي أخبار عامية في الأعم الأغلب وقد أساؤوا نتيجة ذلك إلى القران الكريم ووجهوا طعنة خطيرة للإسلام بسبب هذه السذاجة.

    وجاء بعد ذلك الذين يتربصون الدوائر بأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وتلقفوا هذا الكلام واتخذوه مطعناً للاجهاز على التشيع وتشويه صورته. فلا يخلو كتاب يصنف اليوم ضد التشيع من فصول تستغل هذه المقولة وتنسب إلى الشيعة هذه التهمة بسبب ما ذهب إليه هؤلاء المحدثون وعلى رأسهم المحدث الشيخ حسين النوري الذي ألف كتاباً سمّاه " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " .

    أورد فيه اثني عشر دليلاً أو توهماً وأسهب في التوجيه، وهذه الأدلة المزعومة نذكر أهمها:

    الأول: ما ورد من أن ما وقع في الأمم السابقة يقع في هذه الأمة أيضاً ومن المعلوم أن الأمم السابقة حرفت التوراة والإنجيل، فلا بد أن هذه الأمة كذلك.ويجاب بأن هذه الروايات عامية المنشأ في الغالب ومع ذلك فهي ناظرة إلى الحوادث


    46
    الاجتماعية والسنن التاريخية ولا يلزم أن يتكرر كل حدث صغير أو كبير بتفاصيله فلا يصح الاستدلال بها هنا.

    الثاني: الروايات التي تظهر كيفية جمع القران بحسب ما ورد في كتب القوم إذ يلزم منها عدم الاطمئنان إلى سلامة الكتاب، كالجمع بالشاهد والشاهدين وأمثال ذلك. ولكن تقدم أن القران كان مدوّناً بكامله عند عدد كبير من المسلمين على زمان الرسول صلى الله عليه وآله والتواتر متوفر في كل الطبقات.

    الثالث: اختلاف القراءات في مصاحف الصحابة على ما نقله المفسرون من أهل السنّة، وهو أحد أنواع التحريف لأن القران نزل على حرف واحد.

    والجواب عن هذا أنه تقدّم أن عدم تواتر القراءات شي‏ء وتواتر القران شي‏ء اخر فاختلاف القراءات لا يضر بالمادة الأصلية للقران.

    الرابع: ما ورد من أن أبيّ بن كعب كان أقرأ الأمة، وما ورد في أن ايات مصحفه أكثر مما هو موجود الان، ويستنتج من ذلك طروء النقص.

    والجواب عن هذا أن هذه الروايات أيضاً ضعيفة وعامية وشاذة لا يصح الوقوف عندها مقابل التواتر الفعلي. ونضيف إلى ذلك أن الاختلاف بعدد الايات لا يدل على الزيادة والنقص لأنهم ربما اختلفوا على أماكن الوقف والفواصل فأدّى ذلك إلى الاختلاف بعدد الايات وهذا لا يؤثر.

    الخامس: إن ما فعله عثمان من حمل الناس على قراءة واحدة وإحراق باقي المصاحف يجعل القران الكريم في معرض التشكيك وعدم الاطمئنان إلى سلامته، وإذا أضيف إليه مخالفة ابن مسعود لعثمان ينتج عنه وجود تحريفات كانت سبباً لمخالفة ابن مسعود.

    ولكن يدفعه أن عمل عثمان كان بموافقة صريحة من أمير المؤمنينعليه السلام وأنها وحّدت القراءات وأن مخالفة ابن مسعود لا تدل على شي‏ء مما ذكر، لأنه رفض تسليم مصحفه للإحراق وكان يعتز به لأنه كتبه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله فلا يدل على أن المصحف الجديد كان مغايراً لمصحفه، نعم ربما كان ابن مسعود قد خالف في الترتيب أو دوّن بعض التفسير والتأويل فيه فكان رفضه لذلك أيضاً، وهو ليس من التحريف كما هو واضح.


    47
    السادس: الروايات التي تصرح بوقوع التحريف في القران. وهذه الروايات أكثرها مروي عن السياري (الغالي) وغيره من الضعفاء، بالإضافة إلى أن المقصود فيها غالباً هو التحريف المعنوي لا اللفظي، وقد تقدّمت رواية الباقر عليه السلام بأنهم أقاموا حروفه وحرفوا حدوده وهي صريحة في التحريف المعنوي.

    السابع: وجود ألف رواية أغلبها شيعي تتضمن اختلاف القراءة عما هو في المصحف الحاضر، وهذه الروايات الألف فيها ما يلي:

    1- أن أكثر من 230 رواية منها ترجع إلى السياري الغالي الملعون على لسان الصادقعليه السلام ، ولا يقبله أحد من علماء الرجال عندنا.

    2- أكثر من 600 رواية مكررة، ذكرها لتعدد الطرق أو تعدد المصدر.

    3- وبعد إسقاط روايات السياري والمكررة فلا يبقى إلا حدود 08 رواية هي عبارة عن روايات اختلاف القراءات أكثرها أخذت من مجمع البيان. والطبرسي في المجمع يروي عن رجال أهل السنّة مثل الكسائي وابن مسعود والجحدري والسلمي والضحاك وقتادة وابن عمر وابن حجار ومجاهد وعكرمة وعائشة وابن الزبير وحمزة وابن يعمر الشعبي وغيرهم.

    مع أن الكثير من هذه الروايات ناظر إلى التفسير وشأن نزول الايات، وقد اختلط التفسير بمتن الايات فيها بسبب عدم استعمال العلامات المميزة للمتن عن التفسير كما هو المتعارف اليوم.


    × تصريحات العلماء

    صرح علماء الشيعة عبر القرون بسلامة القران من التحريف ومع ذلك فإن البعض ممن ينسب إلى الشيعة تهمة القول بالتحريف يهمل هذه التصريحات عمداً ويتمسك بما ذكره بعض المحدثين لأغراض خبيثة أو يحمل تلك التصريحات على التقية لاتمام بهتانه. وهذه نماذج ممن صرّح بسلامة القران من الشيعة:

    1- الشيخ الصدوق (ت 183ه) في كتاب الاعتقادات 93 92.

    2- الشيخ المفيد (ت 314ه) في كتابه أوائل المقالات 56 55.


    48
    3- السيد المرتضى (ت 634ه) في جواب المسائل الطرابلسيات حكاه عنه الطبرسي في مجمع البيان 1/51

    4- الشيخ الطوسي (ت 164ه) في التبيان 1/3.

    5- الشيخ الطبرسي (ت 845ه) في مجمع البيان 1/51.

    6- الشيخ الحر العاملي (ت 4011ه) له رسالة في إثبات عدم التحريف نقل منها رحمة اللّه الهندي في إظهار الحق 129.


    × وفي هذا القرن:

    السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة 1/64.

