بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
( الترتيب والتنظيم في زيارة عاشوراء)
القرائن الدالّة على صحّة صدور الزيارة من الإمام عليه السّلام:
هناك قرائن توجب اطمئنان النفس بصحّة صدور الزيارة عن المعصوم عليه السّلام، وهي على قسمين: داخليّة، وخارجيّة.
أمّا القرائن الداخليّة: فيمكن إجمالها بما يلي:
1ــ الترتيب والتنظيم في الزيارة؛ إذ الابتداء بالصعود على مكان مرتفع، أو تحت السماء، ثمّ التكبير مائة مرّة، ثمّ الشروع في الزيارة، ثمّ السجدة، ثمّ صلاة الزيارة، ثمّ قراءة دعاء علقمة... لا يصدر عادة عن مثل هؤلاء الرواة الّذين نقلوا هذه الزيارة؛ لوضوح: أنّ الشروع بالتكبير لله سبحانه، والختم بالسجدة لـه تعالى، ثمّ الصلاة لـه، وبعدها الدعاء وطلب الحوائج منه جلّ ثناؤه، أمرٌ لا يَلتف إليه عامّةُ الناس.
2ــ العبارات والمضامين العالية المذكورة في الزيارة، والمشحونة بالحِكَم والدلائل؛ حيث تضمّنت التسليم على أبي عبد الله عليه السّلام، ثمّ التبرّي ممّن أسّس أساس الظلم والطغيان، ثمّ طلب الثأر والانتقام منهم، ثمّ طلب ما وعده الله عزّ وجلّ للصابرين من: أجرهم في عِظَم المصاب.
كما أنّها تحتوي ــ أيضاً ــ على أسس وأصول الدين الحنيف، من: التوحيد، والإخلاص بالتكبير، والسجدة لله تعالى، والعدل، والإقرار بالولاية.
3 ــ طلب الزائر فيها ــ مرّتين ــ الانتصار وأخذ الثأر في كنف الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف عند ظهوره، وهذا إخبار بقيام الحجّة عليه السّلام، وطلب الثأر، والانتقام من الظلمة والظالمين، مع أنّ صدورها في زمن الإمامين الباقر والصّادق عليهما السّلام، وذلك ممّا لا يخطر ببال راوٍ فقيه جليل، فضلاً عن الرواة الّذين ليس لهم حظّ من الفقاهة.
4ــ التبرّي أوّلاً، ثمّ التولّي بالتسليم ثانياً، مائة مرّة، فإنّ التكرار بهذا العدد الخاصّ وبهذه الكيفيّة في المضمون البليغ والتام لم يصدر ــ ولا يصدر ــ من غير الإمام عليه السّلام.
وأمّا القرائن الخارجيّة: فيمكن تلخيصها بما يلي:
1ــ الروايات الكثيرة المتواترة الواردة عنهم عليهم السّلام، والّتي تدلّ على: أنّ زيارة الإمام الحسين عليه السّلام من أفضل المستحبّات، وأحسن المثوبات، وهذه الروايات شاملة لمطلق الزيارة، وهذه الزيارة من مصاديقها، بل هي مصداق واضح لها، كما يتّضح ذلك بأدنى تدبّر وتأمّل في القرائن الداخليّة الّتي أسلفنا الكلام فيها.
2ــ مداومة ومواظبة العلماء والفقهاء العظام ــ قدّست أسرارهم ــ على قراءتها، والاهتمام بشأنها اهتماماً بالغاً، على مدى القرون المنصرمة، وهو دليل واضح على الاطمئنان بصدورها.
وعلى كلّ حال: فإنّ الفائدة المترتّبة على الاهتمام بالسند إن كانت لأجل إثبات المضامين الّتي اشتملت عليها الزيارة من: موالاة أهل البيتعليهم السّلام، والبراءة من أعدائهم، والدعاء على كلّ من أسّس الظلم والطغيان، فالأدلّة القطعيّة ــ من الكتاب المجيد والسنّة المتواترة ــ كافية لإثبات هذه المضامين ،ومعها لا حاجة إلى تجشّم البحث عن صحّة سند زيارة عاشوراء، وعدم صحّته.
وإن كان الاهتمام بالسند من أجل ترتّب الثواب على قراءة هذه الزيارة بألفاظها الخاصّة المرويّة، فقاعدة التسامح ــ الّتي مفادها على المشهور: ترتّب الثواب على العمل الّذي بلغ: أنّ فيه الثواب، وإن لم يكن وروده ثابتاً عن المعصوم عليه السّلام ــ تُثبت ذلك، بل حتّى لو قلنا: بعدم ثبوت هذه القاعدة، فلا مانع من قراءتها ــ أيضاً ــ برجاء المطلوبيّة.