    عبد الحسين شرف الدين في أجوبة مسائل جار اللّه والفصول المهمة 166 165.

    السيد البروجردي نقله عنه الشيخ لطف اللّه الصافي في كتاب مع الخطيب في خطوطه العريضة 49.

    السيد محسن الحكيم نقل نص عبارته السيد مرتضى الرضوي في كتابه البرهان على عدم تحريف القران 252.

    السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان 107 104/12، وكتاب القران في الإسلام 071.

    الإمام السيد الخميني في كتاب تهذيب الأصول 2/561.

    السيد أبو القاسم الخوئي في كتاب البيان في تفسير القران 952.

    وغيرهم كثير.

    بل هناك ما يشير إن أن روايات التحريف لم تكن معروفة عند الشيعة في القرن الثالث الهجري فهذا.. الفضل بن شاذان )المتوفي سنة 062) والذي كان من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام يطعن في كتابه الايضاح على أهل السنّة روايتهم لروايات التحريف، وهذا يكشف عن أن ذلك لم يكن معروفاً حتى عند المحدثين من الشيعة ذلك الوقت وإلا لما صح أن يطعن عليهم بذلك.

    ونختم بما ورد في رسالة الإمام الهادي عليه السلام في الرد على أهل الجبر والتفويض أنه


    49
    قال: " .. وقد اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم أن القران حق لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرّون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون... " 12.

  • #2
    أسباب النزول
    نزل القران الكريم على رسول اللّه صلى الله عليه وآله في الفترة الممتدة من البعثة الشريفة إلى وفاته، وكانت الايات التي تنزل في المناسبات والأحوال المختلفة تتعرض لمختلف الأغراض الرسالية، فتارة تنزل الايات أو السور لتبيّن حكماً وتحدد موقفاً يتطلبه الواقع المعاش، وأخرى تجيب على سؤال يرفع إلى الرسول صلى الله عليه وآله وثالثة تعالج مشكلة حاصلة، وقد ينزل من القران ابتداءً ما يبيّن الأحكام والمعارف الإسلامية ويقص القصص ويضرب الأمثلة الأمر الذي يدخل في الأغراض العامة للرسالة.

    v القرائن الحاليّة

    من المعروف عند أهل العربية أن المتكلم قد يعتمد في مقام التكلّم والتخاطب على قرائن توضح مراده وتشكل جزءاً مهماً من أدوات الخطاب، هذه القرائن لا يمكن إهمالها في مجال تفسير الكلام. وهي على نوعين:

    1- قرائن مقاليّة: من نفس اللفظ.

    2- قرائن حالية، كالإشارات والحركات وحال المخاطب والواقع الحاصل والظرف المحيط بالمتكلم أو المخاطب.

    فإن المتكلم عندما يورد جملة استفهامية مصدرة بهمزة الاستفهام مثلاً، قد يكون غرضه الاستفهام الحقيقي وقد يكون غرضه التقرير وقد يكون غرضه غير ذلك من الانكار والتعجب وأمثالها. ولا يمكن التمييز بين الأغراض المختلفة هذه إلا من خلال القرائن الحالية غالباً والمقالية أحياناً.

    والمناسبات التي كانت تنزل فيها الايات تشكل قرائن حالية تحيط بالنص وتلقي ضوءاً

    51
    على المراد منه، وهو أمر يجعل لأسباب النزول أهميّة خاصة في فهم الايات. حيث أن معرفة الزمان والمكان وسائر الظروف المحيطة بالنص لها أثر في إماطة اللثام عن مكنونات المراد. وهذا أمر لا يقتصر في نطاق فهم القران الكريم وإنما هي قاعدة تجري في كل تخاطب، كالحديث النبوي وكلام المعصومين أيضاً، ومن هنا كان بالإمكان أن يقال إن دراسة السيرة النبوية وخصوصيات المجتمع المكي والمدني وتفاصيل الأحداث التي عاصرت النص لها مدخلية كبيرة في فهم النص. ولا نعني بذلك أن نكتفي بقراءة التاريخ أو السيرة ونفسر القران على ضوء ذلك، فإن دراسة السيرة يعني التدقيق فيها والوصول إلى الحقائق التاريخية وما هو الصحيح من سيرته صلى الله عليه وآله .

    ولعل أسباب النزول هي حلقات ومحطات من تلك السيرة والوقائع التاريخية، لا بد من معرفتها بدقة بعيداً عن الخلفيات المسبقة.


    v الدّس في أسباب النزول

    لقد تعرضت مناسبات النزول كما تعرض التاريخ ككل للدّس والتشويه، وذلك لأغراض عديدة، منها ما كان لأغراض سياسية تهدف إلى تزييف الواقع لصالح الحكام، ولا شك أن نزول اية في شخص معين يعني الشي‏ء الكثير في هذا المجال.

    ومن تلك الأغراض ما يرتبط بتحريف معاني القران لتتناسب مع الأهواء والمذاهب. وهذا يجعل من دراسة أسباب النزول مهمة شاقة، تحتاج إلى تحقيق وتدقيق في سند الروايات، الناقلة لأسباب النزول، ولا بد من تطابق ما ورد في أسباب النزول مع العقيدة الثابتة، ومع سلسلة الحوادث والسير التاريخي حتى تبدو منسجمة تماماً مع بقية المقاطع.

    وعليه نحتاج إلى تطبيق قواعد نقد النصوص الروائية.

    فأحياناً يُدعى نزول اية في شخص، وبعد التدقيق يتبين أن نزول الاية حصل في زمان تأخر عن ذلك الشخص، أو يروي سبب النزول من لم يكن موجوداً حين نزول الايات كما يحصل مثلاً فيما يروى عن ابن عمر أو ابن عباس أو عائشة في مناسبات النزول في السور المكية الأولى، ليس على نحو الرواية عن الغير والحكاية عنهم بل على نحو الحضور والمشاركة في الحديث.


    52
    كما أن سياق الكثير مما روي في أسباب النزول يظهر منه أن الراوي لا ينقل المناسب رواية ومشافهة وإنما ينقل قصة تاريخية ثم يطبق الايات عليها ويربطها بها ربطاً، وهذا إن كان يعد حكاية لأسباب النزول فهو مجرد اجتهاد من الراوي.

    وعدد كبير من أسباب النزول التي تروى متناقضة فيما بينها، وأحياناً قد تروى عن راوٍ واحد أسباب نزول في اية واحدة متناقضة أو لا يمكن الجمع بينها.

    ولقد ساهمت قضية المنع في كتابة الحديث في عصر الخلافة الأول في خلط الأوراق وتضييع الحقائق، وفتحت الباب واسعاً أمام النقل بالمعنى الذي قد يفقد الحديث الكثير من الدقة والخصوصيات، ومهدت الطريق لمن يريد الدس والتلاعب والكذب، وخاصة أولئك المتربصون بالإسلام الدوائر من أهل الكتاب، وما كان هذا الكم الهائل من الإسرائيليات في الحديث إلا نتيجة لهذه المأساة، ولقد نال أسباب النزول قسطاً وافراً من تلك المدسوسات والإسرائيليات.

    هذه الأمور دعت الكثير من محققينا إلى التقليل من أهمية أسباب النزول بل إسقاطها عن الاعتبار.


    v المنهج اللازم إتباعه في تقييم أسباب النزول

    مما تقدم يتبين أنه لا بد من اتباع المنهج التالي قبل الأخذ بأي نص متضمن لسبب نزول اية قرانية:

    أولاً: إن القران الكريم هو الأصل الذي ينبغي عرض الأحاديث عليه لتمييز الموافق من المخالف وعلى أساسه نقبل الحديث أو نرفضه.

    ثانياً: إن أسباب النزول هي روايات تحكي لنا شأن النزول الذي يساعد على فهم القران وتحديد المراد في اياته.وعليه فلا بد من عرض الأخبار المتضمنة لأسباب النزول أيضاً على القران قبل كل شي‏ء وإسقاط ما كان منها مخالفاً للقران.

    والمخالفة هنا لا بد أن تكون لما هو بيّن واضح ومعروف الدلالة. فلا يرد إشكال الدور الذي قد يدعى.


    53
    ثالثاً: يجري التحقيق في أسانيدها لإثبات صحتها وعدم نقلها عن الوضاعين والضعفاء وإلا فيجري فيها أحكام التعارض.

    رابعاً: التأكد من عدم معارضة ما ورد في سبب النزول مع العقيدة الثابتة والصحيحة.

    خامساً: التأكد من صحة المضمون تاريخياً وإمكانه، وذلك بتوافقه مع المسار التاريخي للأحداث، ومع زمان نزول الاية.

    سادساً: التأكد من عدم معارضة رواية سبب النزول مع غيرها من الروايات.

    فما يسلم عندنا من روايات أسباب النزول نستفيد منه في تفسير الايات، لكن اجراء هذه الموازين لن يسلم عندنا منها إلا القليل، ولأجل هذا لم يعلق عليها السيد الطباطبائي رضوان الله عليه الكثير من الأهمية واعتبر أن المعارف القرانية العالمية الدائمة لا تحتاج أبداً إلى أسباب النزول 1.

    بينما يخالفه في ذلك الواحدي فيعتبر أنه يمتنع معرفة تفسير الاية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها 2. واعتبر غيره أن معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القران 3.

    والحقيقة أن الثروة التفسيرية التي وصلتنا عن أهل بيت العصمة والطهارة أعانت كثيراً المفسر الشيعي، في حين أن المفسر السنّي حرم منها، فلم يعد أمامه بدّ من التشبث بأسباب النزول ونحن لا ننكر العلاقة الوثيقة بين التفسير وأسباب النزول، إلاّ أن ما يروى فيه من نصوص اعتمادها المفسرون الكثير منها ساقط إما سنداً أو لمخالفته للقران والعقائد الثابتة، هذاورغم أنهم ينصّون في بداية الأمر على ضرورة ملاحظة الصحيح من أسباب النزول لكنهم بعد ذلك يخلطون الغث بالسمين ويتشبثون بالسقيم خاصة عندما يكون المورد فيه إثبات فضيلة ومكرمة لأحد من الحكام أو المحسوبين عليهم.


    54
    v المورد لا يخصص الوارد

    ومهما يكن فإن أسباب النزول ليست في حقيقتها وواقعها سوى مناسبات استدعت نزول الاية في وقتٍ ما و ظرفٍ خاص وفي الغالب فإن الايات النازلة في مناسبات خاصة كانت تؤسس لقاعدة عامة أو لحكم كلّي أو يبيّن حقيقة علمية، وهذا يعني أن النازل من القران في تلك المناسبات لا يختص بذلك المورد أو تلك المناسبة، وعليه فإن شأن النزول لا يلعب دوراًفي تخصيص ما نزل عاماً وتقييد ما نزل مطلقاً.

    فالقران الكريم وإن نزل في زمان محدّد لكن الخطاب القراني لا يختص بجيل النزول، وهو يخاطب البشرية عامة والأجيال كلها.

    فاية الظهار مثلاً نزلت بمناسبة مظاهرة أوس بن الصامت لزوجته خولة بنت ثعلبة كما في رواية أو في غيرهما كما في رواية أخرى إلاّ أن حكم الظهار الذي تضمنته الاية لا يختص بهما ولكنه يجري في كل حالة مشابهة إلى يوم القيامة.

    ومثلها اية السرقة والزنا والقذف والحجاب واللعان.

    وفي رواية عن الباقر عليه السلام أنه قال: " إن القران حي لا يموت، وإن الاية حية لا تموت فلو كانت الاية إذا نزلت في الأقوام ماتوا ماتت الاية لمات القران ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين " 4.

    وروي عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السلام :" إن القران حي لم يمت وإنه يجري التأكّد من الرواية الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، ويجري على اخرنا كما يجري على أولنا " 5.

    وقد اشتهر بين الفقهاء قولهم أن المورد لا يخصص الوارد، وهم يريدون بذلك المعنى المتقدم ذكره.


    v التطبيق والجري

    كثيراً ما يوردون الايات القرانية بعد ذكر الحوادث التاريخية لانطباقها عليها، دون


    55
    دعوى نزولها في شأنها. فيأتي من لا دقة له في النقل فيتخيل نزولها في تلك الواقعة فينقل ذلك.

    وأحياناً يرد التطبيق على لسان الرسول صلى الله عليه وآله نفسه أو على لسان بعض الأئمة عليهم السلام، وهذا ينسجم تماماً مع ما قدّمنا من كون الاية تبقى على عمومها وإن نزلت في مناسبة خاصة، وهي تقبل الانطباق على كل مورد يتناوله عمومها وإن حصلا في زمان متأخر عن زمان نزول الاية.

    بل ربما ورد تفسير اية لفظ عام بمصداق معين أو واقع خارجي خاص، وهو أيضاً كثير، ومع ذلك فهو لا يعني مطلقاً تخصيص الاية والغاء عمومها، وإنما هو من باب التطبيق والجري. وإلى هذا الأمر يشير باستمرار العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان، وهو من التفسير بذكر المصداق الخارجي أو الإشارة إلى أحد الموارد وأنها مقصودة في الاية، لا أنها تمام المقصود.

    النتيجة: نظراً لفقدان أكثر ما يروى في أسباب النزول للسند المعتبر أو غيره من شروط القبول فلا يمكن الاعتماد عليها، وبذلك تقل أهمية دراسة أسباب النزول.
    ومع ذلك فهي لا تخصص العام ولا تقيد المطلق، فتسميتها بمناسبات النزول أو شأن النزول أولى من تسميتها بالأسباب.