زيارة عاشوراء من الأحاديث القدسيّة:
إنّ هذه الزيارة ــ بهذه الكيفيّة، وبهذا الإسناد ــ: إنّما هي من الله عزّ وجلّ، فهي من الأحاديث القدسيّة، الّتي رواها الأئمّة المعصومون عليهم السّلام عن الله عزّ وجلّ بواسطة جدّهم صلّى الله عليه وآله؛ حيث ورد
فيها:
((يا صفوان، وجدت هذه الزيارة مضمونة بهذا الضمان عن أبي، وأبي عن أبيه عليّ بن الحسين عليهما السّلام مضموناً بهذا الضمان عن الحسين، والحسين عن أخيه الحسن مضموناً بهذا الضمان، والحسن عن أبيه أمير المؤمنين مضموناً بهذا الضمان، وأمير المؤمنين عليه السّلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله مضموناً بهذا الضمان، ورسول الله صلّى الله عليه وآله عن جبرئيل عليه السّلام مضموناً بهذا الضمان، وجبرئيل عليه السّلام عن ربّه عزّ وجلّ مضموناً بهذا الضمان. قد آلى الله على نفسه عزّ وجلّ: أنّ من زار الحسين عليه السّلام بهذه الزيارة ــ من قرب أو بُعد ــ ودعا بهذا الدعاء، قبلت منه زيارته، وشفّعته في مسألته بالغاً ما بلغت، وأعطيته سؤله، ثمّ لا ينقلب عنّي خائباً، وأقلبه مسروراً، قريراً عينه بقضاء حاجته، والفوز بالجنّة، والعتق من النار، وشفّعته في كلّ من يشفع لـه، خلا ناصب لنا أهل البيت. آلى الله تعالى بذلك على نفسه، وأشهدنا بما شهدت به ملائكة ملكوته على ذلك.
ثمّ قال جبرئيل عليه السّلام: يا رسول الله، أرسلني إليك؛ سروراً وبشرى لك، وسروراً وبشرى لعليّ وفاطمة والحسن والحسين، وإلى الأئمّة من ولدك إلى يوم القيامة، فدام ــ يا محمّد ــ سرورك وسرور عليّ وفاطمة والحسن والحسين، والأئمّة عليهم السّلام وشيعتكم إلى يوم البعث...)).
الفرق بين الحديث القدسيّ وبين القرآن الكريم والحديث النبويّ
القُدسُ في اللغة هو: الطُّهر(1)، والطهارة(2). والحديث القدسيّ هو: المنسوب إلى الذات القدسيّة، أي: إلى الله سبحانه وتعالى، لا على وجه الإعجاز والتحدّي، لذا فلا يُسمّى القرآن الكريم حديثاً قُدسيّاً، رغم كونه كلاماً إلهيّاً.
(والفارق بينه وبين القرآن الكريم)
هو:أوّلاً: أنّ القرآن الكريم لفظه من الله سبحانه وتعالى، وأمّا الحديث القدسيّ فيجوز أن يكون لفظه من النّبيّ صلّى الله عليه وآله.
ثانياً: أنّ القرآن الكريم وقع به التحدّي، وحصل به الإعجاز، بخلاف الحديث القدسيّ؛ فلم يقع به شيء من ذلك.
ثالثاً: أنّ القرآن الكريم منقول كلّه بالتواتر، فهو قطعيّ الثبوت، فمن جحده يكون كافراً، وهذا بخلاف الحديث القدسيّ، فإنّ مَن جحده لا يحكم بكفره، ما لم يرجع إنكاره إلى تكذيب النبيّ صلّى الله عليه وآله.
رابعاً: أنّ القرآن الكريم هو: المتعبّد بتلاوته، بمعنى: أنّ الصّلاة لا تجزىء إلاّ بقراءة فاتحة الكتاب وسورة منه، بخلاف الأحاديث القدسيّة، فلا يجزىء قراءة شيء منها في الصّلاة.
خامساً: أنّ القرآن الكريم لا يمسّه إلاّ المطهّرون، بخلاف الأحاديث القدسيّة، فيجوز مسّها من المحدث إذا لم يكن فيها اسم الجلالة، أو النبي، أو أحد الأئمّة عليهم السّلام، وإلاّ فلا يجوز مسّها أيضاً... إلى غير ذلك من الفروق(3).
(وأمّا الفرق بين الحديث القدسيّ والحديث النبوي الشريف)
فيتّضح بما يلي:أوّلاً: أنّ الحديث القدسيّ هو: ما ينسبه النبي صلّى الله عليه وآله إلى ربّ العزّة والجلالة، بخلاف الحديث النبوي؛ إذ لا ينسبه صلّى الله عليه وآله إليه سبحانه وتعالى.
ثانياً: أنّ جلّ الأحاديث القدسيّة ــ بل كلّها ــ قوليّة، وأمّا الأحاديث النبويّة: ففيها ما كان بالقول، وبالفعل، وبالتقرير.
1-- الصّحاح
2- لسان العرب
3-- راجع: مستدركات