    وقد بالغ أهل السنّة بالاهتمام بأسباب النزول وأعطوها دوراً كبيراً في التفسير رغم اضطراب أسانيدها. بينما أثرى التراث التفسيري عند الشيعة ما ورد في المأثور عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام .


    v نماذج مدسوسة في أسباب النزول

    1- قوله تعالى: ï´؟مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِï´¾ 6.

    روى البخاري أنها نزلت في أبي طالب عندما حضرته الوفاة 7 وهو غير صحيح لكون


    56
    السورة مدنيّة إجماعاً. وتقدم نزول الاية عن السورة مما لا دليل عليه ولا يساعد عليه الاعتبار وهو مبني على مذهبهم من وفاة أبي طالب رضي الله عنه على الكفر وقد ثبت عندنا أنه مات على الإيمان.

    وقد روي عندهم رواية أخرى في أنها نزلت في استغفار الرسول صلى الله عليه وآله لوالدته 8.

    2- قوله تعالى: ï´؟وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ...ï´¾ 9.

    رووا في الصحيحين 10 أنها نزلت لما سأله اليهودي عن الروح، ويفترض أن يكون السؤال في المدنية لأنه هناك جاور اليهود وجرى له معهم الكثير من المناظرات، بينما السورة مكية بالإجماع، فالسؤال إذن ينبغي أن يكون من قبل المشركين في مكة، ولا مانع أن يكون بتوجيه من اليهود.

    3- قوله تعالى: ï´؟لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىï´¾ 11.

    رووا في سبب نزولها 12 أن جماعة من كبار الصحابة كانوا قد دعاهم رجل إلى طعام فأكلوا وشربوا فلما ثملوا وجاء وقت الصلاة قدّموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ: " أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد " فنزلت الاية. وقد ذكر بعضهم أن صاحب الدعوة هو عبد الرحمن بن عوف، وإن من بينهم علي عليه السلام ، وأن الذي تقدم للصلاة هو علي أو عبد الرحمن، وهو لا يصح حتى مع القول بأن القصة قبل تحريم الخمر، لأن علياً عليه السلام لم يعاقرها أبداً، ولأن مقتضى العصمة عدم إمكانية ذلك وعدم إمكانية خطأ القراءة عليه خاصة في مثل هذه المواضع التي لا يمكن أن تبرر بعدم تحريم الخمر، بالإضافة إلى أن النهي عن الخمر جاء في سورة الأعراف وهي مكية. فالقصة من وضع الكذابين زمن الأمويين لإرضاء أمرائهم الحاقدين على علي عليه السلام وقد فسر في روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام بأنه سكر النوم 13.

    تعليق


    • #3
      النسخ في القران
      v تعريف النسخ
      استعمل النسخ في اللّغة بمعنى الإزالة، فقالوا: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وفي الشريعة يطلق النسخ على رفع الحكم الشرعي الذي كان ثابتاً في الشريعة بحيث أنه لولا النسخ لاستمر بمقتضى دليله. فهو إذن رفع تشريع سابق بتشريع لاحق.

      ولتوضيح الأمر نقول:

      إن الأحكام الشرعية بعضها قد يشرّع بصورة مؤقتة أي له أمد ينتهي الحكم بانتهائه، وبعضها الاخر قد يشرّع دون أن يكون له أمد وإنما هو حكم مستمر وباقٍ.

      والقسم الأول تارة يبيّن أنه مؤقت في لسان دليله بحيث يُعلم أن هذا الحكم مؤقت منذ البداية. وأخرى لا يبيّن لنا في لسان دليله أنه مؤقت بحيث يكون ظاهر الدليل ولو من خلال إطلاقه أنه حكم ثابت ومستمر.

      هذا النوع الأخير من الأحكام هو موضوع بحثنا، فإنه عند انتهاء أمد الحكم يرد من قبل الشريعة بيان جديد لحكم جديد يلغي الأول وينسخه، فيسمى الأول حكماً منسوخاً والجديد ناسخاً.

      كما أن دليل الحكم الجديد ناسخ لدليل القديم لأنه مزيل له أو لتأثيره ومضمونه.

      يقول اللّه تعالى في محكم كتابه: ï´؟مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا...ï´¾ 1.

      ويقول تعالى: ï´؟وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَï´¾ 2، ومن المعلوم أن هاتين الايتين تثبتان إمكانية النسخ.

      59
      وعليه: فإن ارتفاع الحكم أو التشريع المؤقت صراحة في لسان الدليل عند انتهاء أمده لا يطلق عليه اسم النسخ. كما أن ارتفاع الحكم الأولي عند مصادفة الحرج والاضطرار الذي هو موضوع لحكم ثانوي لا يطلق عليه اسم النسخ أيضاً، كما في ارتفاع حرمة أكل الميتة عند اضطرار الإنسان له أو الصلاة من جلوس أو بالإيماء عند عدم القدرة على الصلاة الاختيارية، وأمثال ذلك.


      v حكمة النسخ

      في القوانين البشرية الوضعية كثيراً ما تصدر المراسيم والمقررات فتغيّر الدستور السابق الثابت أو القانون، وعادة يكون الداعي إلى ذلك أحد أمور:

      1- إما اكتشاف عدم صلاحية القانون أو الدستور السابق ووجود ثغرات فيه تحتاج إلى علاج جديد.

      2- أو تتغيّر وجوه المصلحة والمفسدة نتيجة تجدد بعض الظروف أو الأوضاع التي تجعل القانون السابق لا يلائم المستجدات، مما يلزم تغيير القانون بما يتناسب مع الوضع الحالي، ومع ذلك فإن واضعي القانون السابق لم يكن في علمهم أن المستجدات ستحصل لتعالج منذ البداية في القانون السابق.

      والأمر الأول لا يتصور مطلقاً في النسخ الشرعي لأنه تعالى منزه عن الجهل وعن العبث، بل هو لا يضع شرعة ولا حكماً إلا حسب مقتضى المصالح التي هو أعلم بها، ولا تخفى عليه خافية.

      وأما الأمر الثاني فإن اللّه تعالى عالم بالأشياء قبل حدوثها فهو حسب الفرض عالم بالمتغيرات والمستجدات، فكان المفروض أن تؤخذ بنظر الاعتبار عند التشريع منذ البدء.

      هذان الأمران دفعا بعض المشككين إلى انكار إمكانية النسخ.

      ولكنّ الاشكال يرتفع إذا أدركنا أن المصلحة المقصودة في مِلاك الحكم أحياناً لا تكون قائمة في نفس الفعل، بمعنى أن الغاية والحكمة من الأمر والنهي قد تكون لمجرد الامتحان والاختبار وهذا النوع من الأحكام لا مانع من وضعه ورفعه في أي وقت يترتب على الأمر مصلحة الامتحان والاختبار، بل أحياناً تكون مصلحة الامتحان أقوى من


      60
      المفسدة المترتبة على الفعل أو أقوى من مصلحة فعل اخر يزاحمه فيترك لصالح هذا الحكم.

      وأحياناً تكون المصلحة في نفس الفعل والمفسدة كذلك، إلاّ أنه يمكن أن تتغير بحسب اختلاف الأزمان، فيكون هناك زمان ذا مصلحة تنتفي في زمان اخر، وإذا كان التغير مجهولاً عند البشر فهو معلوم عند اللّه تعالى بلا شك، ومع ذلك لا يلزم أن يكون التشريع منذ البداية مراعياً للتغيرات، إذا كان في قصد المشرّع أن ينسخ الحكم عند تبدل المصلحة وتغيّر الأحوال.

      وهناك أمور أخرى قد تكون أحياناً لها مدخلية بتحقق المصلحة والمفسدة، كالتدرج في التشريع الذي له مصلحة خاصة تكون أحياناً أهم من المفسدة الحاصلة بترك الواقع.

      ومثال الأول: القبلة.

      يقول تعالى: ï´؟وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌï´¾ 3

      ومنه يظهر أن القبلة الأولى لم تكن إلا للامتحان.

      ومثلها أيضاً اية النجوى. يقول تعالى: ï´؟إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةًï´¾ 4.

      فقد ورد أنه صلى الله عليه وآله بعد نزول الاية فرض على كل مسلم صدقة درهماً واحداً عند كل مسألة فرضاً على الأغنياء دون الفقراء، وقال المفسرون لم يعمل بهذه الاية إلا علي عليه السلام رغم أنه كان من الفقراء.

      ثم نسخت الاية بعد تحقق الاختبار المطلوب بالاية اللاحقة.

      ومثال الثاني: عدد المقاتلين.

      قال تعالى: ï´؟يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ...ï´¾ 5.


      61
      ثم قال: ï´؟الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ ï´¾ 6.

      قال الإمام الصادق عليه السلام : " فنسخ الرجلان العشرة " 7.

      ومثال الأحكام المؤقتة منذ البداية قوله تعالى: ï´؟ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ï´¾ 8.

      فقد جعل اللّه لهن السبيل في اية الجلد وفي حكم الرجم وهذا مبني على أن المراد من الفاحشة الزنا، وإلا فلو كان المراد الأعم منه ومما يقبح ويفحش فالحكم الأول باقٍ والثاني مجرد تخصيص له.

      وأمثلة الأحكام التي فرضت لأغراض تأديبية وفي سياق المعاقبة كثيرة منها:

      قوله تعالى: ï´؟ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ ï´¾ 9.

      ï´؟ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا ï´¾
      10.

      إلى هنا تبيّن معنا إمكانية النسخ وعدم منافاته لحكمة المشرّع وعلمه المطلق. وتبيّن معنا أيضاً أنه قد تقتضي الحكمة إخفاء التوقيت وإطلاق لسان الدليل، لينسخ الحكم عندما يتحقق المقتضي لذلك.


      v الفرق بين النسخ والتخصيص

      الأحكام الشرعية يمكن أن تُبيَّن في بداية الأمر بلفظ عام في دليل، ثم يرد في دليل اخر تخصيص لتلك الأحكام. كما إذا ورد دليل يقول: أطعم الفقراء أو أطعم كل فقير، ثم جاء دليل اخر يقول لا تطعم الفساق من الفقراء، وحكمة التدريج في التشريع أو في بيان الأحكام هي التي قد تقتضي تأجيل البيان إلى وقت الحاجة.


      62
      وربما كان الدليل الأول في مقام بيان أصل التشريع دون تفصيلاته، بينما يترك أمر التفاصيل إلى أدلة لاحقة في السنّة النبوية الشريفة.


      والنتيجة:

      إن التخصيص هو إخراج جزء من الموضوع أو بعض أفراد موضوع الحكم العام، وأما النسخ فهو إلغاء الحكم الذي كان ثابتاً في زمانٍ سابق إلغاؤه في الزمان اللاحق.


      v وقوع النسخ في القرآن

      هناك ايات كثيرة جداً ادعي أنها منسوخة بايات أخرى، لكن التدقيق فيها يكشف عن عدم دخولها تحت النسخ الاصطلاحي، إما باعتبار اختلاف الموضوع أو باعتبار الانسجام التام بينها وعدم التنافي، أو لكونها تدخل في باب التخصيص، أو لأن الحكم الأول مقيد بالزمان والأمد المحدود من البداية، أو لغير ذلك من الاعتبارات التي تخرجها من باب النسخ.

      وقد أورد السيد أبو القاسم الخوئي 6 3 اية من الايات التي ادعي أنها منسوخة وبعد البحث والتدقيق فيها خرج أغلبها من باب النسخ لأحد الاعتبارات المتقدمة 11.

      ومهما يكن فإن نسخ الاية لغيرها ينبغي أن يتوفر فيه أمور:

      1- وحدة الموضوع في الايتين.

      2- التنافي في الحكم ليكون أحدهما رافعاً للاخر.

      3- عدم كون الاية المنسوخة مقيدة بأمد خاص، أو مشروطة بظرف عين.

      أما نسخ القران بالسنّة النبوية الشريفة فهو ممكن شرط أن يرد الناسخ متواتراً قطعياً فالقران لا ينسخ بخبر الواحد، بل اللازم عند تعارض الخبر مع الكتاب أن يطرح ويسقط عن الاعتبار لأننا أُمرنا بعرض الأحاديث عليه، والأخذ بما وافقه واسقاط ما خالفه، فكيف يمكن نسخ الكتاب بخبر واحد، ولو تم ذلك لما بقي لنا من أحكام القران الكريم بشي‏ء.


      63
      والسنّة القطعية الناسخة للقران إن لم تكن نادرة فهي غير موجودة، لكن ذكرنا ذلك التزاماً بالإمكان العقلي وعدم المانع لو وجدت.


      v نسخ التلاوة

      ما تحدثنا عنه من النسخ كان يتناول نسخ الحكم الوارد في اية قرانية مع بقاء الاية واتصافها بالقرانية، وهو المقصود عادة من كلامهم.

      لكن ادُّعيَ أن ايات من القران نسخت تلاوتها أي أزيلت من القران فهي لا تتلى وربما بقي حكمها وربما لم يبق. وهذه الدعوى التزم بها أهل السنّة نتيجة روايات عديدة رويت من طرقهم تتحدث عن ايات من القران كانت تتلى ولكنهم لا يجدونها في القران وكان لا بد لهم أمام هذه الروايات من التزام أحد أمرين:

      الأول: سقوط تلك الروايات عن الاعتبار وإهمالها والحكم عليها بالكذب.

      الثاني: الالتزام بطرو النقص على القران وذهاب جزء منه انسجاماً مع مدلول تلك النصوص.

      وكلا الأمرين كان محرجاً لهم:

      فالأول: يقتضي التنازل عن اعتبار روايات وردت في كتب حكموا عليها بالصحة ونالت درجة كبيرة من القدسية عندهم حتى عدّوا لقراءتها من الفضل والاستحباب والبركة ما يأتي بعد القران مباشرة.

      والثاني: لا يمكن الالتزام به لأنه يخالف الضرورة التاريخية وتواتر القران الكريم وإجماع المسلمين على سلامته من التحريف.

      ولأجل التخلص من هذا المأزق ابتكروا مقولة " نسخ التلاوة" ، ومفادها أن هذه الايات كانت قراناً ولكن اللّه سبحانه وتعالى نسخها فخرجت بذلك عن صفة القرانية مع بقاء حكمها.

      والحقيقة أنّ هذه الدعوى لا دليل عليها أصلاً، ولم يوردوا ما يدل على ذلك إلاّ تلك الروايات التي مؤدّاها التحريف المرفوض.

      ولأجل ذلك رفض أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام نسخ التلاوة رفضاً باتاً ورفضوا


      64
      الروايات الدالة على سقوط شي‏ء من ايات القران وعدوها من روايات التحريف المرفوضة كما تقدم الإشارة إليه، هذا بقطع النظر عن رواتها وناقليها.

      والعجيب عدم الالتفات إلى أن ما يدعى أنه كان من القران ونسخت تلاوته يحمل معه دليل سقوطه وكذبه نظراً لعدم توفر النظم القراني والبلاغة القرانية في شي‏ء منه.

      يتبع

      تعليق


      • #4
        الإعجاز القراني
        الاعجاز في المصطلح الذي نبحث هنا عنه هو أن يأتي المدّعي لمنصب من المناصب الإلهية (كالنبوّة) بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره من البشر كشاهد ودليل على صدقه.

        وعليه فعناصر المعجزة هي:

        1- عجز البشر عن الاتيان بمثلها.

        2- أنها خرق لقوانين الطبيعة العروفة.

        3- عدم استحالتها عقلاً.

        4- أن تكون في سياق اثبات صدق مدعي النبوة أو غيرها من المناصب الإلهية.

        ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المعجزة لا تلغي قانون العلية ولا تخرج عنه، وإنما هي تستند إلى علة غير العلل المعروفة والطبيعية عند البشر.ولو كانت إلغاءً لقانون العلية لاستحالت عقلاً، وعندئذ يسقط عنصر مهم من عناصر المعجزة.فولادة إنسان من غير أب لا يستحيل عقلاً، لأنه خالق الإنسان الذي أوجده وخلقه من طين إبتداءً بإمكانه خلقه من غير أب بالأولوية، لكن المعتاد في الأسباب والقوانين الطبيعية أن يولد الإنسان من أبوين، فإذا ولد عيسى من غير أب كان خرقاً لنواميس الطبيعة المتعارفة والمعتادة، لكن علة الخلق وأسبابه محفوظة بتمامها.

        وهكذا كلامه في المهد واحياؤه الموتى وأمثال ذلك.

        75
        v الهدف من المعاجز

        قد ينحصر الطرق أمام بعض الناس في اثبات صدق مدّعي النبوة بالإتيان بالمعجز، لكن البعض الاخر من الناس قد يتمكن من معرفة صدق النبي والركون إليه والاطمئنان إلى صحة دعواه دون حاجة إلى معجز.

        فلم يكن أمير المؤمنين عليه السلام بحاجة إلى معجزة الرسول صلى الله عليه وآله من أجل الإيمان به وتصديقه بل الثابت أنه امن وصدّق وتيقن دون انتظار، وكذلك كان إيمان وتصديق خديجة رضوان اللّه عليها.

        بل الكثير من النصوص والروايات تحكي لنا إيمان العديد من أهل الكتاب بمجرد عرض الإسلام ومعارفه السامية عليهم أو من خلال اطلاعهم على مبلغ علم النبي دون انتظار المعجزة، وأحياناً كانت سجايا النبي صلى الله عليه وآله وأخلاقه الرفيعة تشكل باباً لاختبار صدقه، لأن كل هذه الأمور من شأنها أن تقود إلى نوع من الاطمئنان والإيمان الواعي.

        وأحياناً أخرى كانت صفات النبي صلى الله عليه وآله المذكورة في الكتب السابقة باعث إيمان عند من اطلع عليها ولم يبتلى بالعصبية والعناد.

        ومع ذلك فإن المعجزة هي دليل قاطع على صدق النبي، والحجة الدامغة على من ينكر ويجحد. لكن كيف تكون المعجزة دالة على صدق النبي؟

        المفروض أن ما يأتي به النبي لاثبات صدقه يعجز عنه البشر (وهذه مقدمة وجدانية)، فلو كان ما جاء به بقدرة بشرية لما عجز غيره عن الإتيان بمثله (لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد)، فالنتيجة أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ليس بقدرة بشرية.

        هذا الدليل استثنائي يمكن صياغته بعبارة أدق:

        لو كان ما جاء به النبي بقدرة بشرية لما عجز عنه غيره، لكنهم عجزوا عنه، فهو ليس بقدرة بشرية إذن.

        لكن من أين حصل للنبي صلى الله عليه وآله هذه القدرة الخارقة؟

        النبي صلى الله عليه وآله حسب الفرض يدّعي اتصالاً بما وراء الطبيعة، بل بخالق الطبيعة ومدبّرها،


        76
        وأنه نبي مرسل من قبله برسالةٍ ليبلغها إلى الناس، فإذا كان صادقاً فاللازم أن يخصه المرسل بقدرة خاصة تثبت صدقه واتصاله الخاص به، وهي القدرة على الإتيان بالمعجز أو إجراء المعجز على يديه بعبارة أدق.

        هذا النحو من الاستدلال تشير إليه الاية الكريمة التالية:

        ï´؟أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَï´¾1.


        v تنوع معاجز الأنبياء

        روي أنّ ابن السكيت قال لأبي الحسن الرضا عليه السلام:
        لماذا بعث اللّه موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا والة السحر، وبعث عيسى بالة الطب وبعث محمداً صلى الله عليه وآله بالكلام والخطب؟!

        فقال أبو الحسن عليه السلام:" إن اللّه تعالى لما بعث موسى عليه السلام كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند اللّه تعالى بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم، وإن اللّه بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند اللّه تعالى بما لم يكن عندهم مثله وبما أحيى لهم الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن اللّه، وأثبت به الحجة عليهم. وإن اللّه تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وآله في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام والشعر فأتاهم من كتاب اللّه والموعظة والحكمة ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم" 2.

        أوضح هذا النص الحكمة من تنوع المعاجز من نبي لاخر ومن زمن لاخر، حيث أنه ينبغي أن تتوفر السنخية بين المعجزة والفن الذي يبرع به أهل الزمان، لأن أهل الفن هم الأقدر على تمييز المعجز من غيره والصحيح من الزيف، ويرجع إلى أهل الخبرة عادة في تشخيص الحالات المشكلة والصعبة، فالطبيب هو الأقدر على إدراك حالات الشفاء


        77
        الخارقة للعادة والتي لم تتم بالأصول والأسباب المعروفة عند علماء الطب، والساحر أقدر على كشف السحر وفضح أسراره وتمييزه عن المعجزة، ومن هنا كان أول من امن بموسى عليه السلام بعد المواجهة المعروفة هم السحرة أنفسهم الذين دخلوا في لعبة التحدي، وليس ذلك إلاّ لاطلاعهم على فنون السحر، فأدركوا أنّ ما جاء به موسى لم يكن سحراً فامنوا.

        وهذا هو السر في جعل القران الكريم معجزة رسولنا صلى الله عليه وآله ، فقد كان عصر نزول القران من أزهى العصور في صنعة الكلام، بل لم يكن لهم من الفنون ما برعوا به سواها، حتى ساروا يعرضونها في أنديتهم وأسواقهم إلى جانب بضائعهم بل بدلاً عنها. ويفتخرون بها ويتبارون فيها.


        v مذهب الصرفة

        حقيقة الإعجاز قائمة في كون المعجزة فوق قدرة البشر، وإعجاز القران الكريم من هذا القبيل، حيث أنه على مستوى البلاغة وغرابة النظم والأسلوب العجيب وما تضمنه من معارف عالية واخبارات غيبية تشكل في مجموعها معجزة، بل يمكن القول بأن القران الكريم في كل واحد من هذه الجوانب بلغ حد الاعجاز.

        ومع ذلك فقد ذهب جماعة من العامة منهم النظام ومن الخاصة السيد المرتضى رحمه اللّه إلى ما يسمى بمذهب الصرفة، فزعموا أن الاعجاز قائم في صرف الناس عن معارضة القران الكريم مع عدم استحالة الإتيان بمثله من قبلهم بحسب قدراتهم وإمكانياتهم الذاتية لولا الصرفة.

        والذي دعاهم إلى هذا القول أنهم توهموا أن العرب انذاك كان عندهم العلم بنظم القران والعلم بكيفية تأليف كلام يساويه أو يدانيه، والمعتاد أن من كان عنده هذان العلمان يتمكن من الإتيان بالمثل، ومع ذلك لم يقدروا على المعارضة والإتيان بالمثل رغم محاولتهم واحتياجهم إلى ذلك في مقارعتهم له، فلا بد أنه تعالى أزال عن قلوبهم تلك العلوم وأعجزهم عن المعارضة وصرفهم عن ذلك.

        لكن هذا التوهم غير صحيح لأننا لا نسلم أن العارف بوجوه البلاغة ونظم الكلام


        78
        يمكنه الإتيان بمثله، والبلاغة هي صياغة كلام مطابق لمقتضى الحال، وهو أمر يختلف باختلاف مقتضيات الأحوال. ومهما بلغت قدرات البشر فإنهم يتمكنون من تأليف كلام على نظم يتوافق مع ما يدركونه ويلاحظونه أو يهتمّون به من مقتضيات الأحوال.

        أما القران الكريم الذي حوى من المعارف ما لا يمكن أن يحويه كلام أحد، وخاطب البشر كل البشر بلسان واحد، فهو في انٍ واحد يراعي مقتضى حال العوام والخواص، البسطاء والبلغاء، الراسخين في العلم ومن لم يؤتوا إلا الحظ القليل، وضمن الكلام الواحد من المعارف والمعاني ما لا ينقضي ولا يحدّ. وهذا هو الاعجاز البلاغي الخاص بالقران.

        ثم إن الصرفة لو تحققت بعد البعثة لكان بالإمكان أن نجد بين القران وبين ما تقدم على البعثة من كلام البلغاء نوع تشابه وتقارب أو تماثل فتبطل به المعجزة لا مكان أن يجاب عنتحديه بأن العرب جاءت بمثله، وبه يسقط إعجازه، وهذا لم يحصل.

        ولو كان اعجاز القران بالصرفة لكان الأولى في الاعجاز أن يكون عن الإتيان بالركيك من الكلام لا البليغ ولا ذي النظم العجيب. فإن اعجاز الناس عن الإتيان بما هو سهل يسير في العادة أبلغ في الحجة من اعجازهم عن العالي العزيز.

        ومن الشواهد على بطلان مذهب الصرفة وكون الاعجاز في النظم القراني الخاص، ما نقل من قصة الوليد بن المغيرة عندما قرأ عليه الرسول صلى الله عليه وآله شيئاً من القران، قال لقومه: فواللّه ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ولا بأشعار الجن، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، وواللّه إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وأنه ليعلو وما يعلى، وأنه ليحطم ما تحته.

        فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فنزلت: ï´؟ ذرني ومن خلقت وحيداً... ï´¾ 3

        قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري 4


        79
        وهناك الكثير الكثير من الحالات لتي أسلم فيها أناس أو أقّروا بأنه ليس من كلام البشر بمجرد سماعه وهو ينافي مذهب الصرفة.

        بل يروى أن المشركين كانوا يطردون الناس عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله إذا رفع صوته بالقران، وكانوا يشوشون عليه بالصفير والصفيق لألاّ تسمع قراءته، لأن القران كان بنفسه ينادي بأنه كلام رب العالمين، وبلاغته وبيانه ونظمه ليست من النوع المألوف وما اعتادته أسماعهم وكل هذا يكشف عن كون الاعجاز في نفس القران الكريم لا في صرف الهمم عن معارضته.

        v آيات التحدّي

        1- الاية المتقدمة:ï´؟ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ï´¾ 5.

        2- قوله تعالى: ï´؟ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ï´¾ 6.

        3- قوله تعالى: ï´؟ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ï´¾ 7 .

        4- قوله تعالى: ï´؟ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ï´¾ 8.

        5- قوله تعالى: ï´؟ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ï´¾ 9.هذه الايات الخمس ترتيبها بحسب تسلسل النزول (طبقاً لمرويات السنّة في هذا المجال فليس عندنا فيه شي‏ء يذكر) الثانية ثم الرابعة ثم الأولى ثم الخامسة ثم الثالثة.


        80
        وهذا يعني أن التحدي يبدأ بتمام القران (النازل منه طبعا) ثم بسورة واحدة ثم بعشر سور ثم بجميعه ثم بسورة واحدة. (الإسراء، يونس، هود، الطور، البقرة).لكن القران لما كان اسم جنس ينطبق على بعضه حقيقة فالتحدي إذن تارة بمطلق القران الذي يقبل الانطباق على أي سورة أو أي جزء منه، وأخرى بعشر سور وثالثة بسورة واحدة. وليس هنا من تدرج في التحدي بناءً على تسلسل النزول المتقدم، وإن تحدث عنه الكثيرون. نعم إذا أسقطنا اعتبار ترتيب النزول وأخذنا الايات مجردة عن زمان نزولها فهناك مراتب للتحدي يمكن أن توصف بأنها نحو من أنحاء التدرّج.

        ومهما يكن فإن التاريخ لم يحدثنا عن أية معارضة للقران أدت إلى التشويش على عظمة القران وإلى ايجاد شبهة أمام إعجازه وتحدّيه.

        نعم هناك ما يسمى تسامحاً معارضات، لكنها مثار السخرية وتدل على سذاجة أصحابها نقل منها شي‏ء عن مسيلمة الكذاب وأبي الطيب المتنبي وأحد المسيحيين في رسالة حسن الايجاز وهي لا تستحق الوقوف عندها وإطالة الكلام بذكرها وتضييع الوقت بنقلها 10.


        v أبعاد الاعجاز القراني

        دراسة أبعاد الاعجاز القراني تحتاج إلى ملاحظة أمور:

        1- إن القران جاء ليخاطب البشر جميعاً بل الجن أيضاً، فلا يختص بأمة دون أمة ولا جماعة دون جماعة.
        ï´؟ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ï´¾ 11.

        2- من حيث البعد الزماني يخاطب كل الأزمان منذ البعثة وحتى قيام الساعة.
        ï´؟ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ï´¾ 12.

        3- ومن حيث البعد الموضوعي هو شامل لكل شي‏ء.
        ï´؟ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ï´¾ 13. ï´؟ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ï´¾ 14.


        81
        4- النبي المرسل الذي جاء به لم يتعلم عند أحد ولم يتلق معرفة من أحد من البشر بل كان أمياً لا يقرأ.
        ï´؟ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ï´¾ 15.
        ï´؟ وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ï´¾ 16.

        فبعد ملاحظة الأمور الأربعة نجد أن القران الكريم جاء به من لم يتلق العلم من أحدٍ من البشر، وعلى هذا المستوى الذي أعجز أهل البيان والبلاغة، وبلاغته بلحاظ الأمور الثلاثة الأولى أكبر من أن توصف أو أن تقارن ببلاغة البشر.والاعجاز البلاغي لا يقاس بالنظم والفصاحة والمحسنات البديعية فقط دون ملاحظة المعاني التي يراد صياغة الكلام لبيانها وإيصالها إلى المخاطب، فإن جمال السبك وحسن النظم ينبغي أن يضاف إليه الانسجام التام مع المؤدى وكونه قادراً على إبلاغ المعنى وإيصاله.

        كما أن لدلالة الكلام على المعنى في مقام التفهم والتفهيم شروطاً:

        1- أن يكون اللفظ قادراً على تحمّل المعنى المطلوب.

        2- أن يكون المستوى الفكري والثقافي للمتكلم بحيث يستطيع أن يقصد تلك المعاني التي يتحملها اللفظ.

        3- أن يكون ذلك المعنى منسجماً أيضاً مع نوعية اختصاص المتكلم ومع مراميه وأهدافه.

        4- قدرة المخاطبين على استيعاب المقصود ولو على امتداد الزمن.

        فعلى الصعيد الأول: اعتمد القران اللغة العربية بما لها من خصائص ومميزات فهي أقدر اللغات على تحمل المعاني، وعلى الصعيد الثاني: الشخص العادي لا يمكنه أن يأتي بالمعاني التي يتضمنها القران بما فيها من معارف دقيقة وأسرار كونية ووصف ما لا يقدر البشر على الاطلاع عليه، وعلى الصعيد الثالث هناك انسجام تام بين القران


        82
        والهدف الذي أنزل من أجله، وعلى صعيد الأخير يلاحظ فيه أنه يناسب جميع المخاطبين، ويعطي كل مخاطب ما يناسبه.

        وبهذا يتجلى الاعجاز البياني فيه، الذي تمكن أن يؤدي المعارف المتنوعة والسّامية التي تناسب كل مستويات البشرية، والإشارات العلمية وأسرار الخليقة وأصول النظام الكوني، وفي الوقت نفسه يخاطب الجميع دون أن يكون ذلك مخلاً بإمكانية ايصال المطلوب إلى أهله، فهو يوصل لعوام الناس سهمهم من المعارف ويوصل إلى ذوي البصائر والعقول العلمية حصتهم.

        وهناك جوانب إعجازية أخرى تتمثل في الاختبارات الغيبية والكشف عن الجوانب الخفية من قصص الأنبياء والأمم السالفة، والإشارات العلمية، والحديث عن أسرار الكون بما لم يكن معروفاً عند علماء الطبيعة والفلك انذاك وغيرها من الوجوه. لكن أهمها هو الاعجاز البياني الذي قدمنا الحديث عنه وهو لعله يشمل كل هذه الجوانب لأنها داخلة في مفهوم البلاغة والأهداف القرانية.

        وفي ختام بحث الاعجاز أنقل عبارة الإمام الخميني قدس سره التي تتحدث عن وجه من وجوه الاعجاز في القران:

        " وإن القران الشريف قد جمع من لطائف التوحيد وحقائقه وسرائره ودقائقه ما تتحير فيه عقول أهل المعرفة، وهذا هو الاعجاز العظيم لهذه الصحيفة النورانية السماوية، لا أن حسن التركيب ولطف البيان وغاية الفصاحة ونهاية البلاغة وكيفية الدعوة والاخبار عن المغيبات وإحكام الأحكام واتقان التنظيم للعائلة وأمثالها فحسب، التي يكون كل واحد منها باستقلاله اعجازاً فوق الطاقة وخارقاً للعادة، بل يمكن أن يقال أن معروفية القران بالفصاحة واشتهار هذا الاعجاز من بين سائر المعجزات في الأفاق لأنه كان للأعراب في الصدر الأول هذ التخصص، وأدركوا هذه الجهة من الاعجاز فحسب، وأما الجهات الأخرى المهمة التي كانت فيه وكانت جهة اعجازهاأرفع، وأساس إدراكها أعلى فلم يدركها أعراب ذلك الزمان، والحال أن المتحدين منهم في أفق الفهم لا يدركون من هذه اللطيفة الإلهية سوى التركيبات اللفظية والمحسنات البديعية والبيانية، وأما المعترفون (ولعل الصحيح المتعرفون) لأسرار المعارف ودقائقها والخبراء


        83
        بلطائف التوحيد والتجريد فوجهة نظرهم في هذا الكتاب الإلهي وقبلة امالهم في هذا الوحي السماوي إنما هي معارفه وليس لهم توجه كثير إلى الجهات الأخرى.." _17


        تعليق

        يعمل...
        X